|
تاريخ
النشر 23-08-2007
شهادة
الجزء
الرابع
بمناسبة محاكمة صدام حسين وأعوانه بقضية الأنفال
عندما أدخلني الدكتاتور في الجحيم
سلام إبراهيم
أغمضت عيني وسقطت في
غيبوة أخرى.. غيبوة مفردة أدق تعبيراً من مفردة النوم.
كنت أسبح حتى ذلك الوقت في فضاء لا ألم جسدي فيه، إذ
يقتصر الشعور بالجسد فقط في لحظات الصحو النادرة التي
أجد فيها أمام إبراهيم جواري أو حبيبتي ناهدة.
كم يوم بقيت على هذا
الحال؟!.. لا أدري غبت تماما عما يحيط بيَّ عدا وجهيَّ
حبيبيَّ المطلين على رقدتي هما وهدير ماء النبع كلما
صعد بي جسدي من ذلك العالم المخيف.
لم تكن تلك أياما بل
دهورا امتدت وكأنها بلا نهاية إلى أن استيقظتُ يوما
شاعراً بمواقع في جسدي تحرقني حرقا جعلني أصرخ فرط ألم
ما بين فخذي، خصيتي، عضوي الجنسي، إبطيَّ، بطني، كتفي
الأيمن، مضاف إلى ضيق في التنفس وكأنني أوشك على
الاختناق. صار بمقداري فتح عيني مدة أطول فالحرقة بدأت
تخف قليلا.. قليلا بنسبة عكسية مع مواقع جسدي المحروقة
التي عادت لسيطرة شعوري. أحسست أنني عبرت مرحلة الخطر
وذاك العالم الجحيمي الذي رأيته في كوابيس غيبوبتي لم
اعد أراه، لكن ما كان يخيفني هو اختناقي الليلي، إذ
أفزَّ بعد دقائق من سقوطي في الغفوة وأنفاسي موشكة على
الانقطاع. في صباح مشرق قلت لإبراهيم:
ـ أريد مرآة!.
فأنسلل على المسلك
الهابط وعاد بعد دقائق وفي يده مرآة صغيرة. جعلت وجهي
بمواجهة الشمس. فتحت فمي على سعته ورفعت المرآة
بمستواه فرأيت منظرا شديد البشاعة. في عمق فمي تضخمت
اللوزتين حتى كادتا تسدان مجرى فمي. قلت لإبراهيم:
ـ صيح لي الطبيبة
فورا!.
فهرع وجاء بأم هندرين.
أريتها فمي فقالت:
ـ ماذا أستطيع أن أفعل
لك!. ليس لدينا أدوية لهذا النوع من الإصابات!.
قلت لها على الفور:
ـ أليس لديك بنسلين!.
قالت:
ـ نعم لكنه من النوع
الزيتي المؤذي وقوته مليون!.
ـ أعطي جرعة فوراً!.
هل أنقذتني تلك
الجرعات؟!. لا أدري لكن الورم في جوف فمي خف فأصبح
بمقدوري عبّ الهواء بصعوبة أقل.
كل غروب يقودني
إبراهيم من يدي على المسلك المنحدر نحو غرفة الحمام
وفي ظلامه الحالك كان يجردني من ثوبي الطويل ويدلك
جسدي بحذر شديد، إذ كانت أصابعه تمر على جلدي المتقرح
بالفقاعات في لمس أكاد لا أحس به قبل أن يدلق عليّ
طاسة ماء فاتر، ثم يجفف جسدي بمنشفة طويلة يضعها
وينقلها قطعة بعد قطعة دون فرك، يلبسني ثوبي ويعود بيّ
إلى الفراش ويظل جالسا جواري حتى سقوطي في النوم بعد
أقراص مهدأة أتناولها على وجبات خمس في اليوم. قلت
لإبراهيم لما تكرر غياب حبيبتي:
ـ وين صارت؟!.
ـ مشغولة بـ ـ أم بدر
ـ فالطفل مات في بطنها ويحاولون إخراجه منذ البارحة
وزوجها مثل المجنون يدور من غرفة إلى أخرى يبكي ويهذي!
شبت في جسدي دفعة
جديدة من الحرائق وخصوصا بين فخذي وخصيتي وعضوي. رفعت
ثوبي ووضعت المرآة ففزعت. كان عضوي متقيحاً. بقيت
أياما مشلولا بالألم والرعب دون أن تفعل لي الطبيبة
شيء، إلى أن جاء طبيب الفوج الأول ـ باسم ـ ( يعيش
الآن في الدنمرك ) فدأب على قشط الجزء المتقيح كل يوم
فكانت روحي تشوغ وتتلاشى من شدة الألم وتعود ما أن
يبعد المبضع عن قضيبي. كان إبراهيم وناهدة يمسكان بي
من الجانبين أثناء عملية القشط التي كان يجريها كل
صباح إلى أن جف الجرح ( الدكتور ـ باسم ـ كان يترجم
لي في مقابلة موفدة منظمة مساعدة اللاجئين العالمية
التي قابلتنا في ـ موسكو ـ في خريف 1991 لما حُصر أكثر
من ثلاثمائة عراقي في أعقاب حرب الكويت وهم في طريقهم
إلى دول اللجوء. فسردت عليها هذا المسرد ولما وصلت إلى
هذا الموقع أشرت نحو ـ باسم ـ المبتسم الواقف بيني
وبين المحققة التي كانت من الصدف دنمركية وقلت:
ـ وهذا الطبيب الذي
قشط قضيبي وأراني الويل!.
فترجم لها جملتي
ضاحكاً ومؤكدا كلامي ).
هذه الناهدة.. وهذا
الإبراهيم كانا ملاكيَّ الحارسين في تلك المحنة التي
أرجحت وجودي على حافته. لما عبرت مرحلتي الحرجة في
الغيبوبة وكوابيسها وطلعت عنوة من البرزخ الضيق الفاصل
بين العالمين، تشبثت بالدنيا تشبث الأعمى.
هل سأعيش ذات التجربة
قبيل لفظ أنفاسي؟!.
هل سأرى عالما يكتظ
بكل تلك الوجوه صامتا واضحا متحركا كما وصفته في مفصل
ـ في البرزخ ـ ـ؟!.
بت على يقين بعد عيشي
قرابة عشرين عاما على تلك التجربة بأن البرزخ المتخيل
موجود وحقيقي ومخيف. وحده العفيف في هذه الدنيا سيمر
به دون عناء. ولما لم أكن عفيفا في عمري إلا في طرفه
الأخير فسأرى كل تلك الرؤى المرعبة مرة أخرى.
تشبثُ بالدنيا كغريق
يتعلق بقشة وكان من أفظع هواجسي هو موتي وترك حبيبتي
وسط تلك الظروف المضطربة والمجهول المنتظر أيامنا
القادمة وقتها. الهاجس نفسه كان يمتلكها أيضا، في
لهفتها عليَّ، وهي تعني بيّ كطفلها الوحيد. كنا نشعر
أن الحياة دون علاقتنا ليس لها معنى.
تعافيت قليلا.. قليلا،
وبعد أكثر من شهرين تمكنت من العودة إلى المشي والبدء
في ممارسة متطلبات يوم الجبل، أي ما يشبه وضعي قبيل
القصف ذاك. فقد كنت أسوء حالة إصابة نجت من موت أكيد.
بقيت أثار الجروح والتقرح على جلدي شاخصة حتى لحظة
الكتابة، لكنني عدت للحياة بشغف من يعود من برزخ
العالم الآخر. صحيح أصبحت حركتي أقل حيويا من قبل
لكنني كنت سعيدا بالدنيا وحبيبتي جواري نعني ببعض..
