|
رالف ميليباند
الاشتراكية لعصر شكاك
ترجمة : نوال لايقة
مراجعة : د. غانم حمدون
الفصل الرابع
الاقتصاد المختلط ، الأسلوب الاشتراكي
-1-
تمثل الديمقراطية الاشتراكية في المجال الاقتصادي ،
كما في غيره ، توسيعا لنطاق الديمقراطية الرأسمالية
وتجاوزا لها .
التدخل الحكومي في الاقتصاد يمثل أفضل مثال لما نعني
بهذا . يسود في السنوات الأخيرة موضة تبشيع التدخل
الحكومي وتمجيد السوق وفضائله . ومع ذلك فان اعتماد
الرأسمالية على الدولة والتعويل عليها شكل أحد أوضح
سمات الرأسمالية خلال تاريخها الطويل منذ بدايتها وحتى
الوقت الحاضر .
فالدولة ، بطبيعتها نفسها ، لها دور حتمي في "الحياة
الاقتصادية" من خلال السياسات الخاصة بالميزانية
والضرائب التي لا يمكن رسمها وتنفيذها الا من قبلها .
لكن تدخل الدولة يتجاوز هذا بكثير ، لأن الدولة ، حتى
في أكثر الأنظمة حماسا ل " الاقتصاد الحر " ، هي التي
توفر للرأسمالية الحماية والمساعدة ، ليس فقط في
المجال السياسي ، القانوني ، الاعفاءات ، التعرفة
الجمركية ، التنازلات والامتيازات ، المقاولات ، انقاذ
البنوك وغيرها من الشركات من الافلاس ، الحماية من
المنافسة الأجنبية ، وكثير من الاجراءات الأخرى
المصممة لمساعد المؤسسات الرأسمالية . وكان على الدولة
أن تتدخل ايضا في الحياة الاقتصادية لحماية المجتمع من
النهب الذي تمارسه الرأسمالية التي لا يمكنها الاهتمام
بالتكاليف الفردية والجماعية التي يولدها منطق النظام
الرأسمالي . كان على الحكومات أن تنقذ الرأسمالية من
نفسها ، وأن تنشر من أجلها وعيا ومنطقا يساعدها على
البقاء والقوة ، لم تكن بقادرة ، لو تركت وشأنها ، أن
تنشره هي . باختصار ، ظل بقاء النظام الرأسمالي يعتمد
دوما على التدخل الحكومي في الاقتصاد ، ويجدر التأكيد
على شدة اعتماد الرأسمالية ، بصفتها نظاما للاستغلال
والتحكم ، على سلطة القمع الذي تمارسه الدولة .
في السنوات الأخيرة ، قام ايديولوجيو السوق داخل
الحكومات ، مدفوعين بأيديولوجيين من خارجها ، بمساع
محمومة لتقليص التدخل الحكومي الى حده الأدني عن طريق
الخصخصة وازالة الضوابط ، وتقليص القطاع العام لصالح
القطاع الخاص . ولكن حتى هؤلاء لم يتمكنوا من تحقيق
بعجة صغيرة في جبل المسؤوليات التي تفرضها عيوب
"الاقتصاد الحر" على الحكومات . فتضطر حكومات محافظة ،
مرة بعد مرة ، وبالضد من قناعاتها الدوغمائية ، الى
تخفيف ومعالحة عيوب الرأسمالية غير الخاضعة لضوابط.
وهي تفعل ذلك على مضض ودونما رغبة ، فتدفع هي ، أو
بالأحرى شعوبها ، ثمنا باهظا جراء هذا الموقف ، من
خلال التدهور الاقتصادي ، الاهمال الاجتماعي والمعاناة
الفردية . وتعتبر بريطانيا والولايات المتحدة مثالين
ممتازي الوضوح على الآثار الشنيعة لدوغمائية السوق
التي قادت حكومتي ريغان وتاتشر .
أما الحكومة الاشتراكية ، فسيكون لها دور تدخلي فعّال
، وسوف تعتبر التدخل في الحياة الاشتراكية ، مسؤولية
أساسية . الا أن غاية تدخلها مختلفا اختلافا أساسيا عن
غايات الحكومات المعادية للاشتراكية ، وسيأخذ هذا
التدخل أشكالا وصيغا مختلفة جدا . الحكومة الاشتراكية
، خلافا لتلك ÷ سوف تسعى الى تحويل الاقتصاد تماما ,
وليس فقط الى تحسي فعالياته والتخفيف من قصوره الجليّ
الصارخ . هذا لا يعني أبدا القول ان التدخل الحكومي
عندها سيكون بالضرورة سليما على الدوام ، فيحقق غايات
نافعة . ولكن الأخطاء التي ترتكبها حكومة اشتراكية
سيكون سببها هو الخطأ في تطبيق سياسات تسعى الى غايات
يمكن تبريرها اجتماعيا ، بعكس الغايات الضارة التي
كثيرا ما تسعى اليها الحكومات المحافظة .
