|
أوراق توما توماس( 37
)
الاجازة خارج كردستان
لم يبق في كردستان من رفاق م. س بعد سفر الرفيق عمر
الشيخ سوى آرا كممثل لقيادة الحزب والذي اعتبر نفسه
بديلا عن م. س.
كنت في مهمة اشراف على الفوج الاول، حينما وردتني
برقية من م.س ( من آرا ) يطلب فيها التوجه الى
بيربينان ( خواكورك) بعد تسليم مهمة قيادة قاطع
بهدينان الى الرفيق ابو عادل المستشار السياسي للقاطع
، وذلك لارسالي في اجازة وفق طلب من الرفاق في م.س
الموجودين في الخارج، اي بدون طلب مني شخصيا وحتى بدون
رغبة مني.
عدت الى مقر القاطع، وسلمت كل ما بذمتي من سجلات
الاسلحة والمالية، وتوجهت الى مقر م.س في خواكورك.
وحينما التقيت آرا ابلغني بالتهيؤ للمغادرة الى ايران
ومنها الى سوريا. ابديت تحفظي على القرار وابلغته ان
فرض الاجازات ليست طريقة سليمة للتعامل. وكتبت بهذا
الخصوص برقية الى الرفاق في م.س اعترض على القرار ،
وهل هو فعلا قرارهم ؟
وكان طبيعيا ومعتادا ان لا استلم جوابا ، وواجهت آرا
بصراحة بشكوكي في ارسال تلك البرقية.
الى جانب عدم طلبي للاجازة وعدم رغبتي بها اساسا ، فإن
التمتع باجازة خارج كردستان لم يكن واردا قبل انعقاد
اجتماع اللجنة المركزية ، والمقرر عقده في ربيع 1988 ،
والذي كنت اتوقع ان يكون اجتماعا هاما بما يخص مستقبل
الحركة الانصارية وتشكيلاتها.
اصر آرا على خروجي من كردستان !!! موضحا بأن اجتماع
اللجنة المركزية سيعقد في دمشق، حيث سيغادر جميع رفاق
ل.م تباعا الى هناك وبعد سفري مباشرة. واوضح بأن
الرفيق احمد بانيخيلاني قد سبقني فعلا وان الرفيق ابو
سيروان سيسافر بعد سفري وكذلك الامر مع الرفيق ابو
عامل والاخرين.
وفي الحقيقة كنت في ريبة من تلك التوضيحات. كانت اكثر
توقعاتي تشير الى محاولة ابعادنا بحجة الاجازة تمهيدا
لتسليم القواطع الى الرفاق الجدد ( من العشرة )، بمعنى
تمرير الخطة التي لم يوفق م.س في امرارها في اجتماع
اللجنة المركزية 1986، وبالتالي تسليم مسؤولية الانصار
الى اقليم كردستان.
اخيرا رضخت للقرار. فعدم السفر يعني رفض قرار م.س ،
ويترتب عليه موقف معارضة القرارات الحزبية. فاذا كانت
المسألة محسومة عند م.س فلا مفر اذن من التنفيذ. وهكذا
سافرت يوم 19/10/ 1987 .
في بلدة (اشنوية ) في ايران كنت بإستضافة ابو حكمت.
ولكن بعد اقل من 24 ساعة على تأكيد آرا بأن " اجتماع
اللجنة المركزية سيعقد في دمشق ، وان جميع رفاق ل.م
سيتوجهون الى هناك " وصل الرفيق كاظم حبيب وهو في
طريقه الى بيربينان.
سألت الرفيق كاظم وهو عضو م.س عن سبب مجيئه في مثل هذا
الوقت ، واللجنة المركزية بصدد عقد اجتماعها في دمشق
قريبا.
اجابني بأن ذلك غير صحيح وهو يعرف جيدا قرار م.س بأن
الاجتماع سيعقد في كردستان.
ولم استغرب من ذلك ، لانني فعلا كنت مقتنعا بأن الغاية
من تسفيرنا لم تكن رحمة بنا لزيارة عوائلنا، وانما
كانت لابعادنا فقط عن الاجتماع القادم.
واكد الرفيق كاظم حبيب بأن الرفيق عزيز محمد في طريقه
الى كردستان ، وربما سأصادفه في طريقي.