لكن الشيء الذي أقلقني هو تدهور صحة حبيبتي يوما بعد
يومٍ. بدأت تنحل بشدة وتسعل بجفاف وتقاوم كشأنها دون
شكوى أو قول. قلت لها:
ـ يا حبيبتي وضعك
يتدهور وجسمك ينحل ونفسك يضيق يجب أن تفاتحي الرفاق كي
يبعثوا بك للعلاج أو للفحص على الأقل!.
انصاعت بعد إلحاح،
فخرجنا بمفرزة في خريف عام 1987 من زيوة بهدينان إلى
لولان. طريق طويل محفوف بالمخاطر. كنت أقود البغل
المخصص لها فقد كانت متعبة لحدود عدم قدرتها على
السير. الطريق أعرفه فطالما سلكته في مهمات بريدية
طوال سنتين. وهناك لما وصلنا إلى مقرات ـ لولان ـ
الواقعة في المثلث الحدودي الإيراني العراقي التركي،
وحط بنا الرحال، ظهر أن لديها متاعب في الرئتين
والكليتين، سيكتشف لاحقا بعد الأنفال وفي معسكرات
اللجوء في أقصى الشمال الإيراني بأنها مصابة بالسل
الرئوي، بينما

سلام إبراهيم ـ أبو
الطيب ـ، وناهدة جابر جاسم ـ بهار ـ في مجمع ـ زيوة ـ
للاجئيين في إيران 1988
سقطت أنا فورا مصابا
بالتهاب الرئة الحاد الذي سوف يظل لصقي كل العمر، ففي
الدنمرك صرت نزيلا أليفا في مستشفى مدينتي
Roskilde
كل شتاء. وهذا ما كنته
أيضا في الشتاءات التي أعقبت إصابتي سواء في كردستان
أو محطات اللجوء في دمشق وموسكو.
في وضعي البائس ذاك في
مقرات ـ لولان ـ. طلبت مقابلة لجنة طبية تتكون من
رفيقين من الأطباء هما ـ أبو يسار ـ و ـ أبو كوران ـ
شكوت لهما حالي في غرفة من الحجر والطين في موقع يسمى
ـ بيربنان ـ شكوت بصدق كوني أحس بنفسي معلول قلت لهم
أنا أحس غير الذي كنته قبل القصف وطلبت منهما مساعدتي.
أكتب هذه التجربة
المرة وقبل يومين استمعتُ إلى شهادة رفيق كردي من
الاتحاد الوطني الكردستاني لا أتذكر أسمه كان يقول في
شهادته أن أطفاله باتوا يخافون من عينيه ولجأ بمساعدة
حزبه بعد الإصابة مباشرة إلى هولندا وجلب كل التقارير
المؤيدة لذلك.
أكتب الآن بمرارة
فأرقى ما بالحزب الذي كنت أخوض الكفاح الصعب معه وهم
الأطباء خذلوني كإنسان موجع مصاب مسكين ورفيقهم في
المحنة.
كنت ومازلت أعتبر
الطبيب ساحراً. فهو من يقرر علّه الجسد. لكنني في تلك
الغرفة الضيقة وهما يضعان السماعة على صدري العاري
وظهري، وينصتان إلى صوت تنفسي ليقولا بعد ذلك:
ـ رفيق ليس بك شيء..
أنت صاغ سليم!.
كفرت بعد وصولي
للدنمرك بهما!.
كفرت بالإنسان حتى!
خرجت من الغرفة حائرا
ـ هل أنا حقا صاحٍ أم
معطوب؟!. فإذا كنت صاحيا ما هذا الضيق في النفس
والتهاب الرئة المتكرر والعناء الذي ألقيه عند القيام
بواجبات حياة الثوار اليومية.
أثبتت الأيام أني
معلول والطبيان حمَّلاني عناء أشد في التجربة إذ أن
قرارهما جعلني أبقى بين الثوار حتى نهاية الأنفال وأنا
أنوء بنفسي في تلك الظروف التي كانت أشد وأضني وهذا ما
سأعود إليه في القسم الثاني من هذه الشهادة.
* * *
أستيقظ باكرا مدندنا:
(آه يا أسمر اللون
حياتي الأسمراني)
أستعجل الساعة منتظرا
ظهور الطاغية في القفص. وأحبائي الأكراد بوجوههم
المغضنة العميقة وتلقائية ما ينطقون به عما تجشموه من
أهول وبلغتهم التي أحب وقعها، فطالما أشعرني بالأمان
وأنا أشاركهم خبزهم وفراشهم وغرفهم وجوامع قراهم
والمصير كذلك.
هذا المشهد هو ذروة في
تجربة حياتي.. هاأنذا أجلس مسترخيا وحيدا كل صباح منذ
السابعة والنصف وحتى الثالثة، ومن أقعدني وهمش حياتي
يطل الآن في قفص بلحية رثة وبقسمات ذليلة وجواره وخلفه
يجلس من كان أدوات طغيانه ينصتون لفلاح كردي مغضن
البشرة كان يافعا لما كنت ورفاقي الثوار في بيته يقدم
لنا الخبز والمأوى والماء. أرتب طقوس هذه الصباحات
بقلبٍ راقصاً.
الطاغية في القفص،
ذليلا، لا يستطيع أن يتواقح كما فعل في محاكمة الدجيل،
فمبرر كونه رئيس دولة تعرض إلى محاولة اغتيال انتفى.
ثمة بشر ضيعوا في المقابر الجماعية والقصف الكمياوي،
والتهجير دون ذنب سوى أن مناطق عيشهم كانت غير مسيطر
عليها من قبل أجهزته.
الأثر البعيد المخرب
حياة البشر لا يدركه الطاغية لأنه ببساطة أمي بالمشاعر
أو دون مشاعر حتى. الشاهد الكردي الذي أسهب في تفاصيل
شهادته، صاحب الاسمين والتقارير الطبية من هولندا رفع
نظراته ليرى المحكمة والمشاهدين عينيه المعطوبتين
قائلا:
ـ أطفالي يطلبون مني
لبس النظارة لأنهم يخافون من شكل عيني!.
هذا الأثر النفسي
العميق الضارب أكثر العلاقات حميمية في الوجود، لا
يفهمه إلا من عانى مثل هذه التجربة. ما قاله الشاهد
عانيته بشكلٍ أخر مع أبنائي هنا في الدنمرك. فأبني
الصغير ـ صلاح ـ المولود هنا في الدنمرك عام 1993 ليس
لديه القدرة على فهم ما مررنا به وهو يرى أمه تعمل
وناجحة في عملها لكننا نعاني من مأزق اقتصادي مستمر
بسبب النظام الاجتماعي هنا. فكلما تقدمت بعملها وزاد
مرتبها قلَّ مرتبي باعتباري متقاعدا، هو لا يفهم سبب
عجزي عن العمل، ولا يستطيع تصديق أن ممارستي الرياضة
العنيفة يوميا المشي الطويل، السباحة، صعود سلم البيت
ونزوله كل يوم لساعة هو للمحافظة على وزني الذي له
علاقة جوهرية بقدرة الرئتين.. هو لا يفهم كل هذا.. بل
قال لي في يومٍ ونحن نخوض في إشكالية وضعنا الاقتصادي
المتعب ونحن نجلس حول مائدة الطعام:
ـ بابا ليش ما تشغل
حتى تساعد العائلة؟!.
لما أجبته بأنني
متقاعد بسبب وضعي الصحي، ردَّ بسخرية:
ـ وهل من يصعد السلم
لساعة كاملة، ويقود الدراجة الهوائية لساعتين، ويسبح
ساعة مريض!.
هذه محنة لا يفهمها
الدكتاتور أبدا.. فأين له الفهم وهو فاقد الحس
بالآخرين.. لذا لم يفهم حتى جملة واحدة مما قاله ذلك
الشاهد عن أولاده الذين أصبحوا يخافون كلما رفع
النظارة عن عينيه.
