|
تاريخ
النشر 26-06-2007
شهادة
الجزء الثاني
بمناسبة محاكمة صدام حسين وأعوانه بقضية الأنفال
عندما أدخلني الدكتاتور في الجحيم
سلام إبراهيم
ـ هل ثمة بشر هم أصلا ملائكة هبطوا من السماء ليخففوا
من وجع الدنيا قليلا؟!.
هذه التجربة جعلتني على يقين من الإجابة بنعم على
هذا السؤال!. هاأنذا بعد قرابة عشرين عاما أرى المشهد
ذاك وكأنه البارحة.. اللحظة التي هبط بها ذلك الطبيب
الكردي الشاب الذي عرفت أسمه لاحقا ـ نوزاد ـ أستعيد
صرامة الوجه، براءة الملامح، حركة الجسد الواثقة،
فالذي أسرده عليكم الآن جرى بدقائق معدودة.
ـ هذا الطيب ـ نوزاد ـ كان من الاتحاد الوطني
الكردستاني ـ أوك ـ هو ملاك سرعان ما عاد إلى مملكته
بعد سنتين من الأحداث!.
كان ـ نوزاد ـ في زيارة لقواعدهم في منطقة ـ بهدينان ـ
لما حدث القصف ذلك اليوم. التفت نحو ـ عباس ـ وقال
شيئا لمساعديه، فتحلقوا حوله. أزالوا لفة الشاش،
وغرزوا أبراً حول الجرح وأعلى الساق. رأيت بعدها عباس
يسترخي طوال وقت تنظيف الجرح وترتيبه دون الحاجة
للتجلد وكتم الألم، كما كان يجري للجنود في جبهة
الحرب.
قلت معي نفسي:
ـ عباس الخالق لم ينسك.. هبط ملاكك الحارس!.
وفعلا ـ عباس رش ـ لم يزل حيا. كان معي بعد أكثر من
سنة لما وصلت حملة الأنفال إلى مناطق ـ بهدينان ـ وزحف
الجيش العراقي على مواقع الثوار والقرى المحررة. كان
معي في ـ أوردكاه خوي زرعان ـ في شمال أورمية الواقعة
في أقصى الشمال الإيراني. ولا أدري الآن أين رستْ بهِ
عواصف البحث عن ملجأ آمن، لكن هو يتذكر وأنا أن ملاكا
هبط من سماء الله أسمه ـ نوزاد ـ جعله يواصل أيام عمره
ويمده بالحياة قليلا.
أقول ملاك.. وأقول عن كل من يمكث في الدنيا أقصر مدة
مثلما همس أبي لأمي الباكية أمام جسد وليدها أبن
الثلاثة أيام:
ـ لا تبكين كافي، صار أبننا ملاكا جوار الخالق!.
أقول ملاكا، و ـ نوزاد ـ سيمر بالصدفة أيضا بمقر
الثوار في ـ كلي حصبة ـ ويعالج أبن مدينتي ومحلتي ـ
جابر ـ (أبو نصار ) الذين أصيب في معركة قرب قصبة ـ
بامرني ـ برصاصة متشظية حار في وضعه طبيب الموقع ـ أبو
تضامن ـ الذي كان مختصا بأمراض النسائية وليس له خبرة
بجروح الحرب، فكاد ـ جابر ـ أن يموت والقنقرينا تصعد
بساقه ولم يفعل طبيب الموقع إلا لف الساق المصابة
باللفافات، فأسعفه ـ نوزاد ـ بأجراء عملية بترٍ ساقه
لمرتين الأولى من تحت الركبة على أمل بقاء مفصل
الركبة، لكن القنقرينا صعدت فمرَّ بعد أسبوع ليقطع
الساق من أعلى الركبة وينقذ حياة ـ جابر ( أبو نصار )
ـ الذي كانت زوجته ـ أم نصار ـ حامل وقتها، ورزقت
بطفلتهما ـ لهيب ـ قبل الهجوم الأخير لقوات النظام
بأيام وكانت معنا في ذلك الطريق الطويل الذي أفضى بنا
إلى تركيا والمنفى.
