|
تأملات / سنوات "الإعمار" .. سنوات المعاناة !
رضا الظاهر / طريق
الشعب
أظهر تقرير لمكتب المفتش الأميركي الخاص بعمليات إعادة
الاعمار في العراق ستيوارت بوين أن التدقيق في حساب
نحو 47 ألف مشروع كشف عن أن ما لا يقل عن 900 مشروع
منها قد أُعلِن عن إتمامها قبل إنجازها بشكل نهائي.
وأرجع التقرير، الذي نشر الأسبوع الماضي، أسباب ذلك
الى عوامل بينها الظروف الأمنية الخطيرة أو التنفيذ
السيء من جانب المقاولين المحليين.
ومن بين المشاريع التي أشار اليها التقرير مستشفى
الأطفال في البصرة الذي تعاقدت الوكالة الأميركية
للتنمية الدولية على إنجازه مع شركة بكتل بكلفة 50
مليون دولار عام 2004. غير أن بكتل غيرت مواصفات
المشروع حتى يبدو المتعهد ملتزماً بشروط الصفقة.
وأعلنت الشركة الأميركية إنجاز المشروع عام 2006، في
حين تظهر الحقائق أن المشروع توقف إثر إنجاز ما نسبته
35 في المائة منه فقط.
وبوسعنا الاشارة، في السياق ذاته، الى مشروع توفير
المياه في ذي قار الذي بلغت كلفته 275 مليون دولار،
والذي تبين عند التقييم أن كفاءة عمله الحالية لا
تتجاوز 20 في المائة من المخطط له، حيث العديد من
مناطق المحافظة لم تنتفع من المشروع على الاطلاق.
وقال مكتب بوين إن التقرير أولي، إذ ستجري عملية
مراجعة أخرى للتحقيق في هذا النوع من التحايل ومدى
استخدامه. وأشار الى أن المفتشين يبحثون في ما إذا كان
المقاولون، الذين أُنهيت مشاريعهم بسبب عدم كفاءة
إدائهم، قد مُنِحوا عقوداً أخرى رغم تاريخهم السيء.
ويلفت الانتباه أن هذا التقرير يأتي بينما تعالت أصوات
العديد من مشرعي الكونغرس الذين طالبوا، مؤخراً، بأن
تتحمل الحكومة العراقية جزءاً أكبر من كلفة عملية
إعادة الاعمار.
وجاء تقرير المفتش الأميركي في بداية العام السادس على
"التحرير"، الذي وعد ببناء "نموذج"، بينما تصل البلاد
الى مديات قصوى في أزمتها المستعصية. ومن بين مظاهر
هذه الأزمة ذات الصلة بإعادة الاعمار أن أغلبية
العراقيين يعانون من الفقر والبطالة وشحة الخدمات
الأساسية، ناهيكم عن نوائب أخرى على مختلف الصعد.
ومن المثير للأسى أن تقارير منظمات دولية تشير الى أن
أربعة من بين كل عشرة من أبناء البلاد، التي تزخر
بالموارد الطبيعية والبشرية الهائلة، لا يتقاضون أكثر
من دولار واحد في اليوم، بينما يقف النظام التعليمي
والرعاية الصحية على حافة الانهيار، وتتعرض النساء الى
مزيد من العنف على يد المتطرفين مختلفي التلاوين.
ومن بين حقائق الأزمة في البلد "النموذج" أن الفساد
يستشري في كل الميادين وعلى مختلف المستويات. ولم يعد
من الغريب أن تسعى جهات معينة لحماية نفسها وفرض
السرية على ملفاتها، وهي ملفات تبدأ بالأسلحة وتمر
بالمواد التموينية والأدوية ولا تنتهي عند حدود عشرات
الألوف من الرواتب الوهمية.
وتتسم عملية إعادة الاعمار، من بين أمور أخرى، بالفوضى
وسوء الادارة، وهي من بين الحقائق الصارخة في سلوك
واشنطن، التي أخفقت في التخطيط لمشاريع إعادة الاعمار،
ومراقبة المقاولين، فضلاً عن غياب ستراتيجية واضحة
وتنسيق بين الجهات المعنية، مما أدى الى تفاقم التخبط
وتعاظم النهب، وبالتالي الى المزيد من معضلات بلادنا
ومعاناة الملايين من بناتها وأبنائها.
أما "المحررون" فكانوا مرجعاً نهائياً للمال الأميركي
والعراقي الذي كان يتلاشى بمجرد وصوله الى المقاولين
الأميركيين والمسؤولين في الوزارات العراقية، ويبدو أن
التحقيقات، التي يقال أن إدارة واشنطن تجريها لمعرفة
أموال "تختفي" بين حين وحين في العراق، ليست سوى
محاولة لذر الرماد في العيون وإيهام الرأي العام بوجود
رقابة، إذ يذكر، من بين فضائح أخرى، أن الشركة التي
استؤجرت لابقاء "الرقابة المشددة" على عمليات تدفق
الأموال كانت شركة وهمية، وهو ليس عنصراً استثنائياً
في سلوك واشنطن.
وأما فضائح شركة بارسونز الأميركية للمقاولات، التي
أخفقت العشرات من مشاريعها في مجال إعادة الاعمار،
فتضاف الى فضائح شقيقاتها من أمثال هاليبيرتون وبكتل
وداينكورب وغيرها من الشركات المرتبطة بغلاة المحافظين
الجدد.
ومن ناحية أخرى يرى مراقبون أن كثيراً من مؤتمرات
ومعارض إعادة الاعمار، التي تقام في الخارج عادة ويغيب
العراق عن بعضها، تتسم بالاستعراض و"الصفقات"
و"القومسيون" الذي يتلقاه، عادة، منظمون أو ممثلون لهم
من تجار ووسطاء، وهو ما يتوافق مع مواصفات "البزنس" في
العراق "الجديد".
* * *
تلك هي بعض من صور "إنجازات" إعادة الاعمار التي
يستغفل المحافظون الجدد الملايين بشأنها، ويريدون من
ضحايا المعاناة تصديقها، وهم يرون بأم أعينهم كل هذه
الفضائح.
قبل خمس سنوات زعموا، في غمرة أكاذيب تبدو بلا نهاية،
أنه سيكون للأمم المتحدة دور في إعادة الاعمار في
مرحلة ما بعد الحرب، مثلما زعموا بأن العراق سيكون
"النموذج" المحتذى به. غير أن "أسطع" الوقائع ترسم
صورة لعراق خرائب وأطلال ومعضلات مستعصية ومعاناة
للملايين من المعوزين والمحبطين.
ووسط جذوة أمل تحت رماد الفجيعة العراقية يتساءل
حائرون عن حق: من سيعيد إعمار الروح العراقية
المخرّبة، وهي المهمة الأكثر شأناً ومشقة وتعقيداً !؟
|