بلعت سخرية أبني
وقتها، هو الآن في المدرسة ووحدي أجلس ومن سبب لي كل
هذه المحن التي لا تحصى لصغرها وتفاصيلها حتى كنت
أتمنى أحيانا لو مّتُ في ذلك القصف وخلصت، يجلس في
القفص يتابع قول الشهود.
ليس ما أصابني في
القصف ذاك هو فقط سبب متعتي بمشاهدته كل صباح يجلس
بذلة، يطرد، ويأتون به كلما قرر الحاكم.. بل هذا
الكائن حول حياتي إلى كابوس.. فمنذ أيام حكمه الأولي
في عام 1972 اعتقلت أول مرة وأنا لم أبلغ السادسة عشر
من عمري وعذبت في أمن الديوانية بشدة، فلقة، ضرب مبرح
في كل ما تصله أيدهم من جسدي، كوي بالكهرباء.. وذلك ما
جعلني أعيش كابوسا مستمرا تظهر فيه نفس الوجوه التي
اعتقلتني أول.. سيتكرر ذلك أربع مرات آخرها عام 1980
لما خطفوني مع صديقين من بار على أبو نؤاس وأروني
الويل في صفحة أخرى سأرويها في موضع أخر.
هذا الكائن الهمجي
البدوي الجاهل العنيف القاسي، سيقتل أعز أحبائي أخي
الأصغر كفاح إبراهيم، أبن عمتي نعيمة،

إلى يمين الصورة
الشيهد كفاح عبد إبراهيم، إلى اليسار الشهيد صلاح مهدي
الصياح، لم يعثر على رفاتهما في المقابر الجماعيةـ
الصورة 1977 في الجامعة التكنولوجية ببغداد
علي عبد الباقي، أبن
عمتي سهام صلاح مهدي الصياح، أصدقائي حازم الصمياني،
كريم ناصر، حميد هلال، شاكر لعيبي، أستاذي مدرس
الفيزياء شاكر داخل والعشرات من الأقرب إلى القلب
والروح سوف يقتلون سرا في الأقبية وساحات الإعدام ممن
كانوا يقيموها في ملاعب كرة القدم في كل مدينة صورت
ذلك في روايتي ـ رؤيا الغائب ـ التي صدرت عام 1996 عن
دار المدى. وفصلها الأول ـ في ساحة الإعدام ـ أرشف
كوثيقة في موقع الذاكرة العراقية الخالص بجرائم
النظام، وسوف لا يعثر على أي جثة من جثثهم في المقابر
الجماعية التي نبشت بعد سقوطه.
ليس هذا فحسب، سيسوقني
جنديا لأرى الويل في جبهة الحرب العراقية ـ الإيرانية
منذ 1982. سيغير مجرى حياتي التي ظننت أنها استقرت بعد
زواجي عام 1981 من حبيبة عمري. لكنني سأجد نفسي هاربا
ضائعا في مدينتي حتى التحاقي سرا بالثوار في الجبل..
لأخوض جحيم آخر وأحن إلى مدينتي وحبيبتي وأبني فأعود
سرا لأعيش جحيم جديد في تجربة أعسر مكتظة بالكوابيس
التي صورتها في المفصل الأول من ـ برازخ وأخيلة ـ لما
اضطررت للمكوث في غرفة علية ضيقة في بيت قديم وسط
المدينة وقتها دبرت لي حبيبتي مسدسا كنت عازما على
الانتحار ولا الوقوع بين أيديهم مرة أخرى. سأنجح بعد
تجربة أخرى في جبهة الحرب في الالتحاق بالثوار مصطحبا
حبيبتي وتاركا أبني ـ كفاح ـ الوحيد وقتها المصاب
بالربو، لو جلبناه معنا لقضي في القصف بالغازات السامة
حتماً. سأعيش هذا المخاض الجديد متفاهما قليلا مع نفسي
فأنا كشخص غير ميال للعنف والقتل حتى الثوري.. سأعيش
إلى اللحظة التي هبطت علينا آلهة الحديد بالغازات
السامة كما صورته في هذا الموضع. سيعتل جسدي ما تبقى
من العمر.. وبعد الأنفال سأعيش جحيم معسكرات اللجوء في
تركيا وإيران، والضياع في المنفى، في دمشق، موسكو
لأعيش تجارب محتدمة هي جحيم من نوع آخر صورته في
روايتي الموشكة على الإنجاز ـ جوف الفقاعة ـ ثم في
جحيم المنفى الدنمركي المستقر الذي رأيت فيه ويل من
نوع أخر صورته في روايتي الموشكة على الإنجاز أيضا ـ
كل شيء ضدي ــ.
هذا الكائن القروي ابن
العوجة قريةً وأماً ـ صدام حسين ـ النكرة حول حياتي
إلى جحيم في مقتبل عمري وفي شيخوختي، ليس أنا فحسب بل
أبناء جيلي ممن لم يقض في التجربة وبقيَّ حيا. أدون
هذا القول مكتشفا هذه اللحظة أنه جعلني أعيش الجحيم
مرتين مرة في حياتي الواقعية والثانية في المنفى وأنا
أجلس كل نهار وحيدا في بيت ريفي في طرف منسي غريبا عن
عالمي، أدون ذلك الجحيم في كل مراحله، وأتَعَصَرْ
مكتويا بالنار، وكأن ما أكتبه يحدث لي في هذه اللحظة.
متعتي لا توصف ووجوه
الفلاحين الأكراد تظهر تباعا أمامي على الشاشة تفضي
بقصة عشت تفاصيلها الصغيرة التي لم ينجحوا في بيان مدى
فداحتها قولا، فأثارها المدمرة تفوق ما قالوه وهم
يقفون في مواجهة الطاغية. مع ذلك كنت أرقص طربا وأحتسي
المزيد من كؤوس الشاي في فترة الاستراحة منتظرا ظهور
الطاغية على كرسي مذلته بعد أن طوطمته أجهزة القمع
التي بناها برؤية كيان مصبوب ومفطور على الشر.
أصبح لوصوصة العصافير
على أشجار الحديقة نغما مختلفا يأخذني إلى فسحة فرح
غير مسبوق مع كل جلسة أرى فيها الطاغية ينصت دون أن
يستطيع الدفاع عن نفسه أمام تلك الشهادات العفوية من
فلاحين أكراد لم يعرفوا أبدا لغة التفلسف.
حسدت نفسي قائلا:
ـ أنت محظوظ يا سلام
إبراهيم مادمت تعرضت لكل ما تعرضت إليه لتبقى حيا إلى
حين سقوط الطاغية وظهوره في قفص الاتهام على شاشة
التلفاز ذليلا يشكو أحيانا من سجانٍ ضربه أو شتمه أو
عامله بقسوة.. أنت محظوظ فالكثير من ضحاياه ماتوا قبل
أن يروا هذا اليوم بغض النظر عما يجري بالعراق هذه
اللحظة، هذا شأن آخر ليس موضعه الآن!. المهم يا سلام
أن تستمتع بهذه اللحظات النادرة والطاغية يشكو!.
الكلب يشكو.. ابن
الزانية يشكو وهو الذي ربى جيلا من القتلة.. مشهد لا
أنساه لما وقعت بين أيديهم آخر مرة عام 1980 لما تعبوا
من التعذيب ولم يكن لديهم دليلا عليَّ أخذوني في جلسة
لتدوين أقوالي. ولما أجبت المدون عن سؤال محدد يتعلق
بالاتجاه السياسي لصديقي ـ عبد الحسين داخل ـ وقلت: لا
أعرف أعتقد أنه مستقل، وهو كذلك. قام المدون الذي كنت
ألمح خياله من خلال قطعة القماش المغطية عيني على ضوء
مصباح منضدة قوي أمامه، التف وصار فوقي وسحق رأسي
بحذائه وهو يصرخ:
ـ أحتركـ فهد بقبرو!.
