مكتب الغسق للطباعة والنشر
المقدمة
كثيرون مروا في طريق النضال الطويل،وسطروا صفحات
بيضاء في تاريخ الحزب والوطن،ومضات المسيرة حافلة
بمئات الأسماء التي تستحق أن يكون لها مكانها في
هذا السفر الطويل،فقد أفنوا زهرة شبابهم في دروب
النضال الوطني لا طمعا بمكسب أو جاه،ولا رجاء
لمنفعة أو ربح أو مديح،بل أيمان راسخ بسموا
المبادئ التي آمنوا بها وضحوا في سبيلها،فاستحقوا
الحمد والثناء على جميل ما أدوا وقدموا لشعبهم
وحزبهم المجيد،وحق لهم أن تخلد أسمائهم في استذكار
لمواقفهم،وإشارة لمحطات حياتهم الحافلة بالمآثر
والأمجاد.
والحلة بامتدادها الجغرافي زاخرة بالعديد من
الرجال الذين اعتلوا صهوات المجد،وناضلوا بثبات
وتضحية ونكران ذات،وتصدروا النضال الوطني
لعقود،وقادوا كفاح شعبهم دون أن ترهبهم سياط البغي
وزنزانات الطغاة،أو إرهاب السلطات الدكتاتورية
المتعاقبة،فكانوا مثالا يحتذي للأجيال
اللاحقة،يترسمون خطاهم،ويتابعون أثارهم،لإكمال
المسيرة،وبناء العراق،ولا زال الكثيرون منهم،رغم
تقدم السن،ومشاغل الحياة،والأمراض التي
تناهشتهم،يؤدون دورهم على أحسن ما يكون
الأداء،ويسهمون بشكل فاعل في التوجيه
والإرشاد،والمشاركة الدءوبة في الكثير من
الفعاليات والنشاطات النضالية،رغم تغير العهود
والأزمان.
لذلك رأيت من الواجب،والعرفان بالجميل،أن أتناول
في عجالة شذرات مضيئة وومضات لامعة،من هذا السفر
النضالي المجيد،وأذكر بعضا مما لا زال حيا في
ذاكرة من عاصرهم أو عمل معهم من رفاق الدرب،أسهاما
في كتابة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي،الذي يحتاج
إلى الكثير من التحقيق والتنقيب،بسبب الظروف
الشاذة التي عصفت بالعراق،وفقد خلالها الكثير من
الوثائق التي تؤرخ تلك الفترة،ورحيل الكثيرين ممن
أسهموا في تسطير التاريخ الشيوعي الناصع،وكان على
قيادة الحزب الاستفادة من الرعيل الأول وقدامى
المناضلين الذين واكبوا مسيرة الحزب وأسهموا في
النضال الوطني،لوضع أرشيف متكامل للأحداث العاصفة
ومراحل المسيرة الشيوعية،الا أنهم ولأسباب ذاتية
وموضوعية تجاهلوا هذا الجانب،فذهب الكثير مع ذهاب
هؤلاء،وأصبح من العسير الإلمام بالجوانب المضيئة
للسفر الشيوعي،ورغم أن الحزب الشيوعي شكل لجان عدة
من داخل اللجنة المركزية لجمع الوثائق وأعداد
مسودة تطرح للمناقشة من قبل الباحثين إلا أن
الموضوع تلكأ بسبب اعتماد الحزب على عناصر غير
مؤهلة أساسا للقيام بمثل هذا العمل الخطير رغم
توفر الظروف الميسرة لانجازه ،وتوفر الإمكانية
لإكماله بسبب الظروف السابقة المعروفة وما كان
للحزب من إمكانيات خارجية تجعل هذا الأمر على أسهل
ما يكون،وبسبب البيروقراطية التي عليها الرفاق
المكلفين بهذا الأمر فقد ذهبت تلك الجهود هباء
وفقدت آلاف الوثائق بعد انهيار الاتحاد السوفيتي
،والتي كانت محفوظة على ما قيل في مبنى مجلة
الوقت،وكذلك ما ذكر عدة مرات عن تشكيل لجنة لكتابي
سجل الشهداء ،حيث أخرجت اللجنة النائمة كتيبا
صغيرا جمعت فيه ما نشر عن بعض الشهداء مما كتبه
رفاق من خارج اللجنة،أما اللجنة المحترمة فلا تزال
نائمة تغط بالشخير رغم أن الرفيق جاسم هداد قد أخذ
على نفسه العهد بإنجاز هذه المهمة،ولكنه ذهب بسبات
عميق لن يفيق منه إلا في اليوم الموعود!!، وكان
الجهد المشكور للرفيق عزيز سباهي في كتابة تاريخ
الحزب الشيوعي ما يستحق الإشادة رغم ما أعتوره من
نقص لأسباب بعيدة عن عمل المؤلف الفاضل ،والتي
ظهرت ملاحظات عنها فيما كتبه الرفيق جاسم
الحلوائي،وقد تناول التاريخ العام للحزب فيما تيسر
له من وثائق دون الدخول في التفاصيل الثانوية التي
نحاول استجلائها فيما نكتب عن رفاق كانت لهم بصمات
واضحة في مسيرة الحزب،وفيما يكتبه بعض الرفاق من
ذكريات أو مذكرات عن دورهم في نضال الحزب ،فجاءت
ذكرياتهم ومذكراتهم إكمال للكمال فقد حوت الكثير
من التفاصيل عن دقائق المسيرة الشيوعية الظافرة
،وهذه قد تعين مستقبلا في استكمال التاريخ الشيوعي
بجزئياته المختلفة ومحطاته الكثير
والمفيد في هذه الكتابات أنها تسجل مراحل مهمة من
النضال الفردي الذي هو الأساس في النضال الجمعي
للحزب ،فلا قيادة بدون قواعد وكوادر تتحمل أعباء
العمل ،ويقع على عاتقها الجزء الأكبر من العمل
الميداني المشوب بالكثير من المشاكل والصعاب
والأخطار التي تحيط بالعمل السري وما يتطلب من
قدرات ومناورات وقابليات،وتستلهم منها الأجيال
القادمة أساليب النضال والكفاح،ويكون درسا مفيدا
للعاملين في الأوساط الجماهيرية،يستمدون منه
العبرة والفائدة،ويحفظ أسناء كانت لها أثارها
الواضحة في تاريخ الحزب،مما يشكل دفعا للآخرين
ليحذوا حذوهم،ويسيروا على هديهم،بالاستفادة من
تجاربهم وخبراتهم العملية في النضال،ويكونوا مثالا
للآتين في عظيم تضحيتهم وما أبدوا من ضروب البسالة
والأقدام .
ولا أدعي الإحاطة بكل ما يستحق التسجيل
والتنويه،ولكنها شذرات تتبعها صفحات أخرى لازالت
قيد الدرس والأعداد،قد تجد طريقها للنشر بعد أن
تستكمل مادتها،وتتوفر المعلومات الكاملة عنها.
ولا يسعني في الختام إلا إزجاء الشكر لجميع الرفاق
والأصدقاء الذين قدموا المساعدة في أعداد هذا
الكتاب،وزودوني بالمعلومات المهمة والنافعة التي
أعانتني في رسم الصورة الكاملة للشهداء والمضحين
ورجال العمل الشيوعي الأبطال،الذين قدموا دروسا
رائعة تستهدي بها الأجيال القادمة ليكونوا منارا
في طريقها النضالي الطويل.
28/3/2008
محطات من حياة المناضل معن جواد
كثيرون هم الذين شكلوا علامات بارزة في مسيرة
الحزب الشيوعي العراقي،والكثير منهم طواهم
النسيان،وتجاهلهم الرفاق،رغم أنهم علامات مضيئة في
تاريخ الحزب،وقدموا الكثير،وناضلوا في صفوفه عقود
من السنين،لم تثنيهم الصعاب ولم تعيقهم
المشاكل،وظلوا سائرين في ذات الدرب،رغم ما رافق
مسيرتهم من عثرات وكبوات ندر أن يخلوا منها مجتمع
أو فرد،لذلك أرى أن لهؤلاء حقهم عن تضحياتهم
وجهودهم،وأن يكونوا محل استذكار أو تقدير،رغم أن
الأعراف السائدة أن تسلط الأضواء على من أوتوا من
الحظ شيئا،وتنسموا مراكز قيادية،ويترك الآخرين
ليطويهم النسيان ويلفهم الصمت كما كان الحال في
حياتهم التي لم يروا فيها ساعة من ساعات الهناء بل
كانت نضال متواصل لا يعرف مرارته إلا من عانى وسار
في دروبه المليئة بالأشواك والعقبات.
ومن هؤلاء شيوعي بارز،كان له أثره في مسيرة الحزب
الشيوعي العراقي،وأدوار مؤثرة في الكثير من
المنعطفات التاريخية المهمة،وصورة مشرقة لا يمكن
نكرانها أو تجاوزها إلا لمن أصيب بمرض الجحود،فقد
عمل في صفوف الحزب في سن مبكرة،ونذر نفسه للعمل
الحزبي،وناء بأعباء المهام والواجبات التي كلف
بها،وظل حتى ساعاته الأخيرة وفيا لحزبه
وشعبه،مشاركا في النشاطات الجماهيرية والاجتماعية
رغم مرضه وتقدمه في السن،وما عومل به من إهمال شبه
متعمد،ولكنه ظل على نقائه وأيمانه بالمبادئ التي
ضحى من أجلها بأحلى سنوات عمره ،فلم يعرف فتوة أو
شبابا،وينصرف لما ينصرف إليه من هم في هذي السن،بل
سخر جهده ووقته لخدمة شعبه،وشارك في النضال وعمره
لا يزيد عن ألأربعة عشر عاما، وظل تحت خيمة الحزب
حتى كلل شعره البياض وجاوز السبعين.
أنه المناضل الذي يعرفه الكثيرون (معن جواد
العامري) أبو حاتم،شمس الفرات الأوسط،والناشط
المندفع عبر عقود،وما أكتبه هنا استخلصته من
مذكراته المطبوعة على الآلة الطابعة،وهي ما احتفظت
بها أسرته له،وما أعرفه أو سمعته من رفاق
آخرين،وتجنبت أيراد الأمور الجانبية التي لا تخدم
مسيرة الحزب في هذه الفترة،وما فيها من أمور قد
تثير الكثير من المواجع،أثرت أن أتركها،لأن الفقيد
العزيز لو ظل إلى هذه الأيام لما فعل أكثر مما
فعلت،لما جبل عليه من تضحية وإخلاص وتفان ونكران
ذات،وحرص على سلامة الحزب وبنائه.
ولد الفقيد كأغلب العراقيين في 1/7/1934 ،وقد يزيد
أو ينقص قليلا،فكان العراقيون في السابق لا يسجلون
أبنائهم في سجلات النفوس لأسباب عديدة ليس هنا
مجال ذكرها،فكانت الأعمار تقدر من قبل الأسرة
والموظف المختص،استنادا لبنيته،والعلامات الدالة
على حدوث حادث ما في سنة ولادته،فيقال فلان ولد في
"دكة عاكف" أو سنة التموين،أو معركة سن
الذبان،وهكذا يتم اختيار السنة لأن الأسر العراقية
لم تكن مهتمة بتسجيل ولاداتها أو العناية
بتاريخها،لكنه على كل حال ولد مع ولادة الحزب
الشيوعي العراقي،لذلك كان الاحتفال بعيد الميلاد
الميمون بمثابة احتفال بمولده،ولعل للأقدار أثرها
في هذا التوارد فقد كان الراحل من الأوفياء
النجباء لحزبهم وشعبهم،لقد ولد في أسرة فلاحيه،كان
والده يمتلك أرضا في قرية "البو مصطفى" ويعمل في
مهن مختلفة فهو القصاب والنجار،ويمتلك محالات توفي
باحتياجات القرية،وكان يعتبر ميسور الحال في تلك
الفترة قياسا إلى الآخرين،لذلك أهتم بتربية أبنائه
وإرسالهم إلى المدارس،حيث أنشأت مدرسة في القرية
بجهود مختارها،وكان يرعى الفقراء والمعوزين،فتكونت
له مكانة اجتماعية خاصة ،فكان يحضا باحترام
الناس،لما عرف عنه من التعامل الإنساني،وأثر بشكل
أو آخر في أبنه الذي أخذ بعض شمائله فكانت خير عون
له في محطات حياته المختلفة وهو ما سنشير إليه في
محله من هذه المقالات.
دخل المدرسة الابتدائية سنة 1941 وكان معلمي
القرية من الحلة والنجف والمسيب والهندية،وكان
أكثر المعلمين في تلك الفترة من حاملي الفكر
الوطني اليساري والديمقراطي،فكان تأثيرهم واضحا
على طلابهم بما يطرحون من آراء تتناسب ومستوى
تفكيرهم،فيها الكثير من الأيحاآت الداعية لحب
الوطن والشعب ،وما كانوا ينشدون من أناشيد وطنية
تذكي في نفوس الطلاب معاني الوطنية،وتلهمهم الكثير
مما ظهر تأثيره في الأجيال اللاحقة التي تربت على
أيدي هؤلاء، والتعليم في الصغر كالنقش في
الحجر،لذلك كان للأفكار أن ترسخ في نفوسهم،فقد
حدثت في تلك السنة حركة مايس،وما رافقها من تحركات
عسكرية جلبت أنظار الأطفال ودفعتهم للاستفسار
،فكان معلميهم يسترسلون في شرح ملابساتها،وكان
الاستعمار والوطن والتحرر،كلمات تتهادى على الشفاه
لتأخذ طريقها إلى عقول الطلاب،وأكمل دراسته ودخل
امتحان البكالوريا سنة 1947،فكان الأول في
المحاويل،فأنتقل إلى دار المعلمين الريفية في
المحاويل،وأكمل دراسته فيها.
كان الحزب نشطا في تلك الفترة وله مرتكزاته في
الأوساط الطلابية،فكان قطب الرحى في المظاهرات
والمسيرات والإضرابات،وفي أحدى الإضرابات تساءل
والده عن أسباب الإضراب،فقال له أحد الطلاب من
رفاق معن،نريد السيادة للشعب والحرية
والعدالة،فكانت هذه الكلمات تأخذ طريقها إلى
تفكيره،وقد فصل شقيقه الأكبر سنة 1948 بسبب نشاطه
الشيوعي ومشاركته في الوثبة المجيدة،فكان ينظر إلى
أخيه نظرة تحمل الكثير من الإعجاب ومحاولة السير
على خطاه،لذلك كانت له علاقاته الجانبية بالحزب
وأن لم ترقى إلى مستوى التنظيم لفارق العمر
والصفات المطلوبة في الشيوعي تلك الأيام،وبعد
أكماله الدراسة في الدار،انتقل إلى إعدادية الحلة
المركزية،فكان صدى المظاهرات والإضرابات
والمصادمات مع الشرطة تدفعه للمشاركة فيها،فأرتبط
بصلة مع أحد الطلبة الناشطين في الاتحاد،،وفي عام
1950 توطدت علاقته بابن قريته(وجيه عبد الله) الذي
كان يزوده ببيانات الحزب ومنشوراته،وكان في قرية
الصباغية صديقه مجيد الطعمة وهو على صلة
بالحزب،وفي القرية مجموعة من الرفاق الذين تأثروا
بشهيد الحزب(أحمد حسون)من أهالي المسيب،وقد أستشهد
في مجزرة سجن الكوت،ومن خلال هذه العلاقة نظمت له
صلة بالحزب.
وفي عام 1952 حدث انشقاق جماعة راية الشغيلة،فكان
معن ضد هذا الانشقاق،رغم عدم معرفته بدواعيه
وأسبابه،فكان مع زملائه الطلبة كثيرا ما اصطدموا
بأنصار راية الشغيلة،وتحدث بينهم بعض المشادات
التي تتحول إلى السب والشتم وليس الحوار
والنقاش،وعندما تخرج في العام الدراسي1952- 1953
قدم طلبا للتعين معلم مستخدم براتب
قدره(17)دينار،وعين في مدرسة البو مصطفى التي كان
طالبا فيها،فكان مضطرا للعمل في العطلة الصيفية في
أعمال مختلفة لانقطاع راتبه لكونه مستخدم وليس على
الملاك الدائم،وظل معلما في هذه المدرسة وسجل
طالبا في معهد المعلمين في الحلة،فكان يزاوج بين
الدراسة والتعليم،وبعد أكماله المعهد ثبت على
الملاك الدائم.
شارك في انتخابات عام 1954 إلى جانب قائمة الجبهة
الوطنية ومرشحها الشيخ عبد الكريم الماشطة،مما سبب
لهم مشاكل في القرية التي توالي نوري السعيد وصالح
جبر،مما أضطر عائلته لترك القرية والانتقال إلى
أراضيهم القريبة من المحاويل،وقد تطورت علاقته
بالحزب عند دراسته في معهد المعلمين،وأصبح صديقا
ثابتا للحزب،وانتقلت علاقته من مجيد الطعمة إلى
الرفيق عزيز عبد اللطيف،فكان يقوم بنقل البريد
الحزبي من الحلة إلى المحاويل رغم أنه لا يزال
صديقا للحزب،وقد ترشح للحزب عام 1955 ،والتقى به
أحد الرفاق وأبلغه بذلك،وكان الرفيق يرتدي زيا
ريفيا عرف فيما بعد أنه الراحل صالح ألرازقي،وأعطي
الاسم الحركي "مسرور"،فأزداد نشاطه في تلك
الفترة،وكان يقوم بنقل الرفاق على دراجته إلى
القرى والأرياف لمتابعة أمور التنظيم،وقد أطلق
سراح أبن عمته(حسن علوان) في تلك السنة،وكان
معتقلا في سجن بعقوبة،فأخبره ذات يوم بأن أحد
الرفاق سيزوره في منزله،وأعلمه بكلمة السر وأعطاه
أوصافه،وفعلا زاره الرفيق المذكور وقدم نفسه "أبو
عباس" وأبلغه بإقرار عضويته في الحزب،وقد عرف فيما
بعد أن أبو عباس هو الرفيق باقر إبراهيم الذي كان
وقتها عضو لجنة الفرات الأوسط،ومسئول محلية
بابل،وكان يزورهم في البيت ويحضا باحترام العائلة
وتقديرها،فكلفه إضافة لنقل البريد مسئولية
المحاويل،وكانت في وقتها تتكون من خلية في
المحاويل وأخرى في الصباغية وثالثة في قرية
الأمام،ورفاق في الريف،فقام بالمهمة خير قيام،وثمن
عمله من قبل المشرف الفقيد صالح ألرازقي الذي زار
الخلايا وأطلع على سير عملها،وفي عام 1956 شكلت
منظمة حزبية لقيادة المحمودية التي كانت تابعة
لبغداد أداريا وللواء الحلة حزبيا، والمسيب وسدة
الهندية والمحاويل ،تولى مسئوليتها الرفيق صاحب
الحميري وأشرف عليها تنظيميا الرفيق باقر
إبراهيم،وفي هذه السنة تمت وحدة الحزب بعودة
المنظمات المنشقة إليه،وصدرت جريدته المركزية
اتحاد الشعب،فجاء الرفيق الموسوي لزيارته ومعه
أعداد من الجريدة لتوزيعها على المنظمات،وكانوا
جالسين في المضيف فجاء أخوه الأكبر وأخبرهم أن
البيت مطوق،فطلب منه منعهم من الدخول إلا بعد جلب
المختار،فأخبره أنهم أحضروا معهم مختار
المحاويل،فطلب منه أخبارهم بأنه يرتبطون بمختار
البو مصطفى وليس مختار المحاويل،ولكن مختار
المحاويل قال لهم أن المسألة بسيطة فقد سرق منزل
مدير الناحية من قبل الحارس،ويخشون أن السارق أودع
المسروقات في قلعتهم بدون علمهم،عندها سمح لهم
بالدخول بعد أن وزع أعداد الجريدة على النساء
لإخفائها،ودثر الرفيق الموسوي بأيزار حتى لا
يروه،وفعلا قاموا بالتفتيش بشكل سريع وخرجوا دون
أن يعثروا على شيء،وقام بعدها بتوزيع الجريدة حسب
الأصول.
وبعد انعقاد الكونفرنس الثاني سنة 1956 الذي أوصى
بتنشيط العمل الديمقراطي،وبدء العمل في الجيش،فكان
أن تحرك الرفاق لبناء المنظمات الجماهيرية،فشكلت
جمعية الملاكين الأحرار،وقد تولى قيادتها الرفيق
المناضل خليف العبد علي شيخ عشيرة البو
طيف،والطالب في كلية الحقوق آنذاك،وبدء بتشكيل
الجمعيات الفلاحية ،فيما قام الرفيق أبو حاتم
بتشكيل فرق رياضية للشباب تولى مسئولية فريق
النجدة عبد الرزاق جاسم الخفاجي،وشكل فريق آخر
باسم الطليعة،ولكن الضغوط المتواصلة التي استعملت
من قبل الأمن على اللاعبين جعلت الكثيرين ينسحبون
منها بسبب الحشية من اجراآت الدولة التي أخذت
بتحذير أهالي اللاعبين من مغبة اشتراك أبناءهم في
هذه الفرق.
