منذ بداية عام 1977،
لم يرد حزبنا على الهجوم الايديولوجي الذي دشنه ميشيل
عفلق بطرحه مقولة ( الحزب الحاكم )، وكان هذا الهجوم
بمثابة اشارة للبعث للعودة الى نهجه السافر بالعداء
للشيوعية .
وكانت تقديرات قيادة الحزب وخاصة المكتب السياسي خاطئة
بخصوص اشارات الارتداد تلك، مما ادى الى كشف المزيد من
المنظمات الحزبية ورفاق الحزب من خلال زجهم في نشاطات
علنية دون التفكير جديا بأتخاذ تدابير واجراءات وقائية
تمكن الحزب بالانتقال الى اشكال اخرى من التنظيم .
و كانت قد تشكلت في ذلك الوقت احزاب قومية كردية في
الخارج، ونقلت نشاطها الى كردستان لمباشرة كفاحها
المسلح ومنها القيادة المؤقتة في بهدينان والاتحاد
الوطني الكردستاني في منطقة سوران، وانتشرت مفارزها
عام 1977 لتشمل مناطق عديدة من كردستان وسط تعتيم
اعلامي من قبل السلطة .
وبالرغم من تعقيدات الوضع والتوترات الواضحة في
العلاقة مع البعث وبوادر ارتداده، لم تقدم قيادة الحزب
على مد اليد لتلك القوى الكردية لاعادة العلاقة معها ،
بل بقيت صلتنا بها مقطوعة تماما .
كانت تسيطر على قيادة الحزب حالة من الخوف والتطيّر من
ذكر كلمة ( السلاح )
، وحتى
مجرد التفكير به
كان
يعد من المحرمات .
اجتماع اللجنة المركزية - آذار 1978 في 10 / آذار 1978 انعقد الاجتماع الاعتيادي
الكامل للجنة المركزية في ظروف بالغة التعقيد، حيث
تفاقمت فيها حملة البعث لتصفية منظمات الحزب في المدن
والارياف والتضييق على نشاطاته وصحافته. وقد تناول
الاجتماع بالنقد سياسة وممارسات سلطة البعث. وابرز ما
تم انتقاده : •
سياسة التبعيث القسري للمجتمع والدولة ، وتعريب
المنطقة الكردية وتشويه مضامين الحكم الذاتي في
كردستان . •
اتباع سياسة معادية للدول العربية وبالخصوص سوريا
واليمن الديمقراطية .
وكان هذا النقد العلني بداية انعطاف واضح في سياسة
حزبنا نحو المعارضة رغم تأكيد اللجنة المركزية وحرصها
على صيانة واستمرار التحالف .
وسرعان ما جاء رد البعث عنيفا جدا، من خلال مهاجمة
التقرير الصادر عن الاجتماع على صفحات جريدة الراصد في
5 آيار 1978 وليتبعه اصدار احكام الاعدام في 18 آيار
1978 بحق 31 مواطنا من الشيوعيين واصدقائهم ..
وكان الثمن باهظا، الا ان موقف الحزب اتسم بالتردد من
منطلق الحرص على التحالف ، فلم يبادر الى سحب ممثليه
من الوزارة او من المجلسين التنفيذي والتشريعي في
منطقة اقليم كردستان . وواصلت صحافة الحزب صدورها وكأن
شيئا لم يكن !!.
ولم يقم الحزب بالرد على ما نشرته جريدة الراصد ، مما
ادى الى اضعاف محتوى التقرير. وكان واضحا ان اعدام
كوكبة من الشيوعيين واصدقائهم واستفحال حملة الارهاب
الشرسة والاعتقالات الواسعة والتي شملت جميع منظمات
الحزب وخاصة في اواخر 1978، قد دلت بشكل لا يقبل الدحض
على تقارب النظام من الدوائر الامبريالية ومن الانظمة
الرجعية وكشفت عن رغبته في ان يكون منفذا ضمن المخططات
الامبريالية في المنطقة .
ومع ذلك لم يجر توضيح قرار " وقف التدهور " الذي
اتخذته اللجنة المركزية
في اجتماعها
اواخر حزيران 1978.