لا يدري الطاغية حينما
يشكو من حارسٍ ضربه مقدار البهجة التي يجلبها قوله لي
ولأمثالي ولكل عراقي ذاق نار حكمه.. لا يدري.. دعه لا
يدري كي تمتد المتعة!.
ـ حسدت نفسي وتذكرت
العديد من أصدقائي الحميمين.. ومن أعزهم صديقي الشاعر
ـ عزيز السماوي ـ الذي مات قبل السقوط بعام في منفاه
اللندني.. أمي التي كَلتْ من الدعاء عليه فقالت لي:
ـ بعد ما أدعي عليه
راح أدعي له!. هذا يمكن الله يحبه!.
تقول ذلك بمرارة وهي
تشاهد المزيد من الفظائع. ستفجع بعدي بابن بنتها أختي
الكبيرة ـ وداد إبراهيم ـ مدرسة مادة الكيمياء في
إعدادية الديوانية للبنات منذ مطلع السبعينيات، لما
يأتون بجثة ابنها المشنوق ـ محمد حازم مرتضى ـ مواليد
1973 إلى باب البيت عام 1995 بعد مشاركته في انتفاضة
آذار 1991 وبقائه مختفيا في بغداد وكردستان إلى حين
القبض عليه وإعدامه. ستموت بعد عام 1996
في جلستي الممتعة على
أريكة صباح دنمركي مشرق تمنيتها حيةً لتستمتع معي في
مشاهدة الطاغية التي ضيع أبنها ـ كفاح ـ وشردني وقتل ـ
محمد ـ ابن بنتها ذليلا يطرد من القاعة لما يبدي عدم
أدبه المفطور عليه.
وأبي الذي كان يسخر
وهو يسكر كل مساء من السلطة ورئيسها الذي ينعته
بالزعطوط ـ تعبير عراقي يطلق على من هو غير ناضج ـ
الثلاثة لم أرهم منذ
أن فارقتهم وكانوا يحلمون بمثل هذا اليوم الذي أستمتع
به وحيدا في صالة في بيت ريفي بطرف مدينة دنمركية
تجاور العاصمة. أرقص لهم.. أستحضرهم في تجربة خاصة بمن
درّبَ خيالهُ على لمسِ أحبة ماتوا وكأن اللمس
فيزيقياً. أسرُّ لهم بما يجرى.. بمتعتي وأنا أشاهد
الطاغية في قفص. يجري كل ذلك في فترة استراحة الجلسة!.
هذا الطقس البهيج وازن
مأساة تجربتي وجعلني أول مرة أخرج من ضيق عالم البؤس
الذي أعيشه في المنفى.. فمع كل كلمة يشكو بها الطاغية
من سوء المعاملة أهب من الأريكة لأرقص طربا. أرقص
وأصرخ مبتهجا:
ـ أبن الكلب يشكو..
الناقص يشكو!.. ابن العوجة يشكو.. يشكو!. وكأنه شخصا
محترما..
وقت شكواه كنت أستعيد
بلذة لحظة القبض عليه في حفرة بأرياف قصبة ـ الدور ـ
حيث قبضوه بلحية كثة ووضع بائس سيظل رمزا لجبن كل حاكم
جائر.. أستعيد بلذة حركة يديه وهو يمسح تلك لحية
الشيباء القذرة رامقا العدسة ومن قبضوه، والتي أختارها
المخرج الأمريكي كحالة يعرض فيها شدة ضعفه، كنت مع
نفسي أحمد الرب أنه لم يقدم على قتل نفسه، فلو فعل ذلك
لتحول إلى رمز.. حمدت الرب رغم أن مجريات الأحداث
أثبتت أنه جبان بكل ما عمق المعنى في الكلمة.. حد لم
يستطع إطلاق الرصاصة على رأسه كي يتخلص من كل الذل
الذي هو فيه الآن.. جبان.. جبان تحكم بكل شيء وقادنا
إلى حروب وخرب النفوس وخلف العراق كومة بؤس وأسلم
البلاد ونفسه للأمريكان طالبا الأمان صارخاً لما
اكتشفوا الحفرة التي كان يخبأ نفسه فيها كجرذٍ:
ـ أنا صدام حسين رئيس
جمهورية العراق!.
ـ تف عليك يا هذا!..
تفٌ.
أعيش مهرجان صباحي
يحفل بكل أنواع البهجة التي أفقدني إياها الطاغية
الجالس في قفصه وهو ينصت لأعز أحبة عاشرتهم في عمري
فلاحي الكرد الذين كانوا يقدمون لي الخبز قبل أن
يقدموه لأولادهم والفراش والمأوى وحنان عوضني عن حنان
عائلتي وأحبتي في مدينتي الجنوبية البعيدة.
أقفز من أريكتي لما
يكون قول صاحبي ذو الوجه المغضن مكثفا ومفحما، وأصرخ:
ـ يسلم فمك!.
متمنيا لو كنت حاضرا
في المحكمة لخرقت كل القواعد وحضنته من القلب بعمق كما
حضنني في تلك الأيام المضنية في بيته الفقير وشاركني
الخبز والغطاء والمصير.
ـ ننصت أنا والطاغية
هو في دهشة وامتعاض
وأنا في نشوة وطرب
هو في قفص
وأنا في فضاء ـ
خريف عام 2002
الأجواء مشحونة. الحرب التي أسقطت الطاغية وجعلت
العراق بلدا محتلا، موشكة على القيام. كنتُ أجلس في
نفس هذه الصالة وعلى نفس الأريكة الجلدية السوداء
أستمع إلى مقطوعة أحبها لـ ـ موزارت ـ قبل أن أشرع في
الكتابة كما عودت نفسي كل صباح، مقاوماً شعورٍ بالعجزِ
والضيق ينتابني لما تخرج حبيبتي إلى العمل وطفليَّ إلى
المدرسة، فأسقط في الصمت والوحدة. منذ أكثر من عشرة
أعوام أقاوم هذا الشعور الذي يشلني ويميت أصابعي فلا
أستطيع مسك القلم أو القراءة لاعنا الدكتاتور الذي
أحال حياتي جحيما. فعالمي أصبح محدودا بحدود البيت،
ونزهات في الحقول، والقراءة والكتابة والصمت.. كل هذا
يبدو حلما لمشروع كاتب.
لكن أن تكون معلولا
ومنفيا في ركن قصي من الدنيا ومحشود الذاكرة بعنف دموي
في الزنزانة وجبهة الحرب، وبين الثوار في الجبل،
ومعسكرات اللجوء يجعلك تتلظى بالجحيم وحيدا في ضيق
دائرة عالمك الساكن.
فيما كنت بذلك الوضعي
البشري، قُرِعَ جرس الباب. قفزت من الأريكة مذعوراً
متسائلا:
ـ من يا ترى؟!.
ونظرت إلى الساعة
المعلقة على الجدار. كانت تشير إلى العاشرة صباحا. ليس
أحدٌ من أفراد عائلتي، ومن غير المألوف هنا أن يزورك
أحد دون موعد مسبق، وعلاقاتي بالعراقيين محدودة جدا،
ومنتقاة بحيث لم يزرني أحد دون اتصال هاتفي. تلكأت في
طريقي إلى المدخل، فرنَّ الجرس من جديد. خطوتُ نحو
الباب. حاذيتها. ارتكزت على أطراف قدميَّ، وأزحت
الستارة الخفيفة المغطية قسم الباب الزجاجي العلوي من
طرفها، فرأيت رجلا طويل القامة، مشدود الجسم، بملابس
أنيقة، سترة بيضاء، وقميص وردي، وسروال أسود، يقف على
مبعدة خمسة أمتار من عتبة الباب مصوباً عينيه الحادتين
للنقطة التي أزحت فيها الستارة. رجعت خطوة إلى الوراء
ما أن صدت عيناي بعينيه مرددا مع نفسي:
ـ لا بد أنه شرطيٌ!.
