|
أوراق توما توماس( 39 )
دعم
الحزب للانتفاضة بالانصار
كانت قيادة الحزب في بيروت تساهم في المؤتمر الوطني
للمعارضة العراقية حينما وصل لهيب الانتفاضة الى دهوك،
ودخول مفرزة من انصارنا اليها كما اشرت اعلاه. وبعد
انتهاء المؤتمر، عاد الرفاق الى دمشق يوم 15/3/ 1991.
في تلك الأثناء عقد م.س اجتماعا خاصا مع الرفاق اعضاء
اللجنة المركزية الموجودين في دمشق. و تقرر في
الاجتماع دعم الانتفاضة بارسال مفارز من الانصار الى
دهوك. وصدرت توجيهات الى منظمة سوريا للقيام بحملة من
اجل ذلك.
وعلى مستوى اللجنة المركزية ابدينا ( الرفيق ابو عامل
وانا ) استعدادنا للتوجه الى دهوك برفقة من يتهيأ
باسرع ما يمكن من الانصار وكوادرهم العسكرية. وكان في
مقدمتهم الرفاق ابو نصير و د.سليم و ابو نضال و ابو
محمود واخرين، ليصل عدد الذين دخلوا دهوك ضمن هذه
المفرزة قرابة 40 نصيراً.
حينما وصلت اول مجموعة من الانصار الى القامشلي يوم 21
/3/1991، كان جلال الطالباني وسامي عبد الرحمن والعديد
من كوادر الاحزاب الكردستانية ينتظرون توقف الامطار
الغزيرة و تحسن الاحوال الجوية حيث لم تتمكن السيارات
من الوصول الى مناطق العبور. وفي النهاية تمكنا جميعا
من العبور يوم 26 /3/ 1991.
قرر المكتب السياسي تشكيل مكتب مؤقت للاشراف على العمل
في محافظة دهوك لحين تشكيل هيئة لقيادة العمل لوجود
عدة جهات متداخلة في عمل وتنظيمات دهوك، منها محلية
نيموى ودهوك المستقرة في مدينة القامشلي السورية،
ومحلية دهوك المنتخبة من قبل الرفاق في الشريط الحدودي
مع ايران ومسؤول تنظيمات دهوك في الداخل، مما سبب
مشاكل تم السيطرة عليها وحلها من خلال دمج تلك
التشكيلات في لجنة مشتركة لمحافظتي نينوى ودهوك. ومن
منطلق ذاتي اعتبر مسؤول محلية نينوى ودهوك قرار م.س
إنتقاصاً من صلاحياته وتدخلا في شؤونه، ورفع شكوى بهذا
الخصوص الى م.س. وبدورنا ( ابو عامل وانا ) اوضحنا له
ان مهمتنا دعم ومساندة المحلية وليست موجهة للمس
بمسؤولية وصلاحيات ايا كان. وأكدنا اننا سنعمل في
المجال الجماهيري وفي العلاقات مع الاحزاب
الكردستانية، باعتبارنا من ابناء المحافظة، التي عملت
شخصيا في قيادتها لمدة ربع قرن في المجالات التنظيمية
والانصارية.
في مساء يوم 26 /3 كنا في مقرنا في زاخو، وهو عبارة عن
بيت عادي ذي طابقين ويقع وسط السوق. وكان البيت مكتظا
باعداد من رفاقنا القدامى الذين وضعوا انفسهم وعوائلهم
في خدمة الحزب ، وباعداد غير قليلة من الملتحقين الجدد
بالانصار ومن بينهم عدد من الجنود العرب الذين فضلوا
البقاء مع انصارنا.
عقدت الجبهة الكردستانية اجتماعا لدراسة الوضع الناشئ
في محافظة دهوك ، ولاتخاذ ما يلزم من قرارات تخدم تطور
الانتفاضة وديمومتها. وقد قاد الاجتماع جلال
الطالباني، وحضره عن حدك كمال كركوكي وعن حزبنا انا
وحيدر وعن حزب الشعب الديمقراطي الكردستاني سامي عبد
الرحمن وعن زحمتكشان قادر عزيز وعن الحركة الديمقراطية
الاشورية دكتور هرمز.
