|
تاريخ
النشر 15-08-2007
شهادة
الجزء الثالث
بمناسبة محاكمة صدام
حسين وأعوانه بقضية الأنفال
عندما أدخلني
الدكتاتور في الجحيم
سلام إبراهيم
طوبى لك يا ملكيتي وسر
حياتي!.
طوبى لـ ـ ناهدة جابر
جاسم ـ جارتي وحبيبتي التي أحبتني بجنون فاق محبة الأب
والأم!.
طوبى للمحبة حينما
تكون محرضة لتماسك الإنسان في أشد المحن!.
لك صلاة.. كتلك التي
صليتها فوق سطح دار أهلي في أول لقاء، وما زلت أركع لك
بعد أكثر من ثلاثين عاما هنا في المنفى كل مساء!.
أي رحلة كانت تلك
الساعة من موقع الإسناد إلى موقع الدوشكا!.
ماذا أكتب أو أقول؟!.
هل أقول أنها رحلة
سيزيف وهو يحمل صخرته إلى القمة لتتدحرج حال بلوغها
فينزل ليحملها ثانية ويصعد؟!.
تمنيت نفسي سيزيف
القادر على الحمل والصعود والنزول إلى ما لا نهاية!.
حسدت مأساته؟!.
تلك الرحلة العسيرة
جعلتني أبتعد في الكتابة عن كل ما يمس الأساطير حيث
تبدو بالمقارنة مع التجربة الحسية بلا ألم بلا مشاعر
بلا حس!.
فدأبت لاحقا على تصوير
البشر حولي الحاملين عذابهم حقا وليس بالكلمات وفلسفة
القول والحكاية التي تبدو لما تسرد وكأنها أسطورة أو
شيء مسلٍ.. فصرت أكتب فينزعج مني الجميع!.
الرحلة تلك كانت مفصل
في وجودي، فقد كنت أترجح على حافة العالم السفلي
والظلام حيث الصمت. قلت معي نفسي والبغل أثناء صعوده
العسير يجعلني أحس وكأنني موشك على السقوط مع كل خطوة
يخطوها لاهثا من عناء الارتفاع وثقل جسدي:
ـ لو كتب لي الحياة
وراء هذه المحنة فسوف أجهر بحقيقة حواسي في التجربة
دون أي رادع فكري أو أخلاقي أو اجتماعي أو قيمي وهذا
ما فعلته في نصوصي!.
الرحلة من قاع الوادي
وحتى نقطة النبع القريبة من القمة بدت وكأنها دهرا!.
كان أحدهم يسندني في
جلوسي على السرج من اليمين وناهدة من اليسار وثالث
يقود البغل. كانت تسأل بين الحين والحين عن حالي،
فأطمئنها مضطرا كوني بخير. وفي لحظة من ذلك الزمن
المطلق سمعتها تصيح:
ـ رفاق لقد عميت!.
عندها شب ألمي وعراك
شب بين من كان يسندني إلى اليمين وكان عربيا والذي
يسندني على اليسار وكان كرديا من السرية الخامسة..
فأصر الرفيق الكردي على البقاء لمساعدتها رغم غضب
العربي الذي كان يريد إبعاده.. هذا المشهد وصفته
بتفصيل في روايتي ـ برازخ وأخيلة ـ التي منعها الرقيب
السوري عام 2002 .. وخدعني الناشر ـ خالد المعالي ـ
صاحب ـ دار الجمل ـ بألمانيا إذ وعدني بأنه سوف
ينشرها في عام 2004 لكنه لم يفعل لحسابات تتعلق به.
لا أدري كيف بعد ذلك
بلغتُ موقع الدوشكا، لكنني أتذكر بوضوح وجه الرفيق ـ
أبو الياس ـ طبيب الأسنان الذي رفض في كردستان ممارسة
مهنته كونها تشبه ما يقوم به رجل الأمن لما يعذب
المعتقل لا سيما وأن المخدر لم يكن متوفرا فأصبح
مقاتلا عاديا ما ميزه أنه عاشق مدله بالمغنية ـ فيروز
ـ حتى انه أقام عدة محاضرات عنها شارحا أغانيها ومحلقا
في عالمها الحالم. وجدته يستقبل المصاب الواصل صارخا
بحرقة وهو يشير إلى مجرى النبع الضيق الهابط نحو
الوادي:
ـ رفيق أنبطح.. أفتح
عينيك وغط رأسك في الماء!