لكن ما الذي يبغيه مني؟!.
ومددت يدي نحو مقبض
الباب وفتحته. تبسّم تلك البسمة التي يخبئها الدنمركي
تحت شفتيه ويشهرها لكل وجه بحيث بات الشخص لا يدري هل
هي حقيقية من القلب أم أن البرتوكول الاجتماعي وطبيعة
الحياة جعلتهم يضمرون هذه البسمة؟!.
ـ ففي بلدي لا نبتسم
إلا لمن نحبُّ أو نودُّ!. ـ
لم أزل مرتبكا، لا
أدري ماذا أقول. وقفتُ حائرا وفي قبضتي اليسرى مقبض
الباب. خطا نحوي بحيوية وقال:
ـ
أنا أسمي
Erik Hansen
لم يعنِ لي أسمه شيئا،
لاحظ ذلك من خلال ردود فعلي الحيادية وهو يقطع الخطوات
الخمس التي تفصل بين وقفتي على حافة العتبة وجسده
المندفع نحوي، ففتح وهو يتقدم ملفا كان بين يديه.ولما
أصبح جواري أشار إلى صورة فوتوغرافية مصورة أظهر فيها
عار الظهر محروقا، فتذكرت على الفور أن رفيقي المصور ـ
كاردوا كاموا ـ الذي لم يصب بالقصف، صورنا في اليوم
التالي ولدي واحدة من تلك الصورة سيجدها القارئ مع هذه
الشهادة،

سلام إبراهيم في اليوم
التالي للأصابة 6ـ6ـ 1987 تصوير ـ كاردوا كاموا ـ
لكن من أين لهذا
الدنمركي غريب الأطوار الذي قرع على الباب دون موعد
هذه الصور؟!، ثم ما الموضوع؟!. كنت أسأل نفسي هذا
السؤال راغبا في أن يدعني وشأني، فبعد تلك الحياة
العاصفة بت أميل للعزلة والصمت والسلام رغم شعوري أنني
شبه مدفون في الحياة، لكن ما كان يعزيني هي أشياء
صغيرة.. قطي الأحمر، وعصافير الحديقة، وحفيف أشجارها،
وأفق الحقول المفتوحة التي أطل عليها من النافذة جهة
باب البيت، القراءة والكتابة وأبنائي الثلاثة وحبيبتي.
أشار إلى صورتي قائلا:
ـ أليس هذه صورتك يا ـ
أبو التيب ـ ( الطيب )
قلت مع نفسي:
ـ يخاطبني باسمي
الحركي أيام الجبل!.
بادرته فورا:
ـ نعم هذا أنا.. لكن
من أنت؟!.
قلتها وسحبت جسدي
خطوة. غمرني بابتسامة ودودة وكأنه تيقن من شيء ما كان
يشك فيه وقال:
ـ
jeg er
STATSADVOKATEN!.
( أنا محامي الدولة ).
صمت لثانيتين وأردف:
ـ القضية تتعلق بتعرضك
في كردستان لقصف بقنابل الغاز.. ونحن نريد أفادتك عن
تلك الحادثة!.
فهمت كل سلوكه الذي
بدا غريبا على الأعراف الدنمركية، إذن هو باغتني كي
يتأكد من أنني الشخص المعني في الأدلة التي بحوزته..
لذا لم يتصل أو يراسلني كما هو العرف بل ضبطني تماما
وبشكل مباغت. لم يكن لدي مانعا من الإدلاء بإفادتي بل
أسعدني ذلك، فهاأنذا أجد أخيرا من يهتم بما جري لي قبل
أكثر من خمسة عشر عاما في وادٍ منسي من أودية كردستان.
أجبته:
ـ موافق!.
لف أوراقه في محفظته
وقال:
ـ هل تريد أن نلتقي
هنا في دائرة شرطة مدينتك
Roskilde
أم تريد الحضور إلى
مكتبي في كوبنهاجن؟!.
ولما كنت أكره كل ما
يمت للشرطة بصلة، رغم اختلاف الأمر هنا حيث الشرطي
حامي حقيقي لحق المواطن بالعيش دون تهديد، فقد قلت له:
ـ في مكتبك أفضل!.
أقترح على الفور
موعداً وافقته، فشدَّ على يدي بقوة قائلا:
ـ إلى اللقاء!.
ـ إلى اللقاء!.
وأنسل مستديرا عندها
انتبهت إلى عدم لياقتي، فأنا لم أقل له تفضل لنجلس في
الصالة، ولم أدعُه لفنجان قهوة، بل عاملته بجفاء رغم
أن الأمر الذي جاء به حيوي ومهم في فضح قتلة أبناء
شعبي!. قلت مع نفسي:
ـ باغتني وأرعبني..
مما جعلني لا أفكر في منطق العقل، بل وجدتني أتخندق
مدافعا عن وجودي غريزيا وهذا خلاصة سلوك تجربتي في
بقعة بلدي الدامية!.
ففي زمن الطاغية
الجالس في القفص الواسع الآن المطل من شاشة التلفاز
الملونة الكبيرة.. عاش العراقي متهما يخشى ظله ويحاذر
من أقرب البشر إليه بعدما وقعّ بقلمه على مادة ـ 200 ـ
القاضية بإعدامه لو أكتشف أنه يعمل مع حزب أو حركة
تناهض السلطة. زمن الطاغية أنسانا اللياقة وجعلنا نسلك
سلوك بشر الغابة. غاب المحامي خلف ثنية البيت المقابل
المفتوح على حقول خضراء تمتد حتى الأفق المنخفض، بقيتُ
واقفا أحملق بأفق ذاك النهار الخريفي المشمس، متأملا
هذا الحدث المباغت الذي لم يستمر سوى دقائق معدودة،
القرع الخاطف والحوار الخاطف أيضا والموعد السريع،
فوجدتني لا أدري ما القضية حقا، من أثارها؟، ولم؟!.
وكيف وصلت الصور وأسمي الحركي إلى محامي الدولة
الدنمركي؟.. وهو بدوره لم يوضح أي شيء عدا أنه توَّثقَ
من كوني صاحب الصور التي لديه وأسمي الذي كنته في
ثمانينيات القرن الماضي بين الثوار في الجبل، رتب
موعدا وغاب باحترافِ خبيرٍ دون أن يوضحَ أي شيء!.
دخلت الدار وقلت لنفسي
وأنا أهبط مسترخيا على الأريكة السوداء التي صارت أكثر
لصقا بجسدي من أي شيء أخر في سنوات المنفى الدنمركي
العصية:
ـ أصبر يا من لم
تعّلمكَ المحن الصبرَ أصبر يا ست فضيحة كما سمتك
صديقتكم الفلسطينية السمينة ـ رقية ـ لما قضيت سنة في
دمشق ما بين 12 ـ 1989 ـ و ـ 12 ـ 1990. أصبر!.
لكن من أين يأتي الصبر
لواحد مثلي.. شبه مجنون، فضولي حد كاد يقتله هذا
الفضول في كل التجارب التي مرَّ بها منذ الطفولة وحتى
الآن.. فمن يمد يده في حفرة قبرٍ ليلمس حديد صاروخ لم
ينفجر تبين لاحقا أنه صاروخٌ محملٌ بغازاتٍ قاتلةٍ،
كيفَ لهُ الصبرَ والهدوءَ؟!.
فكرت طويلا بما يجري
من تفاصيل تتعلق بالعراق هنا في الدنمرك، فوجدت أن
قضية ـ نزار الخزرجي ـ الذي كان يشغل منصب رئيس أركان
الجيش العراقي وقت حملة الأنفال والذي لجأ إلى
الدنمرك، مع عائلته والذي أختفي في ظروف غامضة رغم
قرار الإقامة الجبرية عليه الصادر من المحاكم
الدنمركية لتهم تتعلق بإبادة الجنس البشري!.