ـ جابر ـ وـ عباس ـ أحياء الآن أما الملاك الكردي ـ
نوزاد ـ فقد قتل في حادث سير بعد ذلك بسنة.. عاد
الملاك إلى جناحيه سابحاً في يم ما قبل الخلق جوار
العرش إلى الأبد.
استطردتُ كثيرا. أعود إلى تلك اللحظات القصار والمساء
بدأ يرش عتمته قليلا.. قليلا. كنا لم نزل في اللجة
مضطربين بين اليقين وعدمه كون القصف كمياويا أم عاديا
كما هو في الأيام السابقة. كنت وقتها أتمتع بقوة جسدٍ
رياضيٍ متينٍ يضاف لرغبة متأصلة في مساعدة الآخرين
لحظات المحنة، لذا تطوعتُ لإطفاء الحرائق التي شبت في
المقبرة الكائنة على ربوة فوق فصيل الضيافة مع رفيقين
الأول أتذكر أسمه ـ أبو أيار ـ والآخر كان ضيفا من
قاطع أربيل قصير القامة ينعتونه بالدكتور زكي. صعدنا
مخلفين تحتنا الموقع الذي بدا من أعلى تل المقبرة
مغطىً بالدخان ورشيش المساء الخافت. بدأنا بإطفاء
الحرائق التي لم تكن حرائق بالمعنى المألوف. إذ كان
ينبعث من مكان اللهب الشبه خافت دخان كثيف يثقل
أنفاسنا. كنا شديدي الاندفاع نتنادى في حمل التراب
بواسطة معاول يدوية لإلقائه على تلك المواقع الملتهبة.
بقينا أكثر من ساعة. أتذكر إلى الآن كيف نادى علي ـ
الدكتور ـ كي أشاهد صاروخا أستقر في حفرة قبر ولم
ينفجر. مددت كفي عميقا في الهوة وتلمسته بفضول لم أفهم
سببه حتى هذه اللحظة وأعجب من فضولي الغريب إذ كان من
الممكن أن ينفجر ويبدد جسدي وما حولي. كان ساخنا صلبا
قاسيا.
ـ هل كنت مجنونا؟!.
هذا ما بِتُ لا أشك به أبدا!.
قبيل الانحدار صوب القاعدة. كنت أفكر بتلقائية حياة
الثوار اليومية ولم أدرك أن ذلك المساء سيشكل مفصلا
حاسما في حياتي كلها وحياة الثوار أيضا. لذا حملت على
كتفي ساق شجرة بلوط قطعها القصف، فغدا 6 ـ 6 ـ 1987
دوري في طبخ وجبات الفصيل. كانت ثقيلة. وضعتها جوار
غرفتنا المنزوية عند السفح، وبحثت عن حبيبتي ـ بهار ـ
فوجدتها تساعد الطبيبة في معالج رفاق جرحوا جروحا
خفيفة. عدنا إلى غرفتنا الضيقة والظلمة هبطت بكثافة
على صحن الوادي وأشياء الثوار الرثة.
كنت متعبا فاستلقيت على فراشنا الذي يشغل اكثر من نصف
مساحة الغرفة. تركتني قائلة:
ـ سأذهب لمساعدة الجرحى!.
بقيت وحيدا. إلى تلك اللحظة لم أشعر سوى بضيق في
التنفس وما يشبه الاحتقان في وجهي، وهذا يحدث لي غالبا
قبيل النوم لكثرة التدخين والإنهاك من متطلبات يوم
الثوار في الجبل. تناولت كتاب وحاولت القراءة. بعد عدت
سطور شعرت بحرقة شديدة في عيني، فرحت أفركهما فيزداد
سعير الحرق، قلت معي نفسي:
ـ لأنام قليلا!.
وضعت الكتاب على المنضدة الخشبية الصغيرة الواطئة
بارتفاع متر، وأغمضت عيني. سكنت الحرقة قليلا، لكنها
بعد دقائق هجمت عليَّ بشدة. فعدتُ لا أستطيع مباعدة
أجفاني إلا بصعوبة. أنهضت جسدي وتربعت على الفراش.