وفي سنة 1957 كبس بيت المطبعة،والقي القبض على
الرفاق باقر إبراهيم الموسوي عدنان عباس ومحمد
الحياوي وعبد الرزاق حياوي بوشاية أحد الرفاق الذي
أنهار أثناء التعذيب،ثم القي القبض على الراحل
صالح ألرازقي،والفقيد حسين سلطان الذي علم بالأمر
وحاول السفر إلى النجف فعرفه أحد رجال الأمن وهو
في باص المصلحة والقي القبض عليه،وقد أصيب والد
ألراحل معن بجلطة دماغية في ذلك اليوم لذلك عندما
جاءه الرفاق وأخبروه بما حدث وضرورة أبلاغ الرفاق
الآخرين بالحادث أضطر لترك والده وهو في هذه
الحالة والذهاب لإكمال المهمة،وفعلا أكملها بنجاح
،وأخبر الجميع حتى لا يقعوا في الكمين الذي نصبه
رجال الأمن للقبض على الآخرين عند حضورهم إلى دار
المطبعة.
وفي يوم 12 تموز 1958 صدر بحقه أمر إلقاء
القبض،فأضطر للابتعاد عن الأنظار،فذهب إلى قرية
البو مصطفى،ومن جميل الصدف أن يكون في القرية ذلك
اليوم حفل زفاف أبن مختار القرية،فكان ذهابه
بمثابة مشاركة في الحفل لأنه معروف لديهم،وكان
بينه وبين المختار علاقة قوية ومزاح فقال له
المختار مازحا(أين تذهبون أنتم الشيوعيون سنسحلكم
قريبا) فرد عليه ضاحكا (ولماذا تسحلونا نحن أخوان،
والأمور في تغير مستمر ولا شيء ثابت)،ونام هناك
تلك الليلة،وفي صباح اليوم التالي(14 تموز)جاءه
المختار مسرعا وأخبره بنشوب الثورة فقال له أبو
حاتم مازحا(ها هسه ياهو اليسحل صاحبه)وكان المختار
يعتقد أن أبو حاتم على علم بالثورة،وفعلا كان
الحزب على علم بها ويتوقع التغيير بين يوم وآخر.
عندما سمع بنشوب الثورة توجه من القرية إلى مركز
المحاويل سيرا على الأقدام بين ماشيا ومهرولا لعدم
توفر السيارات حينها ،وكانت تبعد بحدود 8كم عن
المدينة،وعند وصوله أجتمع بالرفاق،وقرروا إسناد
الثورة ،وقاموا بلصق الشعارات المؤيدة لها ورفعت
اللافتات على واجهات المباني والدوائر،وفي اليوم
الثاني قاموا بالتحشيد لمظاهرة كبرى شاركت فيها
الجماهير المؤيدة للثورة ،جابت شوارع المدينة
معلنة عن فرحتها الكبرى بالخلاص من الحكم الملكي
المباد،فكانت مواكب العمال والفلاحين ومختلف
الشرائح تهزج بأهازيجها الداعية إلى دعم الثورة
وإسنادها والوقوف بوجه المعادين لها،وبعد انتهاء
المظاهرة توجه إلى مركز الحلة والتقى بالرفاق في
بابل،وخرجت الحلة عن بكرة أبيها للمشاركة في
المظاهرة الجماهيرية الكبرى ابتهاجا بالثورة
وإسناد لها،وتصدرت المظاهرة فنانة الشعب(زينب)
التي كانت في الحلة وقتذاك،وكانت الشعارات
المركزية للمتظاهرين تعبر خير تعبير عن تطلعات
المواطنين في التحرر والحياة الكريمة والدعوة إلى
الوحدة الوطنية ومواجهة العناصر المعادية للثورة
التي أخذت تلملم صفوفها في محاولة لإفشال
الثورة،مما جعل العناصر الرجعية والموالية للحكم
المباد تنزوي في جحورها خائفة من يوم الحساب
العسير.
وفي اليوم التالي قام بالتنسيق مع مسئول معسكر
المحاويل،وتنظيم العلاقة معهم،لأن التنظيم العسكري
كانت له ركائزه المهمة في القوات المسلحة ،وقد
قامت هذه الركائز بالسيطرة على وحداتها،ومنع
التحركات المريبة للقوى المعادية للثورة،كما حدث
في الديوانية عندما حاول قائد الفرقة مع بعض
الضباط بمحاولة التحرك بقطاعاتهم لإجهاض الثورة
إلا أن اليقظة الثورية لرفاقنا تمكنت من احتواء
الأمر وإلقاء القبض على المتمردين وإفشال الزحف
المقرر إلى بغداد،لذلك كان للتنظيم العسكري أثره
الكبير في نجاح الثورة ومنع التحركات المعادية
للعملاء والمأجورين،وقامت المنظمة بفتح مقر للحزب
في مدينة المحاويل،وربط التنظيمات الريفية
بالمدينة،واختير لقيادتها،وأصبح مرتبطا بمحلية
بابل مباشرة.
بعد دمج المدينة مع الريف،تحرك الرفاق لتشكيل
الجمعيات الفلاحية الفتية،وكان لنشاطهم المحموم
أثره في حشد أعداد هائلة من الفلاحين،مما جعل
الحزب المهيمن على الشارع العراقي وأرعب القوى
الموتورة التي لم تجد لها مكانا بين الجماهير،من
سياسيي الصالونات والأحزاب البرجوازية التي لا
تملك امتدادات مؤثرة في الشارع العراقي،ولنشاطه
وتاريخه السابق تقرر تنسيبه عضو في محلية
بابل،فحاول الاعتذار بقلة خبرته،وحداثة عمله
بالتنظيم،إلا أن الإصرار المفعم بالأمر الصارم
بضرورة الموافقة ونصيحة الرفيق الموسوي بأن العمل
التنظيمي هو الذي يصقل المناضلين،جعله يتحمل
المسئولية فأداها على أحسن ما يكون الأداء،وقام
بمسؤوليته خير قيام،وكان أن أتجه الحزب لتفعيل
دوره في أوساط الفلاحين وتشكيل الجمعيات الفلاحية
ونقابات العمال العلنية والمنظمات الديمقراطية
الأخرى فزج الحزب بخيرة كوادره للعمل الديمقراطي
فكانت النتائج مذهلة لما رافقها من حسن التخطيط
وجدية المتابعة،فأنصرف الفقيد للعمل في الجمعيات
الفلاحية مع نخبة رائعة من الرفاق الجيدين يتقدمهم
الشهيد البطل كاظم الجاسم الكادر والخبير في العمل
بين الفلاحين،لما يتمتع به من ديناميكية
عالية،واحترام في الأوساط الشعبية كافة،وتم تشكيل
اتحاد الجمعيات الفلاحية في الحلة،وفتح مقره في
منطقة(الحشاشة)،وتولى مسؤولية الاتحاد خالد الذكر
أبو قيود كاظم الجاسم،الذي كان عضوا في اللجنة
التنفيذية لاتحاد الجمعيات الفلاحية في العراق،
فكان أن أخذت الجمعيات دورها في المجتمع
الفلاحي،وتولت حل مشاكل الفلاحين بما فيها الخاصة
بعد أن أنحسر دور الإقطاع وشيوخ العشائر،فكان
الاتحاد يقوم بفض المنازعات الناشبة بينهم في مجال
الأرض والعمل الزراعي،ومن النوادر التي أشار إليها
في مذكراته،أنه حدث خلاف بين أحد الملاكين
والفلاحين ،فأرادوا الشكوى في مركز الشرطة ولكن
المالك قال لهم (لنذهب إلى حكومة الحشاشة لحل
النزاع) وفعلا قام الاتحاد بحل الخلاف بما يرضي
جميع الأطراف.
وكان لنشاطه الدائب أثر في تنسمه للعديد من
المسؤوليات الحزبية والديمقراطية،وقد تقرر أن
يتولى مسؤولية تحشد الفلاحين للزيارة المرتقبة
لعبد السلام عارف إلى المحافظة،وقد لعب إلى جانبه
دورا مؤثرا الشهيد كاظم الجاسم،وتمكنوا من أشراك
آلاف الفلاحين والعمال والطلبة وسائر الفئات
الاجتماعية،فيما حاول البعث وبعض العناصر الموتورة
عرقلة هذه التحشدات،لوجود ارتباطات مشبوهة مع
عارف،لكن الحزب تمكن من حشد جماهيره وأنصاره
ومؤازريه،ورفعت اللافتات التي تتضمن الشعارات
الوطنية الداعية لوحدة الشعب،وركز الحزب على شعاره
الوحدوي( الاتحاد الفدرالي)بدلا من الوحدة الفورية
الساذجة التي تطالب بها الأحزاب القومية ولم تتمكن
من تحقيقها طيلة نصف قرن من الحكم القومي في
البلدان العربية،فكان شعار(اتحاد فدرالي صداقة
سوفيتية)طاغيا على الشعارات الأخرى،وعندما وصل عبد
السلام عارف استقبلته الجماهير بالهتافات
والأهازيج التي لا توائم ما يريد،وكان عريف الحفل
الشخصية الوطنية(خليف العبد علي) شيخ البو
طيف،وكان خطيبا مفوها فألهب الجماهير بكلماته
الثورية الوطنية،وردد الشعارات المتفق عليها في
المحلية،وكان إلى جواره عضو أنصار السلام صاحب
حمادي الحسين وبيده حمامة بيضاء،وعند وصول عبد
السلام عارف إلى المنصة أطلقت الحمامة العراقية
المسالمة،وتعالى الهتاف والتصفيق مما أزعج عبد
السلام عارف،لأن الهتافات لا تتفق والخطة التي
أنتهجها في جولته بين الألوية العراقية،التي حاول
من خلالها كسب الرأي العام لصالحه في صراعه مع
الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم،فكانت خيبة أمله
واضحة بما بان على وجهه من علائم الذل
والانكسار،مما جعله يختصر الزيارة ويعود خالي
الوفاض.
وفي مسيرة السلام التي نظمتها محلية بابل،كان لأبي
حاتم أثره الفاعل في تحشد الجماهير للمساهمة في
المسيرة،التي شاركت فيها محافظات الفرات
الأوسط،وتصدرتها المناضلة الباسلة أم موسى من
محافظة المثنى،فيما كان في الشرفة الرفاق باقر
إبراهيم الموسوي،ومحمد حسين أبو العيس إلى جانب
كبار الموظفين،وكانت شعارات المسيرة تدعوا للسلام
والمحبة بين الشعوب،وانتهاج سياسة معادية
للاستعمار،وكانت أغلب الشعارات من قبيل(عيني كريم
للأمام ،ديمقراطية وسلام)وحدث أن أطلق شعار لم يكن
ضمن ما أتفق عليه في المحلية،فقد ردد البعض(جبهة
جبهة وطنية،لا تجميد ولا رجعية)فكان الشعار الطاغي
على المسيرة،وقد حضي هذا الشعار على ما يبدو
بإعجاب الرفيق أبو العيس،رغم أنه يعارض ما أتفق
عليه،في محاولة التقارب مع الوطني الديمقراطي،الذي
دعا لتجميد نشاطه الجماهيري في محاولة لإحراج
الحزب وحسر نفوذه عن الساحة العراقية،وهو ما أشار
إليه الشعار(لا تجميد)وكان المفروض أن يقوم الرفيق
أبو العيس بإيقاف ترديده،لا سيما وأنا ندعو إلى
جبهة وطنية تضم الأطراف الفاعلة في الساحة
العراقية،والوطني الديمقراطي من الأحزاب التي تمثل
البرجوازية الوطنية،وكان الشعار يساري وانعزالي
وسبب الكثير من الإشكالات مع ممثل الوطني
الديمقراطي في بابل،ومن المفارقات المضحكة تصور
بعض الفلاحين بأن الشعار يدعوا لإلغاء التجنيد
الإجباري فكانوا يرددون لا( تجنيد) ولا رجعية،وقد
بذلت جهود لتصحيح الشعار من تجنيد إلى تجميد.
وفي 1 أيار 1959 تقرر أجراء مسيرة حاشدة لهذه
المناسبة الخالدة،فكلف أبو حاتم إلى جانب الشهيد
كاظم الجاسم بحشد الفلاحين،فكانت المشاركة رائعة
وكبيرة،أرعبت القوى الرجعية التي هالها النفوذ
الواسع للحزب في أوساط الجماهير،يقول"ومن الطرائف
توجد نقابة للكيل والحمالة في بابل،والجدير بالذكر
أن جميع القيادات النقابية العمالية على نطاق
العراق باستثناء نقابة الكيل والحمل مقرها في
بابل،وفي المسيرة يكون موقع النقابة باعتبارهم
عمال قبل الفلاحين الذين كانوا بقيادة الشهيد أبو
قيود،أنتفض الفلاحون وصرخوا بصوت عال(أبو قيود نحن
يجب أن يكون موقعنا قبل عمال الكيل
والحمالة،)وفعلا فعلوا ذلك رغم ما بذلنا من جهود
لتهدئتهم،وعملوا فوضى في المسيرة،التقيت يبعضهم
بعد انتهاء المسيرة،قالوا لي أبو حاتم(الله يرضى
يوميا نعطيهم بخشيش)وموقعهم في المسيرة قبلنا،في
الحقيقة هذه لقطة تدل على بساطة الوعي وعفوية
التصرف)ص11 .
وكانت له أدوار رائعة في متابعة النشاط الديمقراطي
في المحافظة،فهو من الناشطين البارزين في نقابة
المعلمين قبل الثورة وبعدها،وفي الانتخابات التي
جرت بعد الثورة كان رئيس الهيئة الإدارية بدر كاظم
الحبيب والآن دكتور في أحد البلدان،وكان معن عضو
الهيئة الإدارية،وأنتخب عضوا في السنة
التالية،وبعد النكسة حدث ما حدث من تزوير
للانتخابات وهيمنة عليها القوى الرجعية،وقد صدرت
بحقه في 11 تموز/1959 مذكرة إلقاء قبض بسبب نشاطه
وتنقله من مدينة إلى أخرى،وعلاقاته المتميزة مع
الناس فأضطر للاختباء في دار أحد الأصدقاء،وبعد
أيام نقل إلى بيت آخر كان غير مكتمل البناء ويقع
في أحد الأحياء الحديثة،وزود بعدة الطبخ وفانوس
للإضاءة،ومارس نشاطه التنظيمي من تلك الدار ،وكانت
هناك طريقة متفق عليها لطرق الباب،وذات يوم أخبره
صديقه أن صاحب الدار سيزوره ،واتفقوا على طريقة
لطرق الباب زيادة في الحذر،وعندما جاء صاحب الدار
سلم عليه فكان أحد معلميه الذين كان يشاكسهم أيام
الدراسة،وعندما رآه معلمه السابق قال الحمد لله
أستطاع الحزب أن يجعل منك شخصا آخر بعد أن كنت من
الطلبة المشاغبين،حيث أنهم قالوا لي أن في بيتك
أحد الرفاق الجيدين الأعزاء علينا، وظل في ذلك
البيت عدة أسابيع صدرها بعدها ما يشبه العفو عن
المطلوبين السياسيين،فطلب منه الحزب أن يسلم
نفسه،فذهب إلى الشرطة وسلم نفسه حيث أودع التوقيف
مع السجناء العاديين،وعندما أعترض قيل له أن مدير
الأمن الجديد قد وصل وهو يقرر مصيرك،وكان مدير
الأمن الجديد وجيه عبد الله صديق له وأبن
قريته،وسبق أن زوده بأدبيات الحزب،وعندما جاء مدير
الأمن الجديد طلب إحضاره أمامه وعندما شاهده عانقه
عناقا أخويا وقدم له الشاي وأخذ يتجاذب معه أطراف
الحديث،ثم أحال قضيته إلى أحد معاونيه،لأنه لا
يستطيع التحقيق معه بحكم الصداقة،وفعلا حقق معه
بصورة شكلية،ثم أعيد إلى الموقف وبقي أكثر من
شهر،ثم أرسل إلى حامية الديوانية حيث مقر الفرقة
الأولى بطلب من قائد الفرقة حميد الحصونة بتهمة
العمل في القوات المسلحة،وسفر إلى
الديوانية،وعندما عرف الرفاق في الديوانية بخبر
وصوله إلى هناك،أرسلوا له ما يحتاجه واعتنوا به
عناية فائقة،وبعد أيام مثل أمام المجرم حميد
الحصونة قائد الفرقة الأولى المعروف بعدائه
للشيوعية والشيوعيين وارتباطاته المشبوهة بالسفارة
البريطانية،وعلاقاته مع حثالات العهد
المباد،ومواقفه غير الوطنية المعادية لطموحات
الشعب العراقي،فأستقبله بكلمات بذيئة سوقية لا
يتلفظ بها إلا أبناء الشوارع ومن ساءت تربيتهم
وعاشوا في المجتمعات الفاسدة،وقال له(كنت أ تـصورك
هرقل،أذهب وأهتم بطلابك)وأمر بإطلاق سراحه،ولكن
القوانين السائدة تحتم أعادته إلى الحلة ليتم
أطلاق سراحه من هناك،وعند وصوله إلى الحلة وعرض
أوراقه على القاضي رفض أطلاق سراحه لأن المادة
القانونية التي أحيل بموجبها غير قابلة لإطلاق
السراح،وظل في المعتقل أربعة أشهر أخرى وكان
الفقيد عامر عبد الله مدعو لحفل مع الحاكم العسكري
العام أحمد صالح ألعبدي،فطلب منه التدخل لتغيير
المادة القانونية بمادة تبيح أطلاق سراحه،وقبل أن
يطلق سراحه أخبره عريف المركز الذي تربطه به علاقة
قوية،بأن الشرطة ألقت القبض على مسئول الحلة،وبعد
ساعة جيء بالمسئول الجديد،فكان الرفيق جاسم
الحلوائي(أبو شروق) فلم يسلم أحدهما على الآخر
للتعمية على علاقتهما،وبعد أن نام الموقفين همس
الحلوائي في أذنه(لقد أدعيت أني تاجر حبوب جئت من
كربلاء لشراء بقاله)وكان سبب إلقاء القبض
عليه،وجوده مع شهاب أحمد المعروف بنشاطه الشيوعي
والمكشوف من قبل الأمن،والقي القبض عليه لتواجده
معه ،وكان المفروض أن لا يسير مع شخص مكشوف،ولكن
عدم الحذر كان وراء ما حدث،وبحكم العلاقة التي
تربط معن بالشرطة تمكن من أٌقناعهم بتسفيره إلى
كربلاء بسيارة خاصة لأنه أبن عمه،ولهم هدية خاصة
وفعلا سفر الحلوائي إلى كربلاء،وأطلق سراحه من
هناك.
وبعد أيام أطلق سراح معن من السجن فذهب لرؤية
عائلته في المحاويل،وزاره الرفاق هناك لتكليفه
بمهام جديدة.
بعد أطلاق سراحه من سجن الحلة سنة 1959 ،زاره
الرفيق محمد حسن مبارك(أبو هشام) مسئول محلية بابل
الجديد،وأبلغه بضرورة العودة إلى العمل في
المحلية،لأن السياقات الثابتة في العمل السري
الشيوعي أن يجمد نشاط الشيوعي الذي يطلق سراحه من
السجن ويبقى تحت المراقبة خوفا من تورطه في العمل
مع العناصر الأمنية،ولكن أبو حاتم المعروف
بمبدئيته وجرأته وصموده استثناء من هذه
الأمور،ويحضا بالثقة الكاملة،وباشر عمله بجها ديته
الرائعة وصلابته المنقطعة النظير،واندفاعه المعروف
في العمل الحزبي،وبدء بإعادة توزيع المهام الحزبية
بين الرفاق،ومتابعة التنظيم لوجود تلكؤ خلال
الفترة المنصرمة في المتابعة والأشراف،وجرى في تلك
الفترة تغيير مسئولي الأقضية والنواحي المتلكئين
بأعمالهم والمقصرين في واجباتهم،وترشيح عناصر أكثر
حيوية لقيادة الأقضية،ونسب أبو حاتم لقيادة لجنة
الأطراف لمدينة الحلة،والأشراف على المحاويل
والمسيب،وفي هذه الأيام أصدر قائد الفرقة الأولى
المجرم حميد الحصونة تعليماته القاضية بمنع توزيع
جريدة اتحاد الشعب،الجريدة المركزية للحزب،في
الألوية التي ضمن قاطع الفرقة الأولى آنذاك،وإغلاق
المقرات الحزبية والمكتبات العائدة
للشيوعيين،ولمعالجة الحالة جرى الاتفاق على أن
يكون مركز توزيع الجريدة خارج مدينة الحلة،فاتفق
على المكان المحدد ليتم توزيعها على المنظمات بعد
إيصالها من قبل أحد السواق العاملين في خط حله-
بغداد،وأتفق على المكان المذكور وكانت الرفيقة أم
انتشال قد هيأت احد الدور لتكون محلا لتوزيعها في
الداخل وكلفت بعض النساء بتوزيعها على الرفاق:
ولسه جن بعيوني أشوفج من توزعين الجريدة
لا مطر كانون لابرد الشته يردج ولا ردج رعيده
وأبد لا خفتي الدروب الوحشة لا كلتي السجج صارت
بعيدة
رابطيه وهذا أذار الفرح ها الهل علينه أهلال عيده
وقد خصص تنكر لنقل الجريدة من خارج الحلة إلى داخل
داخلها وهو يعود للمناضل الشيوعي البطل سامي عبد
الرزاق،الشيوعي الأصيل الذي كان من رموز الحزب
ومموله الرئيسي وصاحب المواقف الرائعة الذي سيكون
له نصيبه فيما سنتطرق إليه من أخبار الشيوعيين
الأبطال في حلقات قادمة،ممن تناساهم التاريخ
المدون للحزب فكانوا جنودا مجهولين في مسيرته خلال
سبعة عقود ونيف.