ـ هل الأمر يتعلق بهذه
القضية؟!.
سألت نفسي مرارا، ولما
عادت حبيبتي من العمل أخبرتها ودخلنا في حوار وتحليل
شغلنا لليلتين هما الفاصل عن الموعد، ولم نصل فيه
لشيء. فلا محامي الدولة أشار إلى أي علامة تتعلق
بالموضوع، ولا مسار الأحداث توحي بأن قضية ستثار ضد ـ
نزار الخزرجي ـ رئيس أركان الجيش العراقي وقت التهجير
والقتل الجماعي والمقابر الجماعية التي اكتشفت لاحقا
في كردستان وأنحاء العراق، إذ أنه لبس ثوب المعارضة
وهرب بعد إصابته في الرميثة بين السماوة والديوانية
لما كلفه صدام بقمع انتفاضة الجنوب العراقي في آذار
1991 . وخلصته علاقاته العشائرية من موت محقق ليلجأ
بعدها إلى الأردن عبر كردستان ويصل الدنمرك، فيحاصر
بقوانين دول تحاسب على من أرتكب جرائم إبادة بحق
البشرية، فتحدد إقامته لكنه سيختفي من الدنمرك في
ظروفٍ غامضة قبيل الهجوم الأمريكي على العراق مطلع
2003.
قالت لي ناهدة:
ـ أذهب للمقابلة
وسنعرف الموضوع!
كان الموعد في الحادية
عشرة صباحا، والمكان مكتب محامي الدولة الدنمركية في
كوبنهاجن
بكرت بالنهوض أخذت دشا
وحلقت ذقني. ارتديتُ أفضل ثيابٍ لديَّ وكأنني ذاهبٌ
إلى حفلٍ.. وهو كذلك كما ستبين مجرى الأحداث.
أخذت حافلة التاسعة
والثلث من مكاني الريفي حتى محطة قطارات روسكلدة.
أربعة كيلو مترات عشرة دقائق تقريبا في الحافلة غير
المكتظة في ذلك الوقت إلا من بعض المتقاعدين الطاعنين
بالسن. تضايقت من حركتهم البطيئة أناء الصعود والنزول
من وإلى الحافلة ناسيا أنني أيضا مثلهم في حساب الحياة
متقاعدا عاجزا أنتظر وقت إيابي من هذا العالم الذي
تشبثت به تشبث أعمى في هذه البقعة الآمنة التي تشبه
الجنة التي وردت تفاصيلها في كُتبْ الله السماوية
الثلاثة.
رغبتُ في قنينة بيرة.
كما هي عادتي كلما ركبت قطاراً. احتسي على مهل وأتمتع
بالفرجة.. النافذة الزجاجية العريضة وهي تسرع مخترقة
الحقول والمدن.. وجوه الركاب المنشغلين بشأنهم
القريبين من عطشي لكل بسمة أو همسة أو كلمة أو ضحكة
عين طالما أجدها في راكب وراكبة عابر.. متعة قد تكون
الأهم في منفاي أمارسها كلما قصدتُ مكانا أبعد من صالة
بيتي سجني وجنتي:
ـ تماسك يا سلام هذه
الرحلة ليست لأحلام اليقظة وأخيلة الخمرة الخفيفة..
أنت ذاهب لأعلى سلطة في أرقى النظم ديمقراطيةً.. فبلا
شرب يا مجنون!.
كبحت نفسي المتعودة
على التسيب بعناء. نزلت من عربة القطار إلى رصيف
المحطة المفترض أن تكون قريبة. تسلقت السلالم المؤدية
إلى الشارع، لكنني لم أجد علامة تقودني إلى العنوان
الذي كتبه المحامي على ورقة صفراء هي بين يدي هذه
اللحظة. تخبطت بين شوارع عدة طويلة مشجرة ساحرة لكن لم
أجد حرفا من العنوان الذي بين يدي في لوحات أسماء
الشوارع الخضراء المعلقة عند تقاطعات الطرق وعلى جدران
الأبنية المشكلة مدخلا لتلك الشوارع. تخبطت على أمل
العثور على أسم الشارع المقصود مادمت على مقربة، وكنت
فعلا على مقربة، لكن الوقت مرَّ وجنَنَّ فضولي المنتظر
هذا اللقاء الغامض والقصة المباغتة التي جعلت لوجودي
معني حيوي في الدنمرك بعد قرابة أكثر من عشرة أعوام
على تواجدي هنا. وجدت نفسي قرب جسر يعبر على قناة من
قنوات العاصمة المائية المنتشرة في أرجائها. نظرت إلى
ساعتي اليدوية وجدتها تشير إلى الحادية عشر إلا ربعا.
تأرجحت على حافة الوقت مجنونا ولوحت بيدي لأول سيارة
أجرة مارة. توقفت، طالعني وجه أليف تبين أنه عراقي،
أعطيته العنوان فتبسم وقال لي بلهجة عربية عراقية:
ـ أصعد يا أخي!.
لم يسر إلا مسافة
خمسين مترا في شارع جاور مجرى قناة ثم استدار يمينا
وسار مسافة عشرين مترا وقال لي:
ـ هذا الباب هو
العنوان الذي تبغيه!.
دفعت له على عجل.
تركني أمام بناية بيضاء قديمة مكونة من طوابق أربعة أو
أكثر، فذاك ما لم أستطع حصره إذ وجدت نفسي بمواجهة
درفة باب بيضاء عظيمة تخيلتها في كوابيس سابقة رصعت
نومي وطبعت يقظتي في مدينتي الجنوبية وفي الجبل
ومعسكرات اللجوء في إيران وتركيا ثم في أخيلة السكر
والضياع في موسكو قبيل الوصول إلى الدنمرك. باب بيضاء
عريضة جاوزتها غصبا عني فوجدت نفسي في باحة عريضة
أيضا. لم يكن هنالك مصعد، فالبناية أقدم عهدا من زمن
المصاعد. تسلقت السلالم العريضة بصمت فالعنوان هو في
الطابق الأول. يعني القضية تتعلق بقطع سلالم تنحني مرة
واحدة. وجدتني في باحة وسيدة جملية أخذت بيدي قائلة:
ـ أنت سلام كلنا
بانتظارك!.
لم أفهم شيئا من
كلامها الذي بدا لي عاطفيا غريزيا لا يتناسب مع المكان
الذي ذكرني على الفور بالأماكن التي صورها ـ كافكا ـ
في روايته الشهيرة ـ المحاكمة ـ. صعدت أمامي السيدة
متوسطة العمر المبتسمة طوال الوقت، سلما قصيرا أفضى
إلى فسحة جدرانها بيضاء وبابها أكثر بياضا، ومن
نوافذها الزجاجية يتدفق ضوء صباح ساطع يكشف كل ما
بالوجه من خلجات. دورت المقبض ودفعت الباب قليلا..
قليلا.. فظهرت منضدة مدورة يجلس حولها المحقق الدنمركي
Erik،
وجواره سيدة بدت عربية متوسطة العمر ستقدم نفسها كونها
مترجمة. التفتُ نحو الباب التي دخلت منها فوجدتها قد
اندملت بالجدار الأبيض وبعناء لاحظت المقبض المدور
الصغير. شملت الجدران البيضاء والنافذة الطويلة
العالية والسقف العالي جدا قبل أن أخطو نحوها. كانا قد
قاما من كرسيهما حال ولوجي الباب، ومدا ذراعيهما
لمصافحتي الواحد بعد الآخر لما وصلت حافة المنضدة.