-2-
ان نقل ملكية الشركات من الملكية الخاصة الى الملكية
العامة هو أكثر أشكال التدخل الحكومي شمولية . في
الماضي ، كثيرا ما لجأت حكومات محافظة وليبرالية ،
وحكومات يمينية تسلطية ، الى تدابير توسيع الملكية
العامة ، وخاصة في الخدمات الأساسية ، وقد تبنت حكومات
اشتراكية – ديمقراطية معتدلة في القرن العشرين ، في
كثير من الحالات ن برامج توسيع الملكية العامة . وفي
مرحلة من المراحل ، ساد بالفعل وفاق في صفوف اليسار ن
نظريا على الأقل ، حول ضرورة توسيع الملكية العامة
لتشمل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي
(1) . فكان من
المتفق عليه أن الراسماليين يجب ألا يحوزوا سلطة
اقتصادية كبيرة ، وأن على الحكومات أن تسيطر على
العتلات المحركة للنشاط الاقتصادي ، وأن جني الأرباح
الخاصة ليس معيارا مقبولا للنشاط الاقتصادي ، وأن
الديمقراطية الاقتصادية داخل شركة ما يمكن تحقيقها فقط
في ظل الملكية العامة . باختصار ، ان الملكية الجماعية
تشكل جزءا لا يتجزأ من تعريف الاشتراكية .
وهكذا فقد تركزت النقاشات في صفوف الاشتراكيين –
الديمقراطيين ليس حول ما اذا كان توسيع الملكية العامة
مرغوبا فيه ، بل حول المدى الذي يجب أن يبلغه هذا
التوسيع والأشكال التي يجب أن يتخذها . ففي حالة حزب
العمال البريطاني ، لم توجد حتى نهاية الخمسينات
معارضة صريحة للفقرة الرابعة من دستوره بما كانت
تحتويه من التزام الحزب بمبدأ الملكية العامة للوسائل
الأساسية في مجالات الانتاج والتوزيع والتبادل التجاري
(2) . تلك الفقرة وضع مسودّاتها سيدني ويب
Sidny Webb
عام 1918 فاندمجت بالدستور المعدّل لحزب العمال ، كانت
الغاية منها تهدئة نشطاء قواعد الحزب في حقبة تصاعد
الراديكالية بين صفوف القاعدة . غير أن تلك الفقرة لم
يكن لها قط أي تأثير على السياسات الفعلية للحزب .
ولكن ، وحتى نهاية الخمسينات ، لم يوجد سوى قلة من
المستعدين للتصريح علنا أن الالتزام بتحقيق الملكية
العامة فات أوانه ولا علاقة له بتحقيق الأهداف
الاشتراكية . حتى في نهاية السبعينات ، كانت أحزاب
اشتراكية – ديمقراطية ، مثلا في السويد ، أعتمدت خطة
مايدر (3)
لتوسيع الملكية العامة ، وفي فرنسا برز هذا الميل بشكل
اقوى في "البرنامج المشترك" لتحالف الاشتراكيين –
الديمقراطيين والشيوعيين احتل مكان الصدارة لتوسيع
الملكية العامة ، وتبنت الحكومة الفرنسية الاشتراكية
المنتخبة عام 1981 برنامجا كبيرا للتأميم .
لكن مع تصاعد الدعوة الهجومية لأيديولوجيا الليبرالية
الجديدة في الثمانينات ، وتقهقر اليسار أمامها ، تكاد
الملكية العامة تختفي من جدول عمل الأحزاب الاشتراكية
– الديمقراطية ، حتى باتت اليوم تتحاشى باصرار طرح
مبدأ الملكية العامة ، الا من خلال الاعتراف الحذر في
بعض الأحوال أن بعض أشكال الملكية العامة قد تكون
ضرورية . ولا يوجد حتى أي قبول جاد لفكرة العودة الى
الملكية العامة لمؤسسات التنى الارتكازية ، الخدمات
والمؤسسات الأخرى التي قامت الحكومات المحافظة
بخصخصتها . فاليوم ، أكثر من أي وقت مضى ، بات يعلن أن
الملكية العامة لا علاقة لها بالأهداف الاشتراكية ،
وأنها ضارة انتخابيا ، وهناك أيضا الرأي القائل أن
الملكية تتعرض الى تغير سريع ، مع تكاثر شتى المؤسسات
، مثل شركات التأمين والصناديق التقاعدية ، التي تملك
حصة من الأسهم آخذى في ازدياد ، مما يجعل الكثير من
الآراء التي حبّذت الملكية العامة فيما مضى ، تبدو
أفكارا عفا عليها الزمن . فوق ذلك ، ورغم هبوط نسبة
الأسهم في الملكيات الخاصة الا أن عدد الذين يملكون
هذه الأسهم اصبح أكثر من أي وقت مضى . فصار يزعم أن
"الرأسمالية الشعبية " ، وهو الوصف المتداول منذ سنوات
عديدة في أمريكا ن قد انتشرت الآن في جميع أنحاء
العالم الرأسمالي المتطور ، وقد تعززت كثيرا من خلال
الخصخصة .
هذا يتجاهل حقيقة أن الجزء الأكبر من ملكية الأفراد
للأسهم قد تركزت لدى عدد أصغر من الرأسماليين
(4) . ولكن على
أية حال ، هذا الرأي لا يأخذ بعين الاعتبار حقيقة أنه
، مهما كان شكل توزيع الملكيات ، فان السيطرة على
المشاريع والشركات تبقى مركّزة في أيدي مجموعة صغيرة
جدا من الأفراد ، يتركّز اهتمامهم الأساسي ، وعليه أن
يتركّز ، حول مصالح أصحاب الأسهم . ولا يتأثر هذا
الرأي أيضا بحقيقة أن هذه المجموعة الصغيرة نفسها
تسيطر على صناديق الادخار التقاعدي الضخمة . ثم ان
الخصخصة تقلص قدرة الحكومات على "التدخل" في النشاط
الاقتصادي . وأمست الضوابط التي تخضع لها الاحتكارات
الخاصة ضوابط محدودة وضعيفة بشكل عام ، وهذا مقصود .