فعلت ذلك مرات لا تعد.
كان ذلك يخفف قليلا من ألم عيني المحترقتين. صف على
طول مجرى النبع منبطحا يغط رأسه في الماء البارد
الجاري وكأن ذاك الماء هو الخلاص!. مشهد لم أنسه أبدا.
ما زال يتجسد في لحظات وجدي ووحدتي هنا في الدانمارك
وتلك الذوات المسكينة الحالمة تتضور بألمها وتغط في
ساقية ضحلة برأسها تتأمل العودة إلى وضعها البشري قبيل
القصف. كان الصمت حكما فيما عدا صوت ـ أبو الياس ـ
المتحمس في صراخه كي نقاوم ونفتح أعيننا في الماء
الجاري.
ـ أفتح عينك.. غط
رأسك.. غط رفيق غط وأفتح عينك!.
صراخ يأمر بقوة كانت
تجلب للنفوس ذلك الوقت ثقة بأنها سوف تتعافى مباشرة
بعد ذلك الغط وجاري الماء يمر ملامسا حدقات عيونها
المحترقة مفتوحة عنوة.
كنت أظن بأنني سأبلغ
مسافة التعافي بعد التبرك بالماء، لكن هيهات. كان
الوقت قبيل منتصف النهار. أتذكر أن الشمس كانت ساطعة
بحيث لما كنت أرفع رأسي من الساقية الضحلة الضاجة
وعيناي لم تزل مفتوحتين يجتاحهما الضوء الحارق الذي لا
يتيح لي سوى النظر للحظة لذلك المشهد المؤثر، أكثر من
ثلاثين مقاتلا ينبطحون على بطونهم.. الرؤوس غاطة في
الساقية الضحلة الجارية، يرفع أحدهم الرأس ويغطه على
الفور لما يواجه الضوء الساطع مستنجدا بالماء.
لا ماء الله كان خلاصا
ولا شمسه.. ولا الهواء
كانت آلهة حديد ـ صدام
حسين ـ قد أدخلتنا في الجحيم!.
وكنا كذلك نتضور ولا
من يخلصنا من أجسادنا لنستريح!.
لا أدري كيف مضت سحابة
ذلك النهار. لكنني أتذكر أنني كلما أخرجت رأسي من
الماء أرها متجسدة في اللحظة الأولى التي أُبعِاد فيها
أجفاني وهي تصرخ:
ـ رفاق عميت.. عميت!.
وقبل أن أسأل نفسي أين
تكون الآن؟.. يهجم عليّ الضوء والشمس فأغط بوجهي في
الماء هربا من جحيم عيني!.
لا أدري.. ولا أتذكر
متى أنسحب الضوء من الدنيا، فما أن كففنا عن الماء حتى
عمينا تماما. ثمة مسح في الذاكرة لدي إذ أنني استيقظت
في المساء لأجد نفسي في قاعة من الحجر والطين محشودة
بصفين متقابلين من الثوار المصابين الصارخين،
المتوجعين، الهاذين على ضوء فانوس عليل معلق على
الحائط جوار الباب. لما فتحت عيني ووعيت بكينونة جسدي
شبَّ الألم من جديد، فندمت قائلا مع نفسي:
ـ لِمَ لمْ تأخذني يا
إلهي؟!.
كنت وفيا لوصيتها في
الليلة السابقة فجعلت أكتم ألمي منصتا لهذيان الثوار
وهم يهبطون في هوة اليأس والألم والعدم:
ـ يمه تعالي أبنك
عمه!.
ـ يمه راح أموت وما
أشوفك!.
ـ بويه وينك تعال بويه
تعال!.
ـ يابوية عيوني!.
ـ يا ياب احترقت ولك
ياب طفيني!.
ـ لعلى أبو اللي ورطني
بالكفاح المسلح!.