وظل الفقيد الراحل يمارس عمله التنظيمي باندفاع
عجيب مما جعله عرضة للاعتقال والحبس لعدة
مرات،وكانت موقوفياته لفترات قصيرة خلال
السنوات59/60/61 ونقل من مدرسة البو مصطفى الخليل
إلى ريف الكفل مع توصية إلى مختار المنطقة
بمراقبته وإحصاء حركاته وسكناته وأخبار الجهات
الأمنية عنها،إلا انه أستطاع كسب المختار إلى
جانبه بما جبل عليه من روح مرحة ونفس كبيرة وقدرة
على توطيد العلاقات وما تحلى به من روح
إنسانية،وقام باستئجار دار في الحلة ليتمكن من
القيام بواجبه الوظيفي ومهماته التنظيمية،وجرت له
في تلك الفترة خطوب وخطوب،وعندما جرت انتخابات
نقابة المعلمين في المحافظة كانت القائمة المهنية
للمعلمين التقدميين،وقائمة الجبهة القومية تخوضان
صراعا صامتا ،ضمت الأولى الشيوعيين والديمقراطيين
والوطنيين الشرفاء المخلصين،وضمت الثانية البعثيين
والقوميين والمتأسلمين والرجعيين،ومن يلوذ بهم من
أطراف معادية أخرى،وكانت السلطة القاسمية إلى جانب
فوز القائمة القومية،وكان نشاط القائمة المهنية
جيدا،وقد أقيمت حواريات وندوات واجتماعات أدارها
الرفاق محمد الخضري ومتي الشيخ،وشكلت لجنة
للمتابعة أشرف عليها حسين سلطان،وكان أبو حاتم عضو
الهيئة الإدارية للنقابة،وخاض الحزب نضالا عنيفا
من أجل الفوز في الانتخابات،لذلك كلف من قبل أبو
هشام وحسين سلطان بضرورة المشاركة بها مهما كانت
النتائج،يقول"ذهبت باتجاه قاعة الانتخابات،شاهدت
من بدء الطريق إلى المركز الانتخابي من الجانبين
معبأ بالشرطة والأمن والانضباط العسكري والبلطجيه
من قوميين وبعثيين ورجعية وإسلاميين من غير
المعلمين،مررت باتجاه المركز وعبرت أول نقطة
والثانية فمنعوني من الدخول تناقشت معهم ولكنهم
أصروا ورافقني الانضباط إلى بداية المدخل،بعد عشر
دقائق أعدت الكرة منعت في النقطة والأولى ورافقني
أحد أفراد الأمن إلى خارج المركز،وفي الثالثة منعت
من أول نقطة مع الاعتداء،شاهدت مأمور المركز عائدا
قلت له لماذا تمنعون المعلمين من الانتخاب،قال لي
أذهب إلى بيتك أفضل لك،هذا بالنسبة لي وأنا عضو في
الهيئة ومن المعلمين المعروفين ولي علاقات واسعة
مع مختلف الأوساط فكيف للآخرين،ذهبت وأخبرت أبي
هشام وحسين سلطان،اتخذا قرارا بأن نحشد المعلمين
والكسبة والعمال وبعض الفلاحين المتواجدين بالقرب
من المدينة،ونهجم على صناديق الاقتراع،عبرت عن عدم
قناعتي بهذا القرار،ولكني قلت لهم سأنفذه،ذهبت
واتصلت بالمسئولين عن المعلمين وقطاع التربية وتم
التحشد وسرنا باتجاه المركز الانتخابي،وكنت أنا
وسامي عبد الرزاق وجبار معروف وآخرين في
المقدمة،والآخرين في المسيرة وعندما اقتربنا من
المركز الانتخابي أطلق المأمور ثلاث صليات رشاش
،انكسرت المظاهرة،وأستمرينا مجموعة وضربت بطابوقة
على راسي ووجهي وعيناي،واشتبكنا مع البلطجية،ومن
ثم طوقنا أنا ومجموعة معي،وأخذونا إلى مركز شرطة
الحلة،وأنهالو علينا بالضرب المبرح وخاصة بالنسبة
لي،حتى ورم رأسي ووجهي وعيناي،طلبت من جماعتي أن
نلح عليهم بأخذنا إلى المركز الانتخابي حتى ندلي
بأصواتنا،وفعلا تم ذلك وكانت ملابسي ملطخة بالدماء
من شدة الضرب،أدلينا بأصواتنا ورجعنا الى مركز
الشرطة حتى السابعة مساء حيث أطلق سراحنا،ذهبت الى
بيتي في المدينة ولم يعرفني الرفاق الذين سكنوا
معي في البيت وثلاثتهم من الفلاحين،وأعضاء اللجنة
التي تقود الريف المجاور" .
كلف من قبل محلية بابل بالأشراف على التنظيم
العسكري في معسكر المحاويل،وكانت الوحدات العاملة
آنذاك 11 كتيبة مدفعية،وأصبحت صلته الحزبية
بالرفيق عطشان ضيئول مرشح لجنة مركزية آنذاك،وكان
الرفيق المذكور متعجلا ولديه بعض التطرف اليساري
المغامر فكان يحاول أشراك العسكريين في المظاهرات
والمسيرات متناسيا ضرورات الصيانة والعمل
بهدوء،فأضطر لأخبار الحزب عن تصرفاته وصعوبة العمل
معه،فارتأى الحزب أن يتصل بالرفيق (أبو حسان)ثابت
حبيب العاني،فشرح له الأمر وضرورة الحذر في
التنظيم العسكري،وخطورة تصرفات الرفيق
المذكور،فكانت صلته برفيق جديد(أبو مخلص)وسار
العمل بشكل جيد رافقته بعض العثرات،حيث كانت
التعليمات أن يتولى مسئولية الخلايا المدنيين،فطلب
من الحزب التراجع عن هذا القرار وتنسيب مسئولين
للخلايا من تشكيلاتهم ووحداتهم لأنهم قد يكلفون
بواجبات خارج قواطعهم الحالية فتكون هناك مصاعب
جمة في الاتصال بهم،إلا أن رأيه لم يؤخذ به،وشارك
في الاجتماع الموسع لمناقشة التنظيم العسكري في
مقر اللجنة المركزية،حضره أبو حسان واشرف عليه
الشهيد سلام عادل وأداره هادي هاشم ألأعظمي الذي
كان مسئول الخط العسكري في ذلك الوقت،وكان يرى
ضرورة حل التنظيم،وأتخذ قرارات منفردة بدون علم
اللجنة المركزية أدت إلى بلبلة العمل في القوات
المسلحة،وأثرت على قرارات الحزب السياسية بشكل
كبير،وكان لأبي حاتم موقفه المريب منه،وقد صدق
حدسه بعد انقلاب شباط الأسود،عندما أنهار
الاعظمي،وأستخدم دليلا للأمن في مداهمة الأوكار
الحزبية،وأماكن اختفاء الرفاق،ودليل للتعرف على
الكوادر الحزبية،وأدى إلى كوارث بحق الحزب لا يمكن
نسيانها أو تجاوزها،وقد أدى الخلل في التنظيم
العسكري إلى تجميده ،فعاد إلى التنظيم المدني ونسب
إلى محلية بابل،وفي أحد اجتماعات المحلية التي
أشرف عليها الفقيد حسين سلطان سكرتير لجنة منطقة
الفرات الأوسط،وأدارها الفقيد أبو هاشم رأت اللجنة
توزيع المسئوليات بين أعضاء المحلية اللذين ليس
لديهم أي واجب معروف،وتحمل أبو حاتم للكثير من
المسئوليات،وارتأى أبو هشام ترشيحه للسفر إلى
الخارج لأغراض الراحة والاستجمام فحضي الاقتراح
بموافقة الجميع،إلا أن الفقيد حسين سلطان أعترض
على الترشيح لعدم وجود من يحل محله فيما أنتدب
إليه من مهام،وقال له(أرتاح في ريف الطهمازية)وهي
قرية قريبة من الحلة ورشح في وقتها مسئول لجنة
المثقفين،مما دفع الرفيق معن بعد أيام إلى الطلب
بإعفائه من مهامه الأخرى وتسليمها إلى آخرين
وتكليفه بمهمة محددة،وفعلا نسب للأشراف على
التنظيم ألفلاحي في الفرات الأوسط وقام بزيارة
المنظمات والخلايا في جولة استمرت أكثر من شهر جاب
خلالها الريف الفراتي سيرا على الأقدام متخذا من
بيوت الرفاق في القرى مكانا للمبيت،وكانت جولة
حافلة بالكثير من المواقف التي سنشير إليها في آخر
الحلقات، وبعد انتهاء هذه المهمة والأشراف على
جميع الخلايا قدم تقريره عن الزيارة الذي تضمن سير
العمل ومعوقاته والأساليب الكفيلة بمعالجته.
وكان يسكن في بيت حزبي في الحلة ومعه الفقيدة
الباسلة أم كاظم الجاسم،فطلب منه الرفيق أبو هشام
أن يسكن معه ثلاثة رفاق من ريف المحافظة منهم
الفقيد لطيف عبد هويش والرفيق فاهم،فطلب منه
الأخير أن يجد عملا لأخيه العاطل،الذي أخترق
تعليمات الصيانة والتقى به في الدار الحزبية،فسعى
لإيجاد عمل له وأخذه معه إلى أحد المقاولين
لتشغيله وطلب منه ان يسير بعيدا عنه لأنه معروف من
الأمن ،وفعلا أنجزت المهمة،ووجد له العمل المناسب
وعند عودته أوقفه أحد أفراد الأمن وطلب منه هوية
التعريف،ولعدم وجودها لديه اعتقله وأرسله إلى
الأمن،وعندما علم معن بالأمر ذهب إلى الدار وطلب
من الرفاق وأم كاظم مغادرتها،ووضع العلامة المتفق
عليها عند حدوث طارئ حتى ينتبه الرفاق لما
حدث،وفعلا داهمت قوة من الأمن الدار لاعتراف
المذكور بوجود بعض الشيوعيين فيها،وعندما عرفوا من
صاحب الدار أنه المستأجر صدر أمر بإلقاء القبض
عليه،فأضطر للاختفاء في بيت أحد الرفاق،وطلب منه
الحزب الانتقال للنجف والعمل في محليتها،وترحيل
الرفاق الآخرين إلى مناطق أخرى،وفي 1/5/1961 بلغ
من قبل مدرسته باستدعاء من شرطة المحاويل،بحجة
قيامه بالتنظيم داخل المعسكر،وعند ذهابه إلى
هناك،أرسل محفورا إلى المعسكر،وهناك أستقبله مدير
الاستخبارات بما يليق بمثل هذه المناسبة من كلمات
جارحه لا تصدر من إنسان شريف،وواجهه بمسؤوليته عن
المعسكر واتصاله برئيس عرفاء محمود الذي قام
بتوزيع الأسلحة على المدنيين،وفعلا كان محمود من
العناصر الحزبية النشيطة وكان ضمن مسؤوليته،فأنكر
علاقته بذلك وعندما أستدعي الرفيق محمود أنكر أي
علاقة بالرفيق معن أو معرفة به،ثم طلب منه الدخول
إلى أحدى الغرف ،في مؤامرة خبيثة لأغراء بعض
الجنود بالاعتراف عليه،إلا أن الجنود أنكروا
معرفتهم به،أو وجود علاقة معه رغم أنهم من أصدقائه
ورفاقه المرتبطين به،ثم أرسل وراء منتسبي المعسكر
للحضور وسألهم عن معرفتهم بالرفيق معن فأنكروا أي
علاقة به،وتقرر تسفيره إلى المسيب،ورافقه أحد ضباط
الصف من أهالي الخالص،وفي الطريق قام بفتح
أغلاله،وقال له لقد طلبوا مني أن أؤذيك ولكني
سأساعدك لما علمته من أخلاقك العالية ومواقفك
النبيلة من خلال أحاديث الجنود،وعند وصولهم سدة
الهندية أراد إيداعه في مركز الشرطة تمهيدا
لتسفيره إلى المسيب في اليوم التالي،فطلب منه أن
يتناول الطعام معه في أحد المطاعم وعند دخوله
المطعم تمكن من الاتصال بالرفاق في المسيب الذين
يعرف أكثرهم وطلب منهم ألذهاب إلى منزله في
المحاويل لتنظيفه،لوجود الكثير من الأدبيات
الشيوعية خشية قيام الأمن بالتحري عنها هناك،وفعلا
قام أحد الرفاق باستئجار سيارة لهذا الغرض وأخبر
العائلة بالأمر،وفي اليوم التالي سفر إلى المسيب
وبقي في سجنها ثلاثة أيام،أعيد بعدها إلى قاضي
التحقيق في السدة،الذي أستجوبه وأمر بإطلاق سراحه
بكفالة،وعند خروجه للبحث عن كفيل،التقى بأحد وكلاء
آل مرجان،وهو يكره الشيوعيين ،إلا أنه يحتفظ معه
بعلاقة حسنة،فسأله أن كان محتاجا إلى شيء فأخبره
بالأمر،فتطوع لكفالته وأطلق سراحه.
ذهب بعدها إلى النجف لكونه منسب هناك،ولم يعثر على
الرفيق المطلوب الاتصال به في المكان المتفق
عليه،فأضطر للمبيت في المقابر،وفي صباح اليوم
التالي ذهب إلى نفس المكان فلم يجده أيضا،وعندما
دخل إلى أحد المطاعم التقى بالرفيق أب عبيس- من
أهالي الحلة ويعمل في النجف ،وقد أصبح فيما بعد
سكرتير محلية بابل في أيام الجبهة،وقد أستشهد
أواسط الثمانينيات في مواجهة مع الأمن عندما
حاولوا إلقاء القبض عليه بعد نفاذ عتاده --
فأستقبله بالأحضان وذهب معه إلى البيت،ومن خلاله
تمكن من الاتصال بالرفاق في النجف،وسكن في البداية
في بيت أحد الرفاق ،ثم أنتقل إلى آخر،والتقى
بالفقيد صالح ألرازقي الذي بلغه بترشيحه إلى عضوية
لجنة منطقة الفرات الأوسط،وإناطة مسؤولية لجنة
قضائي الشامية وأبو صخير،وأسكن في مدينة
الكوفة،وعند وصوله إلى الكوفة اسٍتلم المنظمة التي
كانت بمستوى محلية،وعقد أول اجتماع لها،استعرض فيه
الوضع التنظيمي،وتحديد المسئوليات ومواعيد
الاجتماعات،ووضع جدول للأشراف الميداني على مستوى
الخلايا،وقام بزيارة المناطق التي فيها
الخلايا،طبر سيد جواد/العوابد/ أبو جفوف/الصلاحية/
الطحينية/عكر/الشامية/المهناوية/آل
بدير/غضيب/السريع/بور سعيد/ وهذه ظمن تنظيمات
الشامية،ثم توجه الى مناطق أبو
صخير/الحيرة/الجبور/البو كريوه/جحات/القادسية/سوق
دوهان/الشنافية/وقد استمرت الجولة 25 يوما بلا
استراحة،وبعد ذلك قام بإعداد خطة لأشراف
جديد،لزيادة فعالية التنظيم،وعقد اجتماع لهذا
الغرض في دار الرفيق البطل(أبو علي) عضو مكتب
اللجنة،ومن شيوخ آل فتلة الذي أصبح فيما بعد مرشح
لجنة منطقة الفرات الأوسط،وكانت له أدوار رائعة
بعد انقلاب شباط الأسود.
وقد نسب الرفيق (أبو قاعدة)كاظم فرهود،عضو مكتب
الفرات الأوسط آنذاك ثم تدرج ليكون عضو مكتب سياسي
،وكان رئيس ألاتحاد العام للجمعيات الفلاحية في
العراق،للأشراف على التنظيمات،فكانت لهم جولة
طويلة في ريف الشامية وأبو صخير،عقدت فيها
اجتماعات للجان الفرعية والقاعدية،تحدث فيها عن
ضرورة المطالبة بتطبيق البيان(3) الخاص بقسمة
الحاصلات،والنضال من أجل إشاعة الديمقراطية،ونشاط
القوى الرجعية المحموم لوأد الثورة،وتراجع عبد
الكريم قاسم أمام ضغوطها،بإحالته العناصر الوطنية
الشريفة في القوات المسلحة على التقاعد،وتنصيب
ضباط رجعيين وعملاء لتولي المناصب القيادية في
الجيش،وقد أبدى الفلاحون تفهمهم للأمور ،وإصرارهم
على مواصلة النضال للحصول على حقوقهم المشروعة
التي أقرتها الثورة بعد انبثاقها،وكان أكثر
العسكريين يطالبون بأجراء التغيير والقيام بعمل
حاسم لاستلام السلطة،ولكن ما يحدث داخل القيادة من
صراعات كان وراء التذبذب في المواقف،وعدم اتخاذ
القرارات الحاسمة في السيطرة على الأوضاع،والقضاء
على النفوذ الرجعي الذي أخذ امتداداته المعروفة في
الحكومة العراقية،بسبب مواقف جماعة الأربعة
اليمينية الانتهازية التي أدت إلى تفويت الفرص
الكثيرة التي كان يمكن لها أن تغير وجه
التاريخ،وتعيد لثورة تموز وجهها الوطني الناصع،بعد
التنازلات المذلة لقيادة السلطة في العراق،وأبعاد
سكرتير الحزب إلى موسكو بحجة الدراسة،وما أتخذه
خلفائه من قرارات انتهازية منحرفة أساءت للحزب
ومسيرته وتاريخه الخالي من الشوائب والطعون،ومهدت
لمجيء البعث إلى السلطة في شباط المشئوم.
في بداية عام 1962 صدر قرار بترحيله للعمل في
بابل،لقيادة محليتها،لما تتمتع به المحافظة من
أهمية بالغة في تأريخ الحزب،وما لها من تأثير شعبي
واسع،ووجود طبقة مثقفة ذات توجهات يسارية،وما يحضا
به الحزب من جماهيرية تفوق ما له في المحافظات
الأخرى،ولأنه معروف في المحافظة ومطلوب من قبل
السلطة،ووجود عضو منطقة الفرات الأوسط على رأس
المحلية وهو الشهيد كاظم الجاسم،فقد حاول الاعتذار
عن المسؤولية،إلا أن مسئول منطقة الفرات الأوسط
أخبره أن الرفيق كاظم يتفهم الأمر ورحب بتوليه
المسؤولية،مما جعله يرضخ للأمر رغم مخالفة ذلك
لضوابط العمل التنظيمي،وكان في عضوية مكتب المحلية
الشهيدين كاظم الجاسم ومحمد موسى،وتدارس معهم وضع
المنظمة وطبيعة العمل،وفي الاجتماع التالي طرح
موضوع التهيئة لانتخابات نقابة المعلمين،وشكلت
لجنة لمتابعة العملية الانتخابية،والاتصال بالرفاق
والأصدقاء والموآزرين ،للتحرك ضمن الرقعة
الجغرافية للمحافظة،وتحشيد المعلمين للمشاركة فيها
لصالح قائمتنا.
وقد أسكن في دار حزبية تقع في منطقة حي نادر
الأولى،وبعد أيام عند خروجه في مهمة إلى الريف،مر
بأحد المحلات لشراء بعض الحاجيات،وإذا بصاحب المحل
من معارفه،وسلم عليه بحرارة وسأله عن محل
سكنه،فأخبره أنه يسكن خارج الحلة،وكان في زيارة
لأحد الأصدقاء وفي المساء أخبر الرفيق أبو قيود
بذلك،وطلب منه تهيئة دار أخرى،وتوجه إلى الريف تلك
الليلة،وطلب من العائلة التفتيش عن دار أخرى،على
أن يلتقي بهم بعد أسبوع لمعرفة المكان الجديد.