تناولت مرآة صغيرة، وفتحتُ عيني بعناء وجدتهما
كقطعتين ساخنتين من الدم. تفحصت وجهي. كان محتقنا،
منتفخا. أغمضتهما مرخيا رأسي إلى الجدار المغطى
بالنايلون. شعرت بهما تتصلبان لحظة بعد لحظة لتتحولا
إلى قطعتي حجر. غَمْدتُ رأسي بالوسادة وبقيت هكذا مدة،
لكن الألم بدأ يزداد وينتشر في أرجاء جسدي قطعة..
قطعة. لم يعد بمقدوري الاستمرار مستلقياً على بطني.
ارتكزت على كوعيَّ وجلست طاويا ركبتي تحت ثقل جسدي..
تَلَويّتُ. نهضت واقفا. حاولت أن أخطو نحو باب الغرفة،
لكن شدة الألم عطلت قدميَّ. هويت ثانية إلى الفراش. لا
أدري كم بقيت هكذا.. أصارع بصمت الحريق الذي شب في كل
قطعة من جسدي.. بدأت بالأنين الخافت.. أقوم أخطو
خطوتين.. أقعد.. أستلقي. أقوم من جديد.. أحاول فتح
عيني فتهب على أبواب جهنم. كنت أقول مع نفسي:
ـ متى تعودين يا بهار؟!.. متى؟!.
صارت حبيبتي مثل حلم في بحر الألم الذي ضعتُ فيه.
تصورت وقتها أن مجيئها وحده سيسكن آلامي. وبينما كنت
أدور في تلك اللجة دفعت الباب، وصرخت:
ـ أش بيك حبيبي؟!.
وراحت تتلمس جسدي فكنت أصرخ من ملمس أصابعها، راحت
تتوسل وتناديني باسمي الحقيقي:
ـ أفتح عينك حبيبي سلام!.. أرجوك أفتح عينك!.
كنت أردد من بين أنيني:
ـ ما أقدر.. ما أقدر نار بعيوني!.
ـ حاول حبيبي.. حاول.. أرجوك.. أرجوك!.
كانت توشك على البكاء. وكنت أتلوى من أجلها ومن جسدي.
حملت نفسي بكل ما تبقى بيّ وباعدت أجفاني كمن يرفع
صخرة هائلة الحجم. على ضوء الفانوس الشحيح، في اللحظة
الخاطفة تلك رأيت مدى الرعب الذي طعن قسماتها الجميلة
التي حرزتها في عينيّ لما أغمضتهما ثانية. سمعتها
تقول:
ـ اهدأ دقيقة وراجعه!.
سمعتها تفتح الباب. وتغلقه خلفها.. فسقطتُ في بحر ألمي
الذي أستعرَ من جديد ما أن اختفت، .. لا أدري كم من
الوقت طوّلَ غيابها؟!.. لا أدري فالزمن صار غير هذا
الزمن.. الثانية فيه تساوي دهرا، بقيت وحدي أجود بنفسي
وسط النار ولا من منقذ أو أمل.. بقيت مثل ضال تُرك في
جهنم إلى أن فُتِحَ الباب. كانت بصحبة الدكتورة ـ أم
هندرين ـ التي أزاحت قميص سروالي وتفحصتني بصمت لتقول:
ـ خذيه إلى فصيل الإسناد!.
وخرجتْ.
قالت حبيبتي:
ـ أصبر حبيبي.. أصبر.. سأجمع وثائقنا ونصعد!.
ألبستني الحذاء، وقادتني من يدي. كنت مغمض العينين.
عند العتبة قالت:
ـ أرفع قدمك حبيبي!.
