|
تاريخ
النشر 16-06-2007
شهادة
بمناسبة
محاكمة صدام حسين وأعوانه بقضية الأنفال
الجزء
الاول
عندما أدخلني الدكتاتور في الجحيم
سلام إبراهيم
ننصت أنا والطاغية
هو في دهشة وامتعاض
وأنا في نشوة وطرب
هو في قفص
وأنا في فضاء
منذ بدء محاكمة
الدكتاتور ـ صدام حسين ـ في قضية ( الأنفال ) دأبت على
متابعة التفاصيل كلها. أستيقظ مبكرا، رائق المزاج. أعد
الفطور وأنا أترنم بأغنية يوسف عمر:
آه يا الأسمر اللون
حياتي الأسمراني
حبيبي وعيونه سود
والله الكحله رباني
يذهب من في البيت إلى
العمل والمدرسة، فأبقى وحدي مع الصمت والعصافير الضاجة
على أشجار الحديقة. هذا الطقس اليومي ثابت، مكرر منذ
وصولي إلى الدانمارك عام 1992 بعد رحلة شاقة في
معسكرات اللجوء الإيرانية والتركية والضياع في دمشق
وموسكو. إذ لم أكتشف مدى العطب الذي أصاب رئتيَّ إلا
لما وصلت إلى هنا، رغم تكرار ملازمتي الفراش وأنا على
وشك الاختناق كل شتاء في السنين التي أعقبت قصف يوم 5
ـ 6 ـ 1987 بموقع زيوة خلف العمادية.. أو في معسكرات
اللجوء في تركيا وإيران، أو في دمشق حيث أسقط كل شتاء
متأرجحا أحلم بالهواء، أو في فترة تصعلكي في موسكو
وضياعي في السكر وسقوط حلم ـ مدينة ماركس ـ حيث نقلتني
سيارة الإسعاف مرتين إلى مستشفيات موسكو لكن بعد كل
الفحوص والأشعات يقول لي الطبيب:
ـ ليس لديك شيء، مجرد
نزلة برد!.
فأهب من السرير ناسيا
وهني لأغرق في ذروة تلك الأيام لكن لما راجعت طبيبي
الخاص ( تتمتع كل عائلة تعيش في الدانمارك بضمان
صحي يكفل الفحص والعلاج المجاني ـ وضع كنا نحلم به ـ
نحن المؤمنين بالمدن الفاضلة لأبناء العراق ).
شَخَصَ نحوي. أنصت لصخب تنفسي. سحب شيئا من درج
منضدته. قربه من يدي. كان أنبوبا أسطوانيا قصيرا
مخروما من الوسط، وعلى الخرم مثلث دقيق. أرجعه حتى
النقطة القريبة من الفم. طلب مني النفخ نفخة واحدة قدر
ما أستطيع. عببتُ نفسا عميقا ونفخت بكل ما لدي من قوة.
امسك طبيبي الفارع القامة المقياس من طرفه، وحدق نحوي
بذهول قبل أن يُرجِع المثلث الصغير إلى الحافة ويطلب
مني معاودة النفخ. فعلت ذلك. تناول المقياس من بين يدي
وحملق به طويلا، ثم رفع رأسه وقال بالدنمركية كلاما
ترجمه المترجم فوراً:
ـ الطبيب يقول.. ماذا
هل أنت ميت؟!.
أرسلني فورا إلى
مستشفى "
Rosklide
" المدينة التي أسكن فيها وما زلت. وهنالك أُجريَّ ليّ
فحصٌ شاملٌ. لا أريد الخوض في تفاصيل قد لا تعني
للقارئ شيئا. لكن ما يهمني ويهمه هو اللقاء الأخير مع
بروفيسور دنمركي طاعن في السن مختص بأمراض الرئة، رتب
لي لقاءً بصحبة مترجم فلسطيني سمين ينوء بحمل جسده،
وشخصيا طلبت من صديق نضال قديم كان معي في تجربة الجبل
لفترة قصيرة ـ قحطان المالكي ـ حضور ذلك اللقاء فحضر
وكان شاهداً. أخبرني المترجم أنني مصاب بعجز بوظائف
الرئة بنسبة 60% بسبب القصف بالغازات السامة في
كردستان. صمت المترجم والطبيب وكأنهما ينتظران ما
أقوله. سألت:
ـ ما العلاج؟!.