وكان من ضمن القضايا التي طرحت في الاجتماع، الموقف من
المجاميع التي اسكنت في مناطق كردستان بعد تهجير
سكانها الاصليين بهدف تعريب تلك المناطق وخاصة في
منطقة "السليفاني". ونص القرار على ضرورة عدم الاعتداء
على العوائل العربية والمحافظة على ممتلكاتها لحين
ايجاد الحلول المناسبة للمشاكل التي خلقها النظام.
و طلب مني جلال الطالباني قبل انتهاء الاجتماع
الالتقاء على حدة والاختلاء في احد اركان قاعة
الاجتماع ، ليخبرني بان " مكرم الطالباني وصل اربيل
قبل ايام وعرض طلبا من صدام حسين لقادة الحركة المسلحة
الكردية لاجراء حوارات وبدء مفاوضات مباشرة مع السلطة
، وقد وافق مسعود ونوشيروان على الحوار للوصول الى حل
للمشكلة الكردية . وانه ( مكرم ) قد التقى ايضا
بالرفيقين كريم احمد (ابو سليم) وعمر الشيخ (ابو
فاروق) ، وانه سيصل الى دهوك غدا وانت مدعو لحضور
اللقاء ".
سألت جلال عن رأيه بالحوار خاصة بعد موافقة مسعود
ونوشيروان، فاجاب " انني ضد الحوار ولا اقدم لصدام غير
طلقة الرحمة ". وبموازاة تلك الخطوات من قبل السلطة،
فانها كانت تحشد المزيد من قواتها للتقدم الى عين سفني
( الشيخان ) لاعادة سيطرتها عليها. وفي يوم 28 /3/
1991 تقدمت نحو عين سفني الدبابات وباسناد من الطيران
والمدفعية. وبعد انسحاب الپيشمرگه، لم يبق سوى انصارنا
الذين قاوموا التقدم ببطولة فائقة. وسرعان ما اعادت
السلطة سيطرتها على الشيخان. اما مكرم الطالباني فلم
يسمح له بمواصلة مهمته واعيد من منطقة فايدة الى اربيل
بسبب تلك التطورات السريعة.
الجيش يعيد السيطرة على محافظات كردستان
غالباً ما تنطلي الاعيب صدام حسين على المعارضة.
فقد مارس هذا الدكتاتور شتى اساليب الغدر والخيانة بحق
المعارضين. فهو في الوقت الذي ارسل مكرم الطالباني الى
قادة الحركة الكردية، كان يحشد قواته في حملة كبيرة
لاعادة السيطرة على المحافظات وطرد الپيشمرگه
والانتقام من ابناء الشعب الكردي.
وكانت الحملة العسكرية قد انطلقت باتجاه كركوك بسبب
وضعها غير المستقر. فقد كان قسم من معسكر خالد لا يزال
بيد الجيش، والذي يعد نقطة انطلاق مناسبة للتقدم نحو
المدينة. وضاف الى ذلك فإن كركوك تختلف عن بقية
المحافظات بسبب وجود عدة قوميات فيها وقلة عدد الاكراد
نتيجة التهجير المتواصل منذ سنوات عديدة. وشهدت شوارع
كركوك معارك غير متكافئة، اذ لم تتمكن قوى الپيشمرگه
والجماهير المنتفضة من الصمود امام القصف المدفعي
وتقدم الدبابات، فانسحبت ملتجئة الى الارياف.
وتواصلت الحملة العسكرية متقدمة نحو اربيل
والسليمانية. وتمكن النظام من اعادة السيطرة عليها دون
اي مقاومة تذكر. وفي بداية نيسان كانت الحكومة قد فرضت
السيطرة على اغلب مناطق كردستان، باستثناء بعض الاقضية
التي بقيت بيد الپيشمرگه.