رفعتها. وطأتُ قدميَّ خلف العتبة، فهجمت رائحة الحرائق
والدخان الخانق. أزداد ضيق تنفسي، فجعلت أشهق بعمق
باحثا عن الهواء دون جدوى. سرنا على ممر ضيق أعرفه
جيدا يصعد بمحاذاة صف من الأشجار يفضي إلى ربوة حيث
غرفة السجن، وقاعة فصيل الإسناد، وغرفة الرفيق ـ أبو
علي وزوجته ـ. المسافة لا تتعدى الخمسين مترا، لكنها
كانت طويلة جدا، كنت أتضور فيها بألمي واختناقي. أنقل
خطوي بجهد متوجعا ويداها الحانيتان تمسكان بيدي
وتسحباني بأناة وببطء شديد. وقتها كنت أحس أنني سائرٌ
نحو المجهول.. فلا مشفى ولا طبيب وليل دامس طويل وأنا
أتلظى في بحر جهنم. أحسست الأرض تستوي تحت قدمي، معنى
ذلك أننا بلغنا الفسحة الواسعة التي هي عبارة عن حقل
محاط بالأشجار من ثلاث جهات تحول إلى ساحة للعب كرة
الطائرة. لم أسمع شيئا كان الصمت مقيما لا يعكره سوى
وقع أقدامنا وحفيف أرديتنا ولهاث حبيبتي. قطعنا عدة
أقدام، ثم أوقفتني قائلة:
ـ أجلس هنا!.
بعناء باعدت أجفاني. فطالعني المشهد. حول لهب نار
مضطرمة تحلق الثوار في دائرة كبيرة. أول وجه وقع بصري
المضطرب عليه كان وجه ـ توما توماس ـ بقسماته الشائخة
الحمراء، وشعره الأشيب الطويل المنسدل حتى منتصف الكتف
( من الشخصيات اليسارية العراقية المعروفة التي ساهمت
في النضال المسلح ضد سلطة البعث منذ الستينات وحتى
حملة الأنفال، مات في المنفى في السنين الأخيرة ). كان
ساكنا يجلس لافا ساعديه حول ركبتيه ويحملق في الشعلة
بصمت، وعلى جانبيه أصطف جلوساً الثوار وكأنهم في طقس
بدائي. كنت أغمض عيني وأفتحها بين ثانية وأخرى والحرقة
تزداد شدة. تركت يديّ وقالت:
ـ سيموت يا الله.. سيموت!.
رغم ألمي سألتها:
ـ من.. من؟!.
فقالت:
ـ أبو ماهر!.
وأبو ماهر هو ـ ثابت حبيب العاني ـ ( من شخصيات اليسار
المعروفة وكان صاحب أمتياز صحيفة طريق الشعب العلنية
خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي مات في المنفى
في السنين الأخيرة ) فتذكرت أنه كان يقيم في غرفة جوار
قاعة الضيافة. أي في مكان يبعد عن تلك القذيفة التي
أعمت ـ أبو فؤاد ـ عشرين متراً. وهو شيخ كبير أختلف مع
قيادة حزبه ورفض مغادرة كردستان إلى الخارج. فعزل عن
العمل وبقى في مقرنا. وكان مريضا في القلب. فتحت عيني
ناسيا جحيم الحرقة وحدقت نحوها وهي تخطو مقتربة من ـ
أبو ماهر ـ الذي كان مستلقيا على بعد ثلاثة أمتار.
وعلى ضوء النيران لمحتُ ملامحه المحتقنة وهو يحاول
التنفس دون جدوى فبدأ بالشخير وكأني يعالج سكراته
دافعا بذراعيه إلى الجانبين ورفسا برجليه المتصلبتين.
آخر ما أتذكره من ذلك المشهد هو أن ـ ناهدة ـ هرعت مع
رفيق آخر لتجلس جوار رأسه وترفع جذعه الأعلى وتسنده
واضعةً رأسه المتشنج إلى كتفها فبدأ بالتقيؤ والسعال
بينما هرع رفيق آخر لمناداة الطبيبة. شعرت بالموت
دانيا منه ومني ومن هذا الجمع من الثوار الحالمين الذي
عاشرتهم سنين طوال. خنقتني العبرة وذرفت الدموع ناسيا
جحيم جسدي تلك اللحظات. كنت أبكي بصمت والسعال بات
يأتي من أطراف ووسط الدائرة يصحبه أصوات هواع.. وكأنهم
يحاولون التقيؤ دون جدوى.. نار ووجوه ساكنة في ألمها
تحدق بصمت وأخرى تسعل وأخرى تتقيأ واللحظات تمتد
وكأنها الأبدية. صرختُ مع نفسي:
ـ كيف الخلاص من كل هذا؟!.