واصلت طريقي ، واملي الالتقاء بالرفيق عزيز لاستعلم
منه حيقية الامر. بقيت في طهران مدة اسبوعين ، وبعد
الالتحاق بالرفيق احمد بانيخيلاني والرفيق ابو هيوا (
ملا بكر وعائلته ) في مشهد ، تمكنا من اجتياز الحدود
والتوجه الى كابول .
في كابول التقيت الرفيق عزيز محمد وهو في طريقه الى
كردستان . وسألته " اذا كنتم قادمون للاجتماع ، فلماذا
تبعدونا وترحلونا الى الخارج ؟ "
اجاب الرفيق " قابل نجتمع نحن بدونكم .. تمتعو
بالاجازة وسندعوكم للاجتماع ".
كان ذلك اواسط كانون الاول ونحن لا نزال في كابول ،
فأستغربت ، اذ متى سنصل الى عوائلنا ؟ وما هي المدة
التي نتمتع بها كإجازة ...؟
فسألته " ألم يكن ممكنا تأجيل اجازاتنا الى ما بعد
الاجتماع ".
فأكد " ان الاجتماع سيكون في ايار 1988 وانتم ستحضرونه
".
بقيت في كابول اسبوعين ايضا ومنها غادرت الى موسكو، ثم
الى دمشق التي وصلتها يوم 4/1/ 1988.
في اذار 1988 تقرر سفر الرفيق عمر الشيخ الى كردستان،
وحينما سألته عن موعد الاجتماع ، طلب مني تهيئة جواز
سفري ، وسأبلغ لاحقا بالموعد.
وفعلا بلغني الرفاق في لجنة الخارج يوم 24/4 بتقديم
جوازي للحصول على موافقة السفر، وحصلوا على الموافقة
يوم 24/5 وموعد للسفر يوم 29/6.
ارسلت لجنة الخارج برقية الى كردستان لاشعار الرفاق
بموعد وصولي الى طهران. فكان الجواب برقية بتاريخ 26
/6 هذا مضمونها [ ... اذا كانت الغاية من مجيئه للحفلة
!!! فإنها انتهت منذ شهر !!! اما اذا كانت لشئ اخر
فلسنا بحاجة اليه !!. ]
وكان لمضمون البرقية وقع مؤلم ، خاصة عبارة ( لسنا
بحاجة اليه ).
واين ؟ في اقليم كردستان ... اذ مهما كانت الغاية من
قرارهم ، فقد كان بالامكان ابلاغه بطريقه مناسبة. فأنا
كنت في موقع قيادي ، عسكري وحزبي في الاقليم منذ عام
1963. فهل يعقل ان لا يحتاجني العمل في الاقليم؟ خاصة
في المجال الحزبي.
وهكذا كنا نحن قادة القواطع العسكرية، ننتظر معرفة
الاجراءات التنظيمية التي جرت بعد اجتماع اللجنة
المركزية ، وما هي مهماتنا ، حتى وصول الرفيق عزيز
محمد ، اذ اكد ان اجتماع ل.م القادم مكلف بتوزيع
الكادر القيادي على ضوء المستجدات في تشكيلات الحركة
الانصارية.
وحينما طلبت السفر الى كردستان لمواصلة عملي ضمن
الاقليم ووفق ما ترتأية قيادة منظمة الاقليم سواء كان
في العلاقات او المالية او اية مهمة اخرى، أوضح الرفيق
عزيز بأن " لا حاجة لسفرك الان وعودتك ثانية للاجتماع
في الخريف القادم ، وهو وقت قصير حيث سيتم اعادة توزيع
العمل ".
وبقينا ( مسؤولي القواطع ) عمليا مجمدين بلا عمل او
مهمة حتى اجتماع اللجنة المركزية في 1989.
وعلمنا بأن اجتماع ل.م كان قد عقد في نيسان 1988 ولم
يحضره بالاضافة لنا (مسؤولي القواطع الانصارية الثلاثة
) ، الرفيقين عبدالرزاق الصافي وعادل حبه .
وكانت
النقطة الاساسية فيه ، نقل مسؤولية حركة الانصار من
قيادة الحزب الى لجنة اقليم كردستان ، وحل القواطع وكل
تشكيلاتها والمكتب العسكري المركزي .