ومن الأمثلة على تنازل الحكومات عن مسؤولياتها ، بفعل
الخصخصة ، نراه في قرار مايكل هيزلتاين ، وزير التجارة
والصناعة . في ت 1 عام 1992 ، يغلق 31 منجما وبذلك قذف
30000 عامل الى البطالة رغم استشراء البطالة على نطاق
واسع جدا . لكن الضجة التي اثارها قراره ساعدت على
الانقاذ المؤقت لبعض المناجم التي شملها القرار في
البداية ، ولكن النقطة التي اصر الوزير على تكرارها هي
انه لا يستطيع في "مجتمع حر" اجبار شركات الكهرباء (
المخصخصة حديثا ) على التعاقد " الخاسر " مع شركات
صناعة الفحم . في الواقع، كان بذلك يؤكد ، دونما قصد ،
أن من الصعب على حكومة ديمقراطية فرض سياسة تلائم
المتطلبات الاجتماعية ، التي لا تهم ادارات هذه
الشركات بل تعارضها ، ما لم تكن لهذه الحكومة ، في
المطاف الأخير ، سيطرة على قرارات اساسية تتخذها
الشركات . (5)
ينطبق الشيء نفسه انطباقا كبيرا على النظام المصرفي
والمؤسسات المالية . فلا يمكن وصف مجتمع ما بأنه
ديمقراطي اذا كانت القرارات المالية الهامة تتخذ من
قبل مجموعات صغيرة من الناس ليس لديها اية اعتبارات
ديمقراطية . تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية عن "
تدخل " الحكومة ، وهمها الأول هو أرباح المؤسسات التي
يسيطرون عليها . ان الأمور المصرفية والمالية لها من
الأهمية الخطيرة بحيث لا يمكن تركها تحت رحمة رجال
المال والبنوك ، لا يمكن لأية حكومة اشتراكية أن تقبل
أن تتعرض أهدافها التي نالت مصداقيتها بطريقة
ديمقراطية الى الاحباط على يد أشخاص كهؤلاء . فهم
ليسوا وصاة على المصلحة العامة ، ولا يمكنهم أن يكونوا
كذلك ن وما يؤكد ذلك هو الأخطاء التي تقع سياساتهم
فيها نتيجة سعيهم الحثيث الى ربح أوفر ( كما في
مراكمتهم للديون الميتة ) ، ناهيك عن كثرة الفضائح
والجنح المرتبطة بادارة البنوك والمؤسسات المالية
الأخرى .
ما أجمع أعداء الاشتراكية من ايديولوجيين ، سياسيين
ومعلقين ، المعادين على شيء مثل اجماعهم على نشر الرأي
القاتل بأن القطاع العام عرضة لعيوب كثيرة متأصلة
تشلّه . وقد خدمتهم تجارب الأنظمة الشيوعية السابقة
كثيرا في هذا الزعم ، فقد كانت المؤسسات العامة هناك
حبيسة داخل النظام التسلطي والاقتصاد الأوامري الشامل
. فعانتمن العيوب التي يلصعها الخصم بالقطاع العام
دوما. ودون الابتعاد كثيرا ، نجد أن تدربة الملكية
العامة التي تمت برعاية الأحزاب الاشتراكية –
الديمقراطية لم تكن أفضل تماما . فلم يكن في نية
القادة الاشتراكيين – الديمقراطيين في الحكم جعل
الشركات العامة أكثر من ملحق مساعد للشركات الرأسمالية
، وبأقل انحراف ممكن عن الخط العام للشركات نحو
التشريك تحت رقابة ديمقراطية
(6) . فدعوة حزب العمال الى القطاع الخاص
للمساعدة في تمويل مشاريع الاستثمار الخاصة بالبنى
التحتية تنسجم تماما مع هذا الاتجاه .
ثمة تحول أيديولوجي كبير جدا حدث في صفوف اليسار في ما
يخص تشريك الاقتصاد ، حتى كهدف بعيد المدى ، ولا بد من
الاشارة هنا الى أن هذا التحول سبق بوقت طويل تكاثر
الشركات المتعددة الجنسية ومما جعل التاميم يبدو غير
ممكن حاليا . واصبح الطرح البديل للتأميم هو اخضاع
الشركات الى مزيد من الضوابط . ولكن هذا لا ياخذ بعين
الاعتبار أن الضبط الذي تواجهه الشركات بمقاومتها
الشديدة ، يصبح مليئا بصعوبات لا يمكن تذليلها الا
بجهاز بيروقراطي ضخم وعقوبات عملاقة تردع من يخالف
الأنظمة . ففي بيئة ديمقراطية ، لا يكون للضوابط على
القطاع الخاص سوى فعالية محدودة واغير أكيدة . أما
الملكية العامة فيمكنها تجنب الكثير من المشاكل التي
تصادفها محاولة فرض هذه الضوابط، ولكن هذه الضوابط
ليست بديلا عن تحقيق الملكية العامة .
ان رفض أغلب الأحزاب الاشتراكية –الديمقراطية الفعلي
للملكية العامة كان معناه عمليا التخلي عن أية محاولة
أساسية لتحويل الاقتصاد وبالتالي تحويل النظام
الاجتماعي نفسه . وما يجعل هذا الرفض لا فتا بشكل أكبر
هو عدم وجود ما يبرره في طبيعة الرأسمالية نفسها .
فكما سنبيّن أدناه ، لم تكن السمات السلبية لتلك
التجربة سمات متأصلة في طبيعة الملكية العامة ، بل
كانت نتيجة لبيئة معادية بعمق لأية أهداف ما عدا
الأهداف التي يمليها منطق الرأسمالية
(7).