وفي شباط من نفس العام بدأت التهيئة لانتخابات
نقابة المعلمين،وكان التنافس على أشده بين
قائمتين،القائمة المهنية،وقائمة الجبهة التعليمية
الموحدة،شكلت لهذا الغرض لجنة كلف بالأشراف
عليها،وارتأت اللجنة تشكيل فرق من العمال والطلبة
وشرائح أخرى لحراسة المعلمين حسب تعليمات لجنة
المنطقة والتوجيهات المركزية الصادرة من قيادة
الحزب بهذا الخصوص،وقد حضر من بغداد الشهيد متي
الشيخ وهو من الناشطين في العمل النقابي،والرفاق
المعروفين،وعقد اجتماعات موسعة للمعلمين في النجف
وكربلاء والحلة،وكانت المعنويات لا بأس بها
بالنسبة للمعلمين،والتحضيرات الجارية أفضل من
العام الماضي.
وفي يوم الانتخابات كان المكان أشبه بساحة
المعركة،فقد أنتشر رجال الأمن والشرطة والانضباط
العسكري قرب المركز الانتخابي،ولإصرار المعلمين
على أجراء الانتخابات وممارسة حقهم فيها،فقد حدثت
صدامات مع القوات المنتشرة و(بلطجية) الجبهة
التعليمة الموحدة،وقد شارك المعلمون باندفاع وحماس
عجيبين رغم الممارسات القمعية والأعتداآت التي
مورست ضدهم من الحكومة والعصابات القومية والبعثية
والإسلامية والرجعية،وتعرض بعضهم للضرب والاعتقال
التعسفي،بسبب المعركة مع الجبهة التعليمية،ومورست
معهم أبشع عمليات التعذيب والضرب في المعتقلات،وقد
كتب إلى الحزب كل من المعلم الشيوعي حسن ألبياتي
والمعلم الشيوعي وهاب القاضي ،حول التعذيب البشع
الذي تعرضوا له ،وضرورة تغيير سياسة الحزب اتجاه
عبد الكريم قاسم،وكذلك تعرض الشيوعي الجريء سامي
عبد الرزاق إلى ضربة على رأسه أفقدته
الوعي،وأرقدته في الفراش لأسابيع،وبسبب هذه
التجاوزات وما حدث من تزوير،وإصرار السلطة على فوز
الجبهة التعليمية التي كان الكثير من رموزها من
العناصر القومية والرجعية،وبعضهم من المعروفين
بارتباطاتهم الخارجية،وكانت النتيجة واحدة في جميع
المحافظات،رغم التهيئة الواسعة،والتحشيد الرائع
والعمل المنظم،إلا إن هذه العوامل لم تجدي نفعا
إزاء ما ذكر أعلاه،وهذه المواقف المهادنة من الحزب
اتجاه عبد الكريم قاسم جعلته يسير أكثر بالاتجاه
اليميني،ويرتمي أكثر في ألأحضان الدافئة للرجعية
والقوميين والعناصر ذات المصالح الضيقة،التي تحاول
استلاب الثورة والقضاء عليها،وهذه الأخطاء المميتة
كانت السبب في إسقاط السلطة وقتل زعيمها في 8 شباط
الأسود،لأنه هيئ الأرضية المناسبة لأن يتولى
مقاليد الأمور في البلاد حفنة من المغامرين
والرجعيين،بسبب مواقفه المتذبذبة،وعدم وضوح الرؤيا
في تفكيره،واستحواذ الشك والريبة على الكثير من
تصرفاته،بعد أن تخلا وحارب القوى الوطنية
الحقيقية،التي كانت وراء ثورة تموز ونجاحها،
وافتقاره للعقلية السياسية الناضجة القادرة على
أدارة أمور البلاد،رغم ما يحمله من وطنية صادقة
ونزاهة منقطعة النظير.
وفي منتصف عام 1962 وردت تعليمات من لجنة الفرات
الأوسط بترحيله إلى النجف لاستلام محليتها،وتسليم
محلية بابل إلى الرفيق كاظم الجاسم،وعقد اجتماع
لمحلية بابل وسلمت المسؤولية إلى الرفيق
المذكور،وتوجه إلى النجف لاستلام مهمته
الجديدة،وهناك التقى بالرفيق صالح ألرازقي مسئول
لجنة الفرات الأوسط،وأبلغه بترشيحه للسفر إلى
الاتحاد السوفيتي للدراسة هناك،وأعطاه مبلغا من
المال لشراء ما يلزم لسفره وضرورة التوجه إلى
بغداد لإكمال الأجراآت اللازمة للسفر،وفي بغداد
سلم الصور إلى الرفيق ستار معروف لعمل
الجواز،والتقى بالرفيق الشهيد جورج تلو الذي زوده
ببعض التوجيهات النافعة في دراسته هناك،وأخبره أن
أحد الرفاق سيزوره ويسلمه الجواز والفيزة
والتعليمات الأخرى،وفعلا زاره الرفيق أبو خولة بعد
أربعة أيام وأخبره بإلغاء سفره،وعليه التوجه إلى
منطقة الفرات الوسط،لأن أبو خولة سيتولى
مسؤوليتها،وأعطاه مبلغا من المال وبعض التوجيهات
وتوجه إلى النجف،دون أن يسأل عن أسباب إلغاء
سفره،وفي تلك الفترة وبعد عودة الشهيد سلام عادل
سكرتير الحزب من موسكو نحي الرفاق زكي خيري وبهاء
الدين نوري وعامر عبد الله،ومحمد حسين أبو
العيس،عن عضوية المكتب السياسي ورحل الأول إلى
الفرات الأوسط بعقوبة تأديبية،وبعد وصوله النجف
بأيام عقد اجتماع للجنة المنطقة جرى فيه توزيع
المسؤوليات على الكادر حسب الخطة التنظيمية
الجديدة.
في هذه الفترة أقرت عضويته في لجنة منطقة الفرات
الأوسط،ونسب لقيادة محلية كربلاء،ثم أنتخب لعضوية
مكتب المنطقة،وكان يسكن في دار الرفيق أبو خولة
لحين تهيئة دار في النجف لتكون مقرا لمحلية
كربلاء،وقد نسب الفقيد ناظم كاظم عضو لجنة الفرات
الأوسط لمسؤولية محلية بابل،ورحل الشهيد محمد موسى
من بابل إلى عضوية محلية كربلاء،وقد تم عقد اجتماع
للمحلية نوقش فيه الوضع التنظيمي،ومعالجة الخلافات
الشخصية بين أعضاء اللجنة،وتقرر القيام بأشراف
عليها وعلى اللجان المتفرعة عنها ومنظمات المدن
والريف لمعالجة الخلل التنظيمي فيها،وتم معالجة
الكثير من الثغرات وإعادة لملمة التنظيم وتنشيط
عمله،لما يملك من خبرات متراكمة في العمل
التنظيمي،وخصوصا في الأرياف التي تحمل مزايا خاصة
لا يمكن معالجتها بدون معرفة طبيعة المجتمع
وعلاقاته وعاداته وتقاليده،لاختلاف العمل الريفي
كليا عن العمل داخل المدن،لما يتطلب من حركة دائبة
واتصال دائم بالخلايا الموزعة على مساحات
شاسعة،مما يتطلب التفرغ لأيام وأسابيع وقدرات
بدنية على التحمل والسير ومواجهة المشاكل التي
تكثر في هذه المجتمعات،وما يرافق ذلك من نوادر
ولقطات ظريفة،لا يمكن حدوثها في المدينة،ومن
المفارقات التي ذكرها في مذكراته بإسهاب والتي
سنشير إلى بعضها باختصار،في زيارة للخلايا في
منطقة الحسينية ،زار خلية أنيط مسؤوليتها لأبن شيخ
عشيرة المسعود الذي كان يعتقد أن قيادة الخلية لا
تختلف عن قيادة القبيلة،وكانت معاملته بعيدة عن
الروح الرفاقية التي نتوخاها في العمل
التنظيمي،فانتحى به جانبا ونبهه إلى خطأ
تصرفاته،وضرورة التعامل بروح رفاقية مع
الآخرين،فرد عليه بلهجته الريفية(رفيق الفلاح عقله
عقل الجاموسة ،لازم أتراويه العين الحمرة) حاول
إفهامه بضرورة نبذ الروح القبلية والتعامل بروحية
بعيدة عن التسلط والإمرة ، وعند اجتماع خليته وكان
من الحاضرين الرفيق (أبو سويلم) من الرفاق الشجعان
الجريئين والمطلوبين للسلطة،لقتله خمسة أفراد من
الشرطة والعناصر الرجعية في مصادمات لإلقاء القبض
عليه أو قتله،وهو يحمل سلاحه بصورة دائمة،ومهيأ
للمعركة في أي لحظة،وقد تحدث الرفيق معن عن طبيعة
التعامل الرفاقية،وضرورة التعامل بأخلاقية عالية
بين الرفاق،لأن ما يجمعهم من أهداف مشتركة يجعلهم
أكثر من الأشقاء،ووجوب أن يكون المسئول مثلا أعلا
لخليته في حسن التعامل مع الآخرين،فتململ أبو
سويلم وقال(رفيق أن مسئول الخلية غير جدير
بقيادتها،ويعتبر نفسه شيخ في الخلية وليس رفيقا
لنا،ويستخدم كلمات غير لائقة،وإذا أستمر بوضعه هذا
فمصيره مصير الخمسة – يقصد الذين قتلهم – حدث توتر
في الجو،فتدخل لتهدئة الموقف،وقال للمسئول ان
الرفيق أبو سويلم يمزح معك،وهو من الرفاق الجيدين
الذين يعتمد عليهم الحزب،إلى غير ذلك من الكلمات
التي تهدئ الأمور وتلطف الأجواء،وبعد أيام انتحى
بالمسئول جانبا وطلب منه تسليم الخلية إلى آخر لأن
علاقته أصبحت بمركز المحافظة مباشرة،وقد أرتاح
للأمر وأن صلته في كربلاء تعني الكثير له،وأنه
أصبح بمقام أعلا من مقامه السابق،وبعد عقد اجتماع
للخلية اختير أبو سويلم لقيادتها،فأرتاح لذلك جميع
الرفاق،ثم تحول إلى منطقة أخرى لزيارة الخلايا
الأخرى رافقه في جولته الرفيق أبو سويلم،وكانت
الخلية يقودها مهدي النشمي من رجال الليل
المعروفين قبل أن يكون شيوعيا،ثم ترك اللصوصية بعد
انتمائه للحزب،وأثناء الاجتماع نام بعض الفلاحين
لأنهم متعبين بسبب موسم زراعة الشلب،وقد يستغرب
البعض ممن يعملون في منظمات المدن هذه
الحالات،ولكنها واردة في الريف وتتطلب التعامل
بديناميكية،وسياسة خاصة وأجراآت تنظيمية خارج
السياقات الاعتيادية،بسبب الطبيعة الخاصة لسكان
الريف.
في صبيحة 8 شباط المشئوم /1963 كان الرفيق أبو
حاتم في منزل الرفيق محمد الحكيم عضو محلية
النجف،مسئول الكوفة،وإذا بطرق على الباب،ودخل
الفقيد صالح ألرازقي وهو يصيح بصوت مرتفع "انقلاب
فاشي وعلينا التهيئة لمواجهة الانقلابيين"،خرج
والرفيق معن بصحبته وأتصل بالرفاق في منظمة
النجف،وأرسل موفد إلى الكوفة،وأتصل بالرفيق علي
النوري مسئول كربلاء وعضو محليتها،وأتصل بالمدن
الأخرى بواسطة الهاتف برموز متفق عليها،وبدء
بالتحشيد لمظاهرة كبرى أضطلع الرفيق الشهيد البطل
محمد موسى بقيادتها وهيأ لها وبذل جهدا استثنائيا
في تحشيد المتظاهرين للسير باتجاه ساحة الميدان في
النجف،وكانت الهتافات المدوية تركز على الموت
للانقلابين والاندحار للانقلاب الفاشي،والتركيز
على كذب أدعاتهم بمقتل عبد الكريم قاسم من
قبيل(زعيمنا سلامات موتوا يبعثية)أو (موتوا
يرجعية)وكانت المظاهرة سلمية لم يعبأ لها الإسناد
المسلح،وهذا من الأخطاء الفادحة التي أرتكبها
الحزب في تلك الفترة،بعدم التهيئة لتكوين فصائل
مسلحة تأخذ على عاتقها مواجهة التطورات المحتملة
في العمل السياسي،لأن لكل ظرف طبيعته وآلية
التعامل معه،والعمل وفق الظرف الطارئ،وهذه الأخطاء
المميتة وراء النكبة التي أحاقت بالحزب بعد
الانقلاب،إذ انتشرت عصابات الحرس القومي،التي رغم
ضآلتها العددية إلا أنها تحمل الأسلحة الرشاشة
وتحضا بدعم بعض الأوساط الرجعية والدينية التي
منحتها الشرعية باستباحة المناوئين لهم،وما جرى من
أعمال جبانة وقتل وانتهاكات،وقد أحكمت هذه
العصابات سيطرتها لعدم وجود القوى المسلحة القادرة
على إيقافها،رغم الكثرة العددية للمناوئين
للانقلاب،بسبب ضعف القيادات المكلفة بالعمل
العسكري،وتكليف الجبناء بقيادتها أمثال هادي هاشم
ألأعظمي،الذي أستسلم وأنهار ووشى برفاقه وأرشد
الأمن والحرس القومي إلى الأوكار الحزبية ومخابئ
الرفاق ودور الطباعة،وهذا ما حذر بعض الرفاق
منه،وطالبوا بالعمل الحاسم وضرورة انتهاج سياسة
جديدة تلاءم المرحلة بسبب تراجع عبد الكريم قاسم
وارتمائه في أحضان الرجعيين وميله إليهم لأسباب
عديدة ليس هذا محل تناولها،ولكن ما جرى قد جرى
،ويجب تلافي الأخطاء والعمل للخروج من هذه الكارثة
بأقل الخسائر،لذلك جرى التشاور لتشكيل فرق صغيرة
للقيام بأعمال المقاومة،وفي اليوم التالي وردت
الأخبار من قيادة المنطقة بوجود تحرك عسكري في
الديوانية،،فتهيأ الرفاق لتنفيذ الخطط المتفق
عليها،وعند التحرك الفعلي تلكأ الرفاق العسكريين
بالتحرك وأخذت الأوضاع تزداد سوءا في اليوم الثالث
،وانتشرت عصابات الحرس القومي في المدينة،والقي
القبض على الرفيق محمد موسى بوشاية من خالته التي
تعرف مخبأه ،وقد قاومهم بضراوة الثوري البطل إلا
أن الكثرة تغلب الشجاعة،فالقي القبض عليه وعذب
تعذيبا وحشيا،فقد وضع رأسه في (المنكنة) وقام
البعثيين الأوباش بدق مسمار في رأسه حتى لفظ
أنفاسه الأخيرة وهو يلعن البعث ويهتف بحياة حزبه
المجيد وشعبه البطل،وكان استشهاده البطولي مبعث
عزم للآخرين للمقاومة الباسلة حتى النهاية.
وقد أعطى الشيوعيين الأبطال دروس رائعة في الشجاعة
والتضحية والأقدام ومقاومة الجلادين،وقتل المئات
منهم تحت التعذيب البشع لأزلام البعث في قصر
النهاية والمعتقلات الأخرى،وقدموا دروسا رائعة في
الصمود والمبدئية العالية لا تمحوها الأيام ولا
زالت ماثلة في أذهان الشعب العراقي،الذي خبر البعث
ومن سانده،وعرف مواقفهم الجبانة وأعمالهم
الإجرامية التي يندى لها الجبين،وما قاموا به من
أفعال لا تنسجم مع القيم الشريفة،رغم مساندتهم من
أطراف تدعي الإنسانية والدين،وكان الموقف البطولي
لقيادة الحزب وسكرتيره العام سلام عادل،وصموده
البطولي في قصر النهاية وما قام به الجلاد محسن
الشيخ راضي ألبعثي القذر من أعمال بشعة،جعلت
الشيوعيين الآخرين يندفعون أكثر في المقاومة وعدم
الاستسلام،والصمود حتى النهاية،وتشكيل الفصائل
المسلحة التي أخذت على عاتقها القيام بأعمال
بطولية في قتل عناصر الحرس القومي ومهاجمة
المقرات.
في ظل هذا الوضع،واشتداد المطاردة،وعنف البعث
وجلاوزته،أضطر للتنقل من مكان إلى آخر لضرورات
الصيانة،وما يتطلبه العمل السري من يقظة
وحذر،وتمكن من الاتصال برفاق كربلاء والكوفة
بواسطة أحدى الرفيقات،التي قامت بالمهمة خير
قيام،لما تتحلى به من الشجاعة والبسالة والاستعداد
للتضحية والبذل،ومن خلالها تمكن من أعادة الصلة
ببعض الرفاق في النجف،وقررت لجنة المنطقة في وقتها
ذهاب الرفاق صالح ألرازقي وزكي خيري إلى أبو صخير
بالتنسيق مع منظمة الريف،والتقى بالرفيق باقر
إبراهيم والرفيق عدنان عباس عضو منطقة الفرات
الأوسط آنذاك،وطلب منه البقاء في النجف لإعادة
الصلات التنظيمية بالرفاق والخلايا المبعثرة،فقام
بالمهمة خير قيام رغم صعوبات العمل في تلك الفترة
بسبب الأوضاع الأمنية المضطربة،وبعد فترة ورده أمر
من الرفيق أبو خولة بالتوجه إلى الريف وتسليم
منظمة النجف،فتوجه إلى ريف الشامية بدلالة الرفيق
عبد العظيم عضو هيئة قضاء الشامية،وواصلو مسيرهم
باتجاه منطقة الحفر،وعند وصولهم إلى المكان المثبت
في الرسالة،رفض صاحب الدار استقبالهم،أو تقديم
المساعدة لهم،فطلب منه إحضار شخص أسمه(علوان)وأسمه
الحزبي فيصل وهو عضو لجنة قاعدية،وعندما جاء علوان
أستقبله بحرارة فأخبره بالأمر،فرتب له الانتقال
إلى بيت سيد جعفر الذي يرتبط بمعن بعلاقة
قديمة،وهناك وجد الرفيق عدنان عباس،فأخبره بما جرى
في الحفر،ثم تناولوا ما تيسر من طعام،وأنتقل ليلا
مع أبو تانيا رغم برودة الجو وهم حفاة إلى منطقة
(الجدية)التابعة لقضاء الكوفة،وظل في تلك المنطقة
يومان،ثم أنتقل مع الرفيق حسين أبو خبط مرشح منطقة
آنذاك،بواسطة مشحوف عبروا به شط الشامية،وأنتقل
إلى منطقة(غضيب) في منزل السيد عبد زيد عضو لجنة
الشامية – أبو صخير،وهناك تناهى إلى أسماعه خبر
المعركة التي خاضها الشيوعي البطل(عباس أبو
اللول)مع مسئول الحرس القومي المجرم محمد رضا
الشيخ راضي،شقيق المجرم محسن الشيخ راضي،وكان أبو
اللول يحمل بندقية صيد فأطلق عليه محمد الشيخ راضي
النار وجرحه جرحا بليغا،فما كان من الشهيد عباس
إلا أن وجه إليه بندقيته وأطلق عليه النار فأرداه
قتيلا غير مأسوف عليه،وأخلي أبو اللول إلى
المستشفى وقتل هناك بعد أن رفض الإرشاد على مخابئ
الرفاق،أو الإدلاء بأي معلومات تعيين الأجلاف في
الانتقام من الشيوعيين،وكانت خسارة الحزب كبيرة
باستشهاد الرفيق البطل المعروف ببسالته وإخلاصه
وتفانيه في الدفاع عن المبادئ الشيوعية النبيلة.