وقد وافقت ل.م على قرار نقل المسؤولية الى قيادة
الاقليم بمعارضة صوت واحد فقط ، هو مسؤول المكتب
العسكري الرفيق ابو عامل . ويظهر ان الرفيق عزيز كان
قد حاول اقناع ابو عامل لتغيير موقفه ، الا انه ( كان
كالذي يطبخ الحصى ) على حد تعبيره ، ويبدو ان الرفيق
رحيم عجينه قد غيّر رأيه بعد اقتناعه برأي الرفيق ابو
عامل .
تقرر في ذلك الاجتماع ترشيح رفيق الى اللجنة المركزية
واعفاء احد الرفاق الجدد ( العشرة ) من عضوية ل.م لضعف
كان قد ابداه اثناء اعتقاله في 1978.
وكما ذكرت فإن الاجتماع قرر حل القواطع. واناط
الإجتماع مسؤولية الافواج العسكرية الى اللجان المحلية
والسرايا الى لجان الاقضية ، وشكلت هيئات جديدة سميت "
المفصل " مهمتها التنسيق بين المحليات القريبة من
بعضها مثل نينوى ودهوك او كركوك والسليمانية. وحل مكتب
الاقليم محل المكتب العسكري المركزي من الناحية
العسكرية والحزبية.
وبالنسبة لقاطع بهدينان فقد تم توزيع الانصار، بعد حل
القاطع، على الفوجين الاول " نينوى " والثالث " دهوك.
" ونسب الرفيق لبيد عباوي ( ابو رنا ) لقيادة نينوى
والرفيق ابو عادل لقيادة دهوك. وتم تشكيل هيئة ( مفصل
) منهما ومن الرفيقين ملازم هشام وابو عمشه. اما بقية
الرفاق الكوادر في المحليتين فلم يكلفوا بمهمات محددة
انتظارا لارسالهم الى الداخل. وهكذا تكررت مرة ثانية
ظاهرة تجميع الكادر كما حدث في عام 1982 قبل احداث بشت
ئاشان.
اما مسؤولية محلية اربيل فقد انيطت بالرفيق ابو ربيع
ومحلية السليمانية بالرفيق ابو ناصر، في حين لم يكلف
الرفاق اعضاء اللجنة المركزية من رفاق الاقليم ومكتبه
سابقا ( الرفاق الاكراد ) بأية مهمة ، بمعنى أنه لم
يبق اي رفيق كردي على مستوى القيادة في الاقليم سوى
مسؤوله الرفيق عمر الشيخ. كما اضيف الرفيق ابو يسار
الى لجنة الاقليم ، وهكذا تم تعريب قيادة الاقليم دون
ان تلاحظ اللجنة المركزية مدى خطورة ذلك من الناحية
الفكرية وتأثيراتها على القاعدة الحزبية.
في تلك الفترة توالت تراجعات الجيش الايراني. وكانت
اغلب التوقعات تشير الى احتمالات ايقاف الحرب ، مما
سيفسح المجال امام السلطة لتدشين حرب ابادة شاملة في
كردستان. وكانت تهديدات رأس النظام بإستخدام السلاح
الكيمياوي تطلق علنا. في مثل هكذا اوضاع وتوقعات
بأحداث كبيرة وخطرة، كان لزاما على قيادة الحزب اتخاذ
الاحتياطات من خلال تعزيز مركزة العمل الانصاري ،
لتوحيد المواقف والجهود لانجاز الخطط، ان كانت
بالمواجهة او بالانسحابات المنظمة والمخططة وفق خطة
طوارئ يجري الالتزام بها مركزيا.لكن الذي حصل كان عكس
ذلك تماما ، حيث تم ابعاد مسؤولي القواطع الذين
اكتسبوا الخبرة والكفاءة في تمرسهم بالحركة الانصارية.
جاء في وثيقة تقييم الحركة الانصارية ( وحينما اقرت
ل.م في اجتماع حزيران – تموز 1988 ربط الحركة
الانصارية بمنظمة الاقليم مجدداً، جاء هذا القرار
متأخراً وترافق مع الهجوم الواسع الذي قامت به السلطة
على المناطق المحررة في كردستان، وبالتالي لم تتح
الفرصة الكافية لامتحان هذا القرار على ارض الواقع
وخاصة في تلك الظروف الصعبة، مما كلفنا خسائر كبيرة.).