-3-
من أهم الانتقادات لمؤسسات القطاع العام أنها تقتل روح
المغامرة والابتكار ، وبالتالي تساعد على الركود ،
الاهمال وعدم الفاعلية . على سبيل المثال ،
Brus
و
Laski
وهما يكتبان من داخل الطيف اليساري ، يتساءلان فيما اذ
كانت روح المبادرة يمكن تصورها لدى مدراء يتحملون
نتائج المجازفة والمسؤولية ، وهم مجرد موظفين في مؤسسة
عامة هي نفسها عاجزة عن التصرف بروح المبادرة
(8) .
هناك عدة اجابات ممكنة على هذا التساؤل . احداها ان
هذين الكاتبين ينطلقان ، على ما يبدو ، من تأثر زائد
بسلبيات التجربة الشيوعية . فهما نفساهما يلاحظان
النتائج الاقتصادية السلبية لنظام سياسي يشل المبادرة
الفردية والاقدام على جميع مستويات السيرورة الانتاجية
، ويقيد اكثر ما يقيّد ، المدراء الذين يشكل قبولهم
للتوجيهات الآتية من الأعلى الشرط الأسهل لسلامتهم
(9) .
أما في دولة ديمقراطية اشتراكية ، فلن تدار الشركات
العامة بهذه الطريقة . والاجابة الأخرى على تساؤلات
بروس و لاسكي هي أن أغلب الموظفين الاقتصاديين في
الشركات الرأسمالية ليسوا مدراء يتحملون نتائج
مجازفتهم ، بل موظفون في شركة لا يملكون غالبا سوى حصة
صغيرة جدا من اسهمها . في حال المبادرة لهؤلاء ، يعرّض
هؤلاء انفسهم لبعض المخاطر ، تحديدا مخاطر فقدان
الوظيفة أو تخفيض الرتبة نتيجة أدائهم الأعمال بصورة
قاصرة . ولكن هذه المخاطر ضعيفة في المستويات الادارية
العليا . على اية حال ، تنطبق المخاطر نفسها ن أو يمكن
أن تنطبق ، على مدراء مؤسسات القطاع العام . ويمكن ان
تنطبق بشكل اكثر فعالية منها في حالة الشركات الخاصة ،
حيث تعمل فئة كبار المدراء ضمن بيئة محمية ، ويتنقلون
بسهولة من وظيفة عالية الشأن الى اخرى مماثلة . ولا
تطبّق العقوبات الشديدة سوى عند الاحتيال الفادح .
الاجابة الأخرى على التساؤل حول قدرة الملكية العامة
على اقامة وتطوير اقتصاد يتسم بالكفاءة والابتكار
نقتبسها ، يا للمفارقة ، من بلدان جنوب شرقي آسيا ،
فتجربتها تطرى كنموذج مشعّ للرأسمالية غير المكبلة
بالقيود .
وكان
&
Richard Abelbaum
Jeffrey Henderson
وآخرون ممن كتبوا في الموضوع نفسه قد استنتجوا أن
علينا "الاعتراف بأن سياسات الدولة وتاثيرها تشكل أهم
عامل مقرر في تحقيق المعجزة الاقتصادية لشرق آسيا "
(10) . فقد اتخذ تدخل الحكومات في الاقتصاد
أشكالا مختلفة في هذه البلدان ، وتنوع من حيث المدى
والسمات ، ولكنها تضمنت جميعا قطاعا حكوميا كبيرا
وقويا (11) .
واكثر ما يتضح هذا في التجربتين الكورية الجنوبية
والتايوانية . بالاضافة الى ذلك ، اقيمت صناعات في
القطاع الخاص ، من خلال ما قدمت الحكومات من دعم مالي
، ارشاد اقتصا دي ، حماية من الصناعات الأجنبية ،
تمويل مراكز ابحاث علمية ، وتوسيع التعليم . في جنوب
كوريا ن دشنت الحكومة كذلك اصلاحا زراعيا كبيرا أدى
الى "تحطم طبقة مالكي الأراضي وخلق عدد كبير من
المزارعين الصغار الذين ساعدتهم الحكومى على تحسين
الانتاجية الزراعية تحسنا كبيرا "
(12).
واليابان من أوضح الأمثلة على تدخل الدولة الناجح في
اقتصاد رأسمالي ، اذ تعود " معجزتها الاقتصادية " الى
هذا التدخل بشكل رئيسي . وكما لاحظ تشالمرز جونسون
Chalmers Johnson
، تشكل اليابان أفضل مثال موجود على اقتصاد السوق الذي
توجهه الجولة ، هذا التوجيه الذي يقدمه موظفو وزارتي
التجارة الجولية والصناعة (MITI)،
اللتين تقيمان علاقة مباشرة وحميمة مع الصناعات التي
تعتبرها "استراتيجية"
(13) ، كما لاحظ تشالمرز جونسون أيضا ، أن
تقدم اليابان يعطي مثالا جيدا على تفاعل قطاعين
متجاورين ، أحدهما عام ذو أهداف تنموية ، الآخر خاص
هدفه زيادة الأرباح الى الحد الأقصى . وقد اقتضى هذا
التفاعل توغل الحكومة في الاقتصاد على الصعيدين الكلي
والجزئي معا ، كما اقتضى استخدام النفوذ في قطاعات
اقتصادية برمتها ، صناعات برمتها أو شركات على انفراد
(14) .