كان في بيت السيد عبد زيد الرفاق باقر إبراهيم
وصالح ألرازقي وعدنان عباس،فعقدوا اجتماعا تدارسوا
فيه الموقف وكيفية أعادة الارتباط بالمركز،وتوزيع
العمل التنظيمي،وتقرر حينها ذهابه مع صالح ألرازقي
إلى بابل،والاتصال بالرفاق هناك،وكان أبو حاتم غير
مقتنع بذهابه للعمل في تنظيمات بابل لكونه معروفا
في المنطقة ومطلوبا من قبل السلطة،وكذلك كان رأي
الرفيق أبو تانيا،ولكن لم يجد بدا من تنفيذ الأمر
رغم عدم قناعته به،وتوجه مع صالح ألرازقي بدلالة
أحد رفاق الشامية،وبعد مسيرة طويلة وصلوا إلى بيت
أحد الرفاق وناموا لديه تلك الليلة،وفي الصباح طلب
منهم مغادرة البيت لخوفه من انتقام السلطة،وعندها
توجهوا بواسطة المشحوف إلى بيت الرفيق سلمان الذي
أستقبلهم بحرارة بالغة ،وهيأ لهم وجبة عشاء دسمة
بعد يومين من الجوع،وطلبوا منه الاتصال بالرفيق
(محسن البديري) المعروف في المنطقة بوصفه من رجال
الليل المشهورين،وعندما جاء سلم عليهم وسلموه
رسالة أبو تانيا التي يطلب فيها مساعدتهم في
الوصول إلى قرية البو شناوة(قرية كاظم الجاسم)وفي
الصباح انتقلوا إلى الصوب الثاني من
الهور(الصليجية) وبعد أن استقروا لساعات ركبوا
المشحوف ثانية وتوجهوا إلى ريف القاسم،وناموا في
أحد البيوت،ومنه إلى قرية البو شناوة ووصلوها
مساءا فترك رفاقه في البستان وذهب لأخبار أبو قيود
فوجد زوجته ووالدته وهو معروف لديهم،فطلبت منه
الذهاب إلى البستان،وأنتظار ه هناك،وبعد ساعة
جاءهم فذهبوا إلى حيث اختبأ الرفاق في المخابئ
والتقوا بالرفاق ناظم كاظم وآخرين،وباتوا تلك
الليلة في المخابئ التي أعدها الرفيق أبو قيود
لإخفاء المطلوبين،وفي صباح اليوم التالي عقد
اجتماع للموجودين أداره الرفيق صالح ألرازقي،جرى
خلاله توزيع العمل بين الرفاق،فأنيط مسؤولية ريف
الكفل بالرفيق أبو قيود،وإسكان الرفيق صالح
ألرازقي في بيت أبو حسين في منطقة البو طيف،ومعن
وناظم يتوجهون إلى ريف المدحتية والهاشمية والقاسم
ومشروع المسيب،ولعدم أمكانية الرفيق ناظم على
الحركة في الأرياف لأنه من أبناء المدن الذين لم
يعتادوا حياة الريف وما فيها من مشاكل،أستقر في
بيت أحد الرفاق،والتقى أبو حاتم بالرفيق (حسين أبو
جمهورية) وطلب منه مرافقته لكونه من المعروفين في
المنطقة،ويحضا باحترام أهاليها،وأتصل بالرفاق في
الكصيرات وعقد اجتماع لهم وزع بموجبه العمل بينهم
وضرورة تشكيل فرق لشن هجمات على مقرات الحرس
القومي،والعناصر الرجعية التي كانت تساعد البعثيين
بإرشادهم إلى مخابئ الرفاق،وقام بزيارة عدة مناطق
لتوزيع الأعمال وتحديد الواجبات،وتمكن من أعادة
الصلة بقيادة الحزب في بغداد التي كانت بقيادة
الرفاق جمال الحيدري وأبو سعيد وصالح العبلي،وبعد
توطيد الصلة أستلم رسالة من الرفيق أبو خولة
بالذهاب لاستقبال الرفاق الثلاثة،وتم تشخيص قوة
مسلحة لاستصحاب الرفاق في المكان والموعد المحدد،
وتأمين الحماية لهم ،وسمعوا من الراديو خبر إلقاء
القبض عليهم،في الوقت الذي كانوا يعولون كثيرا
عليهم في أعادة بناء الحزب،والعمل ضد
الانقلابيين،وتنشيط الحركة المسلحة لما تتطلبه
الظروف من عمل بعيد عن السياقات التقليدية للعمل
السياسي،وكانت ضربة موجعة للحزب،على أثر الضربة
الكبرى باعتقال قيادته السابقة وتصفيتها،ومداهمة
أوكاره السرية ومراكز الطباعة،ولكن الحزب لا
يموت،فسرعان ما تبرز قيادات جديدة تتولى المهمة
وتعيد البناء،ليعود الحزب كما كان قويا يهزأ
بعاصفات الرياح.
بعد ذلك بأيام تمكنت لجنة الفرات الأوسط من أعادة
الصلة بالمنطقة الجنوبية عن طريق منظمة الناصرية
والكوت ومعسكر أبي غريب،ونظمت المراسلة معهم
وتمحورت مواضيع الاجتماعات على دراسة وأعداد الخطط
الكفيلة بمحاربة الانقلابيين،ودراسة قصيدة
ألجواهري التي أذيعت من براغ،وما فيها من أفكار
ثورية تدعوا للنهوض ومواجهة الانقلاب الفاشي
وجماعات البعث وحرسه القذر.
وأخذ العمل التنظيمي مجراه الطبيعي رغم قيام الحرس
القومي والأمن بتضييق الخناق على تحركات
الشيوعيين،والقيام بمداهمات كثيرة لأصدقائهم بحثا
عن المطلوبين وإلقاء القبض عليهم والتنكيل بهم
وإسقاطهم سياسيا أو تصفيتهم جسديا،وفي أحدى جولاته
في ريف القاسم وكان يرافقه حسين أبو جمهورية،وقد
شعرا بالتعب وأمض بهم الجوع،وكان الناس تلك الأيام
يعملون بفطرتهم ويتمسكون بعاداتهم وتقاليدهم ،فليس
غريبا أن تدخل أي بيت لتناول الطعام دون معرفة
مسبقة،لذلك دخلوا إلى أحد البيوت،وسلموا على
صاحبه،وقدم لهم ما تيسر من طعام،وسألهم عن أصلهم
كما هي العادة الجارية للتعرف على الآخرين من خلال
عشائرهم،فأخبره حسين أنهم من (البو سلطان)وبعد أن
ارتاحوا قليلا جاء شخص إلى المضيف وسأل صاحب
الدار،هل اليوم حراسة فلان وفلان،يعني الحرس
القومي،فأشار إلى أبو جمهورية بضرورة
الخروج،فاستأذنوا منه وخرجوا بكل هدوء،وبعد
ابتعادهم غيروا مسارهم إلى جهة أخرى خشية تعقب
أثارهم وعدم الاستدلال إليهم،وعندما وصلوا إلى
المكان المقصود لعقد اجتماع مع خلية هناك،طلب منهم
صاحب الدار التريث لحين تبليغ الآخرين
بالاجتماع،وبعد ساعتين طوق البيت من الحرس القومي
والقي القبض عليهم بوشاية رخيصة من أهل القرية،وقد
عومل بقسوة من قبل الحرس القومي الذين يعرفونه
وغطت الدماء رأسه ووجهه وسائر بدنه وسيق مخفورا
إلى مقر الحرس القومي في الحلة
بتاريخ18/9/1963،وهناك جرى له استقبال حافل مورست
فيه أبشع أنواع التعذيب وأغمي عليه،وظل تحت
التعذيب لمدة أسبوعين حتى تحول إلى جثة
هامدة،وعندما جاء وفد سوري لزيارة المقر قال لهم
المجرم المقبور(حبيب الأسود) هذا من أنشط
الشيوعيين في المحافظة وقد القينا القبض عليه قبل
أسبوعين،وعندما تردت صحته أكثر طلبوا من الدكتور
طارق الحلي زيارته،وكان من الشخصيات
الديمقراطية،وعندما شاهده قال لهم لا فائدة من
علاجه أنه شبه ميت،وقد أشيع نبأ موته وتداوله
الناس على أنه حقيقة مسلم بها،إلى أن واجهه أهله
بعد أسبوعين،ثم نقل إلى سجن آخر،وبعد أن تماثل
للشفاء أرسل محفورا إلى بغداد لمحاكمته من قبل
محكمة البعث الفاشي،وأودع في مركز شرطة الفضل مع
المعتقلين،وفي صباح اليوم التالي 18/ت2/1963 سمع
أصوات القذائف والأطلاقات النارية،وإذا بأفراد
الحرس القومي يهربون كالجرذان المذعورة بعد أن
القوا بأسلحتهم ونزعوا ملابسهم الخاكية،وذلك بعد
انقلاب عبد السلام عارف على حلفائه البعثيين،وقام
الشرطة باعتقال قسم منهم وفر الباقون،ومن محاسن
الصدف أن يكون ضابط المركز من معارفه وكان يعمل في
شرطة المحاويل سابقا،فأرسل وراءه وجلب له الفطور
والشاي وأعاده إلى السجن،وقد تقرر تسفيره إلى سجن
خلف السدة،وتشاء الصدف أن يكون بين المفوضين شاب
من أهالي الإسكندرية له به معرفة وعلاقة
سابقة،وعندما شاهد ملابسه الرثة المغطاة بالدماء
ذهب وأحضر له ملابس جديدة،وعند وصوله إلى سجن خلف
السدة التقى هناك بالكثير من الرفاق الذين عمل
معهم سابقا والمعروف بينهم بكنيته(أبو حاتم) ولا
يعرفون أسمه الحقيقي.
عند إرساله إلى سجن خلف السدة بعد انقلاب
تشرين،أودع في القاعة رقم(5) وفي السجن شكلت هيئة
للإدارة أنيط به مسئوليتها،وقد صدرت بحقه ثلاثة
أحكام غيابية،ولأنه غير معروف باسمه الحقيقي الذي
صدرت به الأحكام،فقد ظل الأمر سرا إلى أن جاء في
بداية شباط 1964 شخص يعرف أسمه الحقيقي فأبلغ
الشرطة بوجوده في السجن ،فأستدعي من قبل المجلس
العرفي،وهناك التقى بالرفيق نعيم بدوي،وآخر أسمه
محمود السامرائي من البعث،حكم على بدوي بالسجن عشر
سنوات وستة أِشهر بتهمة استيراد سكر أحمر من
كوبا!!! لأنه كان مديرا للتجارة العامة،والتهمة
الأخرى توقيعه على مذكرة تطالب بالسلم في كردستان
والديمقراطية للعراق،وحكم على ألبعثي بسبع سنوات
لإطلاقه النار على أحد الشرطة وأصابته في ساقه
عندما حاولوا إلقاء القبض عليه!!!،وحكم على معن
بالسجن عشرة سنوات وستة أشهر،مع اعتداء بالضرب
والركل من العيار الثقيل من قبل الانضباط
العسكري،ومن هناك رحل إلى سجن الحلة،حيث أمضى هناك
خمسة أيام نقل بعدها إلى سجن الديوانية لإرساله من
هناك إلى سجن نقرة السلمان،ثم سفر إلى السماوة
ومنها إلى سجن النقرة،ومن المفارقات أنه التقى في
سجن الديوانية بمأمور المركز،وكان أحد
طلابه،وعندما رآه جلب له الطعام والشاي وأكل معه
في غرفته،فطلب منه أخبار أهله بتسفيره إلى نقرة
السلمان،وعند وصولهم إلى معتقل نكرة السلمان
الصحراوي ،أودع مع رفاقه الشيوعيين فيما أعيد
السجين ألبعثي لإرساله إلى سجن بعقوبة مع
البعثيين.
في نقرة السلمان كان على علاقة سابقة بغالبية
السجناء لأنهم "أبناء صنف" وسبق أن عمل مع أكثرهم
في سنين سابقة،وفي السجن أتصل به سامي أحمد بوصفه
الرجل الثاني في السجن وأخبره بوصول ترحيله إلى
السجن،وأصبح مسئول للفلاحين البالغ عددهم 45
سجينا،وكلف بعضوية تحرير نشرة السجن،وهناك طلب منه
أعداد دراسة عن ثورة العشرين،فاستعان بالرفاق عبد
الواحد كرم وطعمه مرداس وعبد القادر إسماعيل وعزيز
الشيخ ومكرم الطالباني وفلاحين آخرين لديهم خزين
من الوقائع الميدانية للثورة بما سمعوا عنه أو
شاركوا فيه،ونالت الدراسة بعد أكمالها استحسان
الجميع.
وكان سجن السلمان مدرسة للمناضلين،وقد جرى أعداده
من قبل الرفاق الشيوعيين لتخريج الكوادر الحزبية
المسلحة بالثقافة الثورية ،والمؤهلة لقيادة
التنظيم والإبداع في العمل السري الذي يتطلب طرق
فنية ومبتكرة في التنكر والتخفي والتخلص من
المطاردة والرقابة،وكانت دروس محو الأمية لمن لا
يجيدون القراءة والكتابة،والدورات التثقيفية التي
أشرف عليها كوادر متقدمة في الحزب لها الإلمام
الكافي بشتى فنون المعرفة،كالاقتصاد السياسي
،وتاريخ الحزب في الاتحاد السوفيتي،ورأس
المال،والمادية التاريخية والمادية
الديالكتيكية،بموجب برامج مكثفة أعدت من اللجنة
الثقافية،وشكلت لجان مختلفة لإدارة السجن،ولجنة
الألعاب،وأخرى للأدب والفنون،وأسست فرق رياضية
للفلاحين والعمال والطلبة،وكانت تقدم بعض
المسرحيات،وتقام الاحتفالات في المناسبات الوطنية
والأممية،وكان للشعراء موقعهم في النشاط ألسجني
فقد كان النواب ينشد ويغني،وفائز الزبيدي يحي
الأمسيات الشعرية،وكان الشاعر والفنان سعدي
ألحديثي يحي حفلاته الغنائية الرائعة يشاركه فيها
شاعر العراق الكبير مظفر النواب،وفي السجن أعدت
دورات لتعليم اللغات وتدريس الفيزياء والكيمياء
والرياضيات،وتوجد عيادة طبية وغرفة للحلاقة،وأخرى
للخياطة،وحانوت لبيع المواد،تكون أرباحه ضمن مالية
اللجنة،تستخدم لإقامة الاحتفاليات ومساعدة
المحتاجين من الرفاق،وكانت الحياة بفضل الإدارة
الشيوعية الواعية أكثر من طبيعية في السجن،وتفوق
في تنظيمها ما تستطيع الدولة تقديمه.
وفي عام 1965 بدء بنقل السجناء على شكل وجبات من
سجن السلمان إلى سجن الحلة،وكان معن ضمن الوجبة
الأولى،فقام بتسليم ما بعهدته إلى اللجنة
الجديدة،وبعد وصوله سجن الحلة بشهرين جرى اختيار
لجنة لإدارة السجن فأنتخب في عضويتها،إلى جانب
عدنان الدوري وجميل منير ونصيف الحجاج ،وأنتخب
الأخير رئيسا لها،وقد أوجدوا صلة مع منظمة الفرات
الأوسط،وأنتخب الرفيق شاطي عودة ممثلا
للسجناء،وتقرر إصدار نشرة يومية كلف
بإدارتها،وعندما جاء حسين سلطان إلى السجن وكان
عضو لجنة مركزية،أستلم مسئولية اللجنة،وفي هذه
الفترة نظمت عملية هروب حامد مكصود الضابط المهدد
بالحكم بالإعدام،وبعده عملية هروب الضابط الطيار
عبد النبي جميل،وعملية الهروب الكبرى التي تمت بعد
نقله من السجن.
في آذار 1968 أطلق سراحه بكفالة،وبعد ذلك بعشرة
أسام جاءه الشهيد محمد حسين أبو العيس وهنئه
بخروجه من السجن،وأخبره أن أحد الرفاق سيلتقي به
في ريف الكفل وعين له المكان والزمان،وذهب إلى
هناك في الموعد المحدد والتقى بالرفيق أبو شروق
جاسم الحلوائي بعد عشر سنوات من الفراق،وكان وقتها
عضو لجنة مركزية،وسكرتير لجنة منطقة الفرات
الوسط،وأخبره بقرار الحزب بتكليفه لقيادة محلية
النجف لخبرته وعمله فيها سابقا،وتكون صلته بمسئول
المنطقة أو لجنة الفرات الأوسط مباشرة،لما لمحلية
النجف من أهمية ولوجود خلل في عملها،سافر إلى
النجف والتقى بأحد الرفاق الذين يعرفهم هناك وطلب
منه تبليغ الرفاق لحضور اجتماع المحلية،وتدارسوا
في الاجتماع أسلوب العمل وإعادة الاتصال
بالمنقطعين،وتقرر عقد اجتماع أخر بعد أسبوع من
تاريخه وطرح فيه برنامج عمل المنظمة ونوقش مناقشة
جادة من قبل الرفاق،وبدء العمل بهدوء،والاتصال
بالرفاق القدامى وأصدقاء الحزب لإعادة التنظيم
وبناءه على أسس متينة،وبعد ثلاثة أشهر من العمل
الجاد المتواصل أخبره مسئول المنطقة بالتهيوء
للسفر إلى كردستان بمهمة حزبية،وزوده برسالة إلى
مكتب في راوندوز وزوده بمبلغ من المال،،وعند وصوله
إلى هناك نام في أحد الفنادق،وذهب صباحا للقاء حسب
العنوان المتفق عليه،وسلمهم الرسالة ثم أستقل
سيارة لنقله إلى (برسلين) حيث مقر الرفاق،وعند
وصوله سلمهم الرسالة وظل في القاعدة للتدريب على
استعمال الأسلحة،وبعد عشرة أيام نقل إلى معمل
تصليح الأسلحة وصناعة القنابل والألغام،وجرى
تدريبه على استعمال مختلف أنواع الأسلحة،واستمرت
الدورة ثلاثة أشهر،وعند عودته إلى بغداد التقى
بالرفيق جاسم الحلوائي،فأخبره بوجوب تدريب الرفاق
على استعمال الأسلحة في منطقة الفرات الوسط،وتم
تهيئة الأعداد حسب المنظمات،وفعلا وصل ريف الشامية
وبدء بتدريب الرفاق،وبعد عشرون يوما من التدريب
المتواصل،وصلت التعليمات بإنهاء التدريب والعودة
للنجف،وفي النجف بلغه الرفيق بقرار اللجنة
المركزية بإيقاف الكفاح المسلح لوجود حوار مع
البعث.
بعد ذلك طلب منه الرفيق تقديم طلب للعودة إلى
الوظيفة،وقدم الطلب فعلا وتقرر أعادته إلى التعليم
واحتساب الفترة السابقة خدمة لأغراض التقاعد،ونسب
للعمل في قرية من قرى كركوك،وفي أواسط سنة 1970
القي القبض عليه عند زيارته عائلته في
المحاويل،لاتهامه بالعمل في الكفاح المسلح،وبسرعة
فائقة أتصل الرفيقين عامر عبد الله ومكرم
الطالباني ،بالسلطة وبقي أسبوعين أطلق سراحه
بكفالة بعدها،وأتصل به في حينها الرفيق عدنان عباس
عضو اللجنة المركزية،وطلب منه الذهاب إلى كردستان
لقيام السلطة باعتقال الرفيق توفيق أحمد مسئول
منطقة بغداد واعترافه على العديد من
الكوادر،والتقى بالرفيق الحلوائي وسلمه
الرسالة،وبقي في بيته ثلاثة أيام،ونسب إلى أحد
الفصائل،وعقد آنذاك اجتماع اللجنة المركزية لتدارس
الحوار مع البعث وأتخذ قرار بهذا الخصوص،وبعد شهر
بلغه الرفيق الحلوائي بالعودة إلى بغداد والاتصال
بالرفيق مكرم الطالباني،وبعد لقائه به طلب منه
الذهاب إلى الحلة والالتقاء بالرفاق هناك،وعند
وصوله الحلة توجه لعائلته فوجد أبنه البكر حاتما
يزحف وكان غريبا عليه لأنه لم يراه منذ شهور،وبعد
ذلك أنس به وأنسجم معه،وفي شباط 1971 بدأت التهيئة
لانتخابات نقابة المعلمين على أساس جبهوي،فتقرر أن
يمثل المنظمة إلى جانب حسين الأعرجي،وانتخبت
الهيئة الإدارية،جرى بعد ذلك تبديل الاعرجي
بالرفيق الشهيد مهدي كامل،ثم كلف بتمثيل المنظمة
للتنسيق مع البعث،ونسب ممثلا للحزب في لجنة الصمود
والتصدي لدعم قرار تأميم النفط،والتقى بالرفيق
عدنان عباس لوضع خطة لإعادة لملمة الصفوف بعد
الضربات المتلاحقة الموجهة للحزب،وجرى تشكيل لجنة
لجرد العناصر الديمقراطية في المركز والأقضية
والنواحي،تكونت من الشهيد فاضل وتوت،وحسين
الاعرجي،وقاسم سلمان،وتقسيم العمل بينهم في صفوف
الطلبة والشباب والمعلمين وتشكلت حلقات لإعادة
علاقات الصداقة مع الكسبة وفئات الشعب
الأخرى،وباشرت اللجنة أعمالها ،وكانت النتائج
جيدة،وزار اللجنة الرفاق باقر إبراهيم وماجد عبد
الرضا،وأطلعا على أعمالها وعلق الرفيق باقر بضرورة
تعميم هذه التجربة على المحافظات الأخرى،وفعلا
نشرت في مناضل الحزب دون الإشارة إلى المحافظة
لأسباب أمنية.
