|
أوراق توما توماس(
1 )
مولدي وطفولتي
في القوش ، وهي بلدة
عريقة في بلاد ( بيت نهرين ) من بلاد آشور ، تبعد 40
كيلو متـرا عن نينوى آخر عاصمة للاشوريين . ولدت في
عائلة ( ككه ) ، وكان جدي يعمل في البيع والشراء وهكذا
كان والدي واعمامي . جاء في سجل كنيسة القوش بأنني
تعمذت في 25/1/1925 وهذا يؤكد ما كانت تذكره والدتي ،
بأنني ولدت آواخرسنة 1924 .

توما توماس - الطفل في الوسط - صورة من سنة 1930
وقد حافظت القوش على
اصالتها وتقاليدها ولم تتمزق هويتها القومية رغم مرور
الاف السنين على نشأتها ، ولم تنل منها غزوات القبائل
او الدول المتعاقبة على حكمها بعد سقوط كيان دولتها ،
فظلت لغتها الكلدانية - الاشورية شامخة حتى يومنا هذا
.
ألقوش على سفح الجبل المعروف بإسمها

فالبلدة الجاثمة على
سفــــح جبل القوش ويرقد فيها النبي ناحوم غدت مركزا
مسيحيا رائدا في الشرق ومقرا بطريركيا للكنيسة
الشرقيــة ( 1504 ـ 1837 م ) ، رجالها اشداء كطبيعة
جبلها القاسية ، لايقبلون الذل والخنوع والاعتداء ،
سجلها حافل بشخصيات دينية ووطنية وقومية عديدة خدمت
البلدة واستبسلت دفاعا عنها وسقط العديد منهم شهداء في
معارك الدفاع عنها .
يبلغ عدد سكانها عشرات الالاف ، يتواجد عدة الاف منهم
في بغداد ، والموصل والبصرة هجروها بحثا عن العمل ،
واستقروا في هذه المدن منذ سنين طويلة . لم يفكر
شبابها في الهجرة خارج العراق لتعلقهم بمدينتهم ، إلا
أن الظروف القاسية التي تمر بالعراق والمعاناة القاسية
جراء الاضطهاد السياسي والديني والقومي ، دفعت بالعديد
من عوائلها وشبابها للهجرة الى امريكا والبلدان
الاوربية ، وخاصة بعد سنة 1979 . واليوم تتواجد مئات
العوائل في الولايات المتحدة الامريكية وكندا
واستراليا والدول الاسكندينافية مجبرين للعيش بعيدا عن
بلدتهم الام .
تميزت القوش بمواقفها
القومية الشجاعة بمساندة ابناء قوميتها اثناء المحن ،
اتذكر جيدا ( فرمان الاثوريين ) كما سمي بمجزرة سمٌيل
، وكيف احتضنت القوش العوائل الاثورية التي هجرت قراها
ولجأت اليها ، لازالت ذكرى تلك المأساة عالقة في ذهني
، فقد كان في دارنا حوالي عشرين عائلة افترشت اسطح
الدار ، وشاركتنا في مؤنة العائلة ، ولم تكن عائلتي
الوحيدة في القوش ، تحتضن عوائل الهاربين من الموت ،
بل نادرا ما وجد بيت في القوش لم يفتح بابه امام
اللاجئين .
كانت القوات الحكومة
بمدافعها ترابض على قمة جبل القوش ، وعلى سفحه تنتظر،
القبائل الكردية ، قصف البلدة بمن فيها ، لدخولها
واستباحتها بعد ان خططوا لاقتسام الغنائم وحتى النساء
، اما البدو فقد اتلفت قطعان غنمهم وحقول القمح
وبساتين البطيخ وانتظروا بدورهم الاشارة لدخولها واخذ
حصتهم من الغنائم . لقد استبسل المقاتلون الاثوريون
بالدفاع عن قراهم ، وشجاعة الشاب ( كَوليث ) الذي دافع
عن قريته، ضد البدو الذين احاطوا بها، وعدم تركها حتى
نفاذ عتاده، مثالا حيا على ذلك .
وبتدخل مباشر من
البطريرك عمانوئيل الثاني ، بطريرك بابل على الكلدان
حينذاك ( وهو من ابناء القوش ) انقذت البلدة ،
بإستحصاله قرارا من الحكومة العراقية ، وبضغط من
سفارات فرنسا وايطاليا والفاتيكان ، لانهاء الحملة ضد
الاثوريين ورفع الحصار عن القوش .
دخلت المدرسة
الابتدائية وكانت الوحيدة في القوش وتقع بنايتها في
كنيسة مارميخا ومديرها الاستاذ سعيد ججاوي من اهالي
الموصل ، وعندما نقل مديرا لمدرسة شمعون الصفــا الى
الموصل ، حل محله الاستـــاذ نعيم صرافة وبطرس نعامة.