ـ ولكم الهوه يا الله
الهوه!.
أفتح عيني بعناء فيطل
المشهد للحظات. الأجساد تتلوى على أفرشتها، تتقلب،
تستقيم بنصفها العلوي، تلقى نفسها بيأس إلى الفراش
هاذية. ليلة كانت اشد عليَّ من ليلة الأمس، كنت وحدي
بدون حبيبتي ضائعا في عدم الصراخ وجحيم ـ صدام ـ الذي
نزل علينا من السماء في غروب رائق!.
قضيت ليلة يأتي النوم
فيها بعد إعياء الألم، والصحو يلقي بك إلى ساحل
الهذيان والتقلب وحرقة العينين وضوء الفانوس والصراخ
المبهم من البشر الذين كانوا أكثر حساسية وتعلقا
بالحياة مثلي والذين أصبحوا مادة للتندر من قبل الثوار
الذين لم يصابوا كونهم ضعاف النفوس وقت المحنة، لكنهم
لم يجدوا من يوصيهم بالتصلب مثلما أوصتني بي حبيبتي في
ليلة الجحيم الأولى..
طوبى لصراخ كل من كان
معي في تلك الغرف!.
طوبى لشدة تعلق
الإنسان بنسمة الهواء والدنيا
طوبى لكل من أستنجد في
لحظة اليأس والهذيان بعزيز بعيد
طوبى لضعف الإنسان
طوبى لكل من عاشر
لحظتي في تلك الغرفتين.. غرفة أبو علي في الإسناد..
وغرفة في فصيل الدوشكا..
طوبى للألم.. للعذاب..
طوبى لنا نحن البشر!.
ليلة الدوشكا تلك تبدو
لي وبدت لي ما أن ملكت نفسي وكأنها ليلة من حكايات
الرعب وليالي سوداء من كتاب عراقي ولا ألف ليلة وليلة
كتاب لم يدون بعد. تلك الليلة أخذتني إلى ما يشبه
الرحلة نحو القيامة صورت كل ما جرى لي فيها في القسم
الثالث من روايتي ـ برازخ وأخيلة ـ والتي وصلتني
رسالة قبل يومين من الشاعر المترجم ـ سهيل نجم ـ
كونها ترقد لدى الرقيب العراقي في بغداد منذ ما يناهز
العام. ذلك العالم الخرافي حاولت مسكه في ذلك النص
بحيث يبدو غير مفهومٍ للقارئ العادي.. كنت فعلا في
رحلة هي بين الموت والحياة كنت في البرزخ الضيق فشاهدت
نفسي في خلاصة معانيها وهي تواجه الخالق الجليل.
القسم الأخير في
الرواية بدا غامضا بسبب عدم عرضي لمجرى الحدث الواقعي
الذي أسرده الآن إذ أقتصر على ما جاش في رحلتي وأنا
أغيب عن الوعي والـ ما حول وأرحل إلى الطفولة والمعنى
وخلاصة التجارب وكأنني موشك على الموت وولوج العلم
الآخر الذي أعتقد به يقيناً. لا أستطيع الآن وبعد ذلك
الكم من السنين تذكر كيف مضت تلك الليلة.. الذي في
ذاكرتي ظلام وضوء باهت وصراخ وهذيان ينتاب لحظات يقظتي
من عالم آخر رحلت فيه. عالم تحولت فيه حبيبي إلى مجرد
خاطر عابر مرَّ في العمر وغاب، فهاجت في عالم غيبوبتي
كل الهواجس المتعلقة بالفقد والغياب..
ـ وهل يستطع المرء وصف
ليلة الجحيم مرتين؟!.
كنت في الجحيم ذاته
ضائعا، معنى الضياع أني لم أحس بجسدي. كنت أطفو في
الألم إلى حدٍ ليس للزمن فيه معنى. كنت أتحامل بصمت
كاتما وجعي، لم أنس أبداً وصية حبيبتي قبل أن تصاب
بالعمى:
ـ حبيبي كن قوياً!.
هذه الجملة ستفتح لي
آفاق أخرى في تجربة المنفى!.
