|
الاتفاقية
العراقية الامريكية : لماذا تثير الفزع ؟
د. سّيار الجميل
اثارتني كثيرا مقالة احد الاصدقاء وهو يدافع عن مشروع
الاتفاقية العراقية الامريكية الجديدة ، ولا ادري هل
يخاطب كل العراقيين ، ام يخاطب اولئك الانقساميين ؟ ام
البعض من العرب والايرانيين ؟ العراقيون اليوم كلهم
يخوضون تجربة تاريخية جديدة ليست كتلك التي خاضها
الاباء مع الانكليز ، بل اقسى وأمّر مع تبدّل الزمن
والاستراتيجيات والرجال . ان العراقيين اليوم يعيشون
اقسى فوضى خلاقة في الوجود ، فهم يعانون في بلاد ضعيفة
، متأخرة ، متناحرة ، متمزقة ، مثلومة الارادة ،
مسحوقة الانفس ، مهددة ومستلبة .. هنا سينقسم الرأي
العام بالضرورة ازاء هذه الاتفاقية .. فهي اتفاقية غير
متكافئة بين بلدين اثنين ، وان المشكلة ليست منحصرة
بين حكومتين ، بل ان قوة اقليمية لا يستهان بها مثل
ايران اعلنت عن اجندتها ازاء توقيع اي اتفاقية بين
العراق والولايات المتحدة ، كونها تدرك انها هدف
استراتيجي للامريكيين من خلال العراق ، وهذا ما يثير
الفزع ايضا .. علما بأن الامريكيين هم السبب في عبث
ايران بالعراق ، وانهم قد خاضوا مفاوضات سرية مع
الايرانيين على ارض عراقية دون معرفة ما دار بين
الطرفين . الامريكيون لا يعلنون ابدا والعراقيون
يعلنون شيئ وينكرون اشياء .. يقولون ما لهم ويخفون ما
عليهم .. الامور ضبابية وغير واضحة ابدا . لماذا ؟ هذه
السياسة هي التي تولد الانقسامات وتنضج الصراعات ، كما
جرى تطبيقه وجعل حياة العراق بين الامل والانسحاق .
لن يقف العرب من انصار بعض الدول والاحزاب ضد هذا "
المشروع " فقط حتى يلبسه البعض لباسا غير عراقي ، كي
يقال بأنه العلاج الامثل لاستقرار العراق وأمنه ! ان
اغلب ابناء الشعب العراقي يقف بالضد من اي " مشروع "
سيوّقع عليه في نهاية يوليو / تموز القادم وهم لا
يعرفون محتواه ؟ وعليه ، ليس من حق اي بشر التصفيق لأي
" مشروع " لم يعلن عن مضامينه ، وليس من حق أحد ان
يراهن على قوى سياسية عراقية مرتبط وجودها اساسا بهذا
" المشروع " الذي ستتلوه مشاريع خطيرة قادمة بالضرورة
!
وعليه أتساءل :
كيف تبرر اي معاهدة كهذه والعراق بمثل هذا الوضع ، حتى
وان كانا غير متكافئين بحجة وجود معاهدات واتفاقيات
اخرى بين دول في المنطقة وامريكا ؟ او بين المانيا
واليابان من طرف وبين امريكا من طرف آخر قبل ازمان
بعيدة ؟ كيف لك تبرير اي " معاهدة " وانت ادرى
بالفوارق الكبرى بين القرائن ، وحتى ان لم تدركها ،
فان العراق لم يلق اي عناية تاريخية ؟ هل تريد القول
ان الامريكيين لم يتحملوا اية مسؤولية في الذي عانى
منه العراق ؟ انهم هم انفسهم اعترفوا بارتكاب خطايا
جسيمة لا يمكن ان تغتفر ! هذه الاخطاء لم يرتكب مثلها
في اي بلد آخر .. فكيف تريد من الشعب العراقي ان يثق
بمن حّول العراق الى ساحة لتصفية حسابات ؟ كيف تريد ان
تسكت كل الوطنيين العراقيين من المفكرين والمختصين
والتكنوقراط المستقلين وكانوا على مدى سنوات من
المبعدين والمهمشين والمهجرين ؟ هل طبق الامريكيون
مشروع مارشال جديد وكانوا من الحريصين على مستقبل
العراق والعراقيين حتى وان كان ذلك لقاء اثمان يدفعها
العراقيون ؟ علينا ان لا نوهم الناس بأن المصالح
مشتركة ونحن ندرك ان المعادلة غير متكافئة بين قوي
وضعيف ! علينا ان ندرك من خلال قراءتنا للتاريخ بأن
المعاهدات ليست كلها من نوع واحد ومنطق واحد وطبيعة
واحدة .. انها متباينة تماما بين دولة واخرى ، وبين
زمن وآخر ، وبين عهد وآخر ! ان هذه " المعاهدة " لن
تولد في رحم مرحلة سلم واستقرار ، بل ستأتي في زمن حرب
وانقسام ، واخشى ان تزيد من كوارث العراق ونكباته .
صحيح ان العراقيين قد تعبوا كثيرا ، وهم يريدون حياة
مستقرة وآمنة وكريمة ومتحضرة ، فهل هذا وذاك ستوفّره "
معاهدة استراتيجية " مع الامريكيين ؟ هل يثقوا بأي "
مشروع " امريكي ينقذهم ولا يسحقهم ، يوحدّهم ولا
يشتتّهم ، يغنيهم ولا يفقرهم .. يتركهم اسيادا على
ارضهم من دون جعلهم مخلب قط ضد هذا او ذاك ؟ ان افتقاد
الثقة بهم يجعلهم في مأزق تاريخي ، وهم لا يريدون ان
يكونوا شركاء مع العراقيين ، كما دخلوا قبل نصف قرن
شركاء في حلف بغداد ، بل يريدون اكثر مما نتصور ! اذا
كان العراق بؤرة للثروات فهذا لا يبرر ابقاء العراق
كسيحا لا يقوى على الحياة ، وستنوب امريكا ليس في
الدفاع عنه ، بل جعل ارضه وسمائه رهينة على امتداد
ازمان ؟ ليس من البساطة ان يأخذ الصراع على العراق مثل
هذا المدى لولا ما سيشكّله اساسا في القرن الواحد
والعشرين ..
وأخيرا ،
هل من الانصاف القول ان يتهّم كل معارض للمشروع انه قد
وضع بيضه في السلة الايرانية ؟ وهل غدا كل من لم يعد
يثق بالولايات المتحدة وسياساتها في عداد الارهابيين
والقتلة والاشرار ؟ ما الذي يجبرك على المر بعد كل هذا
الماراثون الذي كان العراق ولم يزل يعاني منه ؟ كيف
تعّلق الامال على استقرار العراق وأمنه من خلال معاهدة
سيجري التوقيع عليها من دون معرفة مضامينها ؟ هل يدرك
المصفقون لمثل هذا " المشروع " بكل الخطط المعّدة في
منطقتنا من قبل الرعاة الجدد ؟
|