كان التدريس فيها لمدة خمسة ايام ، ويدرس فيها اضافة
الى ماهو مقرر، اللغة الكلدانية والتعليم الديني .
تخرجت من المدرسة
الابتدائية بدورتها الثانية سنة 1938 وكان عدد طلاب
تلك الدورة ( 16) طالبا ، فألتحقت بمتوسطة المثنى
وكانت في السنة الثانية لافتتاحها في الموصل ، وعشت في
بيت عمي في السنة الاولى والثانية من الدراسة دون ان
اعاني اية صعوبات من ناحية السكن ، وفي السنة الثالثة
استأجرت غرفة مع الاخ المرحوم حنا جولاخ ، بغية التفرغ
للدراسة في السنــة الاخــــيرة (بكالوريا ) بعيدا عن
الانشغال مع الاطفال ، وتخرجنا من المرحلة المتوسطة مع
الاخــــــوة ياقو شكوانا وحنا الصفار سنة 1941 .
كانت الحرب العالمية
الثانية في عامها الثاني والمد القومي في تعاظم وتزايد
، والكراهية تزداد ضد الانكليز ، والتدريب العسكري
يشمل جميع طلاب الثانويات والمتوسطات ، ومظاهرات
الطلبة تجوب شوارع الموصل منددة بالاستعمار ، ثم اعقب
ذلك حركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الاربعة في
1/مايس/1941 .
وبفشل ثورة مايس 1941
تمكن الانكليز وعملائهم الذين يقودون السلطة ، من
تشديد قبضتهم على البلد ، وقد اثر كل ذلك سلبيا على
الدراسة ، اذ تحدد القبول في الثانوية الوحيدة في
الموصل ب ( 300 ) طالب فقط ، وهذا حتما يحول دون
قبولنا نحن ابناء الريف لعدم تمكننا من منافسة اولاد
بكوات الموصل وآغوات دهوك اضافة لكوننا مسيحيون *
الجيش الليفي
بقيت بدون دراسة وبلا
عمل تلك السنة فتوجهت الى القوش . وفي ربيع سنة 1942
باشر الانكليز بتجنيد الشباب في الجيش الليفي من (
الاثوريين والكلدان والاكراد ) و قد وصل القوش العقيد
( مك كويني ) (Mack
Qeen
) مسؤولا عن التجنيد ، وكان والدي حينها مختار احدى
المحلات في القوش ( محلة سينا ) فطلب منه العقيد
الانكليزي المساعدة عارضا عليه الموافقة على تجنيدي في
الجيش الليفي ك( ضابط ) ولم اكن اتجاوز حينها ال ( 17
) عاما . وافق والدي على مقترح العقيد .. وهكذا سافرت
مع من تم تجنيدهم الى الحبانية بتاريخ 6 /3/ 1942 .
دخلت دورة تدريبية
لمدة ( 6 ) أشهر منحت بعدها رتبة ضابط . قضيت خدمتي في
الحبانية والموصل والبصرة ، واستمرت خدمتي حتى سنة
1948. وعلى اثر الحرب العربية بعد قرار تقسيم فلسطين ،
قررت الحكومة العراقية تشكيل لواء خاص ( متطوعين ) من
الاثوريين للمشاركة في الحرب . وفعلا فتح باب التطوع
للشباب الاثوري ، فأستقال المئات من الجيش الليفي
والتحقوا باللواء الخاص ، وكنت من ضمنهم . فتم تنسيبي
الى الفوج الاول في معسكر سعد ( بعقوبة ) بعد ان منحت
لنا نفس الرتب التي كنا نحملها ، وهكذا اصبحت ملازما
في الجيش العراقي .
كان امر الفوج العقيد
عبدالكاظم حسن ومساعد امر الفوج الرائد خسرو وكان
النقيب محمود خفاف امرا لاحدى السرايا . بعد اعلان
الهدنة وسحب الجيش العراقي من فلسطين ، صدر قرار اواخر
سنة 1949 بحل اللواء الخاص ونقل خدمات المراتب والجنود
الراغبين في الاستمرار بالخدمة الى وحدات الجيش
العراقي النظامية ، اما الضباط فتوجب عليهم الالتحاق
بدورة تأهيلية ليتم قبول من يجتازها ضابطا في الجيش
العراقي . لم يوافق احد من الضباط على هذا القرار ،
فتم تسريح الجميع من الخدمة ..
لم نكن نميز اية فروق
بين الضابط في الجيش الليفي اوالجيش العراقي ، رغم ان
البعض كان يعتقد بأفضلية العمل في صفوف الليفي قياسا
بالرواتب والملابس والارزاق ، وأهمية تعلم اللغة
الانكليزية ، ومن هؤلاء كان والدي !! هذا الاعتقاد
تراجع بعد حين بفضل التطورات السياسية ، وبروز الاتحاد
السوفييتي وتأثيره على الساحة الدولية ، بعد
الانتصارات العظيمة على الفاشية ، والانتعاش النسبي
للحريات ، وصدور الصحف الوطنية ، والنشرات السرية ،
واضرابات عمال شركة نفط كركوك .
