|
أوراق توما توماس(
7 )
محاولات لانهاء نفوذ انصارنا بين
الجماهير في منطقة بهدنان(1)
وجدت قوتنا الانصارية
الوليدة امامها اطرافا عديدة تناصبها العداء، وتحاول
وضع العراقيل امام تطورها وإتساع نفوذها وجماهيريتها
كحركة مسلحة للحزب الشيوعي العراقي. واستخدمت اشرس
واخبث الوسائل ضد الشيوعيين وعوائلهم . ولم تتوقف يوما
تلك المحاولات ولم تقتصر على فترات القتال بيننا وبين
السلطة ، بل تواصلت حتى في اوقات الهدنة وتوقف القتال
والمفاوضات .
فالى جانب الملاحقة
عسكريا ، دأبت سلطة البعث ، عبر اساليب متنوعة، بالضغط
على الانصار وعلى عوائلهم لابعادنا عن خيارنا بمقاومة
السلطة ، مستخدمة في ذلك أيضا اساليب الاغراء بالاموال
او بالوظائف .
ولم يقتصر الامرعلى
السلطة وقواتها ومرتزقتها ، بل ناصبنا العداء اناس من
الطرف الاخر؛ أي الطرف المحسوب على الثورة المسلحة.
وكان في مقدمة هؤلاء بعض الاشخاص في القوش ، ممن كانوا
يرتبطون بالحزب الديمقراطي الكردستاني الى جانب
ارتباطهم بشكل من الاشكال بالاجهزة الامنية والمخابرات
العراقية وبدفع وتشجيع من بعض رجال الكنيسة .
كانت البداية على يد
احد معتمدي قصر امير الأيزيدية وعضو محلية الشيخان
للحزب الديمقراطي الكردستاني المدعو صالح نرمو. وكان
حسو ميرخان قد نسب صالح نرمو مسؤولا اقتصاديا في
الدشت، حيث يقوم بجمع الواردات للثورة على مرأى ومسمع
من السلطة العراقية دون ان يعترضه احد. وقد توفرت لديه
امكانيات مالية ضخمة بسبب مركزه هذا، إضافة الى نفوذه
السياسي لكونه عضو محلية الحزب. كما كسب نفوذاً
اجتماعياً لكونه معتمد القصر الاميري .استطاع هذا
الشخص أن يستميل عدداً من الرفاق والاصدقاء الانصار ،
مستغلا حالة الفقر لسد احتياجات عوائلهم . كما إستغل
البعض من ذوي الانفس الضعيفة، حيث تمكن من كسبهم الى
جانبه ، وفي مقدمتهم حسن عقراوي الذي كان قد جلب
عائلته واسكنها في المنطقة وباشرت بأستلام ارزاقها من
صالح نرمو. واستطاع حسن بدوره كسب عدد من الرفاق
الايزيديين والاكراد مثل شيخ آزدين ونافخوش وكَندل علي
..وأخرين.
خطط صالح نرمو وحسن
عقراوي لاحداث انشقاق في قاعدتنا العسكرية. واستطاع
هؤلاء فعلا من اقناع مجموعة مكونة من 15 نصيرا، حيث
قاموا ليلا بكسر باب المشجب والاستيلاء على اربع بنادق
انكليزية بمساعدة الحارس توران عبد الحكيم، وهربوا الى
مقر حسو ميرخان. لم اكن في تلك الليلة موجودا في
المقر. وعند عودتي صباحا الى ديرالربان هرمز علمت
بالحادث، فقررت فورا توقيف الحارس .
توجهت مع مفرزة،
قوامها 25 نصيرا، واخذت معي الرفيقين ابو نصير وابو
جاسم ( محمد سواري ) الى قرية نصيرية حيث يتواجد صالح
نرمو، فلم نعثر عليه. ثم واصلنا مسيرتنا الى مقر حسو
ميرخان في قرية شكفتي منطقة برواري ريري. وعند وصولنا
المقر علمنا بوجود المجموعة الهاربة هناك. تركنا
المفرزة خارج المقر وذهبت برفقة ابو نصير و ابوجاسم
الى حسو ميرخان لمعرفة سبب لجوء هؤلاء اليه، وضرورة
اعادة الاسلحة المسروقة من المشجب. اخذ حسو موضوع
السرقة بجدية واهتمام وباشر التحقيق معهم واستطاع
اكتشاف جريمتهم تلك واعاد لنا البنادق المسروقة. اما
اسلحتهم ، فقد رفض اعادتها بحجة ان المسألة تحتاج الى
موافقة من البارزاني مباشرة ، حيث اعتبروهم ملتحقين
جدد بالثورة مع اسلحتهم ، مؤكدا بذلك علاقته بمخطط
انشقاق هذه المجموعة وتشجيعه لها. ولربما كان المسؤول
الاعلى من حسو على علم بالمخطط الذي يهدف الى تحجيم
قوتنا الانصارية او كما يقال ، قص اجنحتها .