اما على صعيد دهوك، فكان من المفترض وضع خطة دفاعية،
واستخدام الاسلحة المتوسطة والثقيلة التي تركها الجيش
والتدريب على كيفية استخدامها. فقد تضمنت قرارات
اجتماع اللجنة العليا للجبهة الكردستانية الذي عقد في
دهوك النقاط التالية :
1. الاستفادة من المدافع المتروكة بوضع شبكة منها في
مفرق زاخو – دهوك لمواجهة اي تقدم من فايدة الى دهوك.
2. وضع خطة دفاعية للمدينة، والسيطرة على جبل دهوك
ووضع قوة مناسبة فيه لردع ومواجهة اي تقدم من فايدة عن
طريق الجبل.
3. استلام جميع ضباط الجيش والشرطة والامن الذين يحتفظ
بهم مستشاروا الجحوش في بيوتهم بحجة انهم التجأوا
اليهم ، للاحتفاظ بهم ومنع توجههم الى النظام .
4. تجريد اعضاء حزب البعث الذين بقوا في دهوك من
السلاح، اذ كانوا يحملونه اثناء تنقلاتهم في المدينة
!!
الا انه وبشكل عام كنا نلاحظ عدم الامكانية لدى الجميع
في الدفاع عن دهوك في حالة عزم السلطة التقدم بقواتها
العسكرية باتجاه المدينة.
في يوم 30/3/ 1991 كنت في لقاء مع سامي عبد الرحمن
للتباحث في كيفية الدفاع عن المدينة. ثم توجهنا الى
لقاء مع جميع ممثلي الاحزاب في الجبهة الكردستانية في
دار " لزكين همزاني " وهو من منطقة الدوسكي، وكان
مستشارا في أفواج الدفاع الوطني "الجحوش"، والتحق
بالحركة اثناء الانتفاضة. وكان الغرض من اللقاء دراسة
التطورات في الاوضاع الكردستانية وسيطرة السلطة على
المحافظات من جديد.
في قرابة الساعة العاشرة ليلا وصل مراسل من جماعة
ابراهيم حجي ملو الذي كان مستشاراً والتحق مع حدك،
وكلفت مجموعته بحراسة جبل دهوك. ونقل المراسل بان
المجموعة رصدت حركة غير طبيعية بين وحدات الجيش في
منطقة فايدة، وانهم يتوقعون تقدم القطعات العسكرية
باتجاه دهوك هذه الليلة.
خرجنا جميعا، وقبل تفرقنا ، استوضح الطالباني من ملازم
علي ( عضو م.س – حدك ) عن القوة المنتشرة على جبل دهوك
وهل هي كافية؟ فاجاب ملازم علي: " لقد ارسلت 400
مسلحاً فلا تقلقوا ".
بعد فترة قصيرة بدأ القصف المدفعي بشكل متقطع على
اطراف المدينة. وسمعت اصوات اطلاقات نارية وراء جبل
دهوك. وفي الثانية عشر ليلا ازداد القصف كثافة حتى
الفجر و تحول الى قصف شديد ومركز على وسط المدينة
والمقرات.
خلال القصف نشط البعثيون وبعض رجال الامن المتخفيين في
دهوك ( الرتل الخامس )، واخذوا بطرق الابواب ليخبروا
الاهالي بضرورة ترك بيوتهم والهرب لوصول قطعات الجيش
العراقي الى مشارف مدينة دهوك، وحذروا من دخول هذه
القوات واستباحتها. وفي ظل غياب القيادة المنظمة
للانتفاضة، لم يكن أمام الاهالي سوى تصديق تلك
الدعايات خاصة وان سجل النظام زاخر بالممارسات الوحشية
وباستخدام الاسلحة الكيمياوية ضد ابناء الشعب العراقي.
وسرعان ما بدأ الاهالي بترك بيوتهم والتوجه نحو الحدود
التركية، لتفرغ المدينة من سكانها. ولم يبق فيها سوى
المحسوبين على البعث وازلام الامن.