تميز الضباط في الجيش
الليفي من الاكراد والارمن والكلدان بتقبلهم للافكار
الديمقراطية ، ومنهم من اعتنق الشيوعية لاحقا ، مثل (
شكري كروب ، داود ناتاف ، انطوان كيوركيس ، شليمون
دنخا ، بطرس اوراها ، كوريال ، سيد علي واخرون).
اما بالنسبة لي ، فقد
كان لمواقف الضباط الانكليز المتعجرفة ، والمد
الديمقراطي المتصاعد ، ومراسلات الشهيد الياس حنا
كوهاري * * معي ، واطلاعنا على الجرائد العراقية وخاصة
جريدة الاهالي ، الاثر الاكبر في تطور وعي السياسي ،
واصبحت اشعر بفداحة خطأي بالعمل في الجيش الليفي ..
وقد تعمق هذا الشعور لدي اكثر في سنوات العمل في شركة
النفط في كركوك ، وكثيرا ما اصطدمت مع ضباط الصف
الانكليز الذين كانوا يعتبرون انفسهم ارفع من الضباط
المحليين (
Native
) ..
قضيت الفترة ما بين
تسريحي من الجيش وعملي في شركة نفط كركوك في القوش. لم
اكن اعرف حينذاك شيئا عن الافكار الشيوعية ، رغم شعوري
الوطني الذي نما وتطور اثناء عملي في الجيش الليفي ،
هذا الشعور كان يدفعني والكثيرين غيري الى معاداة
الانكليز والوقوف ضدهم . كان اول لقاء لي مع الشيوعيين
، هو مع المرحوم ابرم شماشا سنة 1949 - 1950 حيث بدأ
بتزويدي ببيانات الحزب .
شركة نفط العراق
في اب 1950 عملت في
شركة نفط العراق في كركوك ، بوظيفة ملاحظ في محطات عزل
الغاز بالمنطقة الصناعية . وتقدمت سريعا بالعمل ، وبعد
3 سنوات انتقلت الى حقل الخزانات في
K1
كملاحظ كيل النفط المصدر الى الموانئ على البحر الابيض
المتوسط ( طرابلس - بانياس ) .
بدأ استلامي للنشرات
الحزبية ينتظم وكذلك دفع تبرعاتي ، حيث اصبحت شهرية
ومنتظمة ، من خلال العلاقة المباشرة مع الاخ (
عبدالرحيم اسحق ). تعرفت على مسؤولي محلية كركوك ومنهم
( حميد حمدي )، والتقيت بالرفيق ( جمال الحيدري )
بناءا على طلبه اثناء اشرافه على محلية كركوك سنة 1956
، اذ كنت معارضا لمقترح تفجير محطة كهرباء في منطقة
بابا ، لان ذلك سيؤدي الى اصابات في صفوف العمال ويولد
بالتالي استياءا لديهم ولدى عوائلهم ، وقد وقف الرفيق
جمال الحيدري ضد المقترح ايضا .
كان الوعي السياسي بين
صفوف عمال شركة النفط عاليا ويتطور بفضل نشاط
الشيوعيين . ويتعمق هذا الوعي بسبب السياسة التعسفية
للشركة وعدم تلبيتها لابسط المطاليب ، ولعبت الاضرابات
التي قادها الشيوعيون كأضراب كاورباغي في سنة 1946
دورا اساسيا في تكوين هذا الوعي الطبقي ،اذ كان
الانكليز ينظرون بأحتقار للعمال والموظفين العراقيين ،
وكانوا يفرضون استخدام عبارة (
yes
sir
) ( نعم سيدي ) من قبل العراقيين في حديثهم مع ايا كان
من الانكليز.اما مدير الشركة فكان مطلق الصلاحيات وكل
اجهزة الشرطة والامن في كركوك تنفذ اوامره ، الى جانب
بعض موظفي الشركة من العاملين في ( مديرية العلاقات
العامة ) وكنا نسميها ( دائرة التجسس ) وفي مقدمتهم
منصور خياط وكان صديقا حميما لنوري السعيد .
يتبع
*
تمكنت في سنة 1954 من اجتياز امتحان البكلوريا والحصول
على الشهادة الاعدادية ،بعد التحاقي بثانوية مسائية في
كركوك .
* * الياس حنا كوهاري : من
ابناء عمومتي ، عمل في شركة النفط في كركوك وعين زالة
. بعد ثورة تموز عمل في منظمة منطقة بغداد عضوا في
مكتبها ، القي القبض عليه بعد انقلاب شباط 1963 وعذب
بوحشية واستشهد تحت التعذيب.
عن موقع تللسقف
يتبع |