ترجم المترجم قولي،
رمقني البروفيسور بعينين حانيتين وقال:
ـ لا يوجد علاج بل
أدوية تساعد على التنفس!
صمت برهة بدت لي طويلة
وأضاف:
ـ التدخين صفر!.
شرط وقتها كان من أصعب
الشروط عليّ. إذ كنت من عبيد التدخين!. وأردف قائلا:
ـ أنت غير صالح لسوق
العمل!.
صمتُ منتظرا وهو يضيف:
ـ من حسن حضك أنك
وصلت الدانمارك فالقوانين هنا تكفل لك العيش،
بالإضافة إلى أن البيئة نظيفة لدينا، لو كنت في بلد من
بلدانكم لكان عمرك قصير.
كنت أستمع مذهولا لما
كان ينطق به المترجم الفلسطيني، غير عارف بما سيؤدي
إليه هذا الكلام واللقاء.
سألته بغتة:
ـ وما الحل؟!.
قال:
ـ سأطلب لك التقاعد!.
وفعلا منذ منتصف
عام1993 أصبحت كذلك، ليس لدي من عمل سوى التأمل
والكتابة، ممارسة الرياضة وتناول الأدوية اليومية التي
تساعدني على البقاء حيا بين أنفاس الأحبة. وفرَّ لي
هذا النظام الاجتماعي فرصة تأمل الدنيا والتجربة. تذهب
زوجتي وطفليَّ إلى العمل والمدرسة، فأبقى حتى غياب
الشمس وحيدا مع ورد الحديقة والموسيقى والصمت والورقة.
كتبت ما كتبت من قصص وروايات ودراسات نقدية ومقالات..
أصدرت منها كتباً ثلاثة.
*
* *
مع بدء محاكمة صدام في
قضية الأنفال تركت القراءة والكتابة، أستيقظ منذ بكرة
الصباح. أضع قوري الشاي على الشمعة ليخدر بهدوء منتظرا
اللحظة البهيجة لما يظهر صدام وعلي كمياوي، وبقية
الزمرة التي كانت تجلس على قمةِ هرمٍ كان من المستحيل
عليّ تخيل علوه وأنا أنوء في قعره مضغوطا بذلك الكم
الهائل من البشر القساة في الجيش لما كنت جنديا في
جبهة الحرب العراقية ـ الإيرانية، أو لما حللت نزيلاً
في أقبيتهم لمرات عديدة، معصوب العينين، مكبل بالحديد،
مضروب، مهان، أحلم بشم هواء الدنيا والسير في شارع أي
شارع.
مهرجان خاص جدا
بالنسبة ليَّ. أبتهجُ وحيدا مسترخيا على أريكة وثيرة
في صالة أنيقة، إلى يميني نافذة عريضة تطل على حديقة
البيت بأشجارها وعشبها وعصافيرها، وإلى يساري نافذة
أصغر تطل على حقل يمتد حتى الأفق في بلد تستطيع فيه،
النوم في الشارع دون أن يسألك أحدٌ.. بلد أمضيت فيه
حتى لحظة الكتابة أكثر من أربعة عشر عاما دون أن
يسألني شرطي عن هويتي، رغم تسكعي وفوضى حالي.. أجلس
مستمعا.. مستمتعا بوجه الدكتاتور الملتحي المنصت لسرد
الضحايا الأكراد ممن كانوا معي في تلك الأمكنة.. غارقا
في مسرة خالصة تأخذني إلى نشوة ما بعدها نشوة.. تفوقُ
ذروة المضاجعة. فهذه ذروةٌ مركبةٌ، فكلما ظهر وجه صدام
في لقطة مقربة منصتا لسرد الضحايا.. أرى نفسي في قمة
الهرم وهو في أسفله، أما لما يظهر وجه فلاح كردي وهو
يسرد ببساطة ووضوح عن حدث القصف والقتل والتشرد فانه
يذهب بيّ إلى أسعد لحظات حياتي لما هربت من جبهة الحرب
في 8 /1982 متخلصا من هاجس الموت الحائم في لحظتي على
مدار الساعة، في الصحو والنوم، في البيت والمقهى، في
الخندق ومدى الجبهة المفتوح شرق البصرة. هاجس مكين لا
يأتي فقط من القصف والقذائف فقط بل من وجه ضابط
الاستخبارات وحضيرة أمن الوحدة العسكرية التي يا ما
ضيعت جنود شبان بوشاية.. نزعت خاطر الموت غيلة أو رغما
عني في حومة حرب غير مقتنع بها، أو في عتمة زنزانة،
حال وصولي إلى أول قرية يسيطر عليها البيشمركة، حللتُ
ضيفا في بيت أحد هؤلاء الفلاحين الواقفين برباطة جأش
أمام الطاغية. صرت واحدا منهم، لا بل أكثر لما كانوا
يعرفون أنني عربي من الجنوب.