في الرابعة فجرا تحركنا من البيت ( كنا ننام في دار
عادل القاضي ) باتجاه مقرنا في دهوك. وفي طريقنا
ابلغنا مقر الحركة الديمقراطية الاشورية بالمستجدات
وضرورة التحرك، ثم توجهنا الى مقر حدك. وكان أعضاء حدك
في حينها منشغلين بتحميل ممتلكات المقر بسيارات لنقلها
خارج دهوك. واستفسرت من نجم الدين اليوسفي عن وجهتهم ،
فأكد على انهم سيخرجون من المدينة باتجاه الشمال.
واصلنا سيرنا باتجاه المقر، وقبل دخولنا سقطت قذيفة
مدفعية بقربنا، ولولا جنوحها قليلا لكانت قد قضت علينا
جميعا.
لم نجد احداً في المقر، اذ كان الرفاق قد باتوا ليلتهم
في المدينة.
حينها قررت التحرك. فأخذت الرفاق ومنهم الرفيق ابو
عامل نحو گلي بيسري حيث يوجد تجمع كبير من الاهالي .
ثم قررت الرجوع الى المقر لجلب بقية الرفاق الذين كان
من المتوقع وصولهم الى المقر. ورغم ملاحظات الرفيق ابو
عامل بخطورة الرجوع والدخول الى المقر، الا اننا
تحركنا ورافقني الرفيق ابو نصير. وتمكنا من سحب جميع
الرفاق من المدينة الى زاويته ومنها واصلنا مسيرتنا
نحو سرسنك حيث التقينا هناك برفاقنا من العمادية.
كانت سرسنك ايضا خالية من سكانها. ولم يكن في المدينة
سوى رفاقنا. وعلمنا منهم بان جلال الطالباني وسامي عبد
الرحمن توجها الى اربيل. فقررنا التوجه الى العمادية
في محاولة للالتقاء مع الطالباني قبل توجهه الى اربيل
من أجل الاتفاق على الاجراءات التي يجب على قواتنا
الالتزام بها. وفعلا التقيت بالطالباني في العمادية.
وفي اثناء اللقاء وصل احد مسؤولي اوك ليشرح لنا
الاوضاع على جبل دهوك، حيث تمكن الجيش من اعادة
السيطرة عليه وانه (الجبل) كان خاليا من الپيشمرگه
باستثناء 25 مسلحا من اوك.
اقترح جلال ان ارافقه الى اربيل. إلا أنني اعتذرت
لكوني ملزم بالعودة الى الرفاق في زاخو، حيث المعارك
تدور هناك.
وصلت زاخو مساءا، وكانت المعارك على اشدها في مدخل گلي
زاخو. وقد استبسل الپيشمرگه من حدك وانصارنا في صد
تقدم القطعات العسكرية، ومن ثم دحر الهجوم ومطاردة
القطعات التي تراجحت حتى مشارف سميل، بعد ان اوقع
الپيشمرگه والأنصار فيها الخسائر واسروا اعدادا من
الجنود.
كان الجيش يعسكر في معسكر سهيلة في الجانب الاخر من
نهر دجله قرب الحدود العراقية - السورية. وقد تمركز
الجيش في احدى اهم الربايا على موقع كرجبرة التي تشرف
على طريق فيشخابور – ديرابون ، وعلى موقع العبور في سي
مالكه في المثلث الحدودي.
ولغرض اقتحام الربيئة والسيطرة عليها لفتح الطريق امام
التحاق الپيشمرگه والانصار، تم تشكيل قوة مشتركة من
پيشمرگه حدك وانصارنا. وتوجه مسؤولا القوة المشتركة
كمال كركوكلي من حدك وابو سربست من انصارنا الى الجانب
السوري للحصول على موافقة الحكومة السورية على مهاجمة
الربيئة من الاراضي السورية لاستحالة مهاجمتها من
الجانب العراقي لوجود نهر دجلة كعائق طبيعي. رفضت
الحكومة السورية ذلك الطلب. وعندما اعاد الجيش العراقي
سيطرته على فيشخابور والمنطقة المحيطة بها، بقي كمال
كركوكلي وابو سربست في الجانب السوري. اما الرفاق
الذين انتظروا في الجانب العراقي فقد تمكنوا من العبور
الى الاراضي التركية.
