|
أوراق توما توماس(
10)
خطة السلطة لاعتقالي في القوش
بعد اصدار قرار اعادة
المفصولين السياسيين الى وظائفهم، عاد بعض انصارنا الى
احضان عوائلهم ومن بينهم ( كوريال بللو ) ، دون ان
يقطع صلته بشكل نهائي مع الانصار. فقد كان يشارك في
المعارك عند الحاجة، وكانت اخر معركة شارك فيها هي
السيطرة على ربايا جبل ( جيا بانك ). وعند عودته من
تلك المعركة قرر الزواج والاستقرار في القوش بعد ان
سلم نفسه الى السلطة .
كان هذا الشخص اكثر المتطرفين تشدداً تجاه من يشتبه
بهم كعملاء ومتعاونين مع السلطة، في مسعى لتأديب
الاخرين واخضاعهم. وكان ممن ينتقدون مرونتي في التعامل
مع حالات عديدة كانت بحاجة فعلا للمرونة والدراسة
بتأني وتمحيص .
كان من المهم عندي هو عدم الضعف في اتخاذ القرارات
الهامة والخطيرة، ولكن الاهم كان عدم التسرع والتهور
في اتخاذها .
وكان من المهم ايضا الابتعاد قدر المستطاع عن كل ما
يثير العداء بين ابناء القوش. لان ذلك هو بالضبط ما
يريده المتربصون بها، وستفقد المدينة امكانية المحافظة
على امنها ووحدتها، مما يفسح المجال للاخرين للتدخل في
شؤونها الخاصة .
و كان هناك بلا شك وعلى الدوام اناس تحولوا الى خدم
مخلصين للسلطة، ينفذون توجيهاتها لقاء دريهمات .
عندما ساهمت في النضال الوطني من اجل سعادة الشعب
العراقي ، كنت مؤمنا بأن بلدتي القوش هي جزء من هذا
الوطن واهلها جزء من هذا الشعب .
فالتريث والمرونة بمعاقبة المتعاونين مع السلطة لا
يعود الى كون هؤلاء المتعاونين هم من اهالي القوش.
انما كان الغرض منه محاولة اصلاح هؤلاء. وعند إستنفاذ
المحاولات، يمكن اتخاذ الاجراءات الاخرى بحقهم وبما
يستحقونه فعلا .
ان التعامل مع الاهالي بوسائل العنف واتخاذ اجراءات
القمع والقتل والترهيب ، لاتخدم حركتنا بل ربما تتسبب
في سقوط ضحايا ابرياء. وبما إننا نعمل من اجل كسب
الجماهير بالاقناع ، فإن القوة لم تكن يوما وسيلتنا في
ذلك .
كانت السلطة قد تمكنت من جمع معلومات وافية من بعض
الذين سلموا انفسهم عن تحركاتي، وعن عدد الانصار في
المقر، وعدد الذين يرافقوني اثناء توجهي الى القوش،
وعن اسلحتنا ..الخ. وبسبب الاوضاع السياسية الجديدة
اصبحت احتياطاتنا ضعيفة بعض الشئ، وفي اغلب الاحيان
تقتصر على مبيت نصير واحد في البيت اثناء المبيت ليلا.
كل ذلك شجع السلطة على القيام بمحاولة لاعتقالي في
القوش .
في يوم 26/7/1969، كنت في زيارة للعائلة وبرفقة (15)
نصير من اهالي القوش توزعوا في دورهم ولم يبقى معي سوى
نصير واحد هو ( حبيب جيجو). وفي المساء وصلتنا بعض
المعلومات بأن المدعو ( سعيد حسقيال تيزي )(1).
فقد اتصل هذا الشخص هاتفيا بالموصل، ليؤكد وجود توما
توماس والانصار في البلدة .