الواقفون من اليسار
الملازم اول يوسف بطرس البازي ، توما توماس ، سعيد
هاشم ، الجالسون من اليسار صبحي اسماعيل ، جلال البدري
- جبل جيا بانك 1967
قررت اعادة المفرزة
الى المقر، على ان اغادر نحو مقر الملا مصطفى
البارزاني لغرض الحصول على موافقته بإعادة جميع
الاسلحة التي كانت بحوزة الهاربين .
في گلاله التقيت
البارزاني، وتحدثت معه بخصوص الموضوع. فقرر تزويدنا
مباشرة بخمسة عشر ( 15 ) بندقية انكليزية ، وطلب من
حسو برسالة خاصة اعادة بندقية كلاشنكوف كانت مع
الهاربين، لانه لم يكن بحوزته هذا السلاح ليعوضنا به .
وفي طريق العودة طالبت
حسو بأرجاع البندقية حسب توصية البارزاني ، فأعتذر عن
سحبها من حسن عقراوي ، وسلمنا مبلغ 300 دينار لشراء
بندقية كلاشنكوف بدلا عنها .
*****
كانت تربطنا علاقات جيدة بغازي حجي ملو ، ومع
المزوريين بشكل عام بحكم الجيرة والنضال المشترك
لسنوات عديدة. وبعد التحاق اخيه عبد الواحد بالسلطة،
تم نقل غازي مع من تبقى من جماعته الى سوران وحل محله
هاشم ميروزي (1).
كان مقرنا يقع في دير
الربان هرمز عندما فاجأنا هاشم مع قوة كبيرة من اتباعه
وهي تحيط بمقرنا. طلب منا ترك المقر والمنطقة، وقد
اثار استغرابي لانه يعتبرها منطقته في الوقت الذي ولدت
انا فيها وجاء هو من الحدود التركية. كان موجوداً في
غرقتي حينما ابلغني بقراره. فأحتدم النقاش وإحتد بيننا
وكاد ان يؤدي الى صدام مباشر بيني وبينه. فأحتكمت الى
العقل بعد ان تبين لي ان فخا قد نصب لنا. ولتفادي
الانجرار لقتال لن يؤدي الا الى إلحاق خسارة كبيرة
بالطرفين ، قررنا مغادرة المقر والتوجه فورا الى
مقرآمر الهيز حسو ميرخان . وللمرة الثانية شجعني حسو
بمراجعة البارزاني مباشرة. وعلمت بأنه كان يُسعى بهذه
المؤامرة الى تحقيق هدف آخر وهو نقله من المنطقة
واحلال هاشم وغازي حجي ملو محله، بإعتبار أنهما
مزوريين. و قد ذكر بأنه لا يتمتع بأية صلاحيات لمواجهة
هاشم او اتخاذ اي اجراء بحقه .
سافرت الى بالك ومن
هناك الى گلالة ، والتقيت البارزاني وشرحت له ملابسات
المشكلة. تفهم البارزاني الموضوع ووعدني خيرا وتسلمت
منه رسالة موجهة الى حسو .
حينما عدت الى المنطقة
كانت المشكلة قد انتهت ، اذ كان الجيش قد تقدم واحتل
اتروش. وافرغت المنطقة من الپيش مرﮔة. وكان هاشم
ميروزى قد قتل في ربيئته في جبل اتروش، ولكن أشيع ان
مقتله كان على يد ابن اخته.
وللمرة الثانية أصبحت
منطقة المزوري خالية من الپيش مرﮔة وقراها مهجورة.
درسنا، حسو وانا، الوضع الجديد وقررنا عودة الپيش مرگة
وفتح المقرات لمساعدة الاهالي في العودة الى قراهم .