فقد فسره الكثيرون كخطوة تراجع امام البعث، وضرورة عدم
استفزازه. وترافق هذا التفسير مع عدم اتخاذ اية
اجراءات احترازية لازمه لتطبيق القرار حسب ما فسرته
ورأته اللجنة المركزية في مفهوم " وقف التدهور "..
لم ينفذ اي من المقترحات المتعلقة
بإتخاذ
الاحتياطات الكفيلة بتحول الحزب الى العمل السري، ووضع
خطة طوارئ لتجنيب الحزب الخسائر الفادحة. وكان الرأي
الغالب في اللجنة المركزية يرجّح كفة " وقف التدهور "
وحث الكادر القيادي على مغادرة البلاد. وهكذا تركت
المنظمات لتتخبط وتترنح وهي تتلقى الضربات تلو الضربات
.
ولم يكتف البعث بما قام به من اعتقالات واعدامات، بل
حاول اركاع الحزب من خلال املاء شروط لا يمكن لاي حزب
ثوري ان يقبلها، ومن ضمنها فقدانه لاستقلاليته الفكرية
والسياسية كي يغدو مجرد يافطة .
فقد طلبت قيادة البعث اثناء اجتماع اللجنة العليا
للجبهة من ممثل حزبنا، ان تجتمع اللجنة المركزية
ثانية، لاصدار قرار بالتراجع عن ما جاء في تقرير
اجتماع 10 آذار 1978.
واعلنت قيادة الحزب رفضها القاطع لذلك الطلب، ورفضت اي
حوار مع البعث ما دامت حملة القمع مستمرة، وما لم
تعتذر قيادة البعث عن الاعدامات وتعلن اعادة الاعتبار
للشهداء رسميا.
بعد اجتماع اللجنة
المركزية
في حزيران 1978 سافرت الى جيكوسلوفاكيا. وكان المكتب
السياسي قد قرر عودة رفاق الكادر الحزبي الى البلاد،
دون ان يستند ذلك القرار الى اية مبررات مقنعة، في وقت
كان رجال الامن قد اعتقلوا الرفاق كاظم حبيب وعادل حبه
وفخري كريم وهم اعضاء في اللجنة المركزية دون توجيه
اية تهمة اليهم .
والتزاما بقرار المكتب السياسي قررت العودة الى بغداد،
الا ان الرفيقة نزيهة الدليمي اعترضت وحاولت ثنيي عن
تنفيذ ذلك القرار، وطلبت الانتظار لمعرفة رأي الرفيق
عزيز محمد سكرتير الحزب وكان حينها في موسكو. وقد قام
الرفيق عزيز بأحالة الموضوع الى المكتب السياسي في
بغداد، الذي قرر عودتي كي لا تشعر السلطة بأننا نقاطع
التحالف الجبهوي !! وبهذا ايضا يمكننا ان نتصور كيف
كان يتم تفسير قرار " وقف التدهور " لصالح التراجع
امام البعث .
وصلت بغداد في 4 /7/ 1978 والتقيت رفاق المكتب السياسي
في مقر اللجنة المركزية. وكان قرارهم هو عودتي الى
الموصل والمباشرة بمهماتي. وفعلا وصلت الموصل وكانت
كبقية المحافظات تشهد اوضاعا صعبة على الشيوعيين، دون
ان تكون هناك اية احتياطات تتخذ لدرء المخاطر عنهم.
فتمّلك اليأس عدد كبير منهم وباتوا كمن يستسلم للامر
الواقع .
كان نظام البعث يتبع سياسة تحددت بعدم التحرش بقيادة
الحزب، واستثناءها مؤقتا من حملة الاعتقالات للانفراد
بالقواعد الحزبية، وبالتالي اجبار القيادة على التنازل
بعد ان تكون قد فقدت قواعدها وجماهيرها ، وتحولت الى
مجرد كيان مهلهل يستفاد منه البعث في علاقاته الدولية
وخاصة البلدان الاشتراكية.