وهنا نتساءل : ألم يكن بالامكان تأجيل مثل هذا القرار.
فقيادة الحزب كانت على دراية بأوضاع منظماتنا الحزبية
في اقليم كردستان وكم كانت ضعيفة، لتحّملها وفق ذلك
القرار مهمة ثقيلة وصعبة، هي قيادة الحركة الانصارية.
ان
الاجراءات التي تمت بعد اجتماع اللجنة المركزية، لم
تكن تخلو من مساعي اضعاف وتحجيم الهيئات العسكرية
والعمل الانصاري بشكل عام.
ثم من كان لا يتوقع ( وخاصة الاحزاب المتواجدة على
ساحة كردستان ) بأن السلطة الدكتاتورية ستشن اعنف
هجوماتها على كردستان حال انتهاء الحرب مع ايران. فمنذ
التوقيع على ايقاف الحرب وحتى مباشرة التقدم نحو
كردستان فترة زمنية رغم قصرها، الا انها كانت كافية
لدراسة الوضع واتخاذ الاجراءات الاحترازية الموحدة بين
جميع وحدات وتشكيلات الانصار والمنظمات الحزبية، ووضع
خطة مشتركة للتحرك على كافة الاصعدة ، كالمشاغلة
والمواجهة عسكريا ، وانقاذ العوائل وايجاد طرق انسحاب
مناسبة. إن هذه الخطط تتخذها اقوى الوحدات العسكرية
النظامية وكذلك وحدات الانصار، وهي دلالة على الشجاعة
والحكمة ، وليست كما يطلق عليها البعض " هزيمة ".
ان البقاء في المقرات بأنتظار تقدم القطعات العسكرية،
لا يؤدي بالحركة الانصارية الا الى ما وصلنا اليه، وما
حصل في الفوج الاول دليل واضح على ذلك ( سنأتي للموضوع
لاحقا ).
لقد باشرت السلطة حملتها لابادة الشعب الكردي والحركة
المسلحة في كردستان، منطلقة من منطقة كركوك. فقد قامت
السلطة بحرق القرى وابادة سكانها واعتقال من تبقى منهم
وارسالهم الى المجهول. ولا يعرف مصيرهم لحد الان . وقد
قدر عددهم بـ 182 الف من الشيوخ والنساء والاطفال. في
اثناء المفاوضات مع وفد الجبهة الكردستانية في اربيل،
اعترف علي الكيمياوي بموت 100 الف فقط في عام 1996، في
رده على تساؤل جلال الطالباني حول مصيرهم.
وامتد تقدم القطعات العسكرية لتشمل مناطق خواكورك
واربيل. وبالرغم من ذلك لم يفكر رفاقنا في بهدينان
بإيجاد حل مناسب لعوائلهم ، بإبعادهم عن المواقع
الخطرة في العمق وارسالهم نحو المناطق الحدودية ،
لتسهيل لجوئهم الى تركيا في حالة اضطرارهم للنجاة
بأنفسهم. كما لم يكن لدى الفوجين ( المحليتين ) الاول
والثالث اية خطة للتنسيق فيما بينهما عبر " المفصل "
الذي تم تشكيله اساسا لغرض التنسيق !!، انما اتخذت كل
محلية خطتها المستقلة. ان ما قدمه انصار الفوج الثالث
من ملاحظات وآراء اثناء الاجتماع الموسع الذي عقد في
القامشلي بعد تركهم لمخيمات اللجوء في تركيا ، دليل
صريح على حالة التخبط والارباك التي سادت تلك الفترة.
وسأكتفي بآراء ثلاثة رفاق ورفيقة واحدة هم :
الرفيق ابو وسن " الطريق " ويشير الى أن: " عملية دمج
الانصار بالمحليات خطأ ، ولم تكن موفقة ، كانت عملية
تحجيم للحركة الانصارية . لم تدرس المحلية ما كان يدور
من الاحداث واخبار المنطقة . انسحب امر الفوج تاركا
الانصار في قرية شيفي لينسحبوا الى تركيا ، وتوجه الى
ايران . ترك بعض الرفاق في مقر زيوه دون اشعارهم بخلو
المنطقة من الانصار وان عليهم الانسحاب ، وقد استشهد
ثلاثة منهم بالسلاح الكيمياوي ".