تحركنا سويــة الى المنطقة ووصلنا قرية خوركي المهجورة
، وابقينا فيها مجموعة مسلحة من المزوريين كمقر للپيش
مرﮔه. اما قوتنا فقد قامت بأستطلاع قمة جبل الدير
واستقرت هناك، واعطينا اشارة بأيقاد النار، كنا قد
اتفقنا عليها مع حسو، كي نبلغه بأن الطريق سالكة
ويمكنه التوجه الى مقره .
واصلنا تقدمنا نحو جبل
القوش، ولاحظنا وجود ربيئتين فوق القمة. اقتربنا اكثر
في استطلاعنا، اذ كنا بحاجة لمعرفة كل المستجدات التي
حدثت خلال فترة ابتعادنا عن منطقتنا. وجلب انتباهنا
شخصان يتقدمان بأتجاهنا. كانا اثنان من الجحوش
المتمركزين في الربيئتين الجديدتين. رحبا بنا واخبرانا
بانهما من جماعة عبد الله الشرفاني، وان افراد
الربيئتين ، حسب توصية الاغا الشرفاني ، على استعداد
تام لتقديم كل المساعدات لنا شريطة تركهم بسلام وعدم
التحرش بهم . كنا فعلا في وضع نحتاج فيه للمساعدات،
خاصة وان منطقتنا اصبحت خالية من الاهالي، فوعدناهم
خيراً .
عدنا الى جبل الدير
حيث اقمنا مقراً وراء الجبل وعند صهاريج الماء . وبما
ان كل القرى المجاورة كانت مهجورة، فلم يتمكن الانصار
من الحصول على اي شئ من الارزاق خلال تجولهم في
المنطقة لمدة ثلاثة ايام متواصلة. ووفقاً لاتفاقنا مع
جماعة الشرفاني، بدأت ارزاقنا اليومية تصل الينا، الى
ان باشر اهالي المنطقة بالعودة الى قراهم تدريجيا. ولم
تقتصر خدمات جماعة الشرفاني على توفير الارزاق لنا
فحسب، بل قدموا لنا يد المساعدة ايضا بغالبية ما كنا
نطلبه منهم. وبدورنا ساعدناهم بعدم التحرش بهم .
*****
كانت هذه المحاولة، وهي واحدة من محاولات إنهاء نفوذ
الشيوعيين، محكمة اكثر من غيرها. ودبرت مباشرة بعد
تعيين مردان حسن زكر (2) مديراً لناحية القوش. وبحكم
علاقة مردان بالحزب الديمقراطي الكردستاني فقد جرى
التنسيق بينه وبين صالح نرمو لحياكة المؤامرات ضدنا .
في تموز عام 1966 وكنا
في مقرنا في بيرموس، وصلتني رسالة من حسو ميرخان ،
يطلب فيها إرسال 15 نصيرا للبقاء معه لحين عودة حرسه
الخاص من الاجازة . وكأي طلب مشروع من مسؤول المنطقة،
هيئنا العدد المطلوب من رفاق جيدين ومسلحين بأفضل
الاسلحة وبأمرة صباح ( ابو ليلى ). ولم يؤثر هذا العدد
على قوتنا الانصارية بسبب توقف العمليات العسكرية اثر
الهدنة التي أعلنت بين الحركة الكردية المسلحة وبين
حكومة عبد الرحمن البزاز منذ بيان 29 / حزيران .
بعد فترة ، استلمت
رسالة اخرى من حسو يطلـب فيها حضوري بشكل عاجل ولامر
هام .وصلت مقره في قرية شكفتي ومعي الرفيقين أبو نصير
ومحمد سواري. رحب بنا حسو كثيرا وبشكل غيراعتيادي ،
وبعد الغداء انفردنا لوحدنا ، فبادر الى تكرار شكره
على تلبيتنا لطلبه بسرعة إرسال ال 15 رفيق ، واوضح ان
مهمتهم قد انتهت ويمكنهم العودة الى مقرنا. ثم اردف
قائلا : " لقد اقتنعت الان بعدم صحة الاخبارية الواردة
ضدكم في حينها، لانكم لبيتم طلبي ذاك ، وكان في مقدمة
الانصار المرسلين الينا ابن اخيك صباح " .