في بيت هذا الفلاح
الكردي الواقف بشموخ متحدثا بلغته القومية شاركته
الخبز والملح والماء، وكان يقدم كل ما لديه، ولما نشبع
تقتاد الزوجة والأطفال على ما يتبقى.
ننصت أنا والطاغية
هو في دهشة وامتعاض
وأنا في نشوة وطرب
هو في قفص
وأنا في فضاء
وهذا الإنسان البسيط
يقول بعفوية ما هو أبلغ من قول المحامي والقاضي
والحضور. لم يتلكأ أو يبحث عن تسلسلٍ ما، يروي وكأنه
يشاهد ما يرويه تلك اللحظة لا قبل قرابة عشرين عاما..
وكيف له النسيان؟!.. وهو يفقد البيت، القرية، الأب،
الابن، الزوجة، الأطفال، ويضيع في المنافي أو يعطب
جسده فيتغير مسار حياته كلها كما حدث معي..
ـ كيف له النسيان؟!.
يروي رابط الجأش.. لم
ينفعل.. لا.. ولم يبدو حاقدا.. يشهر بتلك الأهوال
والفقدان بروية وكأنه نبي الله أيوب "ع" فمن يفقد
عائلته كلها ولا يجد حتى رفاتهم في مقبرة جماعية لديه
من حبيب العراقيين ونبيهم "أيوب" شيئاً.
*
* *
بغتةً، ظهرت رفيقتي
القديمة ـ كاترين ميخائيل ـ ( دكتورة سعاد ) في مواجهة
الطاغية لتدلي بشهادتها، فأخذتني إلى تلك التجربة وهي
تذكرني باسمي الحركي وقتها ـ أبو الطبيب ـ كيف أصبت
بشدة وأنا أهب مع رفيقين لإطفاء الحريق الذي شب في
المقبرة الممتدة على تلٍ أعلى الوادي.. أخذتني إلى ذلك
الغروب الرائق من يوم 5 ـ 6 ـ 1987. كان كل شيء هادئ
في ذلك الوادي العميق الواقع على مجرى نهر ـ الزاب
الأعلى ـ، فالوقت جاوز وقت قصف الطائرات الذي عاد
روتينيا، إذ لا يكاد يمر أسبوع دون قصف، وكان لدينا كل
ما يحمينا منه، مدافع مقاومة الطائرات تربض على القمم
المحيطة بالوادي، ملاجئ، كهوف، يضاف لصعوبة تضاريس
المكان، فالحوض عميق وضيق يحاذي الحدود التركية.