ولكن لا يمكننا اعتبار هذه البلدان نموذجا يقتدى به
للديمقراطية الاشتراكية . فقد حدث التدخل الحكومي في
الاقتصاد الياباني في ظل نظام سياسي يدعوه تشالمرز
جونسون " نظاما تسلطيا باعتدال " يميزه حكم حزب واحد
بلا انقطاع ودرجة نفوذ وحرية متميزة يتمتع بها
الموظفون . كما أن النماء الاقتصادي الذي حققته "
النمور الأربعة " – تايوان ، كوريا الجنوبية ن
سنغافورة وهونغ كونغ - تحقق تحت رعاية انظمة تسلطية لم
تكن " معتدلة " على الاطلاق ن مما جعل التدخل الحكومي
الفعّال في الاقتصاد اسهل بكثير . وهذا يطرح سؤالا
حاسما ، الى اي مدى ستتمكن حكومة اشتراكية ن تعمل في
بيئة ديمقراطية تسمح بنشاط المعارضة ، من فرض ارادتها
على الشركات الخاصة ؟ الأرجح انها لن تكون ناجحة في
ذلك بقدر نجاح الأنظمة السلطوية . ولهذا فان الملكية
العامة لوسائل الانتاج تشكل شرطا لا مفر منه لاخضاع
القطاعات الأهم من النشاط الاقتصادي للسيطرة و للضوابط
الفعّالة . مع ذلك ، فان تجربة البلدان الآسيوية
المصنعة حديثا تتنامى رغم مواظبة أيديولوجيتي اليمين
على نشر حججهم حول ما ينتج عن التدخل الحكومي في
الاقتصاد ، وتوسيع القطاع العام , من عدم فاعلية
وعرقلة للمبادرات الفردية .
يجب الوصول الى الاستنتاج نفسه من خلال تجربة الملكية
العامة في البلدان الرأسمالية الديمقراطية ؟ فالمؤسسات
العامة في هذه البدان أثبتت مرة بعد أخرى انها قادرة
تماما على احراز القدر نفسه من النجاح الذي تحرزه
الشركات الخاصة من حيث الكفاءة . ان الدلائل توفر دعما
قويا للاستنتاج المتواضع لبوب روثورن وهاجون تشانج
بأنه " فيما يتعلق بالشركات الضخمة ، يمكن للقطاع
العام نظريا القيام بجميع النشاطات التي يقوم بها
القطاع الخاص بالفعالية نفسها "
(15) . وعلى هذا
الغرار كتب مؤلفو دراسة حول القطاع العام نشرت في مجلة
"أوروبا الغربية " في خاتمة الفصل الخاص بكفاءة القطاع
العام ملاحظين ان " موجة التاميم في فرنسا بعد عام
1981 ، والاتجاه الحالي نحو الخصخصة في عدة دول
اوروبية يمكن ارجاعهما الى اعتبارات سياسية ربما تفوق
المبررات الاقتصادية "
(16) .
يجب رؤية الاندفاع نحو الخصخصة كما هو فعلا – مشروع
سياسي يقوم على الرغبة في ، توسيع مدى القطاع الخاص ،
اضعاف مقدرة الحكومة على قيادة الحياة الاقتصادية وفق
معايير نحددها التشاور والقرار الديمقراطيان ، انه
مشروع لتعزيز "الرأسمالية الشعبية " وبالتالي تقوية
الميول المحافظة لدى اصحاب الأسهم الجدد ن عرقلة
محاولات اية حكومة يسارية القيام بتوسيع القطاع العام
والحصول على مورد مالي للحكومة من خلال بيع مؤسسات
القطاع العام ، الذي شبهه اللورد ماكميلان رئيس
الحكومة البريطانية الأسبق ببيع العائلة لأوانيها
الفضية .
ان الخصخصة طريقة حديثة ومتطرفة لتحقيق مطلب القطاع
الخاص بالخلاص من أي " تدخل " حكومي – طبعا ما عدا
الحالات التي تكون فيها مساعدات الحكومة للشركات
مطلوبة ، فحينئذ ينقلب التدخل الحكومي الى " سياسة
اقتصادية سليمة " .
يمكن للقطاع العام (اذا ما توفرت له البيئة المناسبة )
أن يحقق ، على الأقل ، ما يستطيع القطاع الخاص تحقيقه
ن كما ان المؤسسة العامة يمكنها عادة ، تفادي العيوب
التي تقع فيها الشركة الخاصة نتيجة خضوعها للاعتبارات
الضيقة الديمقراطية على النشاط الاقتصادي اكثر بكثير
مما يمكن للرأسمالية أن تفعل . وسنبحث هذه النقطة
لاحقا بشيء من التفصيل .
-4-
اذا ما هي المشاكل التي سوف تفرضها عولمة راس المال
على حكومة اشتراكية تهدف الى توسيع القطاع العام ؟:
يعتمد هذا ، الى حد بعيد ، على الشركات ، الصناعات ن
والخدمات المقصودة بالسؤال . فهناك فرق كبير بين
الشركات التابعة للشركات متعددة الجنسية وبين الشركات
الأخرى. مثلا ، كما يلاحظ روبن موراي
Robin Murray
فان " تأميم فرع شركة فورد في بريطانيا حاليا سوف يؤدي
الى سيطرة الحكومة على المصاهع بما فيها من وسائل
تجميع وتركيب اجزاء السيارات مع حرمان الفرع من
الأجزاء التي تنتجها فروع شركة فورد في اوروبا ، فضلا
عن كساد ما ينتج المصنع المؤمم من اجزاء لا تحتاجها
سوى شركة فورد الأوروبية من حيث الانتاج والتسويق "
(17) .