كيف انقضت الليلة تلك
لا أدري، لكنها ليلة من ليالي أبدية الجحيم. استيقظت
في صباحها فوجدت نفسي أرقد تحت كلة سوداء مخرمة
وبجواري رفيق لم أتعرف عليه للوهلة الأولى، فقد كنتُ
خارجاً من عالم آخر غريب أخذني إلى الجذر من طفولتي
وحياتي فرأيت أحبة قتلوا في المعتقلات والحروب أو
ضاعوا إلى الأبد في الدنيا. أخذت نفسا عميقا فجرحَّ
الهواء أحشائي. فتحت عيني بعناء ـ بالمناسبة لابد من
ذكر أن العمى في القصف الكمياوي يؤدي إلى صعوبة مواجهة
الضوء فيفضل المصاب المكوث تحت جفنيه تخلصا من ألم
الرؤية ـ
الكلة السوداء المخرمة
نصبت أمام تلك القاعة. وجدت نفسي شبه عارٍ وإلى جواري
يرقد على فراش رث الرفيق ـ أبو رزكار ـ شبه عارٍ أيضا.
 
الشهيد ـ أبو رزگار
قبل وبعد الأصابة
أسعدني جواره تلك
اللحظة وكأنني ملكت الدنيا، فهو رفيق حميم يشبهني وكنا
قبل عام قد أصدرنا مجموعة قصصية أنصارية مشتركة كانت
له ولي قصة فيها. عدا ذلك كان أول من وشجَّ علاقة خاصة
بيّ في أول لقاء لما عرف اهتمامي بالأدب فدأب على جمع
الصفحات الثقافية لجريدة الثورة والجمهورية وصحف
النظام الأخرى كل يوم إذ كان يعمل في التنظيم المدني
ويجلبها لي لما يزور المقر الذي كنت فيه. لكن ما
أتعسني هو عدم سماعه لما أقوله وكأنه غائب في عالم
بعيد عن مدى رؤيتي.. حاولت الحوار معه في الليالي التي
قضينها معا تحت خيمة شفافة واحدة عاريين موشكين على
الغياب.. كررت محاولتي.. دون أن أتمكن من جعله يقول
شيء أي شيء، كنت أهتف مع نفسي:
ـ يا إلهي..لو يقول
كلمة واحدة.. لو أسمع صوته!. كان يبدو مثل مخدر بعينين
نصف مغلقتين يبرك في صمتٍ عالم أخر مختلف، وكأنه يشرع
في الشهادة وقول المستحيل. صرخت به رغم جحيم الذي في
جسدي:
ـ أبو رزكارـ أني ـ
أبو الطيب ـ قل لي كلمة واحدة!.
كان كلامي دون جدوى..
أحسسته يجود بنفسه موشكا على الهبوط أو الصعود إلى
عالم الرؤيا والخلاص.
حلمت بكلمة واحدة
منه.. كلمة واحدة كانت تفضي بنفسي وقتها إلى مسافة
حميمة جمعتنا في لهفة اللقاء المتباعد وهمه بجمع ما
يقع بين يديه من قول السلطة الثقافي وقتها في صحفهم
اليومية.. حلمت رغم وضعي القريب إلى وضعه إذ كنت أيضا
على وشك الولوج إلى العالم الآخر من خلال قماش الستارة
الأسود المخرم المحيط بنا.
لم أستطع حصر الأيام
التي قضيتها جواره تحت الكلة السوداء. كان يلزم الصمت
عاريا، وجسده مليء بالفقاعات، وكان كلما فتحت عيني
أجده يسعى في شهيق عميق بحثا عن الهواء.
ـ أريد أخذه يَمْي!.
استيقظت من كوابيس
الألم على صوتها وهي تتحاور مع أحدهم، عرفته على الفور
لما سمعت جوابه كان يدعى " ملازم رائد":
ـ لا رفيقة.. حالته
صعبة دعي الرفاق يعتنون به!.
كنت أنصت للحوار
المتصاعد إلى أن انفجرت صارخة:
ـ لا راح أخذه هسه..
وما لي علاقة بأي قرار!.