عندها بدأ الجحيم من جديد يستعر في كل قطعة من جسدي حد
لا أتذكر من مشهد دائرة النار شيئا. إذ وجدت نفسي أحبو
متمرغا مثل طفل على حصير غرفة مكتظة بالرفاق الصارخين
الناحبين فانتحبتُ أنا أيضا بصوت مسموع ورحت أصرخ
مستنجدا مثل الجميع:
ـ أخ سأموت!.
ـ أني أحترق!.
ـ يا يمة!... يا بويه!.
ـ بويه تعالي بويه!
ـ ولكم أريد شويه هوه!
ـ عيوني يمه عميت
الهذيان مصحوب بصراخ ألم، وسعال وقيئ. كنت أفتح عيني
بين الحين والحين فيقع ناظري على أجساد مطروحة جالسة
نصف واقفة مضببة تحت ضوء فانوس عليل معلق على الحائط
جوار الباب. لم أستطيع التعرف على أقرب رفيق يتلوى
جواري.. وكأنني دخلت دائرة في الألم والعذاب جديدة، إذ
أن الشعور بدنو الآجل صار شديد الوضوح، كنت أجود بنفسي
متمنيا لو أن أحدهم يجهز عليّ ويخلصني من ذلك الجحيم،
شعور راودني قبل هذا الموقف لما كنت معتقلا في الشهر
السادس من عام 1980 في الآمن العامة ببغداد، إذ خطفوني
وصديقين أحدهم كان متخفيا عن أنظار السلطة يدعى " ميثم
جواد " من أهالي كربلاء، خريج إدارة واقتصاد جامعة
المستنصرية أعدم لاحقاً. لما يأخذونني إلى حفلة
المساء، ويبدأ التعذيب يتصاعد من الفلقة إلى رجة السلك
الكهربائي، كنت أتحمل ذلك وأصرخ، لكن لما كانوا يغطون
برأسي في حوض الماء ويطيلون المدة رويدا.. رويدا فأشعر
بأن روحي تكاد تخرج من حلقي في جحيم الماء الذي يشبه
جحيم الحرق في تلك الغرفة المكتظة بالصارخين وكأنهم
ينتظرون أمام بوابة الجحيم، لكن دون أن ينالوا تأشيرة
الدخول حيث القرار. كنت في معصوب العينين في غرفة
شاحبة الضوء ممسوكا بأيادٍ غليظة قاسية أصرخ طالبا
الموت في متاهة أقبية الأمن العامة،، ورحت أصرخ طالبا
الموت أيضا فيضيع صوتي في ضجيج صراخ وهذيان الرفاق. في
تلك اللحظة أحسستها تمسك بذراعي بقوة كي أكف عن التلوي
والصراخ والبكاء، هامسة بصوتها العذب باسمي الحقيقي:
ـ سلام حبيبي.. كن قويا.. أرجوك!.
ـ سلام لا تضعف حبيبي!.
وقعت في حيرة.. فهاهي حبيبتي تدعوني لأكن قدر الألم
وهو لا يطاق. أتذكر تلك اللحظة وكأنها جرت بالأمس. كيف
عضضت على أسناني بكل ما بيّ؟!. فتصلبت قسماتي حابسا
صراخي وكاتما جحيم النار في نفسي، منصتا لصوتها العذب
المتوسل كي لا أقول شيئا وأتحمل وأصبر. لما تجاوزت
المحنة فكرت طويلا بموقفها الشجاع وصلابة روحها
المقدامة فقد خلصتني من الكثير من التعليقات الساخرة
التي أعقبت ذلك، وعلمتني شيئا جوهريا عن الوجود
البشري.. فالموت لابد منه، لكن ثمة فرق كبير من أن
يموت الإنسان وهو يصرخ بضعف وأخر يموت بصمت. حمدت
الدنيا التي منحتني نعمة جوارها، فهي ساعدتني كثيرا
لما كنت مختفيا في المدن، إذ كانت تلتقي بيّ سرا وتشد
من أزري، ولما كاد أن يلقى القبض علينا في شباط 1985
رتبت عملية التحاقنا بالثوار في الجبل بكل هدوء وتركت
كل شيء خلفها حتى أبننا الوحيد وقتها ـ كفاح ـ.
لم أعد أتذكر كيف قضيُْ تلك الليلة؟!.