في البدء اخذت الموضوع على درجة من الاهمية. فقررنا
ترك القوش والتوجه الى قرية بندوه للمبيت فيها،
ومواصلة السير صباحا الى المقر في بيرموس ، تجنبا
للكمائن ليلا. الا انه طرح مقترح آخر من الانصار في
البقاء حتى الساعة الرابعة صباحا، ومن ثم الخروج
بأتجاه المقر مباشرة. وافقت على المقترح، وكان ذلك خطأ
كبيرا.
في الساعة الثالثة فجر يوم 27/7/19/1969 ايقضتنا احدى
جاراتنا وأخبرتنا أنها تسمع اصوات اطلاقات من جهة
الجبل. صعدت الى سطح الدار، فتأكد لي ان الرمي كان من
الشرق بأتجاه قمة جبل القوش، اضافة الى اطلاق نار من
مركز الشرطة بأتجاه الجبل ايضا. وبدا للوهلة الاولى ان
قتالا يتواصل بين المركز ومجموعة ما في الجبل. اذ لا
يخطر على البال ان لا يكون للشرطة اي علم بتقدم عسكري
على القوش .
ولكن من خلال التمعن بما يجري، وارتباطا بمعلومات مساء
امس، تأكد لي انه تقدم عسكري يستهدف اعتقالي. لذا قررت
الخروج حالا من القوش، وكان من المتوقع جدا بقاء
الانصار في البلدة مختفين في سراديبها .
في الرابعة فجرا تجاوزت عتبة الدار، فشعرت بحالة من
الراحة والتحرر من قيد، حيث اصبحت حرا في اختيار موقع
للقتال. توجهت مع النصير حبيب بأتجاه بندوه من الطريق
الوسطي، وبعيدا قليلا عن سفح الجبل تجنبا لكمائن
الجحوش. كان صوت اطلاق النار مستمرا. وقبل الانتهاء من
البلدة شاهدنا الاخ ( عابد القس يونان ) على تراكتور
في طريقه الى البيادر . وفي مقابل بيت ( ياقو كرجي )
انتبهت لاصوات وتحركات غير طبيعية تأتي من وراء بستان
للعنب. في البداية تصورت انهم جحوشا من الايزيديون
جاءوا للانتقام بسبب حملتهم الاولى الفاشلة. إلا أن
احدهم نادى ( تعال هنا ابو خليل)، فعلمت انهم قوة من
الجيش. ومن على تل قريبة اطلقنا عدة رشقات بأتجاه تجمع
للجنود فتحركوا بسرعة نحو الجبل لاحكام الطوق على
البلدة .
كانت الخطة متقنة ودقيقة جدا، ورسمت في دوائر
المخابرات لتنفذ من قبل قيادة الجيش في الموصل ، بحيث
لا تترك لي اي مجال للخلاص من الطوق. الا انها الصدفة
مرة اخرى .
لقد نصت الخطة على :
1- نقل اكثر من الف من جحوش الهركيين من الموصل الى
منطقة ( نهيل )(2) قرب فايدة ليلا. ثم يتقدم
هؤلاء سيرا على الاقدام نحو جبل القوش، متجنبين قرى
ركافة وتل خشف عرب وتل خشف اكراد ، الى كَلي بندوة ،
ومنه نحو جبل القوش دون ان يراهم احد. وفعلا تمكنوا من
احتلال جميع القمم المشرفة على البلدة واطرافها .
2 - يتقدم فوج من الجيش تدعمه المدرعات من الموصل الى
قرية شرفية التي تبعد عن القوش حوالي خمسة كيلو مترات
في الساعة الثانية والنصف فجرا. وبعدها يتقدم الجنود
سيرا على الاقدام الى جنوب البلدة ويتم تطويقها من
الجهة الغربية وخلق جميع المنافذ فيها .
3 - يرافق جحوش الزيباريين أفراد الجيش بالسيارات حتى
شرفية بعدد يتجاوزالالف، ثم يتوجهون الى القوش ومنها
الى دير السيدة ودير الربان هرمز لتطويق القرية من
الشرق .