ومن خلال النشاط الدائب للرفيق قاسم سلمان في
المجال الشبابي والطلابي عقد كونفرنس للطلبة
والشباب حضره ممثلون عن محافظات الفرات الأوسط،كان
بينهم الرفيق كاظم حبيب ومحمد حسين مبارك،وخرج
الكونفرنس بنتائج طيبة وتقرر تشكيل اتحاد للشبيبة
في الفرات الأوسط تولى مسئوليته الرفيق
قاسم،واتحاد الطلبة تولى مسئوليته حسن رفيق،وتمكن
الرفاق من التغلغل في دور الثقافة الجماهيرية رغم
تولي مسئوليتها من قبل البعثيين،وكانت نشاطاتها
ذات نكهة شيوعية خالصة،فكان جل الأدباء والشعراء
والفنانين المشاركين في أحياء أماسيها من
الشيوعيين أو أصدقائهم لافتقار البعثيين إلى
الطبقة المثقفة القادرة على أنجاح أي مشروع أدبي
أو ثقافي.
بعد ورود الموافقة على فتح مقر للحزب الشيوعي
العراقي في الحلة،وهو أول مقر حصلت الموافقة على
افتتاحه في عموم العراق،كلف بالبحث عن بناية تصلح
أن تكون مقر يراعى فيها الموقع والأهلية،فاستعان
ببعض الرفاق لصعوبة الحصول على مقر بسبب الممارسات
الأمنية للسلطة،وخشية الناس من تأجيره،وما روجت له
بعض العناصر الرجعية من أباطيل بحق الشيوعيين،وبعد
البحث والتقصي وجد مكان واسع ومهجور بحاجة إلى
الترميم والإصلاح،ويمتلكه شخص من المعروفين
بمناوئتهم للشيوعيين،والحاقدين على الحزب،فتوجه مع
الفقيد عباس البياتي(حمال الصداقة)لزيارته في
داره،وبعد تبادل عبارات المجاملة المألوفة فوتح
بالأمر بأسلوب دبلوماسي جميل ومؤثر،فقال لهم كيف
أؤجركم داري وأنتم تعرفون عدائي لكم،فقال له أن
العداء شيء،والتعامل شيء آخر،وهي منفعة متبادلة
بين طرفين،أنت تنتفع منها ونحن نستفد أيضا،وبعد
محاورات ومداورات ومناورات،ولتأثير أبنائه الذين
هم أصدقاء للحزب ومتعاطفين معه،وكذلك الأغراء
بترميمه على نفقة الحزب دون استقطاع المصاريف،وبعد
اللتيا والتي وافق على أجاره على أن ندفع بدل قدره
عشرة دنانير شهريا،وتم تنظيم العقد وتوقيعه في ذات
الوقت خوفا من النكول،في حالة تعرضه للوم،وفي
اليوم التالي علم الأمن والمعادين للحزب
بالاتفاق،واستغربوا قيام (أبو ضياء) بتأجير دار
للشيوعيين،وحاولوا الضغط عليه،إلا أنه لم يرضخ
لضغوطهم،وتمسك بكلمة الشرف التي أعطاها،وأصر على
موقفه بدفع من أبناءه،وكانت للحزب علاقته الجيدة
ببعض المقاولين،فطلب منهم تهيئة المواد اللازمة
لإعادة الأعمار،فجلبوا الاسمنت والجص والحصى
والرمل والطابوق،وتبرع الرفاق من العمال والبنائين
والنجارين بإكمال متطلباته،وسار العمل بسرعة
قياسية،وكان العمل يجري بأشرافه وبعض الرفاق الذين
تفرغوا لقضاء أشغال الحزب،وقام الرفيق فلاح خوجه
نعمة بصبغ الأبواب والشبابيك وعمل واجهته من
الكاشي الكربلائي،وبعد ألانتهاء من أعمال
الترميم،قام الرفاق بحملة عمل شعبي لتنظيفه
وتجهيزه باللوازم المطلوبة،وزارهم صاحب البيت ورأي
ما آل إليه ملكه المتهدم وكيف أصبح زينة
للناظرين،وما بذل من مال لترميمه،فتبرع بإيجار شهر
واحد،وكانت داره بجانب المقر،وبعد تهيئة المقر جاء
الرفيق عدنان عباس مسئول منطقة الفرات
الأوسط،والراحل محمد حسن مبارك (أبو هشام)عضو
المنطقة وسكرتير محلية بابل،فأبدوا إعجابهم بالمقر
والجهود المبذولة لأعماره،وبعد التشاور معهم حدد
يوم لافتتاحه،وجرى التحضير ليوم الافتتاح
الكبير،وفي اليوم المحدد توافدت الوفود من بغداد
والمحافظات،واختير الرفيق جعفر هجول عريفا
للحفل،وقد وصل الرفاق كريم أحمد وعبد الرزاق
الصافي وعبد الوهاب طاهر وفقيد الحزب والصحافة
العراقية شمران الياسري (أبو كاطع)وحضر مسئول مكتب
الفرات الأوسط لحزب البعث عبد الحسين الرفيعي،وعدد
كبير من رفاق الحزب ومسئولي المحافظات
الوسطى،وكانت احتفالية رائعة وكبيرة حيث غصت
القاعة بالحضور بشكل ملفت للنظر،والقي أبو حاتم
كلمة محلية بابل للحزب الشيوعي العراقي،ثم تلاه
الرفيق كريم أحمد الداوود وألقى كلمة اللجنة
المركزية للحزب،ثم ألقى عبد الحسين الرفيعي كلمة
البعث،وبعد انتهاء الاحتفالية دعي المشاركون
لزيارة مقر حزب البعث الكائن على ضفاف شط
الحلة،وهو بناية كبيرة تعج بالحراس المدججين
بالأسلحة والسيارات،وكانت لأبي كاطع مداخلاته
وتعليقاته المثيرة التي تضحك الآخرين،وعندما دخلوا
إلى أحدى قاعات الحزب،نظر أبو كاطع الى ديكورها
الذي يشبه (الدونكيات)وهي من أدوات التعذيب،ضحك
أبو كاطع ملء قلبه،وعندما سأله عبد الحسين
الرفيعي(شتريد تعلق) قال ابو كاطع(هذا ديكور
بنايتكم كله دونكيات الله اليستر) فضحك الجميع.
قررت محلية بابل أن يتواجد بشكل علني كل من الراحل
محمد حسن مبارك (أبو هشام)مسئول المحلية،والشهيد
كاظم عبيد (أبو رهيب)وجبار(أبو عبيس) وقاسم سلمان
إضافة للراحل معن،وكانت الوفود تتوافد لزيارة
المقر لتقديم التهاني من جميع المحافظات،وذات يوم
جاء وفد كبير من مدينة النجف الأشرف فيه بعض رجال
الدين المعممين،وعتما رآهم صاحب الدار،تساءل عن
الأمر وماذا يريد رجال الدين من دخولهم المقر،فقال
له أبو حاتم أنهم يباركون للحزب مقره الجديد،فهز
رأسه متعجبا وقال(حتى بين أهل العمايم ألكم
ربع)وكان أبو حاتم من أكثر الرفاق تواجدا في المقر
لكثرة مسؤولياته،ولكونه ممثل الحزب في لجنة
الجبهة،لذلك كان دائم التواجد،وقد شكل مكتب صحفي
من الرفاق رضا الظاهر وقاسم حمزة وأمين قاسم
خليل،وكان مسئول اللجنة والمشرف عليها الراحل أبو
هشام،ثم أنتخب الرفيق رضا الظاهر مسئولا للمكتب
الصحفي،وكان لهم نشاط متواصل في رفد صحيفة الحزب
بالمقالات حتى أصبح للمكتب الصحفي في بابل اثر
كبير في إعلام الحزب لما توفر له من إمكانيات
وقدرات خلاقة،وعناصر قادرة على أداء عملها الصحفي
بكفاءة واقتدار،ثم شكل المكتب العمالي الذي ضم
أعضاء من محافظات الفرات الأوسط،وأنيط مسؤوليته
بالرفيق أبو هشام،وشكلت لجنة التوجيه ألفلاحي تولى
مسؤوليتها الشهيد أبو رهيب،وعضوية كاظم الغدير
وتركي الهاشم وأبو زهرة وغيرهم،وكانت نشاطات
المكاتب على قدم وساق،وقدموا أعمال باهرة كانت
مثار أعجاب وتثمين قيادة الحزب.
وعند إعلان الجبهة،حشد الحزب جماهيره في احتفالية
كبرى ألقى فيها كلمة محلية بابل،وعبد الحسين
الرفيعي ممثل البعث،وأبو كاوه ممثل الحزب
الديمقراطي الكردستاني،وكان حضور الشيوعيين مكثفا
ومتميزا نوعا وكما،مما دفع نائب المحافظ
للقول(يقول مدير الأمن أنهينا الشيوعيين في
المحافظة،فمن أين أتى هؤلاء،هل جاؤوا من تحت
الأرض)!!!!!
ولضرورات العمل الجبهوى ارتأت محلية بابل تنسيب
ممثلين للحزب في لجنة الجبهة،فاختير معن جواد
والشهيد فاضل وتوت،واتسم العمل بالصعوبة بسبب
التعامل السيئ لممثلي البعث،وكان ممثلي الحزب
يبذلون الجهد الكبير في التهيئة للاجتماعات
،وتدارس المواضيع التي يتم طرحها للنقاش،ومن أكثر
الصعوبات التي واجهها ممثلي الحزب استمرار البعث
في التضييق على الشيوعيين، وإلقاء القبض عليهم
لأسباب مفتعلة،وتشديد الضغط على العاملين في
الدوائر المختلفة،ما يعني أن التحالف منذ أيامه
الأولى أخذ طريقه المعروف للانهيار لعدم التكافؤ
بين الطرفين،واعتماد البعثيين على إفشاله ووضع
العراقيل بوجهه لوجود نوايا مبيته كان يعرفها
الأبعدين بله الأقربين،وكان ممثلي الحزب يعانون
الأمرين في التوفيق بين طلبات الرفاق وما يتطلبه
العمل مع البعث،حيث يتصور البعض أن قيام الجبهة
يعني العمل الواضح بين الطرفين،ولكن البعثيين
كانوا يعملون منذ اليوم الأول لإفشال التجربة
والتهيؤ للانقضاض على الحزب،لافتقارهم للنية
الحسنة،والغريب أن البعث بعد توقيع ميثاق الجبهة
بدء العمل جديا لإنهاء الشيوعيين وقمعهم،لعدم وجود
أيمان حقيقي بالتحالف وبروز النزعة الدكتاتورية
المقيتة لدى القيادات البعثية،وما توجد من تراكمات
سابقة لن تمحوها الأيام،ومحاولتهم التفرد
بالسلطة،وما جبل عليه البعث من خسة ودناءة وعداء
في اتفاقاته مع كل الأطراف،لذلك كان ممثلي الحزب
في الجبهة،في وضع لا يحسدون عليه،فالرفاق في الحزب
ممن نالهم تعسف الجهات الأمنية وتجاوزاتهم يطالبون
الحزب بالتحرك لإيقافها،في الوقت الذي تمعن السلطة
بزيادة الضغط،وعدم سماع الشكاوى المقدمة في
الاجتماعات لسماع هذه التجاوزات.
بعد توسع العمل التنظيمي وامتداد العمل في
المجالات كافة،انتقلت المنظمة إلى بناية
جديدة،اتخذ طابق منها للجنة الفرات الأوسط،والآخر
للجنة محلية بابل،وشكلت مكاتب مهنية وأخرى
للعلاقات الوطنية على مستوى المنطقة والمحافظة
والاقضية والنواحي،وأنيطت مسؤولية المكتب بالفقيد
أبو حاتم وعضوية الرفاق رضا الظاهر وفاضل وتوت
ومهدي كامل،ويتمحور عمل المكتب في متابعة أعمال
الجبهة في محافظات الفرات،ولجدية العمل في المكتب
وما توفر له من قدرات،وتحقيقه لانجازات عديدة ،كلف
بالأشراف على أعمال مكاتب الألوية في عموم الفرات
الأوسط،إضافة لأشرافه على لجنة السماوة(المثني).
وبذلت جهود مكثفة للعمل على إنشاء مكاتب للجبهة في
الأقضية والنواحي،وقد قبل الحليف الأمر على
مضض،وشكلت هذه المكاتب في محاولة لجعل الجبهة
وسيلة لتمتين العلائق بين المتحالفين،وكانت
الزيارات بين الطرفين على قدم وساق رغم ما أعتور
العمل من مصاعب ومشاكل،جرى تجاوزها من أجل أنجاح
التجربة والسير بها إلى أمام.
زار مقر الحزب في بابل وفود عديدة ،كان الفقيد
يستقبلها ويؤمن لها زيارة المواقع الأثرية أو
العتبات المقدسة،فقد زار المقر الرفيق خالد بكداش
وزوجته ورافقهم في تلك الزيارة سكرتير الحزب آنذاك
عزيز محمد،واطلعوا على نشاطات المنظمة،وما تبذله ن
جهود لإشاعة الثقافة بين الرفاق،وجاءت وفود من
ألمانيا وهنكاريا والاتحاد السوفيتي،وكانت هناك
زيارات لبعض الرفاق من خارج العراق،فقد زار المقر
الرفيق يوسف فيصل عضو المكتب السياسي للحزب
الشيوعي السوري وزوجته،والرفيق محمود الأطرش من
مؤسسي الحزب الشيوعي الفلسطيني وبعدها عضو اللجنة
المركزية للحزب الشيوعي الجزائري،وكان يعد بحثا عن
ثورة العشرين،وشملت زيارته محافظات الفرات الأوسط
والتقى ببعض المشاركين في الثورة،،وكان النشاط
متواصلا والرفاق يعملون كخلية نحل رغم المعوقات
الكثيرة التي واجهت الحزب،وذات يوم طلب منه نقل
رونيو وآلة طباعة غير مجازة من بغداد،وعليه تدبير
أمر نقلها،فاصطحب معه أحد أصدقاء الحزب وجلبوا
الرونيو والطابعة بسيارته وأوصلها إلى الحلة بدون
مشاكل،وذات يوم أبلغ بالذهاب إلى اللجنة المركزية
في بغداد،وعند وصوله إلى هناك أبلغوه بضرورة نقل
أسلحة وتوزيعها على منظمات الفرات الأوسط،لانتهاء
فترة الترخيص نهاية هذا اليوم،وكان يقود سيارة
الحزب الرفيق أبو عادل،وكانت سرعته بين 100-120كم
في الساعة لإنهاء المهمة قبل انتهاء فترة
الترخيص،وفعلا توجه والى المثنى ثم الديوانية
ومنها إلى النجف وكربلاء ثم بابل،وكان يرافق
الوفود التي تمثل اللجنة المركزية عند افتتاح
مقرات المحافظات،منهم الرفيق جاسم الحلوائي عند
افتتاح مقر كربلاء،وماجد عبد الرضا عند افتتاح مقر
الديوانية،وصادق جعفر الفلاحي لافتتاح مقر المثنى.
ولعمل الفقيد الدائب في لجنة الجبهة،فقد كان
ممثلها في ألاجتماعات الدورية التي تعقد لممثلي
المحافظات،وكان الممثل عن محافظات الفرات الأوسط
في الاجتماعات التي تعقد على مستوى المناطق –
الفرات الجنوبية-بغداد-الوسطى- الموصل – وكانت
السياقات المتبعة إن يجري الاجتماع مع ممثلي
المحافظات ودراسة مطالبيهم تمهيدا لتوحيدها وطرحها
في الاجتماعات الإقليمية،ونتيجة العمل الكثير حدثت
خلافات بينه وبين الشهيد فاضل وتوت من جهة وعبد
الحسين مسلم ممثل البعث من جهة أخرى،وأشتد الخلاف
لإصرار الطرف الثاني على أخطاءه،مما أدى إلى طرح
الموضوع في سكرتارية الجبهة،وعقد اجتماع لمناقشة
الخلافات في بغداد بحضور نعيم حداد والطرفين
المتخالفين وأدلى كل بوجهة نظره،فوجه حداد اللوم
إلى ممثل البعث،ولكن دون أن يكون هناك أجراء رادع
لإيقاف مثل هذه التجاوزات،مما يعني أن هناك أمور
خاصة متفق عليها بين البعثيين في التشديد من
ممارسة الضغوط،وإثارة الخلافات ،والقيام بتجاوزات
ضارة،عن نوايا مبيتة لا تخفى على الأطفال.
في بداية 1978 بدء البعث بالمضي قدما في التضييق
على الشيوعيين واستفزازهم،واعتقال العناصر الناشطة
منهم،وقد أعتقل في تلك الفترة مجموعة من فلاح
الكفل مورست معهم أبشع أشكال التعذيب ،وبعد إطلاق
سراحهم جرى أخبار قيادة الحزب بما جرى على
هؤلاء،فتقرر أقامة دعوى قضائية على مدير الأمن
وشكلت لجنة برئاسة نعيم حداد سكرتير الجبهة
الوطنية والرفيق مكرم الطالباني وزير الري،ومحمد
عايش أمين سر فرع الفرات الأوسط للبعث، والرفيق
عدنان عباس مسئول لجنة منطقة الفرات الأوسط للحزب
الشيوعي العراقي، وأحضر الفلاحين الذين عذبوا إلى
مقر البعث في بغداد،وأجري التحقيق معهم،وقد أبدى
نعيم حداد امتعاضه من تصرفات مدير الأمن ونعته
بالحقير،وتقرر استدعائه،ولكن ظهر أن القضية مفبركة
وهناك توجيه من قيادة حزب البعث بمثل هذه
التصرفات،وتقرر أحالتهم إلى لجنة طبية لإثبات
واقعة التعذيب،وذلك لتمييع القضية،وفعلا لم يتخذ
أي أجراء بحق مدير الأمن،لتواطيء اللجنة الطبية
معه،وتزويد الهيئة التحقيقية بتقرير ينفي حدوث
التعذيب،وقامت السلطة بشن حملة اعتقالات واسعة
طالت مئات الشيوعيين،وجرى إسقاط الكثيرين منهم
سياسيا بعد إجبارهم على التوقيع على استمارة تتضمن
عدم الانتماء للحزب الشيوعي وهي صيغة مطورة
للبراءة سيئة الصيت،مما دفع محلية بابل لتبليغ
الرفاق بعدم الحضور للمقر أو مراجعته،وظل الراحل
معن على ديدنه السابق في الدوام يوميا في المقر،ثم
الذهاب لمقر الجبهة،وبعدها العودة الى البيت،دون
أن يكون هناك أي نشاط معلوم وظاهر للشيوعيين بسبب
هذه الممارسات،وقد ترك العمل في المقر حتى الحراس
والسائق بسبب تهديدات الأمن والبعثيين
الشرفاء،وعندما أتصل بقيادة الحزب وأخبرهم بما
يجري طلبوا منه البقاء في المقر والدوام كالمعتاد
لحين وصول أوامر جديدة،وكان يرافقه احد منتسبي
الأمن في ذهابه وإيابه إلى المحاويل،ويراقبه
مراقبة تامة،وفي أحدى المرات دفع الراحل أجرة
السيارة ليعرف انه يعلم به،وقد غادر الكثير من
أعضاء اللجنة المركزية العراق،ولم يبق إلا عدد
قليل لتمشية الأمور وتصفية المتعلقات بانتظار
الأوامر للاختفاء والعمل السري،وكان آخر الراحلين
عن العراق الرفيق أبو شروق جاسم الحلوائي،الذي ظل
حتى اللحظات الأخيرة يمزج بين العلنية والسرية،حتى
غادر البلد بعد أن أنهى تصفية جميع المتعلقات.