استغربت من حديثه
وطلبت منه توضيح الامر، وقلت له: " انني في حينها لم
اقم الا بالواجب تجاهكم ، وعن اية اخبارية تتحدث ؟ "
اجاب حسو : " لقد
وصلتنا رسالة مستعجلة يُطلب فيها اعتقالك ومن معك من
الانصار الشيوعيين لانكم قد اتفقتم مع السلطة
للأستسلام جميعا، وان سيارات عسكرية ستقوم بنقلكم من
دير السيدة الى الموصل بعد ان تقوموا بأعتقال
المعارضين لكم ".
وتبين ان الرسالة
مرسلة من مردان حسن زكر مديرناحية القوش، واكد فيها
وبحكم مركزه الاداري ، انه مسؤول عن تنفيذ هذه العملية
السرية وهي تحت اشرافه المباشر!!
وذكر حسو : " لقد فكرت
جيدا وبحكم معرفتي بإخلاصكم ، وقعت في حيرة من امري ،
فقررت ان لا استعجل بإتخاذ اية اجراءات، وعليه فقد
اردت إمتحانكم حينما طلبت منكم ارسال 15 نصيرا مسلحا.
وقد فوجئت بسرعة وصولهم فأقتنعت ان تلك الرسالة لم تكن
الا بداية لخيط من خيوط مؤامرة حاكها صالح نرمو
وبالاتفاق مع مروان حسن زكر."
ذ ّكرت حسو برسالة
وصلته مرة من علي جوقي عضو محلية الشيخان للحزب
الديمقراطي الكردستاني، وكنا حينها، حسو وانا، على رأس
قوة مشتركة فوق جبل ( جيا بانك ) المشرف على قرية
مريبا، من أجل احكام السيطرة عليها ولفرض حصار على عبد
الله آغا الشرفاني . طلب علي جوقي في رسالته تلك من
حسو ميرخان توجيه قوة من الپيش مرﮔة وبشكل عاجل الى
مقرالانصار الشيوعيين لاعتقالي ، بزعم أنني سألتحق
بالسلطة. حينها ضحك حسو كثيرا وكال الشتائم وسلمني
الرسالة كي اطلع عليها !!!.
قلت له : " تصور لو ان
الرسالة الأخيرة كانت قد وصلت الى شخص اخر غيرك ، الى
عيسى سوار مثلا ، فما الذي كان يمكن ان يحدث ؟!!.
يتبع
(1) من قرية ميروز ،
عشيرة مزوري بالا ( العليا ) وهي احدى عشائر المنضوية
تحت حماية بارزان ، تقع شمال شرق روبارشين على الحدود
التركية تجاور منطقة الريكانيين ، كان عمه مصطفى
ميروزي رئيس جاش ومناوئا للبارزاني .
(2) مروان حسن زكر، من
اكراد سنجار ، يدّعي بأنه عضو في الحزب الديمقراطي
الكردستاني ، شخصية انتهازية ، عين مديرا لناحية القوش
.
محاولات لانهاء نفوذ
انصارنا بين الجماهير في منطقة بهدنان (2)
في يوم 15 آيار 1967
وجرياً على ما يحصل كل عام ، اقيم الاحتفال بعيد مريم
العذراء ( شيرا ) في دير السيدة ـ القوش. إن الاحتفال
اشبه بكرنفال شعبي تحضره الاف العوائل المسيحية من
مختلف انحاء العراق. وتنتشرحول الدير العوائل وهي
مزودة بمختلف انواع الاطعمة. وتسود معالم الفرح وترتسم
البهجة على الوجوه. أما الدبكات الشعبية فتستقطب
مجاميع الشباب والشابات، ويتحول المكان الى لوحة فنية
تتراقص فيها الوان الملابس وضحكات الاطفال . وتجمع
الانصار الشيوعيون برفقة عوائلهم ومجاميع من الاصدقاء
في مكان واحد، وكنت مع عائلتي اشارك الاخرين هذا
الاحتفال .
جاء احد ازلام مردان
حسن زكر ليخبرني ان مدير الناحية يريد اللقاء بي، وهو
ينتظرني في الوادي امام الدير. استغربت من طلبه ، اذ
لم يكن بيننا اي معرفة مسبقة. فقلت للمراسل، اخبر سيدك
بأن خيمتنا واسعة والجميع سيرحبون به اذا جاء بنفسه.
اما انا فلن اذهب الى حيث يريدني شخص لا اعرفه. اقترح
الرفيق عبد جمعة تلبية الطلب لمعرفة ما الذي يريده.