قالتها بحزم.. وحدي من
يعرف عنادها الجميل وتصميمها الذي لا يقف بوجهه شيء،
لا عائلتها التي رفضت زواجها بيّ، ولا القيم وهي تلتقي
بيّ كل يوم في بيتنا في ـ الحي العصري ـ أو بيوت
الأصدقاء، ولا إصرارها على العمل في التنظيم السري رغم
اعتراضي قبيل صعودنا إلى الجبل.
سمعته يردد:
ـ رفيقة ما يجوز..
رفيقة!.
باعدت أجفاني مغالباً
ألمها فرأيتها تنحني وترفع حافة الستارة المنسدلة،
وتهمس:
ـ ها حبيبي.. أش
لونك؟!.
ساعدتني على النهوض.
أغمضت عيني مستسلماً ليديها الحانيتين. قادتني لتصعد
بيّ المسلك المجاور لساقية النبع الذي بدا ضجيجه
يتعالى، فأدركت أننا نقترب منه. أنساني للحظات ملمس
أصابعها الناعمة جحيمي.
ـ إلى أين تريد
بيَّ؟!.
هذا ما لم أفكر فيه
وقتها، فأن أكون قربها حتى ولو في الجحيم فذاك حلم
الليالي التي افتقدتها منذ اللحظة التي سمعتها تصرخ:
ـ رفاق.. عميت!.
كنت أسير شاعرا بوهج
الشمس المشرقة ذاك اليوم، فقد كنت أزيد من ضغط أجفاني
إلى بعضهما علَّ ذلك يخفف من سعير النار فيهما، مخترقا
أجساد تخيلتها منبطحة، جالسة، مكورة على جانبي المجرى
وهي تسعل ذلك السعال المخنوق وتطلق صراخ الألم
والشكوى:
ـ ولكم اختنقت!.
ـ ولكم أحترق جسمي
ـ ولكم عيوني راح تطلع
من وجهي!.
من المؤكد أن رفاقي
المساكين ليس لديهم من يعني بهم كما هو حالي وحبيبتي
التي تأخذ بيدي صوب مكان حيث ستكون جواري. في ذلك
البؤس حسدت نفسي. وصلنا إلى موقع فيه ضجة الماء
شديدة، فقدرت أنه جوار فتحة النبع تماماً. طلبتْ مني
الاستدارة نحو اليمين ورفع قدمي كي أصعد. فعلتُ ما
طلبت مني. لما أصبحت فوق المكان المرتفع بمقدار نصف
مترٍ عن الممر باعدت أجفاني فوجدتني داخل ـ كبرة ـ (
مكان مسقف بأغصان البلوط يرتكز على أربعة أو ثلاثة
أعمدة من سيقان الأشجار المتينة يستخدم في الصيف قرب
القمم لتفادي الحر ). المكان مفروشاً. طلبت مني
الاستلقاء. فجلستُ بمساعدتها وانطرحت على ظهري.. حتى
تلك اللحظة لم أكن أعرف ما أصاب جسدي. لم يكن يؤلمني
مكان محدد عدا اللهيب القائم في كل لحظة في عينيَّ، إذ
كان الألم متساويا في كل قطعة فيه وكأنه صبَّ فيه.
ـ كيف مضى الوقت بعد
ذلك؟!.
هذا ما لا أعرفه إلى
هذه اللحظة؟!.
سقطتُ في نومٍ ليس مثل
نوم البشر. دخلت مرة أخرى مكملة رحلتي في عالمٍ آخر
رأيت فيه الأهوال.. عالم غريب فيه الظلام مرئي.. وكان
دوي النبع المجاور لرقدتي مفتاح ذلك العالم..
سقطت في نومٍ جعلني
لاحقا أعتقد بأن ثمة عالم ينتظرنا بعد هذا العالم الذي
نعيش فيه. باتت قناعتي راسخة بذلك حال عودتي منه. كان
خروجي منه جزء منه، فبينما كنت ألهث في ذاك الظلام
المرئي سمعت إطلاق رصاص فوجدتني على الفراش. وصوت أم
بدر زوجة طبيب أسنان الموقع الموشكة على الوضع وقتها
تصرخ:
ـ مات.. مات!.