الغروب كان رائقا، وكنا نلعب كرة القدم في الساحة
الصغيرة التي رتبناها على فسحة حقل زراعي أمام غرف
وقاعات القاعدة المحاذية لحواف سفوح وسط الحوض. كنت
ألعب عندما نادتني حبيبتي ورفيقتي ـ ناهدة جابر جاسم ـ
التي كان أسمها ـ بهار ـ كي أذهب إلى الحمام. قالت
أنها سخنت قدر الماء وجهزت كل شيء وذكرتني بقرب وجبة
العشاء. تركت الساحة مقتربا منها، حامدا في سري خالق
الكون على وجود هذه المرأة الحانية الساخنة جواري في
وسط موحش، صعب، يعج بالمخاطر. صرت جوارها وغرت في
عينيها الواسعتين الضاحكتين قبل أن تستدير أمامي وتخطو
نحو الحمام. كنت أتأمل قامتها الرامحة النشطة شاعرا
بغبطة سرية تجعلني أسير خلفها شبه سكران.
لحظتها كنت سعيدا في
تلك اللحظات، سعادةً خارقةً خاصةً تشبهُ سعادتي هذه
اللحظةِ وأنا أجلسُ وحيدا أستمتع بوجه الطاغية الملتحي
ذليلا في القفص.
دفعت الباب الخشبي
فاحتوتنا عتمة الحمام وبخاره. حضنتها وقطفت من شفتيها
قبلة، تمنعت بغنج ودفعتني قائلة:
ـ مجنون والله مجنون!.
تعريت فيما كانت تفتح
الباب قائلة:
ـ سأجلب لك ملابس
نظيفة!.
لما أطبقت الباب سقطت
في عتمة مباغتة، راح تخف قليلا بالضوء الخافت المتسرب
من نافذة مستديرة صغيرة مسدودة بالنايلون لا تضيء سوى
مسافة كف عن حافتها. كنا نعرف هذه الغرفة جيدا دون
الحاجة للضوء، إذ نستخدمها منذ أكثر من سنتين ونعرف
بأصابعنا مكان القدر، والطاسة، والتختة الخشبية
الصغيرة، والصابون. عددت ست خطوات من الباب وهبطت
متلمسا التختة الخشبية وقعدتُ عليها. غرفتُ الماءَ من
القدرِ ودلقتهُ على جسدي الناضح.. وقتها كنت في أعماقي
سعيدا أشد السعادة، لا أفكر في الغد.. بل أعيش
اللحظة.. أدلق الماء وأتخيل صحن العشاء وخلوة المساء
مع حبيبتي في غرفتنا المنزوية أسفل سفح خلف طبابة
الموقع. أفرك جلدي بالصابون راحلا عن ضجيج الرفاق في
الساحة إلى مساحة متعة شعورٍ بالحرية وجواري حبيبة
تحنو عليَّ دون خوف من هاجس خطف من شارع أو بيت أو
مقهى وضياع إلى الأبد في أقبية وزنازين كما حدث مع أعز
أحبابي.. كنت غارقا في تلك المتعة الخالصة عندما أقتحم
ضجيج طائرات تنقض قريبة وكأنها تمس سطح الحمام الواطئ،
ضجيج مثل جدار أخترق جسدي، جعلني أقفز مذعورا من التخت
الخشبي حتى ضرب رأسي السقف، لأندفع غريزيا ما أن لمست
قدمي الأرض فاتحا الباب وراكضا بجسدي العاري المصوبون
بالرغوة صوب أقرب ملجأ شقي لأقفز إلى جوفه. وجدته
ممتلئا إذ هبطت على لحم حار ينبض. لم يخفِ الشق سوى
نصفي الأسفل. جلست فوق تلك الأجساد مفزوعا مجبرا على
التحديق نحو الوادي المواجه للملجأ والفاصل بين غرف
الضيافة وقاعات القاطع، أتتبع بعيني خيط رفع من
الدخان يتصاعد من القاع عالياً حتى جاوز قمة الجبل
لينتشر هالة سوداء بلون الفحم راحت تهبط رويدا..
رويدا. حدث ذلك بلحظة خاطفة هي لحظة رؤيتي وأنا حائر
بجسدي العاري الظاهر نصفه من الملجأ. كنت أحملق بخيوط
أخرى من الدخان الرشيق بدأت تنتشر خلفي وإلى يميني
وإلى شمالي، وضجيج الطائرات صاخبا دانيا وكأن جسد
الطائرة سيلتصق بجسد الوادي حيث نختبئ، لكن لما يخف
ونبقى أحياء نعرف أن الصاروخ سقط في مكان بعيد.. لاحقا
عرفنا أن الطائرات نشرت قذائفها بشكل دائري غطي صحن
الوادي بالكامل. أكرر: ـ ما أرويه حدث للحظات خاطفات!.