الحل ، كما يراه موراي ، قد يمكن في " دعم توسيع شركة
بريطانية للسيارات او تبني استراتيجية لاعادة بناء
المصنع المؤمم ان افتقرت البلاد الى شركة تنتج
السيارات " (18)
. يمكن لهذا ان يكون جزءا من برنامج الحكومة
الاشتراكية ، ولكن ، في الوقت نفسه ، لن يكون من
اولويات هذه الحكومة تاميم فروع الشركات الأجنبية .
يعتمد الكثير هنا على مدى ضخامة الجزء الذي تملكه
الشركات الأجنبية من الموارد الاقتصادية للبلد . ويشير
موراي الى ان جزءا هاما من الصناعة البريطانية مؤلف من
فروع لشركات تملكها جهات اجنبية
(19) . أما
الواقع ، فتعود الملكية الكلية او الجزئية للغالبية
العظمى من الشركات في بريطانيا الى بريطانيين ، ذلك
بالاضافة الى ملكيتهم للشركات الصغيرة نسبيا . وينطبق
الشيء نفسه على باقي البلدان الراسمالية المتقدمة ،
فهي تملك الجزء الأكبر من اقتصادها . رغم تغلغل
الشركات الأجنبية ، الأميركية واليابانية منها بشكل
خاص ن في القطاعات الصناعية ، التجارية والمالية
(20) .
ان السمة الأساسية لتبعية بلدان "العالم الثالث" هي أن
الشركات الأجنبية تسيطر على هذه القطاعات فيها ن ما
يجعل التاميم التام مشروعا صعبا للغاية من الناحيتين
الاقتصادية والسياسية معا . ان افضل المطامح في ظروف
كهذه هو تفاوض الحكومة الاشتراكية حول شروط جديدة
لممارسة الشركات الأجنبية لنشاطاتها داخل البلد ، من
ضمن هذه الشروط امتلاك الدولة لحصة تتوسع تدريجيا من
الشركة الأجنبية .
وفي الحالات التي تقتصر الملكية الأجنبية على حصة من
اسهم شركة ما ، يمكن تاميم الجزء الذي يعود الى مالكين
محليين ، وبالتالي خلق ملكية مشتركة بن الحكومة
والمساهمين الأجانب ن حيث يكون المسيطر هو القطاع
العام .
وهكذا ، فان عولمة رأس المال لا تشكل عقبة تقنية بوجه
تشريك جزء هام من الحياة الاقتصادية في البلدان
الرأسمالية المتقدمة ن رغم أن هذه العولمة يمكن ان
تواجهنا بمشاكل اخرى . فقد تقرر الشركات الأجنبية
ايقاف عمل الشركات المحلية التابعة لها ، ليس لأن هذه
الشركات تواجه خطر التأميم ن بل لأن هذه الشركات
الأجنبية لم تعجبها كل توجهات سياسة الحكومة وتخشى
عواقبها . وسيكون على الحكومة ان تقرر ما اذا كان
استبدال هذه الشركات الأجنبية بشركات أخرى محلية
الملكية ، ممكنا . وقد تفكر هذه الشركات محلية الملكية
بالهجرة أيضا ، وسيكون على الحكومة الاشتراكية أن تقرر
منعها او السماح لها بالهجرة .
ولا بد من الاشارة ايضا الى أن التشريك اذ يعتبر ممكنا
من الناحية الفنية ن غير ان سرعته لا تتحدد بذلك .
الهدف هو تحقيق تشريك الجزء الأكبر من وسائل النشاط
الاقتصادي ، لكن سرعته تختلف من حالى الى أخرى لأنها
رهن بكثير من الاعتبارات ، ان اية حكومة اشتراكية
تنتخب نتيجة موجة عظيمة من التاييد الشعبي ، سوف ترغب
دوما بتدشين اعمالها بتطبيق برنامج التشريك الذي
التزمت به . من ناحية اخرى ، فان برنامجا واسعا
للتشريك ( او الرجوع عن الخصخصة ) يخلق مشاكل كثيرة ن
على الحكومة الاشتراكية ان تكون بعيدة النظر وتعتبر
التشريك سيرورة طويلة الأمد تستمر لسنوات عديدة ،
فتعتمد على خطط بارعة الاعداد ، قابلة للتكييف .
بالاضافة الى جميع المشاكل التي سوف تواجه الحكومة
الاشتراكية ن سيكون عليها ان تقرر التعامل مع مسألة
التعويضات لأصحاب الأسهم في الشركات التي تقوم
بتأميمها . فلا يمكن لحكومة تم انتخابها ديمقراطيا أن
تتبنى سياسة المصادرة ببساطة ، على الأقل لأن هذا
الاجراء سيكون ظالما للكثير من المستثمرين الصغار،
والذين من بينهم الكثير من العاملين بأجور . من ناحية
أخرى ن فان الالتزام بدفع التعويضات الكاملة فورا يرهق
الحكومة بأعباء تؤدي الى هللها وهي في امس الحاجة الى
المال في مجالات أخرى . ربما يكمن الحل في دفع
التعويضات على شكل سندان يمكن استردادها خلال فترة
طويلة, ويجب التفريق بين المساهمين الكبار والمساهمين
الصغار ، مع تسهيلات للاسراع في استرداد سندات
المستثمرين الصغار .
مهما سعت الحكومة الى الأناة في سيرها ، لا بد
لاجراءاتها من أن تولد معارضة داخلية قوية ، ومعارضة
اكثر عنادا من قبل الحكومات الملتزمة بسياسات ليبرالية
جديدة . ومن قبل المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد
الدولي ، البنك الدولي ن المفوضية الأوروبية والمؤسسات
الدولية الأخرى ، التي تعتبر تدخل الحكومة في الاقتصاد
والتشريك خطيئتين قاتلتين . وسوف نناقشطريقة تعامل
الحكومة الاشتراكية مع هذه المعارضة باسهاب في الفصل
السادس .