لقد واصلت مشاركتي في لجنة الجبهة في وقت كنا نرى
ونسمع كيف يتساقط الرفاق يوميا. ثم توسعت حملة البعث
الى اعتقالات بالجملة ضد منظماتنا الحزبية .
وكانت الحملة في محافظة نينوى قد دشنت
بإعتقال
اعضاء من اللجنة المحلية بشكل هاديء واطلاق سراحهم بعد
ان يتم اسقاطهم. فقد اعتقل اول الامر الرفيق نوري بطرس
واطلق سراحه وبعده اعتقل الرفيق زكي الصراف وكمال عبد
الباقي وشمعون كاكو واسقطوا، ومن ثم باشروا بالمنظمات
الحزبية اذ تم شن حملة على جميع المنظمات خلال 24 ساعة
واخذت من المعتقلين تعهدات بعدم العمل . ولكن مجموعة
غير قليلة من الرفاق تمكنت من الافلات من قبضة رجال
الامن والاختفاء عن الانظار حتى التحاق اغلبهم بحركة
الانصار ومنهم الرفاق حسين كنجي و دنخا شمعون ( كان
حينها في بلغاريا ) و صبحي خضر و خديدة حسين و علي
خليل و جوقي سعدون وخليل سمو ( التحق بالانصار بعد
اسقاطه وسقط شهيدا اثناء رحلته الى كردستان في قرية
سماقولي ) وعلاء احمد طه . وإلتحق عدد اخر من الرفاق
من الاقضية والنواحي ومنهم : خليل ابراهيم وامجد محمد
علي و هرمز بوكا و رحيم قودا و صباح كنجي و خيري
درمــــان و دخيل سلو و خديدة طيبان و سعيد دوغاتي و
غانم اوراها وغيرهم .
وبذلك انهارت تنظيمات نينوى بعد ان اعيد بنائها بنضال
شاق خلال عشر سنوات .
بقيت في الموصل لغاية 15 /12/ 1978 . وفي ذلك اليوم
كنت في لقاء مع وليد الاعظمي امين سر فرع الموصل (
اعدم بعد استلام صدام حسين لمقاليد السلطة ) وحضر
اللقاء عضو الفرع ابراهيم حقي الملقب ( ابراهيم الجحش
).
وإحتدم النقاش بيننا حول اجراءاتهم ضد حزبنا. فقد كان
الاعظمي يدافع عن موقف البعث متهما الشيوعيين بتحريض
الجماهير ضد السلطة، وان الحزب الشيوعي لم يلتزم ببنود
وشروط التحالف .. الخ. وفجأة تدخل ابراهيم الجحش وكان
واقفا بجانب الاعظمي واضعا يده على الكرسي وقال : "
ابو جوزيف نحن لن ندعكم ان تأخذوا منا هذا الكخسي
( ويقصد كرسي الحكم )، وسوف لن نتركه لكم ".
قلت له : " المسألة حاليا ليست موضوع الكرسي ، انما هي
التزامكم بما جرى الاتفاق عليه، انها الان مسألة
اخلالكم بالجبهة والحملة التي تشنوها ضد منظماتنا وضد
رفاقنا ".
في نفس اليوم 15 /12 غادرت الموصل الى بغداد، حيث
التقيت بأحد الرفاق في المكتب السياسي وكان يتهيأ
لمغادرة العراق. طلبت منه تزويدنا بتعليمات الحزب وما
هي الوجهة، وهل يمكن التفكير جديا بإيجاد قواعد عسكرية
في كردستان. وكالعادة لم احظ من الرفيق بأي جواب واضح
ومقنع، بل اكتفى بأخباري " بأن الرفيق ابو سرباز في
كردستان ، واذا ترغب اذهب اليه وتفاهم معه ". ابلغته
بوجود ( 80 ) رفيقا في ريف القوش في قرية ( كند ) قرب
دوغات، بأنتظار قرار الحزب بالمباشرة في العمل.
فأستغرب الرفيق استعدادهم للقتال دون ان يملكوا اية
اسلحة . قلت له " ان ثورة كوبا ابتدأت بأثني عشر
مقاتلا فقط ، كل شئ ممكن . ما نحتاج اليه حاليا هو
القرار ."