رفضت ذلك بشكل قاطع ، واوضحت للرفاق انه يريد ان يري
للجميع لقائي به ، وبالتالي يمكنه ان يلفق مزيدا من
التهم ، ويدعمها بهذا اللقاء .
*****
لم تفل عزيمة مردان
حسن واستمر في محاولاته الدنيئة ضدنا. واستطاع في احدى
تلك المحاولات الايقاع برفاقنا لغفلتهم مما يحاك ضدهم
في الخفاء. ففي صيف عام 1967 كان مردان حسن و كاتب
ناحيته انطوان في بيبان ضيفان على شيخ ميرزا(3)
بمناسبة ( طوفان بيبان ) (4). قام المدعو صاحب، وهو
نصير سابق ترك الانصار، وبدفع من صالح نرمو وتشجيعه،
بمحاولة اعتداء على الرفيق اسماعيل كجل وأهانته اثناء
مروره بالقرية في طريقه الى المقر في دير الربان هرمز.
وقد تحمل الرفيق اسماعيل تلك الاهانة و تمكن من مغادرة
القرية، وحال وصوله الى المقر قدم تقريرا موجزا عن
الموضوع. وبأنفعال متعجل اقترح بعض الرفاق، ومنهم شعيا
اسرائيل وصباح ياقو واخرون، التحرك مباشرة الى القرية
لاعتقال المدعو صاحب. لم اوافق على مقترح الرفاق لانني
كنت واثقا من ان محاولة الاعتداء على رفيقنا ما هي الا
فخ واضح لجرنا نحو الاسؤ. وان من قاموا بها يتوقعون رد
فعلنا ومتهيئين له تماما. وقلت " علينا التريث واتخاذ
القرارات بحكمة وبهدؤ بعيدا عن اي تصرف غير مدروس غير
محسوب النتائج ". واضافة لذلك فأن مجموعة الرفاق اصحاب
المقترح كانوا اكثر الرفاق بعدا عن ضبط انفسهم في مثل
هذه المواقف. الا أن تمسك رفاقنا بالمقترح واصرارهم
على تنفيذه، اضطرنا اخيرا الى طرح الموضوع على اللجنة
الحزبية في المقر، والتي وافقت على تحريك مفرزة من
الانصار الى القرية ولكن من اجل التحقيق في الموضوع
فقط والعودة بسرعة .
قاد المفرزة الرفيق
شعيا اسرائيل. وعند وصولهم الى القرية توجهوا فورا الى
دار شيخ ميرزا. كان مدير الناحية وكاتبه انطوان ما
زالا هناك. وبمجرد أن دخل رفاقنا، استنفر مسلحو صالح
نرمو واحتلوا الاسطح المحيطة بالدار. وانتبه الرفاق
لهذه الحركة غير الاعتيادية فقرروا الخروج من الدار.
الا ان مسلحو صالح اطلقوا النار عليهم، فما كان من
رفاقنا الا الدفاع عن انفسهم والرد على الاعتداء. و
على اثر تبادل اطلاق النار سقط احد مسلحي صالح ويدعى (
داؤود ) قتيلا .
انسحب الرفاق بسرعة
متوجهين نحو بوزان في طريقهم الى المقر. الا ان مجموعة
من المسلحين قادها مشكو خمي وصلت قبلهم بواسطة تراكتور
الى بوزان. وكان هناك كمين لهم على طرف منها، واصطدم
رفاقنا مع أفراد الكمين فجرح منهم ستة رفاق .
وهكذا وجدنا انفسنا
وسط مشكلة عويصة نتيجة لفخ محكم نصبه صالح نرمو ومروان
حسن. وزج رفاقنا انفسهم فيه بسبب تسرعهم ، وبذلك قدموا
للمعادين لنا مبررات مقنعة لتحريض قيادة الثورة
الكردية ضدنا. كما توحدت جهود عدة قوى معادية لنا في
مسعى لتصفية نشاطنا اولا، ثم الانقضاض علينا .
تحرك صالح نرمو وبدعم
من بيت المير ومحلية الشيخان للحزب الديمقراطي
الكردستاني المتكونة اساسا من الايزيديين، وتمكنوا من
تحريض الفلاحين في القرى ضد الشيوعيين وضد المسيحيين.