الرفيق
دكتور سليم : " التشكيلات التنظيمية الجديدة لم تتماشى
مع الحركة الانصارية . سجل قاطع بهدينان تراجعا منذ
اواخر 1987 . المفصل القيادي غير مؤهل لقيادة العمل في
بهدينان . الغاء مقر القاطع جعل التعاون الجبهوي مع
القوى الكردستانية ينزل الى مستوى المحليات . احمل
المفصل القيادي مسؤولية ما حصل ، اذ كان بإمكانه ابقاء
العلاقة مستمرة للتنسيق بين الفوجين الاول والثالث" .
الرفيقة انوار : " اخبار الهجوم على المنطقة كانت
مؤكدة بدليل الحملة على اربيل والسليمانية وخواكورك ..
اخراج الرفاق يتنافى والاهتمام بحركة الانصار ودليل
على تحجيمها ".
الرفيق ملازم نعمان : " ان عملية اخراج الرفاق الى
الخارج كانت الغاية منها تحجيم حركة الانصار .. قرار "
كل من يدبر حاله " كان له تأثير سلبي سئ على المحلية
والانصار" .
وقد
بادر بعض الرفاق ومنهم ابو وسن وملازم هشام وابو ايفان
لتوجيه الانصار اثناء انسحابهم نحو الحدود والتوجه الى
مخيمات اللجوء في تركيا.
انسحاب محلية نينوى ( الفوج الاول )
كانت اخر مفرزة طريق بقيادة الرفيق ابو دنيا قد تحركت
بإتجاه الاراضي العراقية في يوم 25 /7/ 1988. حينها
كنت في القامشلي .. وكان من ضمن المفرزة الرفيق خديدة
حسين ( ابو داود ) عضو محلية نينوى. يذكر الرفيق أبو
داود انه بعد وصوله الى الفوج الثالث ، توجه الى الفوج
الاول ، الا انه لم يستطع العبور الى الجهة الجنوبية
من الشارع بسبب السيارات العسكرية والمدرعات المنتظمة
في رتل طويل امتد من سواره توكه لتصل مقدمته العمادية.
ولم يكن سهلا في مثل هذه الحالة مجرد الاقتراب من
الشارع. ويذكر الرفيق: " انتظرنا حلول الظلام، وبحذر
شديد تمكنا من العبور لنواصل مسيرتنا نحو كلي مراني –
مقر محلية نينوى (الفوج الاول ) .
كان الوضع في الفوج طبيعيا للغاية، وكأن شيئا لم يحدث.
واستفسرت من الرفيق ابو رنا مسؤول المحلية عن سبب
البقاء والانتظار في المقر في وقت وصلت فيه القطعات
العسكرية الى العمادية، الامر الذي يعني بأن طوقا
محكما قد فرض على المنطقة وان اغلب الطرق قد احكم
غلقها امام اي انسحاب ". فكان رد الرفيق بأنهم ينتظرون
رأي محلية الشيخان للحزب الديمقراطي الكردستاني لغرض
التنسيق معهم.
كانت محلية حدك في الشيخان قد اتخذت قرارها، واصدرت
توجيهاتها الى الپيشمرگه وعوائلهم بالانسحاب نحو
الحدود التركية ومحاولة الابتعاد عن التجمعات العسكرية
لتلافي الاصطدام معها. كانوا قد غادروا المنطقة
ورفاقنا في محلية نينوى ينتظرون رأيهم للتنسيق معهم.
في يوم 27 /8/ 1988 اضطر انصارنا في محلية نينوى الى
مغادرة المقر بدون خطة منظمة ومدروسة، متوجهين نحو
الشرق لغرض العبور الى كافية ومواصلة الطريق نحو
الحدود التركية. وكانت عوائلهم قد سبقتهم بنفس
الاتجاه.