اما بخصوص الرفيق ابو سرباز فقد كان مكتب الاقليم قد
ارسله نهاية 1978 الى المنطقة الحدودية للالتقاء مع
جلال الطالباني لبحث امكانية تواجد رفاقنا هناك، في
حالة اضطرار الحزب لذلك. ولنفس الغرض تم تكليف الرفيق
يوخنا توما سكرتير محلية دهوك لايجاد صله مماثلة مع
مسؤولي القيادة المؤقتة في منطقة الحدود مع تركيا ،
الا انه لم يوفق بالالتقاء بأحد رغم ان قرارا من
القيادة المؤقتة كان قد صدر الى مسؤول المنطقة محمود
يزيدي بمساعدة الشيوعيين اذا توجهوا الى المنطقة، الا
ان محمود يزيدي كان قد استشهد قبل وصول رفيقنا اليه .
بقيت في بغداد مختفيا، واقتصرت صلتي بالرفيق جاسم
الحلوائي، الذي اوعز لي بضرورة المحاولة لمغادرة
العراق. وحينما ارسلت جوازي للحصول على تأشيرة مغادرة
، تبين ان منع السفر كان قد صدر يوم 20 /12/ 1978 .
لم اكن قادرا على استيعاب الفكرة الداعية الى ان
بقاءنا سيعني للبعث اننا حريصون على استمرار التحالف ،
خاصة ونحن مختفون وكل تحركاتنا ولقاءاتنا كانت سرية
للغاية. وكان واضحا عدم وجود وجهة ثابتة بهذا الامر
الهام جدا، بل كانت هناك اجتهادات وتقديرات متباينة
ومختلفة ، لدى هذا الرفيق او ذاك .
في ذلك الوقت طلب الرفيق عبد الرزاق الصافي اللقاء بي
وفعلا تم اللقاء في احد شوارع بغداد، حيث اكد على
ضرورة التريث وعدم مغادرة العراق، لان مكرم الطالباني
وماجد عبد الرضا سيغادران الى موسكو للالتقاء بقيادة
الحزب لغرض دراسة مقترح نظام البعث بأعادة العلاقات
ضمن التحالف الجبهوي .
وقد رفضت قيادة الحزب ذلك المقترح ما لم تنفذ الشروط
التي قدمت مسبقا، وبدون ذلك
فإن
العودة الى التحالف مستحيلة .
في لقاء مع الرفيق جاسم الحلوائي يوم 8 /3/ 1979 ،
ابلغني الرفيق بضرورة السفر الى اربيل والاتصال بأبو
حكمت لتهيئة الانتقال الى الجبال ، وذكر بأن الرفاق
المتواجدين في الداخل يطالبون بأيجاد قاعدة لايوائهم
في كردستان ، وكذلك من اجل الضغط على السلطة لتتراجع
عن سياستها. وعلى الرغم من توضيحات الرفيق ابو شروق،
الا ان القرار لم يكن واضحا ، هل في النية تأسيس قواعد
لايواء الرفاق والكادر الحزبي ، ام هو توجه جاد لتشكيل
فصائل مسلحة؟
تركت بغداد في منتصف الليل في 12 /3/ 1979، لاصل صباحا
الى مقر الاقليم وكان حينها محاطا برجال الامن.
والتقيت هناك مع مجموعة رفاق من لجنة نينوى كانوا قد
وصلوا قبلي في طريقهم الى الرفيق كاويس رشيد الذي كان
قد شكل مفرزة مسلحة تتجول في ريف كوي سنجق.
بقيت في اربيل حتى 19 /3 حيث توجهت بعدها مع الرفيق
ابو ئاسوس، ورافقنا الرفيق خيري القاضي ( ابو زكي )
بأتجاه ( سنكسرد ) ومنها الى قرية بيدلان الايرانية
لنصل الى مقر جلال الطالباني ، وكانت هي المرة الاولى
التي التقيه. وبعد ترحيب حار ابلغنا جلال الطالباني
بأن الرفيق ابو سرباز يتواجد في مقر قريب .