لم نكن نعرف بهذه التفاصيل، لذلك ارسلنا اربعة رفاق
بسيارة گاز عسكرية الى نقطة العبور في فيشخابور لإبلاغ
المجموعة المكلفة باقتحام الربيئة بضرورة الانسحاب الى
زاخو لخطورة الوضع العسكري واحتمال سقوط زاخو بيد
الجيش. وعند وصول الرفاق الاربعة الى مسافة 500 متر من
نقطة العبور، وجدوا انفسهم داخل كمين للجيش واحاط بهم
الجنود لاعتقالهم. وبسرعة تمكن انصارنا من ترك السيارة
والانسحاب مبتعدين عن الكمين، وواصلوا انسحابهم حتى
مدينة زاخو. حينها تأكد لنا بأن سقوط زاخو بات وشيكا
بالفعل بعد احتلال فيشخابور، اذ سيتمكن الجيش من
تطويقها والسيطرة عليها بكل سهولة.
تدارسنا الوضع بسرعة، واتفقنا على مغادرة زاخو
والانسحاب نحو سرسنك للالتقاء برفاق العمادية، على ان
يبقى الرفيق ملازم كيفي بانتظار عودة الرفاق من
المعارك وعبر التنسيق مع پيشمرگه حدك للانسحاب .
في الثانية عشر ليلا، تركنا زاخو متوجهين الى سرسنك
بسيارة لوري مارسيدس. وفي سرسنك التقينا رفاق العمادية
وهم يتهيئون لمرافقة عوائلهم باتجاه الحدود نحو ايران.
استطلعنا الاراء حول وجهتنا، فكانت الاغلبية تشير الى
التوجه الى مقراتنا في رانيه او نوكان، عدا الرفيق
حيدر الذي طالب باللجوء الى تركيا. عندئذ سلمت مبلغ 12
ألف دينار للرفيقين سردار عمادي ومحمد سواري لتغطية
مصاريف العوائل حتى وصولهم الى ايران.
بقينا 42 نصيرا بضمنهم اثنان من الحركة الديمقراطية
الاشورية. توجهنا الى رانيه لنصلها في يوم 2/4/ 1991،
حيث اتصلنا بالرفيقين ابو سليم وابو فاروق وطلبنا
السماح لنا بالتوجه الى شقلاوه حيث كانا موجودين. فكان
الرد بالانتظار في رانيه الى اشعار اخر.
كان الوضع في رانية اعتياديا رغم ازدحامها بالاهالي .
اذ كانت السلطة قد اكتفت بالسيطرة على السليمانية ولم
تتقدم نحو الاقضية. وبقيت قلعة دزة ورانية ودوكان
وشقلاوة تحت حماية الپيشمرگه. الا ان الجيش تقدم في
اربيل ووصل الى مصيف صلاح الدين وسيطر عليه، ضمن خطة
للتقدم نحو شقلاوة وصولا الى الحدود التركية
والايرانية. اما في بهدينان فقد كان الاهالي يتوجهون
نحو الحدود التركية والايرانية.
معركة كورة الفاصلة
تقع قرية كورة بين مصيف صلاح الدين وشقلاوة في
منخفض بعد جبل صلاح الدين. يحيط بالقرية من جهة الشمال
جبل يشكل منفذها الى مدينة شقلاوة على شكل مضيق يمكن
السيطرة عليه ومنع المرور منه. وحينما تهيأ الجيش
للتقدم نحو شقلاوة ومنها مواصلة التقدم نحو الحدود،
اتخذ پيشمرگه حدك و اوك وانصار حزبنا الشيوعي قرارا
بالدفاع عن المضيق وعدم السماح لقطعات الجيش من عبوره.