بعد أن بدأت الأوضاع السياسية تسير بطريق
اللاعودة،أصدرت القيادة تعليماتها بضرورة ترك
المقرات والانصراف للعمل السري،على أن يتواجد رفيق
أو أكثر في المقر،،وبقي معن لأنه من
المكشوفين،فأخذ بالتعاون مع الرفيق سامي عبد
الرزاق ببيع سيارات المقر وتسليم أثمانها للرفيق
جاسم الحلوائي،وقامت السلطة باعتقال الرفاق مهدي
كامل عضو لجنة الجبهة الموقرة،وفاضل وتوت عضو
الهيئة الإدارية لنقابة المعلمين،وقامت السلطة
بتعذيبهم حتى استشهدوا دون أن يرضخوا لما يطلبه
السفلة،وسافر معن إلى بغداد والتقى بالرفيق
الحلوائي وطلب منه الانتقال إلى محافظة أخرى
والعودة للعمل السري لأن الأوضاع أخذت بالتردي
وأنه مهدد بالاعتقال بين لحظة وأخرى،فطلب منه
الرفيق الحلوائي التريث لحين أخذ موافقة القيادة
الحزبية،وبعد خروجه من مقر اللجنة المركزية ذهب
لزيارة أحد الرفاق في حي العامل،وبعد أن أستقر
قليلا ،داهمت مفرزة أمنية الدار والقوا القبض
عليه،وعندما أخبرهم أنه من بابل،أرسل محفورا إلى
مديرية أمن بابل،وهناك التقى بمدير الأمن مسئول
الجبهة في بابل،فاستنكر هذا العمل فكان عذرهم أقبح
من فعلهم،حيث أخبروه أنهم تصوروا أنه قد اختفى لأن
مقر الحزب في بابل مغلق،ولم يحضر لمقر الجبهة منذ
أيام،وأستمر في الحضور إلى مقر الحزب ومقر لجنة
الجبهة رغم صعوبة الوضع وتعقيداته،ولكن أوامر
الحزب كانت مشددة بضرورة التواجد في المقر بشكل
اعتيادي،إلا أنه تصرف دون علم الحزب وقام بتسديد
أجور الماء والكهرباء والهاتف دون أن يشعر
الأمن،وبعد أن رتب الأمور مع عائلته قام بمناورة
للتخلص من رقابة الأمن،فعندما ركب في السيارة
المتوجهة إلى المحاويل ترجل منها منتصف الطريق
وركب أحدى السيارات الذاهبة إلى المحمودية،حيث بات
تلك الليلة لدى أحد أقاربه،ثم سافر صباحا إلى
بغداد والتقى بالرفيق جاسم الحلوائي وشرح له الوضع
في بابل وأنه صفا أمور المقر وليس في نيته العودة
إلى هناك،فأخبره أن الرفاق لم يوافقوا على نقله
إلى محافظة أخرى،وحدد له موعد للقاء به في اليوم
التالي لأخذ رأي الحزب النهائي،فنام في مقر الحزب
تلك الليلة،وفي اليوم التالي أخبره الرفيق أبو
شروق بالتوجه إلى اليمن عن طريق الكويت،ومنها
يتوجه للدراسة في أحدى الدول الاشتراكية،وسلمه
مبلغا قدره(150)دينار لمصاريف الطريق.
الشهيد أبو رهيب...الرهيب
قد يعتقد القارئ للوهلة الأولى أن مقالي هذا عن
إرهابي قتل الآمنين،أو تلطخت يداه بدماء
العراقيين،أو يتصور أنها قصة تحاكي القصة الروسية
أيفان الرهيب،ولكن مقالي ليس عن هذا أو ذاك،وإنما
هو ومضات من سيرة الشهيد الشيوعي البطل كاظم عبيد
(أبو رهيب) وكان رهيبا فعلا في أقدامه وتضحيته
وبسالته وشجاعته وتضحيته النادرة المثال،فقد حاكى
الرعيل الأول في الصمود والفداء وكتب بدمه الطاهر
سطور ناصعة في السفر الشيوعي تستحق الإشادة
والتبجيل،ورغم أني لم أرتبط معه بعلاقة قوية أو
صلة تنظيمية،إلا أني عرفته من خلال عمله في محلية
بابل أيام الجبهة الوطنية في سبعينيات القرن
الماضي،فوجدت فيه الكثير من الخصال
الرائعة،والصفات الشيوعية الأصيلة،والمبدئية
النادرة المثال،فهو من الشغيلة الكادحة والطبقات
الشعبية الفقيرة،ذاق اليتم والفقر والعوز
والحرمان،وشعر بعمق المعانات التي تواجه هذه
الطبقة التي لا تفقد غير قيودها كما قال الخالد
ماركس،في مواجهتها للرأسمالية المتغطرسة،وكان
لانحداره الطبقي أثره في صدق انتمائه،ونبل دفاعه
عن طبقته،وشعوره بمشاعرها وما تعانيه من قهر وظلم
ومهانة،وهو يختلف عن القيادات البرجوازية
بتقسيماتها المتعددة التي تسنى لها أن تكون في
القيادات الحزبية المتقدمة،وتتنسم مسئوليات معينة
في قمة الهرم،فكان لانتمائها الطبقي أثره في
تذبذبها،وهشاشة مواقفها،فظهر معدنها الحقيقي في
المواجهات الكبرى،والظروف الحاسمة،أو أيام المحن
والصعاب،لتعود لطبيعتها القلقة ومؤثراتها
الطبقية،وتكون وبالا على الحزب بمواقفها المخزية
في المهادنة والتراجع والانهزامية،وتاريخ الحزب
حافل بالكثير من هذه الشخصيات التي كان انحدارها
البرجوازي وراء الضعف والتخاذل الذي ظهر منها في
المواقف الحاسمة،أو تركوا ساحة المنازلة واللجوء
إلى حواضن توفر لهم الحماية والأمان،فيما يكون
الصمود علامة فارقة لأصحاب المبادئ الراسخة،الذين
يواجهون الموت بصلابة ورباطة جأش تذهل
جلاديهم،وتجعلهم شاءوا أم أبو يحترمون هذا الصمود
الرائع،وتاريخ الحزب الشيوعي مليء بالكثير من هذه
الجهة أو تلك،ومنها شهيدنا البطل كاظم عبيد (أبو
رهيب).
انحدر الشهيد من أسرة فقيرة الحال،وعاش بين
الطبقات الشعبية يعاني معاناتها ويشعر بآلامها،ومن
ركامها برز بعنفوان ليكون علامة بارزة بين
المناضلين،وانتمي للحزب لشيوعي في سن مبكرة،عن
أيمان راسخ بالمبادئ الشيوعية،فكان أبن بار
لها،خاض غمار النضال غير هياب ولا وجل،وواجه
الصعاب بالروح الشيوعية الوثابة،وكان شعلة من
النشاط والحيوية والسعي لبناء التنظيمات الشيوعية
لتؤدي دورها على أحسن ما يكون الأداء،ونال نصيبه
من السجن والتعذيب والتشريد في حياته النضالية
الزاخرة بالأمجاد والبطولات،وظل حتى لحظاته
الأخيرة رافعا راية النضال،لم يعلن استسلامه حتى
خر صريعا برصاص البغي والنذالة.
نشط للنضال في صفوف الحزب بعد ثورة تموز
الظافرة،وظهرت قدراته في المجالات المهنية،وبعد
تراجع الثورة وانحراف مسيرتها كان عرضة للاعتقال
والتعذيب،دون أن يفت ذلك في عضده فواصل مسيرته
الكفاحية،ليكون الانقلاب الفاشي في 8 شباط 1963
بداية لمسيرة طويلة من الألم والمعانات فيلقى
القبض عليه من قبل جلاوزة السلطة والحرس القومي في
منطقة مشروع المسيب،وحكمت عليه المحكمة العرفية
بالسجن ليخرج منه أواخر 1966،فنسب للعمل في قضاء
الهاشمية التي شكلت لجنتها حديثا،ولنشاطه اختير
عضوا فيها،ولكونه معروفا فقد ارتأت اللجنة أن
يرتدي الزي ألفلاحي،فكان يجد صعوبة في ارتدائه
لعدم تعوده عليه،وكانت محلية بابل في تلك الفترة
تتكون من الشهيد كاظم الجاسم (أبو قيود) سكرتير
المحلية وعضوية (أبو عباس) تركي الهاشم ومحمد حبيب
وعبد زيد نصار،ولنشاطه وقدرته على التحرك نسب
للعمل في محلية بابل أواخر 1967،وبعد انقلاب تموز
1968 وحدوث شيء من الانفراج في العلاقات مارس عمله
السري عضوا في المحلية،وعندما قررت السلطة أعادة
المفصولين السياسيين عاد للتعليم معلما في مدارس
كركوك،وكان معه الراحل معن جواد وقد تزوج في تلك
الفترة وولد أبنه البكر(رهيب)في كركوك،وعاد إلى
الحلة عام 1972،ليصبح مسئول لجنة التوجيه ألفلاحي
حتى سنة 1975 حيث أرسل بدورة دراسية في تموز من
نفس العام،ومكث ثلاثة أشهر هناك عاد بعدها لتسلم
مسئوليته في المكتب ذاته،إضافة لمسئولياته الحزبية
الأخرى.
بعد انهيار التجربة الجبهوية،وتصفية القواعد
والقيادات الحزبية التي أضطر بعضها إلى الهجرة
خارج البلاد،أو اللجوء الى كردستان العراق
للانضواء في فصائل الأنصار الباسلة،أو التخلي عن
العمل السياسي والانصراف للحياة العادية،أو السير
في ركاب السلطة البعثية الجائرة والعمل تحت
أوامرها، أو ممارسة العمل السري،فكان أبو رهيب من
هذا النوع الرافض للمسايرة والخنوع أو مغادرة
الوطن،فقد اقتحمت مفرزة من الأمن والشرطة
والبعثيين المدرسة التي يعمل فيها لإلقاء القبض
عليه فتمكن من الإفلات بعد أن قفز من سياجها
الخارجي،وواصل النضال بما عرف عنه من بسالة
واقتدار وحيوية على العمل في أشد الظروف
حراجة،فأضطر للاختفاء ومواصلة العمل السري،وإعادة
بناء التنظيمات الحزبية في أشد الظروف حراجة
وقسوة،بإصرار على مواصلة المسيرة حتى الرمق الأخير
رغم القمع الفاشستي،والأساليب السلطوية المتطورة
في مكافحة أي نشاط سري بما لسلطة البعث من
إمكانيات وقدرات،وما أحاطت به نفسها من أجهزة
أمنية متشعبة تغلغلت حتى داخل العائلة نفسها،بحيث
يصعب على الأسرة تداول أي حديث يتجاوز المحظورات
خوفا من وصوله إلى الجهات الأمنية،فالتجأ إلى
منطقة(عون) في ريف المدحتية،وكان يزور قرية تركي
الهاشم،وقرية عون الذي كان سدنته من رفاقنا
المخلصين،ويرافقه في هذه الزيارات الشهيد
البطل(أبو عبيس)وبعد استشهاده كان يزورها أبو رهيب
منفردا،وقد شكلت محلية ميدانية تلك الفترة من
الرفيقين أبو رهيب وجبار جاسم عبد(أبو عبيس) وقد
حدثني تركي الهاشم أنه في تموز 1979 ،جاءني
الرفيقين أبو عبيس وأبو رهيب وطلبوا مني السفر الى
خارج العراق،فقلت لهم إذا سافرت فسوف لا
أعود،فقالو لا عليك العودة فور أكمال المهمة،حيث
ستحمل رسالة الى المدرسة الحزبية في صوفيا ،وهناك
تطلب مقابلة الرفيق حميد البياتي ،وإذا تعذر وجوده
الالتقاء بأي طالب عراقي فيها وتسلمه
الرسالة،وسلمني رسالة ملفوفة على شكل زبانه قمت
بوضعها في الطية السفلى للبنطلون الذي أرتدي ووصلت
صوفيا يوم 30 تموز1979 وعندما وصلت المدرسة سألت
عن الرفيق حميد فلم أجده عند ذلك طلبت مواجهة إي
طالب عراقي،وفعلا التقيت بطالب لم اعرف اسمه وطلبت
منه تسليمها إلى الرفيق حميد،ثم عدت الى
العراق،وعلى أثر ذلك تم ربط التنظيم بمركز
الحزب،وعندما القي القبض على أبو عبيس طلبت من أبو
رهيب البقاء في قريتنا إلا انه رفض ذلك حيث كان
دائب التنقل بين المدن الفراتية ومتابعة التنظيم
ومواصلة الاختفاء،وكان آخر لقاء معه سنة 1983 في
قرية عون.
وكانت له القدرة الفائقة على التنكر وارتداء مختلف
الأزياء فقد جاء إلى ناحية القاسم ذات مرة مرتديا
الملابس الريفية وكأنه شيخ من شيوخ الأعراب،وكان
وصوله في يوم الجمعة حيث تزدحم المدينة بالوافدين
من الريف ،وكان حضوره مفاجئا لأقرب المقربين إليه
بهذا الشكل السافر،إلا أن روح الأقدام التي جبل
عليها جعلته يتحدى السلطة العاتية ويتحرك بين
المدن المتباعدة ليعيد الصلات الحزبية التي أخذت
بالتلاشي والانقطاع،بسبب الممارسات القمعية للسلطة
العفلقية الغاشمة،وبعد أكمال مهمته عاد من حيث أتى
ليعود بعد شهور في جمعة أخرى وهو يرتدي الملابس
الزيتونية واضعا مسدسه في مكان بارز وكأنه احد
مسئولي البعث الكبار الذين عرفوا بهذا الزى ،الذي
جعله بنظر الآخرين بعيدا عن المسائلة والشك،وتمكن
بهذه الطريقة من إيصال البريد الحزبي والالتقاء
بالرفاق الذين كانوا يمارسون التنظيم الفردي
الخيطي لتجنب انكشاف أمرهم من قبل السلطة التي
كانت تحصي على الناس حركاتها وسكناتها.
وقد حدثني الرفيق فلاح أمين الرهيمي أنه كان ذات
يوم مكلف بواجب الكشف على الدور المشيدة حديثا
لإكمال معاملة تسليفها بوصفه رئيس لجنة
الكشف،وعندما نزل من السيارة بعد تعذر دخولها الى
الدار المطلوبة بسبب الحفر الموجودة،شاهد شخص
يرتدي الكوفية والعقال يومئ له،وعندما أقترب منه
سلم عليه دون أن يعرفه،وعندها أخبره أنه أبو
رهيب،فدخلت معه الى أحد الدور غير الجاهزة،وسألته
عن أخباره ،وبعدها قدمت له مبلغا من المال فرفض
استلامه فقلت له انه اشتراكي عن سنوات الانقطاع
،ثم أعطيته عنوان منزلي في القاضية،وعندما عدت
سألني الموظف الذي يرافقني في لجنة الكشف فأخبرته
انه لديه دار يحاول إجراء الكشف عليها فطلبت منه
مراجعة الدائرة بعد أيام لإكمال معاملته.
وبعد فترة طرقت باب الدار فخرج احد أبنائي لفتحها
وعاد ليخبرني إن شخصا يرتدي ملابس ريفية يريد
مقابلتي فخرجت إليه فشاهدت شخصا يرتدي دشداشة
متهرئة وقد تمنطق بحزام علقت فيه سكينة تكريب
النخيل وقد لبس الكوفية على رأسه ،وأخبرني أنه أبو
رهيب بعد أن أزاح الكوفية عن وجهه قليلا فدعوته
للدخول حيث قدمت له ما تيسر من طعام ،ثم قام
بتكريب النخيلات الموجودة في الدار وتحدثت معه عن
الوضع وأموره فشكا لي المرض والجهد والمعانات التي
يعانيها جراء الاختفاء،وبعد أن أكمل تكريب النخل
أعطيته مبلغا من المال رفض استلامه فقلت له أنه
اشتراكي المقرر للفترة القادمة ،وبعدها غابت عني
أثاره الى أن علمت أنه القي القبض عليه وأعدم من
قبل السلطة.
هكذا كان الشهيد يواصل نضاله والتحرك ضمن المجالات
المتاحة دون أن يعطي الفرصة لرجال الأمن الذين
يتعقبون آثاره للامساك به ولكن لكل جواد كبوة فقد
كان ذات يوم على موعد مع شقيقة زوجته التي كانت
تعمل مراسلة له في منطقة النزيزة بالقرب من دائرة
الإطفاء ،وكان الأمن قد وضعها تحت مراقبته ورصد
تحركاتها فنصب له كمين في تلك المنطقة وتمكن من
إلقاء القبض عليه سنة 1984،وكانت فرحة كبيرة لرجال
الأمن والبعثيين بهذا الصيد الثمين فأودع في
مديرية آمن بابل في زنزانة صغيرة وربط بوثاق متين
إلي أنبوب الماء المار بها،وقد حدثني الرفيق (أبو
غسان) أنه بتاريخ 11/3/1986 كان معتقلا في زنزانة
رقم (2) في مديرية أمن بابل وقد ربط الى أنبوب
الماء الكائن في جدار الزنزانة،فسمع صوت يسأله من
وراء الجدار من أنت ومن أين فقلت له باسمي وأني من
أهالي القاسم،فأخبرني أنه من منطقة(الفياضية)
ومتهم بالانتماء لحزب الدعوة وأن أسمه(هور)،وكان
قد عمل فتحة صغيرة الى جوار الفتحة التي يمر منها
الأنبوب نتكلم من خلالها،فأخبرته أني موقوف لوشاية
لأني لم أثق به وخشية أن يكون من رجال الأمن
المندسين،وكنت في كل مساء يأخذني الأمن إلى غرفة
التعذيب،ويمارسون معي مختلف أنواع التعذيب دون أن
أعترف بما نسب لي رغم وجود شهود،وأعاد الى
الزنزانة بعد أن يغمى علي،،وبعد ثلاثة أيام أرسل
هور إلى المحكمة وبرئت ساحته على ما علمت بعد
فترة،وحدث تبديل في الزنزانات،فجيء بشخص جديد الى
الزنزانة التي بجانب زنزانتي فناداني الضيف الجديد
سائلا عن أسمي بعد أن أخبرني أنه كاظم عبيد أبو
رهيب وكنت على معرفة وثيقة به فأخبرته بأسمى
وتعارفنا وأخذنا نستذكر الأيام السالفة وقد أخبرني
بأنه لقن هور أفادته التي يقولها في المحكمة وقد
برء من التهمة وأطلق سراحه،وأنه يتوقع أن يقوم
الحزب بمهاجمة السجن وإخراجه عنوة،خشية على
الأسرار التي يعرفها والتي لم يفشيها لحد الآن،
وذات يوم أخذوه لعدة أيام لأني افتقدته عندما أردت
مكالمته فلم يجبني فاعتقدت أنه نقل إلى سجن
آخر،وبعد أيام سمعت حركة في الزنزانة
المجاورة،وكنت أخشى مكالمة من فيها خوفا من انكشاف
أمر الفتحة أو يكون من رجال الأمن، وبعد دقائق
كلمني فإذا هو أبو رهيب وقد أخبرني أنهم مارسوا
معك مختلف أنواع التعذيب دون أن يتمكنوا من انتزاع
اعتراف منه،وقد أبقوه معلقا في المروحة السقفية
لأربعة أيام،وقد قام ملازم أول ياسين الملقب ياسين
الدوري وهو من أهالي الحلة بربط قدميه ويديه الى
كرسي حديدي بوسط الغرفة،وسكب النفط على أقدامه
وأشعل النار فيهما مما جعلها ترتفع بعد أن اشتد
ضرامها الى ركبتيه،وقد جاء مدير الأمن العام من
بغداد ليشرف على التحقيق وعندما رآني بتلك الحالة
المفجعة،أمر بخروج منتسبي الأمن وبقي لوحده معي
وقال لي أنت بطل والله (وحرامات أن يكون مثلك تحت
الأرض) ثم أمر بإعادتي إلى زنزانتي،وقد مكث معي في
الزنزانة المجاورة 78يوما نقل بعدها الى مكان
آخر،وقد سمعت من آمر حرس السجن المدعو(جبار)من
أرياف الحلة، أنه قد أرسل الى مديرية الأمن العامة
حيث مورست معه أبشع ألوان التعذيب من قبل رجال
مكتب مكافحة الشيوعية الذي يشرف عليه
(علاء)المعروف بحقارته وحقده على الشيوعيين وقد
تمرس بالتعذيب وأشرك في دورات خارج العراق لتعلم
فنونه،وأنه كان يبتدع أقذر طرق التعذيب لممارستها
مع الشيوعيين،وأن صدام حسين قد أمر بإحضار (أبو
رهيب) لمواجهته وعندما أدخل عليه كان يقرأ في
أوراق أمامه،ثم قال له بعد قليل (شسمك)فقال له
كاظم عبيد، فسأله هازئا أسمك الحركي لو أسمك
الحقيقي فأجابه أبو رهيب لا أسمي الحقيقي،فقال له
صدام إذا كنت تريد الحياة وأن تعود لعائلتك لتمارس
حياتك الطبيعة فأنا على استعداد لإصدار عفو عنك
بشرط أن تعطيني (كل مالاتك)فرد عليه الشهيد البطل
بجرأة الشيوعي الحقيقي الذي لا يعبأ بالموت في
الساعات العصيبة،لقد مارست العمل السياسي قبلي فلو
كنت في مكاني فهل تفشي أسرار حزبك وتعترف على
رفاقك،فقال له صدام (أني مالاتي عزيزات)فأجابه
الرفيق بجرأة منقطعة المثال(وأني مالاتي أعز)فصمت
صدام لحظات ثم قال له (مبروك عليك الشهادة) وأشار
لزبانيته بإخراجه،فاقتيد إلى سجن أبو غريب حيث
هيئت أوراقه على عجل وأحيل الى محكمة البندر لتصدر
حكمها الجائر بإعدامه،لينفذ الحكم وسط حفلات
الإعدام البربرية التي يحضرها رموز السلطة آنذاك
لأنها خير مكان لتسلية البعثيين المرتزقة،وتحضرها
الماجدات من رفيقات منال الآلوسي اللواتي قال فيهن
شاعر العرب الأكبر:
واضعة الله على صدرها غارقة بالدم حتى الحزام
لتزغرد لهلوبة الطرب الالوسية منال،ويقيم حفلات
الذكر عزت أبو الثلج،ويلقي المداحين من جماعة
البندر قصائدهم الفرحة بالدم المراق،وينادي
البعثيين المجتمعين بالبعث الذي تشيده الجماجم
والدم ليتهدم ذلك البناء الهاري وينهض الحزب
الشيوعي من جديد رافعا أعلام النصر خفاقة في ربوع
العراق الجديد،رغم أنف أعدائه الطبقيين الذين
كانوا يتوقعون نهاية الحزب بوسائلهم الرخيصة
تلك،ولكن الشعب الذي اوجد الخالد فهد،والنسر الأشم
سلام عادل،والبطل أبو رهيب،وأشبال الأسود أبناء
الصفار الأشاوس لن يموت وسيبقى كالطود الأشم هازئا
بالطغاة وعتاة الجلادين ليعلن بزوغ فجر
جديد،ويناضل لبناء وطن حر وشعب سعيد.