وجدت كرسيا مسحوبا فقعدتُ عليه. وبدأ المحقق بالسؤال
عن أسمي، وموطني، وطفولتي، وشبابي والمدارس التي درست
بها في العراق، ذكرتني أسئلته بالتحقيق الذي أجرته
المحققة الدنمركية أيضا في موسكو والذي على أساسه وصلت
الدنمرك كلاجئ سياسي:
ـ إذن يريد التوّثق من
شخصيتي وصحة إفادتي القديمة؟!.
قلت مع نفسي ذلك
وأجوبتي سريعة واضحة لأني لم ألفق قصة كما فعل الآلاف
من اللاجئين. كان يسجل كل كلام ويكتب أيضا بينما
ملامحه التي رأيتها ودودة لما قرع باب بيتي، تحولت إلى
ملامح جدية صارمة، منهمكة في عملها بحياد تام، فبدت
بلا عواطف. نشر على المنضدة صوراً فوتوغرافيةً لي
وللعديد من الرفاق الذي أصيبوا في القصف. وأشار بإصبعه
نحو صوري وسألني:
ـ أهذا أنت؟
أجبت بالإيجاب، فسألني
عن أسماء العديد من رفاقي فذكرت أسمائهم مشيرا أنها
أسماء حركية وليست حقيقية. رد بأنه يعرف ذلك وأضاف:
ـ قبل أن نبدأ سنشاهد
فلما؟!.
ودس يده في حقيبة
سوداء. أخرج قرص
CD
وضعه في الجهاز الموضوع تحت شاشة تلفاز متوسطة الحجم
وكبس على زرا بالكنترول، أول لما ظهر هو وجه أبو حسن
الملقب ـ حبيب قلبي ـ وهو يشير إلى بقايا الصاروخ
الضخم الذي أنفجر جوار ـ أبو فؤاد ـ لما كنت أستحم في
غرفة لا تبعد سوى ثلاثين مترا. تذكرت قصة هذا ـ الفلم
ـ فبعد سنتين من حملة الأنفال، ورحلة طويلة في معسكرات
اللجوء التركية والإيرانية تمكنا من الوصول إلى ـ دمشق
ـ وفي غروب يوم صادفني رفيق من رفاق أربيل في شارع
مساكن برزة هو الشاعر ـ نجم خطاوي ـ فأخذني على جهة
وهمس لي:
ـ شفت البارحة فلم عن
أصابتك!. هاي أشجان صاير بيك؟!.
وقتها تذكرت فيما يشبه
الحلم أن الرفيق ـ أبو سامر ـ أخرجنا أنا وأبو رزكار
من تحت الكلة في اليوم الثاني أو الثالث للقصف، في
الوقت الذي لم تبدأ فيه الآلام تتركز في أماكن محددة
من جسدي، وقادنا إلى حافة مساحة مستوية. باعدت أجفاني
لأرى ما الذي يجري، فرأيت أحدهم يحمل كاميرة فيديو،
همس أبو سامر:
ـ أنهم من أعلام الحزب
الديمقراطي الكردستاني، يريدون توثيق ما حدث!!.
نسيت الأمر برمته ما
أن وقعت في الغيبوبة لأستيقظ بعد أيام لا أدرى كم على
جحيم جسدي.
قلت لنجم:
ـ أيكون نفس الفلم
الذي صوره ـ حدك ـ بعد الضربة مباشرة؟!
أجاب:
ـ لا أدري حصلت عليه
بعلاقة شخصية فأشترط عليَّ الرفيق أن لا أريه لأحد
لضرورات أمنية!.
بعد حوار طويل أقتنع ـ
نجم ـ على أن يأتي به الآن ونذهب سوية إلى محل تسجيل
كي أنسخ نسخة لي وأكتم أمره. حصلت على نسختي لكنني
حينما شاهدتها مرات عدة تأملت في أمر كتمانها، إذ
وجدتها وثيقة تخص العديد من رفاقي المتواجدين في دمشق
والراغبين في الحصول على لجوء في بلدان أكثر أماناً.
وفعلا أشعت الشريط.. وهاهو نفسه يعرضه عليَّ المحقق
الدنمركي في غرفة بمبنى محامي الدولة في كوبنهاجن بعد
أكثر من ثلاثة عشر عاما على حصولي علية. لما كان ـ أبو
حسن ـ يشرح ماسكا الشظايا الكبيرة بملقط حديدي في وسط
الوادي علقت قائلا:
ـ كنت في تلك الغرفة
الصغيرة المجاورة التي هي حمام!.
فأوقف الشريط وأعاد
اللقطة إلى حيث أشرت. سجل شيئا، وعاود التشغيل. دارت
العدسة في لقطة بانورامية حول محورها فظهرت أشجار
الوادي كالحة اللون سوادها يختلف عن الأشجار المحترقة.
لون يميل إلى البني الداكن. ألقيت ملاحظتي تلك وكان ـ
Erik
ـ يسجل كل ما أنطق به. سينقل المشهد إلى موقع الدوشكا
حيث أصعدونا في صبيحة اليوم التالي للقصف، ودارت
العدسة دورة بانورامية مظهرة القمم المحيطة بصحن
الوادي لتهبط إلى مجرى نهر ـ الزاب الأعلى ـ المنحدر
والذي بدا كخيطٍ رفيع، أوقف اللقطة وسألني:
ـ هل هذا الموقع الذي
كنتم فيه؟!.
ـ أجبته نعم
ـ ما أسمه؟
ـ زيوة ويقع خلف مدينة
العمادية بالضبط!.
سيظهر بعد هذا المشهد
المصابون منتشرين تحت ظلال الأشجار، وخلف صخور كبيرة
تحجب أشعة الشمس، يسعلون، مسودي الوجوه، يحدقون بشرود
نحو العدسة المارة خطفا على وجوههم، السعال متواصل
خافت مخنوق يختلط بضجيج مجرى النبع. بدت الأجساد
المنتشرة كعصفٍ مأكول يبرك في صمتٍ لا يعكره سوى
السعال وصوت الساقية وتنادي من لم يصابوا الخارجين
الداخلين من وإلى حافة العدسة حاملين بأيدهم شيئا ما
لمساعدة المصابين المتضورين ألما. أشرت إلى ـ أبو سعد
ـ الذي مرَّ بلمحة بصر في العدسة قائلا:
ـ هذا أبو سعد سينتحر
في قصف بغازات الأعصاب بعد أكثر من سنة بنفس الموقع
وسأدفنه بيدي!.
أوقف اللقطة وأعادتها
ليثبتها على قامة ـ أبو سعد ـ بلحيته الكثة وقوامه
الطويل، سألني:
ـ هذا؟!.
ـ نعم!.
ولذلك قصة أخرى، كنت
فيه شاهدا، سأرويها في القسم الثاني من هذه الشهادة.
أكثر من مائة مصاب، من
بينهم نساء وأطفال من أبناء رفاق في المقر أو أبناء
عوائل كانت تمرَّ صدفة كلها تظهر في الشريط اللاهث
والذي سيبطئ قليلا أثناء تصوير ـ كانياوا ـ الرفيقة
اليسارية الكردية الإيرانية السمراء الجميلة وهي مسودة
الوجه لم تستطع الإجابة عن سؤال وجهه لها ـ أبو سامر ـ
بل لم تتمالك نفسها فبدأت تتعسر قسماتها متقلصة قبل أن
تنشج بخفوت. كانت هي الأخرى امرأة شجاعة مقدامة،
تناوبت على العناية بأبي فؤاد مع حبيبتي ـ ناهدة ـ
وإلى جوارها يجلس زوجها ـ ملازم ـ علي ـ بنظارته
الطبية ذي العدستين الصغيرتين يمسّح بصمت ضفيرتها
السوداء الطويلة. ضمت رأسها بين ذراعيها الملتفتين حول
ساقيها المضمومين إلى صدرها عارضا عن العدسة والسؤال.