وقد تم وضع خطة محكمة لهذا الغرض، وتمت السيطرة على
قمم الجبلين .
تحركت القطعات العسكرية من مصيف صلاح الدين تتقدمها
الدبابات لتحتل قرية كورة. وترك الاهالي في شقلاوة
بيوتهم وتوجهوا الى الحدود الايرانية. وتحرك ابو سليم
وابو فاروق ومن معهم من الرفاق من شقلاوة ليصلوا الى
نوكان.
تقدمت الدبابات نحو المضيق ودخلته في محاولة لاجتيازه.
وتقدمت وراءها القطعات العسكرية. فاحتدمت معركة حامية
تمكن خلالها الپيشمرگه والانصار من حرق 7 دبابات على
اطراف المضيق. فانسحب الجيش الى قرية كورة بعد أن خلف
وراءه قرابة 150 قتيلا تركوا في ارض المعركة.
لقد بدلت تلك المعركة الكثير من الموازين. اذ أجبرت
السلطة على التراجع عن خطتها في التقدم العسكري نحو
الحدود خوفا من إنهيار معنويات الجنود. وقررت ايقاف
القتال ، ليصبح المضيق تحت سيطرة للثوار ولا يمكن
للسلطة تجاوزه دون موافقتهم. اما الرفاق كانبي محمد
صالح وسعدون ومحسن ياسين واخرين من مسؤولي الانصار
وبقية انصار اربيل فقد اجترحوا البطولات مع پيشمرگه
القوى الاخرى في ايقاف التقدم ودحره.
وفي رانية، فقد نشط عملاء السلطة ببث الدعايات عن قرب
تقدم الجيش، مما دفع الاهالي الى تركها والتوجه نحو
الارياف والوديان البعيدة. ومع اعادة السلطة سيطرتها
على دوكان دب الخوف في قلوب السكان، ولم تشفع محاولات
الپيشمرگه في تهدأتهم واقناعهم بالبقاء. فبدأت مواكب
الاهالي المنسحبين سيرا على الاقدام او بالسيارات
المتوفرة تتوجه نحو قلعة دزه منذ المساء، ليشكلوا رتلا
طويلا بدايته في رانيه ونهايته في قلعة دزه.
تحركنا من المقر في رانية بسيارة كبيرة. ومما يؤسف له
قيام الرفيق سليم سور امر سرية بشدر بحرق محتويات مخزن
المقر دون استشارة احد من الرفاق المسؤولين. وفقدنا
جراء ذلك عدداً كبيراً من الاجهزة اللاسلكية ومنها ما
يصلح لنصب اذاعة ، بالاضافة الى الاسلحة الثقيلة.
واصلنا مسيرتنا وسط قافلة كبيرة من السيارات والجرارات
التي أثارت ازدحاما كثيفا في الطريق لنصل قلعة دزه بعد
7 ساعات ، في حين أن المسافة بينها وبين رانية لا
يستغرق قطعها اكثر من ساعة واحدة. بعد استراحة قصيرة
في قلعة دزه، واصلنا السير باتجاه قرية سوني الحدودية
حيث تعطلت فيها سيارتنا مما اضطرنا لمواصلة السير مشيا
على الاقدام.
إن المرء لا يوفق في وصف مأساة تلك الحشود البشرية وهي
تزحف في طرق موحلة وتحت المطر والثلوج. هذه الحشود
التي لا تملك ما يعينها على تحمل البرد وبلا طعام،
ووسط صراخ الاطفال الجياع. كنا نسمع تصاعد صراخ احدى
النساء وهي في ساعات مخاضها لتضع طفلها تحت ستار
بطانية هيأها لها مجموعة من الرجال. في تلك الاحوال
الصعبة وجد من يحاول استغلال الاخرين ، كأن يبيع الخبز
او البيض وباسعار خيالية.