"الطالب حسن عبد علي السحيب"
حسن عبد علي السحيب،من مواليد 1961،طالب في كلية
الهندسة،قسم البناء والأنشاآت ،الجامعة
التكنولوجية،أسم بين ملايين الأسماء،ولكنه سيبقى
في ذاكرتي إلى الأبد.
ولد في أسرة شيوعية مناضلة،فوالده"أبو كاظم"من
العاملين النشطين في تنظيمات الحزب الشيوعي
العراقي،ومن الطلائع التي رفعت لواء الثورة وناضلت
نضال المستميت لإعلاء راية الحزب،ونشر مبادئه،فكان
في صدارة الناشطين بعد ثورة الرابع عشر من تموز
المجيدة،بما عرف عنه من شخصية ناضجة،تزودت
بالثقافة التقدمية،فكان محاورا بارعا،يحسب له
الحساب،ذو روح مرحة متفائلة،وسرعة بديهة،فكان يفحم
الخصم بمزحة تجعل الآخرين يبتسمون رغم جدية
النقاش،وقد ألقى هذا الوالد بظلاله على أسرته
فكانوا مثالا للعائلة الملتزمة التي أعطت الكثير
أيمانا منها بالقيم والمبادئ السامية التي يدعو
لها الحزب الشيوعي وطلائعه الذين ضحوا بكل شيء
ذيادا عن الشعب والوطن،بعيدا عن المصالح
الضيقة،فقد بذل من ماله وجهده الشيء الكثير،وظل
إلى أخريات أيامه على ما هو عليه،رغم ما أبتلي به
من مرض نفسي بسبب الضغوطات الأمنية،وقد أطلق عليه
الرصاص من شخص مجنون بحادث بدا عفويا،لم تنضج
معالمه لحد الآن،رغم ما أشيع من وجود دوافع سياسية
وراء الاغتيال،وتحريضات من رجال الأمن لهذا
المجنون،باغتيال هذا الإنسان البريء.
في هذه الأسرة الكريمة،نشأ" حسن"وتشرب بالمبادئ
الشيوعية،وانتمى لاتحاد الطلبة العام ناشطا متميزا
بين زملائه الطلبة،فكان مثالا للطالب المجد في
التحصيل العلمي،وحصل على معدل أهله لدخول كلية
الهندسة،فزاوج بين عمله الحزبي والدراسة
الجامعية،فكان متميزا في الشوطين،بما عرف عنه من
قابليات ومؤهلات في القيادة والتنظيم،فكان التنظيم
الشيوعي في كليته مثار غضب السلطة الحاكمة التي
هالها هذا الانتشار السريع،والنشاط
المكثف،فاستعملت معه مختلف الوسائل إلا أنه ظل ذلك
الذي عرفناه صلابة ومبدئية،وبعيد انفراط عقد
الجبهة،تعثرت المنظمات الحزبية،فهناك من أختار
المصانعة،ومن آثر الالتحاق بقوات الأنصار في
شمالنا الحبيب،أو سافر خارج العراق،ومنهم من اختفى
عن الأنظار،أو أنتقل إلى بلدة بعيدة،وآخرين واصلوا
العمل دون هوادة،من أجل أعادة لحمة التنظيم
وسداه،فانتشرت الخلايا الشيوعية السرية،خلايا
متناثرة لها ارتباطاتها الخيطية بمن بقي من قيادة
الحزب في الداخل،وآثر النضال حتى النفس
الأخير،وكان من هؤلاء الرفيق حسن عبد علي،الذي شكل
مع مجموعة من رفاقه خلية سميت ب(الطليعة الأدبية)
كانت تضم في صفوفها الشهيد صاحب يحيى
الموسوي،ومهدي غريب،وعامر حسين حميو،وعماد كاظم
الحسن،وجواد كاظم الحسن والشاعر عبد علي
شاكر،والشهداء فوزي هادي عطيوي،وعبد الأمير
حسن،وعبادي حسين وآخرين،وارتبطوا بتنظيم
بغداد،وكان أسمه الحركي(أحمد)وواصل العمل في صفوف
الحزب حتى اعتقاله في 11/4/1981 من قبل مديرية
الأمن العامة مع رفاقه الآخرين،ومورست ضدهم أبشع
أشكال التعذيب الوحشي،وتعرضوا للإهانات ،ومكث في
الاعتقال أكثر من خمسة أشهر. وفي أحد الأيام
اعتقلت نشطتان أسلاميتان بتهمة الانتماء لحزب
الدعوة،وكانتا جارتين لشقيقته الساكنة في
الحلة،التي كان يسكن معها سابقا بعد أن آثر
الابتعاد عن مدينته القاسم بسبب الملاحقات
الأمنية،ودفعا لاتهام معارفهن،فقد القين بالتهمة
عليه،واعترفتا بأنه المسئول في تنظيم حزب
الدعوة،وعندما أستدعي للتحقيق(وكان مودعا في موقف
المحا ويل) رفض التهمة باعتباره أحد أعضاء الحزب
الشيوعي،ولا يمكن للشيوعي أن يكون(دعوتيا) للفارق
بين توجهات الحزبين،ولكن رجال الأمن هددوه
باستعمال الوسائل غير الشريفة،البعيدة عن
الأخلاق،وكتبوا أفادته كما يريدون،وبذلك نسب إلى
حزب الدعوة خطأ،وهذه الحالة حدثت مع الكثيرين من
أعضاء الحزب الشيوعي،حيث ألصقت بهم هذه التهمة
لإعدامهم بسبب الانتماء لهذا الحزب المتهم
بالتبعية لإيران،وصدر عليه حكم الإعدام من محكمة
الثورة سيئة الصيت،ونفذ الحكم عام1984. وقد أعتقل
معه شقيقه"حسين" بذات التهمة،رغم عدم انتمائه لأي
حزب أو جهة،إلا كونه من عائلة شيوعية ذات تاريخ
مجيد في ذاكرة العراقيين.
لك المجد المؤثل أيها الراحل الكريم،وسواء أكنت
شيوعيا أو إسلاميا،فأنت شهيد الحركة الوطنية،شهيد
النضال والمبادئ الحقة،البعيدة عن دعاوى الطائفية
المقيتة،لا كما يقول بعض المرتزقة في تربية
الديوانية،بأن الشيوعيين ليسوا شهداء،وحسبك أن
تكون أسما بين الأسماء اللامعة في سفر الخالدين.
حمزة عبد الرضا الغريباي
أستطاع الحزب الشيوعي العراقي التغلغل في أعماق
الريف العراقي،والوصول إلى أقاصيه،وأنتبه إلى
المسألة الفلاحية في وقت مبكر،وشخص ما يعانيه
الفلاح العراقي من ظلم وإجحاف وهيمنة مقرفة لحفنة
من المغامرين والإقطاعيين والملاكين
والمرابين،وتلاعبهم بمقدراته،فبدء ينشط من خلال
المعلمين وموظفي الأمراض المتوطنة الذين تستدعي
طبيعة عملهم التجوال بين الأرياف العراقية،وعلاقات
الفلاحين بسكان المدن ورجال الدين المتنورين الذين
كانوا يبثون الوعي بطريقتهم المقبولة لدى
الناس،وكان لهؤلاء تأثيرهم بتبصير الفلاحين
بواقعهم وطبيعة الصراع الطبقي بأساليب بسيطة
تتلاءم ومدارك الفلاح العراقي،فكانت قسمة الحاصلات
الزراعية الطريق المناسب لتوعية الفلاح باستغلال
جهوده من قبل الآخرين.
وكانت أرياف بابل من أكثر المناطق خصبا في التنظيم
ألفلاحي،فقد تهيأ لها كادر قيادي منظم،لا يعرف
الكلل أو الملل،كان يجوب الريف ألفراتي من أقصاه
إلى أقصاه،ذلكم هو خالد الذكر شهيد الحركة
الشيوعية والفلاحية كاظم الجاسم "أبو قيود" الذي
سيكون له مكانه المناسب في ذكرياتنا عن رفاقنا
الأبطال،فكانت قرية البو شناوة الانطلاقة الأولى
للتنظيم ألفلاحي،ومنها أخذ التنظيم يتمدد
باتجاهاته الأخرى،بتأثير الرفيق المذكور،ومن أعانه
من الرفاق الآخرين،وكان لقرية الإبراهيمية"الدبلة"
أن تكون بداية الانطلاق،بحكم قربها من
قريته،والوعي الذي عليها أهلها لقربهم من مركز
الحلة.
في هذه القرية ولد الرفيق حمزة عبد الرضا الغريباي
عام 1917،فكان تزامنها مع ثورة أكتوبر الاشتراكية
العظمى فأل لما سيكون عليه،فتعلم القراءة والكتابة
في كتاب القرية الذي كان يديره الشيخ على
الغريباوي،على عادة الناس في تلك الأيام لعدم وجود
المدارس النظامية،وهذا من النوادر في قرية
كالدبلة،وبعد أن كبر ونما أنصرف للأعمال
الحرة،فأشترى سيارة كانت الوحيدة في القرية،لذلك
كان حلقة الوصل بين المدينة والريف،ولأنه من أسرة
ميسورة فقد أشترى جهاز راديو يعمل
بالبطارية،والراديو في تلك الأيام من عجائب الدنيا
السبع،لذلك أستطاع أن يكون له مكانة اجتماعية
متميزة،فكانت داره خير ما يجمع القرية تلك
الأيام،وكان الراديو الوسيلة الأكثر فعالية
للالتقاء بالناس والتأثير عليهم،وبحكم علاقته
الوثيقة بالشهيد كاظم الجاسم،فقد انتمى للحزب
الشيوعي أوائل الخمسينيات،فكان معين للرفيق في
التنقل لانجاز مهامه الحزبية،والأمر الثاني المؤثر
في هذه القرية،وجود المعلم الشيوعي المرحوم(حسن
ألبياتي)الذي أخذ على عاتقه تعليم الأميين،فأفرد
لهم صفا للتدريس المسائي مجانا،فتعلم على يديه
الكثيرون،ولا زال البقية منهم يذكرون بالخير
والثناء،ذلك المربي الجليل الذي تميز بحس
ثوري،وأيمان مطلق بالشيوعية،فقد كان يعلم الأطفال
النشيد:
يا أمي لا تبكي عليه أنا شهيد الوطنية
لأجل الشعب روحي أفديها لأجل السلم والحرية
وكان في القرية المعلم الشيوعي(عبد المولى جليل)
الذي لا يزال حيا يرزق،وكان شعلة من النشاط
والحيوية،وجذوة وطنية أنارت الطريق للكثيرين،وقد
أدى دوره الوطني على أحسن ما يكون الأداء،وأرتبط
معهم بعلاقة وثيقة،وعمل معهم في تلك الفترة الرفيق
عبد زيد نصار الذي أنتمى للحزب عام 1956 وشارك في
تكوين الخلايا والعمل التنظيمي بكل جد وصبر،وكانت
دار أبو سعد المحل المناسب للاجتماعات
الحزبية،لذلك لفت هذا النشاط الأنظار فدوهمت الدار
من قبل الشرطة السرية عام 1956،وقلبوا محتوياتها
رأسا على عقب بحثا عن منشورات أو وثائق تدين
صاحبها،فلم يتسنى لهم العثور على البريد الحزبي
الذي كان في مكان آخر،وعثروا على بعض الجرائد
والمجلات البعيدة عن اليسار أو الشيوعية،فعادوا
يجرون أذيال الخيبة والفشل، واعتقل على أثرها،ثم
أطلق سراحه، وظل مصاحبا لهذا الثلاثي الرائع،ولكن
علاقته بالرفيق أبو قيود،كانت أكثر متانة بحكم
العلائق الريفية،لذلك كانت سيارته الوسيلة الوحيدة
لنقل البريد،أو التحرك للأماكن البعيدة،فكان
للتنظيم امتداده في القرى المجاورة،ولا تخلو قرية
أو منطقة من شيوعي أو أكثر،وذلك بجهود الرفيق أبو
قيود ونشاطه الدائب الذي جعل منه علما من أعلام
الحزب في الفرات الأوسط.
وبعد انبثاق فجر الحرية في 14 تموز الخالد،انطلق
الحزب للعمل شبه العلني،وتمكن بفترة وجيزة من بناء
المنظمات الديمقراطية لحماية الثورة
ومكتسباتها،،فشكلت الخلايا في الريف والقرية،وكانت
الخلية الأساسية لقرية الدبلة تتألف من الرفاق
عباس خضير وعبد مسامح،وعبد السادة حمزة،ومجيد يونس
وعبد الحسين محمد،وهادي حسن عوده الجيلاوي،ونوري
حبيب وكاظم السيد عبد ومحمد هاشم وغيرهم من
الناشطين في التنظيم الحزبي والنشاط
الديمقراطي،وكان لهم دورهم في المشاركة بالمسيرات
الجماهيرية،والمظاهرات الثورية التي أرعبت القوى
الرجعية وجعلتها تحاول النيل من تعلق الجماهير
الشعبية بحزبها المجيد،وفي ذروة النشاط الثوري
أصيب بمرض لم يمهله طويلا،وتوفي بعد شهور من
انبثاق الثورة.
وقد تعرضت عائلته للأذى جراء ممارسات عصابات الأمن
القذرة،وكان أبناءه سعد ورياض عرضة للاعتقال
والتعذيب،فقد أعتقل سعد عدة مرات،وأودع في سجن رقم
(1) وقصر النهاية،وسجن الحلة وسجن الكسرة في بغداد
والمواقف الأخرى،فكانت أم سعد مثال للمرأة
المناضلة المضحية،تدور من سجن إلى سجن،متابعة
لأبنائها،توصل لهم ما يلزم من ملابس وطعام،وتعرضت
للكثير من الأذى جراء المعاملة اللا إنسانية
لزبانية العهد القديم،ولا زال أبنائه على طريق
والدهم،يمارسون دورهم الوطني في الدفاع عن حقوق
الكادحين.
الذكر الطيب للرفاق الراحلين،فقد صانوا
الأمانة،وأوفوا بالعهد،وبذلوا جهدهم من أجل رفعة
شعبهم ووطنهم،وعهدا أن نبقى على ذات النهج ،لا
نعرف الكلل أو الملل،وفي طليعة المناضلين من أجل
بناء العراق الجديد،وتحقيق شعارنا الخالد وطن حر
وشعب سعيد.
(الشهيد المهندس عبد الحسن هادي فرحان ألدبي"أبو
سلام")
كثيرا ما يوصم البعض من رفاقنا،من ذوي الأصول
البرجوازية أو الإقطاعية،بوصمة الانتماء
لطبقتهم،في معرض النقد والتندر،لاعتماد الحزب في
معظم منطلقاته ونظرياته جانب الطبقة
العاملة،وحليفها الطبقي الفلاح،فأذا بدر منه تصرف
خاطيء في العمل أو الحياة،كانت التهم جاهزة وتكال
لأبسط الأسباب،ورغم ذلك كان للبرجوازية الصغيرة أو
الوطنية،دورها المؤثر في مسيرة الحزب النضالية عبر
عقود من السنين،فقد أنسلخ الكثيرون عن
طبقتهم،والتزموا جانب الكادحين،وخاضوا غمرات
النضال بأقدام ونكران ذات،بعد أن رفضوا الحياة
المترفة التي يعيشها أندادهم،وانقلبوا على تلك
الطبقة التي تلعق دماء الآخرين،وتعيش على
متناقظاتهم باستغلال جهودهم،للحصول على أكبر قدر
من المغانم والمكاسب. وتاريخ الحزب حافل بالكثير
من النماذج التي تؤيد ما ذهبنا إليه في منطلقاتنا
النظرية،بضرورة تحالف القوى العاملة مع البرجوازية
الوطنية،وما يوازيها من صغار الملاكين وأصحاب
المتاجر والعقارات،ومواقف خالد الذكر(جعفر أبو
ألتمن)الركن المكين للحركة الوطنية
العراقية،والعون الكبير للقوى الديمقراطية في
العهد الملكي الغابر،خير دليل على ما نقول.
ومن هؤلاء ــ مع الفارق ــ رفيقنا الشهيد عبد
الحسن هادي فرحان ألدبي،الذي أنحدر من أسرة
أقطاعية،تبوأت زعامة عشائر الجبور في العراق،وجده
فرحان ألدبي من الرموز التي رفضت الانصياع لإرادة
الاحتلال البريطاني،برفضه السير في ركابها،والوقوف
إلى جانبها في ثورة العشرين،على عكس بعض المشايخ
الذين كانوا مع الثورة ظاهرا،وعون المحتلين
باطنا،وكانوا أداة المحتل في إجهاض الثورة وفشلها.
ولد الشهيد عام 1948 وتخرج في كلية الهندسة جامعة
البصرة عام 1970 قسم الهندسة المدنية،وعمل في
اتحاد الطلبة العام،ثم أنخرط في صفوف الحزب
الشيوعي العراقي،وبعد تخرجه عمل في شركة(سكا
بانيوس)اليونانية التي قامت بمد أكبر شبكة مبازل
في العراق،وقد أستغل عمله بين العمال ،فتحرك ضمن
هذا الإطار وتمكن من كسب الكثيرين للانحياز إلى
جانب طبقتهم والمشاركة في نضالها،وكانت سيارته ذات
الدفع الرباعي خير عون له في عمله الوظيفي
والتنظيمي،واستغلت للتحرك ضمن أوساط واسعة في
الريف ،على امتداد عمل الشركة،لذلك كان نشاطه محل
مراقبة دائبة ومستمرة من أجهزة الأمن
الصدامية،وعيون البعث المقبور وزبانيته،التي كانت
تتابع عمل النشطين،وتحاول بمختلف الطرق التأثير
عليهم بوسائل كثيرة أخرها التصفية الجسدية،وقد
تسنى لهم ما أرادوا في ليلة عيد الميلاد الميمون
30/31 ـ آذار 1980 ،ففي تلك الليلة كان معه مجموعة
من الرفاق منهم الشهداء أبو رهيب وأبو عبيس وأنور
سعود مشهد،والرفيق تركي ألهاشم،وقد أوصلهم إلى بيت
الشخصية الوطنية والعشائرية في الفرات الأوسط(سعود
المشهد)صاحب المواقف المعروفة في سنين النضال،وعند
عودته إلى منزله في الحلة الساعة السابعة والنصف
مساء،كانت مجموعة من البعثيين يستقلون ثلاث سيارات
،قد نصبوا له كمينا،حيث قام قسم منهم بالاختباء
خلف النخيل والأشجار،ووقف ثلاثة آخرون مع رجل
ألبسوه ملابس النساء،وأوقفوا سيارته بحجة إيصال
تلك المرأة الحامل،ولإنسانيته سمح لهم بالصعود إلى
السيارة،فأنقصوا عليه وأوثقوه،وعندما التحقت بهم
السيارات الأخرى،أخذوه إلى أمن الحمزة ،ومورست معه
شتى وسائل التعذيب،ولكنه تمكن من الصمود،ولم
يتمكنوا من الحصول على المعلومات التي توصلهم
لرفاقه الآخرين،وقد كسرت أسنانه وشج رأسه من جراء
التعذيب ،ثم نقلوه بسيارته إلى الطريق الموصل
لقريته،ورمي مع سيارته في أحد المبازل،وقد وجدت
جثته بعيدة عن سيارته بمسافة 150 مترا مما يدل على
افتعال الحادث،وقد فوجئنا يومها بنبأ استشهاده،في
محيط عشيرته وفي أراضيها،وقد راجت شائعات في
وقتها،بتورط بعض أهالي المنطقة،وتعاونهم مع القوى
الأمنية،وقامت الحكومة بالتلاعب بالتحقيق،وحولت
سيره،بإخفاء المعلومات واثبات وفاته غرقا،دون
الإشارة إلى آثار التعذيب الظاهرة على جسده،وسجل