رحت اسأل:
ـ من.. من.. من؟!.
فأجابتني ناهدة بصوت
مكسور:
ـ أبو رزكار أستشهد!.
صحوت تماما وكأن جسدي
ليس به شيء. نهضت بنصف جسدي الأعلى صارخا:
ـ لا.. لا.. لا..
ونشجت بصوت مسموع
بحرقة. أحاطتني بذراعيها وضمت رأسي إلى صدرها مرددة:
ـ حبيبي بك ما يكيفك..
أرجوك أهدأ!.
شبعت نحيبا على صدرها
وأبو رزكار صاحبي ورفيقي سوف لا أراه إلى الأبد..
ظللتُ محتميا بصدرها الساخن النابض إلى أن خف نحيبي
فسقطت من جديد في رحبة ذلك العالم الزاخر بكل رموز
عمري. لم أكن نائما كما كانت تعتقد.. لم أكن أبدا..
كنت في محنة مختلفة أناضل في الصمت والرؤيا حتى بلغت
مكانا كنت فيه عاريا وسط الجموع العارية المحشودة في
ساحة واسعة يحرسها صقر الرب الهائل. الواقف في الصف لا
يستطيع الالتفات أبدا ـ هذا العالم حاولت تصويره
بالكلمات في قسم البرزخ من ـ برازخ وأخيلة ـ.
المرة الثانية التي
فتحت فيها عيني خارجا من بهمة ذاك العالم الضاج بصمت
وجدت وجهاً يطل عليَّ محدقا فيَّ بصمت. وجه أليف لكنني
لم أستطيع تذكره في اللحظة الأولى حتى أنني ظننت أنه
وجه من وجوه ذاك العالم الذي كنت فيه فسألته:
ـ من أنت؟!.
فارتسمت على ملامحه
الخلاسية ظل بسمه وهمس:
ـ سلام... أنا إبراهيم
ـ أبو خوله ـ!.
كان صوته خافتا يقترب
من الهمس كمن يخشى أن يسمعه أحدٌ. سحبت جسدي قليلا
رافعا رأسي وفاتحا عينيّ فهبطت ملامحه الودودة في
نفسي، سألته:
ـ ما الذي أتى بك؟!.
كنت أعرف أنه في موقعٍ
يبعد ثلاثة أيام مشيا على الأقدام.
ـ سمعت بما أصابك!.
قالها ومسح بيده
السمراء على رأسي. أغمضت عيني مبتهجاً رغم وضعي
المتأرجح بين الصعود إلى السماء والبقاء، فإبراهيم
حبيب حميم مضى على معرفتي به في ذلك الوقت أكثر عشر
سنوات، كان صديق أخي الشهيد كفاح إبراهيم، معه في نفس
المرحلة بالجامعة التكنولوجية ببغداد. تعرفت عليه في
زيارة للجامعة. من أهالي البصرة، من بقايا ثوار الزنج
كما علق الشهيد لحظة تقديمه لي..

إلى يمين الصورة
سلام إبراهيم في الوسط إبراهيم عبد الحسين ـ أبو خولة
ـ وإلى اليسار الشهيد كفاح إبراهيم 1977
ومن يومها تعاشرنا
حبيبين حميمين، لم يكن يتكلم إلا باختصار وعند
الضرورة.. التقيت به عام 1979 في دمشق هاربا وأنا في
طريق عودتي للعراق من بيروت فقضينا ليلتين في الفندق
الذي نزلتُ فيه. وبعد خمس سنوات من ذلك اللقاء وجدته
في الجبل يعمل بمفرزة طريق تعبر الثوار من وإلى
الأراضي العراقية. ثم عقب الأنفال وضياع المنفى في ـ
كييف ـ عاصمة أوكرونيا. لما نلتقي كأننا نلتقي أول
مرة، نفس الود والمشاعر الساخنة، لم نزل كذلك هو الآن
في ـ أستوكهولم ـ نلتقي بين الحين والحين وكأنه اللقاء
الأول في نادي الجامعة التكنولوجية.
|