-5-
سيتألف الاقتصاد الاشتراكي من ثلاثة قطاعات متميزة .
اولا ن سيكون هناك قطاع عام مهيمن ومتنوع . ثانيا ،
سيوجد قطاع تعاوني كبير وآخذ في الاتساع . ثالثا ، سوف
يبقى قطاع خاص كبير ، يتألف بشكل أساسي من شركات صغيرة
ومتوسطة تلعب دورا هاما في توفير البضائع ، الخدمات
ووسائل الترفيه والراحة .
ان القطاع العام في بيئة اشتراكية سيتخذ اشكالا مختفة
، من وحدات اقتصادية تابعة بادارتها وملكيتها اما الى
الحكومة المركزية أو السلطات الاقليمية أو المحلية ،
وتتم ادارتها بطرق ديمقراطية متنوعة تبعا لطبيعة
نشاطها ، وتبقى عرضة مصادر بديلة تقدم البضائع
والخدمات ، سواء كانت المنافسة من شركات أخرى في
القطاع العام أو من شركات خاصة .
ستتمتع مؤسسات القطاع العام بدرجة عالية من
الاستقلالية في ادارة شؤونها . ولكن لا يمكن للآمر أن
يبلغ درجة الاستقلال التام – فالاستقلال التام غير
ممكن حتى للشركات الرأسمالية داخل انظمة راسمالية
ملتزمة بالاقتصاد الحر . ان الحكومة الاشتراكية ستريد
الاحتفاظ بالقرار الحاسم في عدة مجالات كي تضمن
الانسجام مع سياساتها الاقتصادية العامة واهدافها ،
والاذعان لاهتمامها بشؤون الصحة والسلا مة وفرص العمل
وحقوق العمال . ستتمتع الحكومة بسلطة عليا لا تسرف في
ممارستها ، سلطة التدخل في امور الاستثمار ، التسعير ،
تحديد المواقع وقضايا أخرى هامة تتجاوز مجالات اهتمام
الشركات ، حتى شركات القطاع العام . سيكون هناك صراع
بينها وبين الحكومة ، قائم على أساس الاختلاف الذي
يمكن أن يظهر بين مصالح الشركة كما تقدرها الادارة
والعاملون فيها . وبين السياسة الاقتصادية للحكومة .
يقول اندريه غورز
Andre Glorz
، "لا يوجد ، حتى الآن ، علم ادارة غير علم الادارة
الراسمالي . والسؤال الوحيد هو ، الى اي حد يجب أن
يخضع معيار العقلانية الاقتصادية الى المعايير الأخرى
داخل الشركات وفيما بينها ... يجب تصور الاشتراكية على
أنها تضمين العقلانية الرأسمالية بخطة عمل رسمت
ديمقراطيا ، لتخدم في تحقيق أهداف ثم تحديدها
ديمقراطيا ، ويجب طبعا أن تجد انعكاساتها في قصور
العقلانية الاقتصادية داخل الشركات
(21).
ان هذه النقطة ملائمة لمؤسسات القطاع العام ، ومن
الواضح أنها مصدر لنزاع محتمل .
كذلك ، سيخضع مدراء شركات القطاع العام والقيمون عليها
الى الرقابة من قبل جهات مختلفة – النقابات والمجالس
العمالية . اللجان التابعة للهيئة التشريعية ، جمعيات
حماية المستهلك بالاضافة الى الصحافة . هذه هي مواصفات
فكرة الاستقلالية التي يتطلبها أي نظام ديمقراطي على
انها صنع قرارات من قبل عدد قليل من الأشخاص الذين
يتراسون مؤسسة اقتصادية ن دون خضوعهم الى درجة كبيرة
من الرقابة الديمقراطية . وفي سياق كهذا يجب الافتراض
بأن شركات القطاع العام سوف تمارس ، بشكل طبيعي ، أكبر
قدر ممكن من المشاركة في تحديد سياسة الشركة من قبل
جميع العاملين في الشركة الذين يرغبون بذلك، ومنح سلطة
حقيقية للعاملين فيما يتعلق بجميع القضايا التي تؤثر
عليهم بشكل مباشر – مثل قضايا الصحة والسلامة ، سيرورة
الانتاج ، ظروف العمل .... الخ . ومن اهم الأهداف
الأساسية لتحول شركات القطاع الخاص الى القطاع العام
هو التأثير الحاسم على " علاقات الانتاج " وخلق شروط
تقارب قدر الامكان ما اطلق عليه ماركس " الرابطة الحرة
بين المنتجين " .
لكن من الجدير بالملاحظة ايضا ان هناك مصدرا للتوتر
ينجم عن المصالح المتناقضة . فما دام التمييز قائما
بين الادارة والعاملين في الشركة ، لا بد من وجود نزاع
بين امتيازات الادارة من ناحية وحق العاملين في
المشاركة من ناحية أخرى . ميزة شركات القطاع العام في
مناخ ديمقراطي اشتراكي انها ستميل الى حل الخلافات
التي تنشا داخلها دون مجابهات حادة ، ولكن احتمال نشوء
مثل هذه المواجهات لا يمكن اسقاطه من الحساب . فحقوق
الادارة كانت دوما موضع نزاع حاد ، والادارة تتمسك
بسلطتها وتحاول ألا تتنازل سوى عن أقل ما يمكن منها ،
وليس هذا بمستغرب ، اذ أن مصالح المدراء تتعارض جوهريا
مع مصالح مرؤوسيهم . لن يوجد مثل هذا التعارض الجوهري
في المصالح بين الطرفين في القطاع المشرّك من الاقتصاد
. فللمرة الأولى ، سينشأ انسجام اصيل في مصالح جميع
العاملين في الشركة ، بصرف النظر عن موقع كل منهم في
سيرورة الانتاج ، ويتوقع أن يولّد هذا الانسجام روحا
ضمن الشركة مختلفة عن الروح التي تسود عادة في الشركات
الرأسمالية . هذا لا يعني ان المؤسسات المشرّكة سوف
تنعم بالوئام والهناء الدائمين ، الا أنها النمط
الوحيد من المؤسسات الذي يمكن لوحدة الهدف والغاية فيه
أن تكتسب معنى حقيقيا .