ولم تكن السلطة بعيدة عما كان يحصل، بل كانت تؤجج
الصراع من خلال ممثلها مدير الناحية.
وفرض حصار على مقرنا
في دير الربان هرمز. فقد وضعت الكمائن في اطراف القوش
لقطع الطريق امام انصارنا لمنعهم من دخول القوش
والتزود بالارزاق. كما فرض حصار مماثل على عوائلنا
لمنعهم من الخروج من القوش. واخيرا دونت عريضة وقعها
مختارو القرى وقصر المير واعضاء لجنة الشيخان للحزب
الديمقراطي الكردستاني ، ورفعت الى قيادة الثورة
الكردية ،وتشترط الآتي :
1 ـ محاكمة الشيوعيين
المتسببين بمقتل داؤود.
2 ـ طرد الانصار
الشيوعيين من بهدينان ونقلهم الى سوران.
وفي حالة عدم موافقة
قيادة الثورة الكردية على المطلبين، فإن الموقعون
سينسحبون مع مسلحيهم من الثورة ويلتحقون بالسلطة .
اوعز البارزاني الى
آمر الهيز حسو ميرخان بالتحقيق في المشكلة. فوصل الى
مقرنا ولاحظ الحصار المفروض علينا من جهة القوش. ولاحظ
ايضا مجموعة شباب يتقدمهم إبني جوزيف يقودون بغالا
محملة بالارزاق ويسلكون طرقا عصية عبر الجبل تجنبا
للكمائن. ثم توجه حسو الى بيادر القوش للالتقاء
بممثلين عن الاهالي لاستطلاع رأيهم. وتبين لحسو ميرخان
ان الاهالي ليس لديهم اية شكوى ضدنا اطلاقا، وانما
العكس تماما. ولم يوقع العريضة اهالي القوش بإستثناء
اعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني فقط .
بعد اسبوع كامل من
التحقيقات، تنقل حسو خلاله بين مقرنا وبين ( بيبان )،
قرر تحميل الرفاق شعيا اسرائيل وصباح واسماعيل كجل
وعلي خليل وسيدو خلو مسؤولية الحادث، فأخذهم معه الى
مقره واودعهم السجن .
مع ذلك لم يستقر
الوضع، حيث استمر الايزيديون في المنطقة بدعم من
منظمات الحزب الديمقراطي الكردستاني بمحاربة رفاقنا
ومنعهم من دخول قراهم. وشمل المنع رفاقنا الايزيدية
ايضا، اذ لم يسمح لهم بزيارة عوائلهم في تلك القرى .
واخيرا وتحت ضغط كبير
من الايزيدية استجاب البارزاني للضغوط، وطلب من حسو
ميرخان نقلنا الى منطقة سوران .
درست اللجنة المحلية
ولجنة الانصار قرار النقل ووافقت عليه لاجهاض المؤامرة
المحاكة ضدنا، على ان نشترط على حسو الموافقة على بقاء
مكتب المحلية ومن لا يصلح للعمل الانصاري في قرية
جمانه (5) لتمشية الشؤون الحزبية في المنطقة. وقد
استجاب انصارنا لذلك القرار بشكل جيد، ولم يتخلف عن
السفر الا عدد قليل جدا ولاسباب صحية .
وصلنا الى مقر حسو
ميرخان وعدد انصارنا 45 نصيرا، ويرافقنا الرفيق احمد
كريم (ماجد) سكرتير محلية الموصل. رحب بنا حسو بحرارة،
مستغربا حماسنا للسفر بعيدا عن منطقتنا وعن عوائلنا،
ومعجبا بنفس الوقت بأخلاص الشيوعيين وصدقهم. كان حسو
قلقا، يبدو عليه وكأنه مغلوب على امره، بسبب الوضع
الجديد والمتأزم في منطقة الزيبارعلى اثرالتحاق مصطفى
دوستكي وجماعته بالسلطة. اذ لم يتبق لحسو في هذه
المنطقة الخطرة سوى مفرزة لا تتجاوز 15 مسلحا من
البارزانيين، اضافة الى 12 مسلحا بقيادة عبد الرحمن
الذي لم يكن پيش مرﮔة، وانما كان هارباً من عقرة. حاول
حسو ايجاد طريقة مناسبة للحديث حول الموضوع، و فاتحنا
أخيراً، الرفيق ماجد وانا، بمقترح البقاء في منطقة
الزيبار بدلا من السفر الى سوران. ولم يكن حسو يجهل
بأن ذلك يتطلب قرارا مباشرا من البارزاني .