فما أن غاب ضجيج الطائرات حتى هرع الجميع من الملاجئ
والغرف والكهوف لرؤية ما حدث. عدت فورا إلى الحمام.
غسلت جسدي من الصابون. نشفته، وارتديت ملابسي. خرجت
شبه مجنون.. أبحث عن حبيبتي ـ بهار ـ أكذب على القارئ
إذا قلت أنني كنت أفكر بشيء آخر يتعلق بالرفاق أو
الفكر أو أي شيْ سواها. كنت أتأرجح من حافة العقل
باحثا بعيني الملهوفتين عنها وسط الهرج والمرج الذي
أعقب القصف بلحظات، فبين مغادرتها الحمام وانقضاض آلهة
الحديد الشريرة من سماء الله ليس غير دقيقة.. مثل
مخبول أقف في الفسحة أمام مطبخ وقاعة فصيل الإدارة
أدور عيني في الأركان، في الوادي، في الساحة خلفي، في
القاعة، المطبخ، فوهات الملاجئ، ولما لم يقع ناظري
عليها تشنج جسدي وأختض كمصابٍ بالصرع، وفيما كنت موشكا
على السقوط سمعتها تنادي بصوتها الفريد:
ـ أبو الطيب.. حبيبي..
خو ما بيك شي!.
التفتُ نحوها، كانت
تركض مقبلة من تحت شجرة الجوز الشاهقة على حافة
الساحة. هرعت إليها مستعيدا حيويتي. ارتمينا بأحضان
بعضٍ ورحنا نتلمس جسدينا بأصابعنا قطعة.. قطعة بلهفة
وجنون ولما تأكدنا من سلامتنا.. ابتعدنا منفصلين
منتبهين لما حدث. أول ما وقع بصري عليه وأنا أنفصل عن
جسد حبيبتي مشهدا لم ولن أنساه أبدا فهاهو متجسد
بتفاصيله المرئية والصوتية أمامي وكأن لم يمر قرابة
عشرين عاما عليه.. لهاث الشهيد أبو رزكار ـ الذي تحدثت
عنه الشاهدة ـ كاترين ميخائيل ـ طويلا في جلسة محاكمة
الدكتاتور، ولهاث رفيق أخر من أشوري العراق الشجعان ـ
أبو ليلى ـ وهما يحملان راكضين جسد الرفيق ـ أبو فؤاد
ـ المحترق إذ أن القذيفة التي رأيت عمودها الدخاني
سقطت على مبعدة أمتار من جلسته على صخرة في مسيل
الوادي. تسمرت مذهولا في مكاني أتتبع لهاث الراكضين
وقدم ـ أبو فؤاد ـ اليسرى المتدلية وكأنها مفصولة عن
الساق، ووجهة الذي أسّوَدَ تماما وذراعية الملتفين حول
عنقي أبي ليلى ورزكار. مروا خطفا من أمامي ليستدروا
صوب بناية الطبابة القريبة من حافة السفح. حملقتُ
بذهول في وجه ـ أبي فؤاد ـ محمولا على ذراعي رفيقيه،
في قسماته التي بدت ضائعة، فأيقنتُ بموته. عضضت شفتي
لوعة. عيناه بدتا فارغتين وكأنه لا يرى شيئا أراهما
الآن لحظة الكتابة، كانتا تحملقان في البعيد، في عالم
غير عالمنا، وفعلا ظهر أن أصيب بالعمى على الفور لقربة
الشديد من عمود القصف الذي أشرت إليه. لحظة خاطفة
أخذتني إلى قصة هذا الإنسان المحمول مدلى القدم أعمى.