كانت تتركني بين الحين والحين.. تغيب وتعود فيما كنت
احبس صراخي وألمي منصتا لهذيان وصراخ الكتل البشرية
المحشودة المتلاصقة في الغرفة. كانت تتلمس جسدي
المشتعل كاشفة عن ظهري وصدري وساقيَّ، وتقول كلاما
تصبرني فيه وتشّد من عزمي. كان الألم يبلغ بيّ حده
الأقصى بحيث أعود لا أحس بشيء فأسقط في شبه إغماءه
لأصحو على صوتها الناعم العذب وأصابعها الحانية تجوب
لامسة جروحي. في الأيام التالية أخبرتني أين كانت تذهب
فروت لي كيف كانت تنزل إلى الطبابة لتساعد الطبيبة ـ
أم هندرين ـ وهي تحاول أن تفعل شيئا لأبي فؤاد، قالت:
ـ كان محترقا أعمى يتقيأ كل لحظة. فيما وضعت الطبيبة
صحن كبير وعميق في حضنه كي لا ينثر القيء على ملابسه.
اختفت أهدابه. فرغت عيناه. تشنجت قسماته. كان يحاول أن
ينهض بجسده دون جدوى فيرفع يديه المسودتين إلى أعلى
وكأنه يحاول الإمساك بشيء. خنقتني الرائحة المنبعثة من
كتلته، فبللت منديلي ووضعته على أنفي وفمي. مسحنا
جروحه بالشاش المعقم، لم ينطق بحرف واحد، لم تصدر عنه
سوى أنة واحدة طويلة قبيل لفظ أنفاسه الأخيرة ليستقر
رأسه بلا حراك على كتفي!. عندها صرخنا أنا والطبيبة
ورحنا في عويل طويل فهرع نحونا الرفاق القريبين
ليحملونه ويضعوه على فراش منزوٍ في طرف الغرفة!.
استيقظت على صوتها يناديني:
ـ ها حبيبي سلام أش لونك؟!.
وجدتُ الصمتَ مقيما ومن بعيد يأتي صوت زقزقة عصافير.
فتحتُ عينيَّ رغم النار التي شبت فيهما وأجلت الطرف.
على ضوء الفجر رأيت الأجساد التي كانت تتضور طوال
الليل صارخة هاذية تغفو أيضا أو تسقط في غيبوبة الألم
كما حدث معي.. ذكرتني بأشلاء الجنود في جبهة الحرب
العراقية الإيرانية التي تخلفها معركة ليلٍ ضاريةٍ.
أغمضت عينيَّ منصتا لزقزقة العصافير. حاولت أن أسحب
نفسا عميقا. لم أستطع فالهواء يشعل بلعومي فأسعل
سعالاً جافاً طويلاً. همستْ بصوت منكسر النبرة لم
يستطع إخفاء ألمها:
ـ حبيبي سنصعد إلى موقع ـ الدوشكا ـ.
تخيلتُ الموقع القريب من القمة، والمجاور لنبع الماء
والذي يبعد ساعة في صعود وعرٍ بالنسبة للسليم فكيف
بحالي؟!. حاولت مساعدتي في النهوض. تمكنتُ متمسكا
بذراعيها، لكنني لم أستطع السير سوى خطوات قليلة إذ
شعرت بحريق يشب في خصيتي وبين ساقي وتحت إبطيَّ مع كل
حركة. همست:
ـ تحملَّ حياتي.. فالبغل بانتظارنا في الساحة!.
رميت خطوي مستندا على كتفها الرحيم. كان النهار صحوا
والشمس متلألئة مما زاد من حرقة عيني كلما حاولت
فتحهما. أتذكر الآن مدى العناء الذي تجشمتهُ وهي تحاول
بمساعدة رفيق إصعادي فوق البغل. جلستُ على السرج.
أشتعل ما بين فخذي، فولجتُ في صلب الجحيم. لم يكن
أمامي سوى الصمت وكتم الألم في حضرتها، وفكرت بعد
التجربة عميقا في سر صمودي إزاء ذاك العذاب، فلم أجد
سوى حضرتها محرضي الوحيد كي أبدو قويا.
|