لم نعطه جوابا، بل
طلبنا منه وقتا لاستطلاع اراء الانصار بالمقترح. ووافق
الجميع بأعتبار ان بقاءنا في منطقة الزيبار سيكون حلا
وسطيا يمكّننا من العودة ثانية الى منطقتنا. كنا على
ثقة ان حسو بحاجة لقوتنا الانصارية، وهو على استعداد
لايقاف تنفيذ قرار البارزاني، وله مبررات مقنعة
سيقدمها لقيادة الثورة. إنه لم يطلب منا البقاء في
الزيبارالا بسبب عدم وجود قوة اخرى بديلة يعتمد عليها
.
وعليه قررنا الموافقة
على البقاء في الزيبار، على أن يقترن ذلك بتعزيز مكانة
قوتنا الانصارية، وعلى الاخرين ان يعترفوا بهذه
المكانة، وان يفهموا اننا لم نحمل السلاح لكوننا مجرد
هاربين من السلطة، بل لكوننا انصاراً مسلحين للحزب
الشيوعي العراقي ، ولنا مكانتنا المشهودة وسط الجماهير
.
اخبرنا حسو بالموافقة
ولكن بشروط : اطلاق سراح رفاقنا المحتجزين عنده، و
ارسال الرفاق المحتجزين مع مفرزة الى منطقتنا لاثبات
وجود قوتنا الانصارية، وفي خطوة كتحدي لكل من تسبب في
تلك المشكلة. كما إشترطنا ابقاء فصيل حماية من 15
نصيرا برفقة مكتب المحلية .
وافق حسو وبسرعة على
شروطنا، فأطلق سراح رفاقنا، وأرسلناهم مباشرة الى
منطقتنا .
ثم قررنا التوجه الى
منطقة الزيبار، وأرجئنا التوجه لمقابلة البارزاني لغرض
الحصول على قرار بإلغاء نقلنا الى سوران الى ما بعد
الانتهاء من اختيار مقر جديد لنا واستقرار انصارنا فيه
.
اتخذنا من قرية ديڤري
(6) مقرا لنا، وتوفرت فيها لانصارنا ولاول مرة
الفواكهة والخضراوات التي خلفها الزيباريون بعد تركهم
للمنطقة. وبات الانصار يمتلكون الشاي والسكر والطحين
والرز ايضا. وكان لقوتنا الانصارية صدى قويا في منطقة
عقرة نتيجة الدعايات التي بثها الاصدقاء والاعداء عنا
وعن سلاحنا الفتاك (البازوكا).
بقيت قوتنا في ديفري
صيف 1967 وحتى عام 1968، حيث رجعنا الى منطقتنا لان كل
التوقعات كانت تشير الى استعدادات غازي حجي ملو
للالتحاق بالسلطة. وكان من غير الممكن ترك المنطقة
فارغة من البيشمركة. واتخذنا بيرموس مقرا لنا، في
الوقت الذي كانت حدة التوتر بيننا وبين اهالي المنطقة
قد خفت كثيرا .
ــــــــــــــــــــــ
(3) شيخ ميرزا رجل دين
ايزيدي من بيبان ، كانت له مكانة مرموقة في الوسط
الجماهيري ، كان بعد ثورة 14 تموز عضوا في الحزب
الشيوعي العراقي ، ترك العمل السياسي بعد تأزم الاوضاع
وملاحقة الحزب من قبل رجال الامن .
(4) من اعياد
الأيزيدية ، وهو اشبه بمهرجانات شعبية احتفالا بمقدم
الربيع ، وتبدأ عمليا من بعشيقة في نيسان لتنتهي في
سنجار
(5) قرية جمانه ، قرب
بيرموس مقرنا الانصاري اتخذناها مقرا لمكتب المحلية
للتنظيم المحلي .
(6) ديفري ، قرية في منطقة نهلة
قرب دينارته مركز ناحية نهلة ، تقع على سفح جبل بيرس
جنوبا ، كان سكانها من الاثوريين هجّرهم الزيباريون
وحلوا محلهم ، فيها نهر صغير ينبع من بيرس ، اراضيها
خصبة ، اصبحت مقرنا اثناء ابعادنا من المنطقة
يتبع |