نشجت بغتة في وقفتي القصيرة وأنا أستعيد لحظات التحاقي
الأولى إلى الجبل بصحبة حبية عمري ـ بهار ـ. فهو من
أوصلنا من قاعدة للأنصار في ـ كلي مراني ـ بسلسة كارا
إلى قاعدة في ـ كلي حصبة ـ بسلسلة متين. كان مرحا عنيف
العاطفة، شجاعا خفف قلقي لما دخلنا قرية تقع على
الشارع العام تحت هضبة فيها مواقع للجيش.. هدأ روعي
وهمس:
ـ رفيق لا تخف! أنا
معك!.
كان صوته يجلب لنفسي
السكينة أنا القادم من هول الجنوب العراقي وشدة السلطة
وكلابها. سوف لن أراه منذ ذلك اليوم إلى أن جاءنا بعد
سنة ونصف بالكاد يستطيع الوقوف، منهكا، يسعل بين لحظة
وأخرى، عسيرا عليه النفس، لم يجب لما سألته:
ـ ماذا بك؟!.
عرفت بعد رحيله في
طريقه إلى إيران للعلاج أن رفيقا كان عميلا للسلطة قدم
له طعاما مسموما لما حلَّ ببيته.
الأمر الذي تفتقده
محاكمة الطاغية هو أن سلطة صدام كانت تبث السموم لقرى
ومواقع الأنصار والمقاومين عن طريق عملائها طوال
الوقت، بتسريب مواد غذائية مسمومة، مثل حليب النيدو،
وصفائح السمن النباتي وغيرها، أو تبعث بعملاء أو رفاق
يقعوا في قبضتهم كي يسمموا حبوب الماء، المواد
الغذائية المخزونة، وقد قضى الكثير من الثوار بهذه
الطريقة.
كان الشهيد المسكين
عائدا من رحلة علاج قضاها في مستشفيات إيران للقاء
عائلته بعد أكثر من سنة. وعائلته فسكنت في قرية جوار
قاعدة ـ كلي مراني ـ أقيمت حديثا لعوائل الرفاق
اليزيدين الأنصار التي هجرتها السلطة من قراها في دشت
الموصل، لكن ذاك اللقاء صار مستحيلا فقد غادرنا الشهيد
إلى ملكوت الرب في ساعة متأخرة من تلك الليلة.. هذا ما
أخُبرت به لاحقا.. لكنني لا أستطيع نسيان مشهد سوف
يتجلى أمامي كلما وقع بصري على لوحة لمريم وهي تحضن
المسيح في لحظة وجدٍ في الكنائس أو الألبومات، أمام
غرفة الطبابة جلس ـ أبو رزكار ـ متربعا على الأرض
واضعا رأس ـ أبو فؤاد ـ في حضنه ومنحنيا عليه يهمس
بشيء ما كأم تحنو على وليدها.. وقسمات ـ أبو فؤاد ـ
بدأت تسود شيئا فشيئا وكأنها حرقت بفرن.
ـ في الأنفال بعد سنة
من حادث القصف أي في الشهر الثامن من عام 1988 ستعتقل
عائلة أبو فؤاد كلها وتضيع في المقابر الجماعية إلى
الأبد ـ.
كل شيء كان مرتبكا.
الجميع يركض في شتى الاتجاهات،سمعت هرجا ومرجا يأتي من
عمق الوادي الجانبي حيث المكتب السياسي. كان أحدهم
ينادي من هناك طالبا المساعدة. هببتُ نحو المنادي
فوجدتُ ـ عباس رش ـ النحيل يتلوى على الأرض ماسكاً
بساقه الأيمن الدامي. مزقنا السروال على عجل بحربه
فظهر بطة القدم ممزقة بشظية. حملناه على عجل نحو
الطبابة. وضعناه على مسافة قريبة من ـ أبو فؤاد ـ
كانت زوجتي ـ بهار ـ ورفيقة من حزب تودة الإيراني
أسمها ـ كانياوا ـ يقومن بقص شعر ـ أبو فؤاد ـ
المحترق. بينما هرع رفيق له معرفة بسيطة بالتطبيب ـ
أبو كاوة ـ والطبيبة ـ أم هندرين ـ بدت شديدة الارتباك
فهي من ناحية لم تواجه مثل هذه الإصابة من قبل، ومن
ناحية أخرى ليس لديها اللوازم الطبية. كنا نمسك بساق ـ
عباس ـ الممزقة بينما شرع ـ أبو كاوة ـ بخياطتها بعد
أن أخذ الإذن من ـ أم هندرين ـ كنت أتابع الإبرة
المعقوفة النهاية وهي تُغرز في الساق السمراء بدون
تخدير، فأشخص نحو وجه ـ عباس ـ الذي يتصلب محاولا
إخفاء ألمه بشجاعة رادا على نظراتي المتعاطفة وعيناي
توشكان على البكاء وهو يردد:
ـ ولا يهمك يا رفيق..