دخلت العدسة وجوه لكل
منهما قصة أعرفها وتحتاج إلى سرد، وجوه قاومت الطاغية
وتركت المدن، الزوجة، الأبناء حالمة في التمكن من
الخلاص من كابوسه في المقاومة.. وجوه.. ووجوه مرَّ ـ
حميد مجيد موسى ـ سكرتير الحزب الشيوعي الآن ـ حميد
بغش (أبو زكي) ، أبو عليوي بوجهه المنغولي المتجهم
(وهو أخ للاعبين عراقيين مشهورين من البصرة لعبا في
المنتخب العراقي لكرة القدم طوال فترة السبعينات وهما،
هادي أحمد، وعلاء أحمد) وقد تحول لون بشرته من السمرة
إلى السواد.
ـ هل أعد الأسماء؟!.
لا.. ليس موضعها في
هذا المقام. أجلس وسط المحقق والمترجمة. نحدق نحن
الثلاث بشاشة التلفاز وهي تبحر لحظة غيرت مجرى حياتي
إذ أكسبتني العجز الدائم فتعطلت حياتي العملية تماما.
وقعت عين العدسة على هيكل ـ أبو رزكار ـ النحيل. وقتها
لما رأيت الفلم في دمشق أدركت لِمَ لم يجب على ندائي
الملح المكرر وأنا أطلب منه إسماعي ولو كلمة واحدة في
وجودنا تحت الكلة السوداء. كانت مسلوخ الجلد، وجهه..
ظهره.. بطنه.. ذراعيه.. الجذع الأعلى العاري تتزاحم
فيه الفقاعات، أعدت مرات عديدة شريط هذا الفلم فوجدته
يسرح بعينيه المفتوحتين عكس كل المصابين في عالم بدا
غريبا عن عالمنا.. أيقنت وقتها أنه كان في البرزخ
يمضي.. في ضيق ذاك الممر المحشود بالغرائب التي رأيتها
بنفسي بعد أيام لكنني نجوت كمن يعود من الموت.. كان في
البرزخ ذاك يرى ما لم يره الأحياء إلا مرة حيث لا
يستطيعوا قص تلك التجربة أبدا. قلت للمحقق:
ـ هذا أبو رزكار توفى
بعد تصوير المقابلة بخمسة أيام!.
أوقف اللقطة. كتب
شيئا، ثم كبس زر التشغيل، فسد مساحة الشاشة وجه " أبو
الوسن " الذي تكلم قليلا وأشار إلى ما بين فخذيه، كان
يرتدي سروالاً كرديا، علقت قائلا:
ـ هذا ـ أبو الوسن ـ
سينتحر في قصف بغاز الأعصاب بعد أكثر من سنة وسأدفنه
بيدي!.
أوقف اللقطة. فجمد
المسكين. وجهه مسود، وذراعاه تشيران إلى ما بين فخذية
وخلفه على كتف الساقية وتحت الأشجار الجامدة في اللقطة
يظهر بعض من المصابين وهم يستلقون أو يجلسون ضامين
رؤوسهم ما بين أذرعهم المرتكزة على ركبهم المضمومة
المتلاصقة.
لما رفع المحقق رأسه
عن الورقة التي كان يخط عليها، وحرك الشريط مرة أخرى
ظهرت أنا. فسألني على الفور:
ـ أهذا أنت؟!.
ـ نعم!.
أوقف الشريط فأبحرت في
ذلك الكائن المحطم الذي كنتهُ. وجه محروق تماما، عينان
متورمتان أحاول فتحهما ناظرا إلى شخص ما إلى جانب
العدسة. لم أكن أرتدي سرولا كرديا وقميص زي البيشمركه
المألوف، بل رأيتني في دشداشة طويلة سوداء من تلك التي
نلبسها في جنوب العراق. لما سألت لاحقا من أين أتوا
بها، قالوا أنهم لما وجدوا أن كل قطعة من جسدي من أخمص
قدمي وحتى رأسي مصابة بالفقاعات بحثوا عن هذا الرداء
الذي كانوا قد جلبوه من المدن القريبة ليرتديه ممثل في
عرض مسرحي عرض قبل الضربة بأسبوعين.
مشى الشريط، فبدأت
أجيب على أسئلة وجهها كادر التصوير، وجدتني أبدو
متماسكا وحمدت الخالق لوجود امرأتي القوية إلى جواري،
شرحت باختصار كيف أصبت. أوقف المحقق اللقطة ليسألني:
ـ أي لغة كنت تتحدث؟!.
ـ العربية!.
فسألني:
ـ أيوجد عرب بين هؤلاء
المصابين؟!.
أجبتُ:
ـ غالبية الذين ظهروا
في الشريط هم من العرب، بالإضافة إلى أكراد ويزيدين
وكلدان وأشوريين، صابئة، ومسيح، ومسلمين، سنة وشيعة!.
تجد تركيبة العراق كلها في هؤلاء!.
مرّت العدسة على جسدي
شبرا.. شبرا، كان مليئا بالفقاعات المتقرحة، رفعت
الثوب كنت لا أرتدي لباسا داخليا، فظهرت أعضائي
التناسلية محروقة متقرحة مليئة بالفقاعات. أوقف الشريط
لما قربت العدسة كتفي الأيمن فسد التقيح مساحة الشاشة،
كانت الإصابة فيه أكثر شدة وفقاعاته أكبر وأوسع. طلب
مني نزع قميصي ففعلت فرأى أثار تلك الفقاعات لم تزل
توشم جلد كتفي وما زالت وستبقى حتى لحظة إيابي من هذا
العالم. فعل كذلك مع أعضائي التناسلية، إذ أن أثار قشط
دكتور " باسل " لم تزل توشم قضيبي الذي لم يزل يلتهب
وتتورم فتحة البول في الجو الحار. سجل أقوالي
ومشاهداته، ثم أغلق الشاشة قائلا:
ـ والآن ستقص لي ما
حدث ذلك اليوم والأيام التالية بالتفصيل!.
فسردت على مسمعه
وللاقطات المسجلة كل ما سردته للقارئ. كان يكتب كل
شيء، ولما أكملت القصة سألني سؤالا واحدا فقط:
ـ هل تعرف ـ نزار
الخزرجي ـ رئيس أركان الجيش العراقي شخصيا؟!.
أجبت بالنفي، وعرفت أن
الأمر يتعلق به، وبهروبه من مكان إقامته الجبرية في
بيته بمدينة " نسفذ" واختفائه الغامض من الدنمرك قبيل
الهجوم الأمريكي في آذار 2003 لاحتلال العراق. دفع
الأوراق التي كان يسجل فيها أقوالي وطلب مني التوقيع
قائلا:
ـ ستكون شاهدا لو قبضت
شرطة المتروبول على شخص نزار الخزرجي حال دخوله أي
دولة أوربية، أما هنا في الدنمرك أو في المحكمة
الدولية لمجرمي الحرب في لاهاي.
قلت له:
ـ هل أستطيع الحصول
على نسخة من محضر هذا التحقيق، فهو ينطبق على قادة
الدولة العراقية، صدام حسين وأعوانه فيما لو قبض
عليهم!
أجاب:
ـ لا أستطيع
وناولني كارته الشخصي
قائلا:
ـ لو أرادت أي جهة
رسمية عراقية ملف هذه القضية فلتتصل بي وسوف أزودها
بالتفاصيل كلها!
كتب على الوجه الأول
للكارت:
STATSADOKATEN
STATSADOKATEN FOR
SAELIGE INTERNATIONAL
STRAFFESAGER
( SPECIAL INTERNATIONAL
CRIMES OFFICER )
على الوجه الثاني:
Erik Hansen
Vicekriminalkommissaer
(Detective Chief
Inpector)
sico@ankl.dk
Jens Kofods Gade
1 Telephone + 45 33 30 72 56
Dk _ 1268 Koenhavn K Fax + 45
33 30 72 70
Denmark
|