يبدو ان مركز الشرطة لم يكن على علم بالعملية. وحينما
كان الجحوش يواصلون تقدمهم الى قمة الجبل، وقع عدد من
فلاحي المناطق المجاورة في كمين لهم، وكانوا في طريقهم
يقودون دوابهم المحملة بمنتوجاتهم الزراعية لغرض بيعها
في القوش. ترك الفلاحون دوابهم وهربوا بعد اطلاق النار
عليهم. عندها تصور الجحوش في مؤخرة الرتل ان مقدمتهم
قد تعرضت لكمين، فبدأوا بأطلاق الناربأتجاة المقدمة.
وهذا ما دفع الشرطة للرد بأتجاه الجبل. وهكذا اختلط
الحابل بالنابل ، وايقضتنا تلك الضجة .
حاول بعض الانصار الخروج من الجهة الغربية. الا انهم
بمجرد الوصول الى البيادر امطرهم الجحوش والجيش بوابل
من الرصاص، فأضطروا الى التراجع والاختفاء في السراديب
.
اما الشهيد صبري الياس دكالي ( جندو )(3) فقد
كان قد توجه الى دارنا، ليتأكد من خروجي، ثم قرر ترك
البلدة. ولكنه وقع في كمين للجنود. وبعد مقاومة بطولية
استشهد، وظهر ان تجمع الجنود هو الذي اطلق النار
بأتجاه الشهيد .
لم يتوقع احد من الاهالي او من القوات المحاصرة، تمكني
من مغادرة البلدة. فتوقعاتهم كانت تشير الى انني ما
زلت محاصرا، بعد ان احكم الجيش والجحوش سيطرتهم على
البلدة واغلقوا كل منافذها .
توجه قائد الفرقة وهو منتصر الى مقر المطرانية وطلب من
المطران تسليمي له مع باقي الانصار دون ان يتجرأ على
الاقتراب من داري للبحث عني، وهدد المطران بأنه سيقوم
بدك البلدة في حالة عثوره علي اذا فتش البلدة. وقع
سيادة المطران في حيرة من امره، ولم ينقذه من تلك
الورطة غير الاخ عابد القس يونان حيث اكد له خروجنا
صباحا .
عندها تشجع المطران واكد على عدم وجودنا، وطلب من قائد
الفرقة الايعاز بالتفتيش، وسيتحمل هو (المطران)
مسؤولية النتائج .
رأى ذلك القائد ملامح الثقة على وجه المطران عند
حديثه، فقرر سحب قواته الى الموصل قبل ظهر اليوم نفسه.
في بيرموس استنفر رفاقنا عند سماعهم اصوات اطلاق النار
في القوش، فتقدموا الى جبل الدير لمساعدتنا. ولكنهم
وقبل وصولهم قمة الجبل وقعوا في وسط كمائن الجحوش
الذين امطروهم بالرصاص، فتراجعوا بعد قتال مرير. وجرح
في هذه المناوشات الرفيق نرسي جرحا خفيفا، فانسحب
الرفاق الى بيرموس لعدم امكانية وصولهم الينا .
(1)
سعيد تيزي ، معلم من اهالي
القوش من عائلة معروفة بمواقفها المناوئة للبلدة
والمؤيدة للحكومات المتعاقبة ، عدد منهم ارتبطوا
بالحزب الديمقراطي الكردستاني ، وبالبعث فيما بعد
1968، كان عضوا نشطا في حزب البعث .
(2)
نهيل .منطقة بين فايدة ومجمع كَريهن ، لايسكنها احد
ولا تبعد كثيرا عن المجمع .
(3)
صبري الياس دكالي ، من اهالي
القوش ، عضو في الحزب الشيوعي العراقي .كان هاربا من
الخدمة العسكرية ومختفيا في القوش .
يتبع |