باشرت السلطة بقصف قرى المنطقة بالسلاح الكيمياوي ،
وواصل الرفاق وعوائلهم انسحابهم نحو قرية كافية على
امل الوصول منها الى منطقة بارزان ومن ثم التوجه نحو
ايران او تركيا. الا انهم فوجئوا بحشود كبيرة من اهالي
القرى كانت قد وصلت قبلهم ، وكانت المفاجأة اكبر حينما
بدأت تلك الحشود بالتراجع الى الوراء اثر وصول القطعات
العسكرية الى كافية والسيطرة عليها وعلى نقطة العبور
وسفح جبل باكرمان ومنطقة نهله. وهكذا وقع الانصار
وعوائلهم وسط طوق محكم لا يستطيعون التقدم او التراجع
، فأندفعوا نحو سفح جبل گارا للاحتماء به.
اصبح وضع انصارنا صعبا للغاية ، فقد كانوا بلا تموين
وبرفقتهم عوائلهم ( قرابة 150 امرأة وطفل ).إن رفاقنا
لم يفكروا بإبعاد العوائل كما فعلت محلية حدك في
الشيخان منذ وقت مناسب. وكان الخطأ الاكبر هو اتخاذهم
قرار ارتجالي ومتعجل بتسليم العوائل، دون التفكير جديا
بمصيرهم المتوقع ، وخاصة الشباب منهم الذين كان
بأمكانهم حمل السلاح والدفاع عن انفسهم. كما كان هناك
من بين النساء من لهن القدرة على مواصلة الانسحاب
برفقة الانصار اسوة بعدد من الرفيقات. وفي اجتماع
لتقييم اجراءات محلية نينوى اثناء تلك الاحداث ، حمّل
رفاق الفوج الاول اعضاء المحلية وسكرتيرها ابو رنا
بالدرجة الاساسية مسؤولية تسليم العوائل. اذ كان
بالامكان وقبل فرض الطوق العسكري على المنطقة، ارسالهم
الى الفوج الثالث ومنه الى الحدود التركية كعوائل
انصارنا ورفاقنا في الفوج الثالث.
ويذكر ان اغلب العوائل كانت قد رفضت التسليم للسلطة،
ورغم توسلاتهم بالبقاء مع الانصار والانسحاب معهم ،الا
ان قرار المحلية كان قاطعا ونهائيا.
ان عدم استغلال الوقت بشكل مناسب، جعل قيادة المحلية
في موقف يحتم عليها التخلص من العوائل بأية طريقة كانت
ومهما كانت النتائج.
إن زوجة احد الرفاق قالت بهدوء " لن نستسلم للسلطة ..
اذهبوا انتم ، وسنتدبر امرنا ... الموت بالسلاح
الكيمياوي اشرف لنا من التسليم .". كما أن رجل كبير
السن كان يشتم اولاده لانهم يتخلون عن نسائهم واطفالهم
ويدعوهم لقتلهم ، فهو افضل من التسليم لجلاوزة السلطة.
كان عدد افراد عوائلنا 156 فرداً لم يعرف مصيرهم لحد
الان. ولم تدرس الهيئات المسؤولة هذا الموضوع بجدية
لتحديد مسؤولية ما جرى.
كان على المحلية وضع خطة متكاملة للانسحاب المنظم ،
حتى وان دعت الحاجة للمواجهة لفتح الطريق بقوة السلاح
، وتقديم الضحايا ، فأنها ستكون ضحايا شرف وليس كما
حصل لعوائلنا. فقد عزلت المحلية نفسها في جبل گارا ،
وبدون تنظيم تجزأت بل تشرذمت الى مجموعات ، و سلكت
طرقا مختلفة ... وكانت النتائج :
1. الرفاق خديدة طيبان وحازم ودخيل سلو سلموا انفسهم
للسلطة ولا اثر لهم.
2. الرفيق جمال آطوشي وعائلته سلموا السلطة ضمن
العوائل ، ومصيرهم مجهول .
3. الرفيق فؤاد يلدا ( ابو ايار ) وقع في كمين وابى
الاستسلام فأطلق رصاصة من مسدسه على رأسه مفضلا
الاستشهاد على الاستسلام .
4. ابقاء الرفاق من تنظيم عقرة وهم ( هاوار ، ملازم
رزكار ، شمال ، ريبوار ) في المنطقة لاعادة التنظيم
ووقعوا بيد جلاوزة الامن وتم اعدامهم .