وصلنا نوكان، حيث يوجد مقر لجنة اقليم كردستان. وكان
رفاقنا يوزعون الدقيق على المحتاجين من الاهالي وايواء
عوائل رفاقنا واصدقائنا ومساعدتهم على توفير الطعام .
لقد نجحت السلطة في افراغ كردستان من سكانها ودفعت بهم
الى الحدود الدولية مع ايران وتركيا، حيث حوصر هناك
اكثر من مليونين من الاكراد تحت وطأة الجوع والبرد و
مات عدة الاف منهم حتى قامت الامم المتحدة باسعافهم
بالاطعمة والافرشة والخيام .
وهنا قدمت السلطة مقترحها بالتفاوض مع القيادات
الكردية لحل المشكلة.
ابدى حدك استعداده للحوار مع السلطة وقام باشعارها
بذلك.
توجه وفد من حزبنا ضم الرفاق ابو سليم وابو فاروق وانا
للقاء مع مسعود البارزاني لبحث الموضوع . وفي اللقاء
الذي ضم بالاضافة الى مسعود اعضاءا من م.س حدك ، ذكر
مسعود " اننا ندخل الحوار مع سلطة صدام ، ليس برغبة في
التعاون ، وانما من اعادة مليوني كردي الى ديارهم ،
حتى لا يتشتتوا في البلدان الاوربية وتصعب عودتهم ،
اننا نريد كردستان بسكانها . من الممكن ان يسكن فيها
اناس اخرين وتفقد هويتها كما حدث للارمن وغيرهم " وقال
" من الناحية القتالية فلم يعد للاكراد استعداد
لمقاتلة السلطة ومعنوياتهم منهارة " . وجاء بمثل واقعي
حيث قال "ان حرسي الخاص يتكون من 500 مقاتل عند
الضرورة ، ولم يبق معي الان اكثر من 25 مقاتل. لا يمكن
اعادة الاهالي الى بيوتهم الا عبر الحوار مع السلطة ".
كنا نعتقد بان الحوار مع السلطة ينطوي على موقف الضعف
وسيضر بقضية الشعب الكردي.
لم يبق من رفاق لجنة الاقليم سوى ثلاثة رفاق وهم ملا
حسن ومام قادر ومام صالح. ومع وصول الرفيق ابو سليم
ووصولنا ( ابو عامل وحيدر وانا ) الى نوكان، اصبح
العدد 7 رفاق. فكرنا في اعادة تشكيلات الانصار خاصة
بعد ايقاف تقدم الجيش في مضيق كورة. وبدء سكان رانيه
وقلعة دزه وقسم من سكان شقلاوة بالرجوع الى بيوتهم
تدريجيا. ولكن الجانب المالي جعلنا نتريث، حيث لم يكن
للاقليم اية رصيد مالي.
وبعد البحث، قدمنا مقترحا الى م.س بتخصيص مبلغ شهري
لتجنيد الف نصير في كردستان وتسليحهم بالاسلحة
الخفيفة. إلاّ أن م.س لم يوافق على المقترح بسبب الوضع
المالي المتردي للحزب. ولكننا شكلنا فصيل في جوار
قورنه وآخر في قلعة دزه، وسرية في رانية وكوي سنجق ...
الخ. وكانت لنا قوة لا بأس بها في شقلاوة بقيادة
الرفيق كانبي محمد صالح شاركت في معركة مضيق كورة كما
ورد سابقا.
وبعد تطبيق قرار الامم المتحدة بايجاد الملاذ الآمن
للاكراد، عاد انصار نينوى في 13/5/ 1991. وعاد ايضا
بعض الرفاق من معسكر اللاجئين في ديار بكر وفي مقدمتهم
احمد اسلام بامرني (ابو ايفان)، اذ تم تشكيل سرية
للانصار قوامها 100 نصير استقرت في بامرني . وبدأ
الرفاق بالعودة تدريجيا مع عوائلهم من تركيا.
يتبع |