ولا يهمك!.
لما أكمل خياطة الجرح
الممتد من تحت الركبة إلى ما فوق الكاحل، لف الساق
بلفافة طويلة ظلت تنز دما رغم متانتها. كنت في داخلي
غير مقتنع بالطريقة التي عالجا بها جرح ـ عباس ـ فقبل
التحاقي كنت في جبهة معارك ـ مجنون ـ شمال شرق البصرة
ورأيت عشرات الحالات المشابهة لجنود أصيبوا بشظايا.
وكنت قريبا عند الإسعاف الأولى. كان الطبيب المسعف
ينظف الجرح ويعقمه ويملأه شاشاً نظيفا معقما كي يوقف
النزف قبل أن يخيط الجرح لكن لم يكن بوسعي التدخل في
ذلك المناخ الموتور أصلا. فأسفت في داخلي لـ ـ عباس رش
ـ الشجاع الذي لم يبدِ أبدا أي علامة ألم أو شكوى
وكأنه قُدَّ من حجرٍ لا من لحمٍ ودمٍ.
أحدهم رفيق كان ضيفا
من قاطع أربيل لا أتذكر أسمه، يبدو انه عاش أولى تجارب
قصف طائرات الدكتاتور بالأسلحة الكيمائية لموقع وادي ـ
بليسان ـ الذي جاء ذكره من قبل الفلاحين الأكراد في
الجلستين الأولى والثانية من محاكمة الدكتاتور، كان
يصرخ:
ـ رفاق هذا قصف
كيماوي، قصف كيماوي!.
لم ينصت إليه إلا
القلة، فكان يريد تأكيد قوله فيصيح:
ـ ألا تشمون رائحة
التفاح المتعفن والثوم!.
رأيته مثل مجنون يركض
خلف الرفاق الراكضين يمنة ويسرة مرددا نفس الجملتين
دون جدوى. أنا من الذين لم يأخذوا كلامه مأخذا جديا،
بينما زوجتي ـ بهارـ قالت لي:
ـ أبو الطيب اكو ريحة
مو طبيعية!.
سخرت من كلامها وهرعت
لجلب ـ عباس ـ كما أسلفت، فقامت ببل منديل ووضعته حول
فمها وأنفها.
مازال ذلك الرفيق الذي
لا أتذكره و لا أعرفه يصرخ وسط دخان الغبار والغروب
ورعب الموقف الذي سيتجلى لاحقا بشكل فادح.
ما زال يصرخ وأنا أضع
قدم ـ عباس ـ على البطانية المنقوعة بدمه مفكرا في
مساعدة جريح محتمل آخر.. في تلك اللحظة بالضبط سمعت
جلبة أقدم تهبط على الممر النازل من ربوة فصيل الإسناد
التفت فطالعني وجه شديد الوسامة، ناعم التقاطيع، أبيض
يميل إلى الاحمرار قليلا، متوسط القامة، نشيط الحركة
وحوله أربع أو خمس يحملون حقائب سوداء ويسعون في دائرة
هو مركزها. ألقى التحية دون أن يحدق صوبنا. كان يشخص
نحو ـ عباس ـ وسأله بعربية ناصعة عما أصابه، فأخبره
مؤشراً نحو ساقه التي لم ينقطع نزفها رغم لفة الشاش
المتين. تبادل مع ـ أم هندرين ـ كلاما مختصرا بالكردية
قدرت أنه سألها عما فعلته.
|