5. ارسال الرفيقين ( ماجد ) و ( عدنان ) الى بغداد
وسلما انفسهما للسلطة .
6. وقع الرفاق ابو عهد ، شاكر ، سمير ، كاميران في
كمين وسلموا انفسهم ولا اثر لهم .
7. الرفيق ابو لينا سلم نفسه ، ومصيره مجهول.
وبهذا فقدت المحلية 16 نصيرا من فوجها بسبب الفوضى
التي سادت عملية الانسحاب العشوائية وغير المنظمة.
ولا نبالغ اذا قلنا أنه كان بالامكان تنظيم الانسحاب.
فها هو احد الانصار الشباب ، النصير مخلص ، يوفق في
نقل عدد من الرفاق الى ايران عبر طرق كانت قد سيطرت
عليها القطعات العسكرية. فالعبور في مناطق يعسكر فيها
الجيش لم يكن غريبا على الانصار، ولم تتوقف مفارزنا
يوما من التحرك والتنقل بين ربايا الجيش سواء في
الاراضي العراقية او التركية.
وها هو رفيق اخر (خ) يوفق في ايجاد طريق نحو سوريا
سلكه الرفاق ومعهم 3 عوائل رفضت التسليم وبقيت مع
الانصار.
وحينما اضطر الرفيق (خ) لتشكيل وجبات صغيرة لتسهيل
التنقل بين المدن وحتى الوصول الى منطقة العبور ، كان
مسؤول المحلية اول من ترك الاخرين، متناسيا ان ما
تدربنا عليه وما تعلمناه في الحزب هو ان يكون الرفيق
المسؤول اخر من يترك المنطقة حتى يطمئن من سلامة
رفاقه.
وفعلا تمكن الرفيق (خ) من انقاذ قرابة (40) نصيرا
ونصيرة ، وهو كل ما تبقى من الفوج.
اما المفرزة التي ارسلت لاستدعاء احدى السرايا
المتواجدة في العمق ، وتشكلت من الرفاق (ابو حامد ،
ابو رشدي ، يونس ، حازم) فقد انقطع الاتصال معها ،
وتمكن رفاق تلك المفرزة من اتخاذ الموقف الصحيح
بالتوجه نحو الحدود التركية ، فأخفوا اسلحتهم قبل
الحدود وسلموا انفسهم الى الجندرمة التركية.
بهذه الطريقة انسحب الفوج الاول مخلفا وراءه (16)
نصيرا بين شهيد ومفقود . ولم تتمكن قيادة المحلية من
الاحتفاظ بمبلغ (52) الف دولار كان من الممكن ان توزع
بين اعضاء المحلية انفسهم ، فهي لم تكن لتزن اكثر من
نصف كيلوغرام، في وقت تمكنوا فيه من ايصال مبلغ (35)
الف دينار عراقي وهي تشكل وزنا اكبر من الدولارات بلا
شك.
يخطئ
الذين يعتقدون بأن اسناد المسؤوليات العسكرية لرفاق
غير مؤهلين او متدربين على قيادة الوحدات الانصارية ،
هو امر ممكن. ان الصفة الحزبية لاي رفيق ، يجب ان لا
تكون مبررا للخطأ الذي وقع فيه م.س بأسناد الوحدات
الانصارية والاساسية منها على وجه الخصوص لرفاق لا
يعرفون شيئا من التخطيط العسكري ، ومنهم من لم يشترك
في اية عملية قتالية.
من الممكن لاي رفيق ان يقود منظمة حزبية ، لكنه ليس
بالضرورة مؤهل لقيادة حضيرة عسكرية صغيرة، وهذا ليس
نقصا له ابدا. فمن صفات القائد العسكري ( الانصاري )
الشجاعة وسرعة البديهية والقدرة على اتخاذ القرارات في
الاوقات الحرجة ، وان يكون دائما في مقدمة رفاقه
ومعينا لهم. وهذه الصفات مكتسبة من خلال النضال الفعلي
وخوض المعارك القتالية ، اذ تتراكم الخبرة يوما بعد
اخر وتجربة بعد تجربة.
يتبع |