لا تشكل الشركات الحكومية ، كما أشرنا سابقا ، الا
جزءا من القطاع العام ، ويتكون الجزء الآخر من عدد
كبير من الأنشطة التي تتولاها السلطات الاقليمية
والبلدية ، وخاصة ما يتعلق منها بتوفير الخدمات ووسائل
الراحة . ولا شيء جديد في هذا بالطبع ، فالسلطات
الاقليمية والبلدية في بلدان كثيرة تتولى أمور المسارح
، دور الأوبرا ، المساكن ، المطاعم ، مراكز الرعاية
النهارية للصغار ، المخيمات الصيفية ، المسابح ووسائل
الترويح بجميع أشكالها – بصرف النظر عن الخدمات التي
تؤديها كجزء من واجباتها التشريقية . لكن الديمقراطية
الاشتراكية ستوسع مدى هذه السلطان ، كما ستعمل على أن
ينطوي نشاطها على أكبر قدر ممكن من مشاركة المواطنين .
وستشرف السلطات الاقليمية والمحلية على نشاط الكثير من
الشركات الصغيرة والمتوسطة الواقعة ضمن منطقة عملها
والقائمة على "تخصص مرن" . كان هذا الاشراف احدى
السمات الأساسية لتطوير الاقتصاد خلال الثمانينات
فتولت السلطات المحلية والاقليمية تقديم مجموعة من
الخدمات المتنوعة لهذه الشركات . كما أشار أحد الكتاب
: "للسلطات المحلية ، البنوك ، جمعيات أرباب العمل
والنقابات العمالية ، تعمل جميعها معا من أجل ضبط
الاقتصاد المحلي وتؤمّن حصول الشركات الصغيرة الجماعي
على الخدمات الأساسية بدءا بمبنى المصنع ، قروض
التمويل ، التسويق وأنتهاء بالتدريب على البحث
والتطوير والتأهيل الفني"
(22) . في هذا
المجال أيضا ، ستقوم الاشتراكية بتشجيع هذا التعاون
اللامركزي بين السلطات الاقليمية والمحلية من جهة
والشركات من جهة اخرى
(23) .
في هذا السياق ، بوجه اعم ، ستهتم أية حكومة اشتراكية
بتقوية قطاع اقتصادي ىخر ، وهو تحديدا القطاع التعاوني
في حقل الانتاج والتوزيع ، وفي مجال توفير الخدمات .
تلعب التعاونيات الآن دورا ثانويا للغاية في اقتصاد
البلدان الرأسمالية (24)
. ستأخذ أية حكومة اشتراكية على عاتقها مهمة مساعدة
التعاونيات على لعب دور اقتصادي اكثر أهمية بكثير مما
سعت اليه الأنظمة البورجوازية في تاريخها
(25) .
وكما اشرنا سابقا ، سوف يضم الاقتصاد ، حتى بعد تشريكه
على نطاق واسع ، عددا كبيرا من الشركات الصغيرة
والمتوسطة الحجم التي يملكها ويديرها أفراد مستقلون .
ان قبول وجود شركات كهذه لفترة غير محدودة من الوقت –
كسمة دائمة ومرغوب فيها – لا بد أن يزعج الطهريين .
ولكن يجب ملاحظة أن قطاعا خاصا من هذا النوع يتمتع
بعدد من المزايا . فهو يخلق عنصرا جديدا من التنافس
على تقديم البضائع والخدمات ووسائل الترويح . كما يوفر
فرصة للأفراد الذين يميلون الى تجريب حظهم في اقامة
مشاريع مستقلة وتقديم بضائع وخدمات جديدة . لن يتوقف
النظام الاشتراكي عند قبول هذا النمك بل سيتجاوزه الى
تشجيع مثل هذه المبادرات الفردية . ولكنه سوف يسعى ان
يبقى القطاع الخاص جزءا ثانويا من الاقتصاد ككل .
-6-
ما موقع التخطيط والسوق في الاقتصاد الاشتراكي ؟
أول ما يجب قوله عن التخطيط في الديمقراطية الاشتراكية
هو أنه لن يشبه في شيء نموذج التخطيط الستاليني الكلي
، الشامل والتفصيلي ، بحيث يتوجب على جميع المؤسسات أن
تعمل وفق الخطة ، دون الرجوع الى السوق . ولا يعبّر
هذا عن مفهوم التخطيط الذي نشأ بعد الثورة البلشفية .
يشير ( أليس نوك ) الى أن تروتسكي قد قال عام 1922 في
معرض حديثه عن "فترة انتقالية " ، " الضروري لكل مصنع
تعود ملكيته الى الدولة ومن الضروري لمديره التقني
أيضا أن يخضعا ليس فقط الى السلطة العليا – سلطة أجهزة
الدولة ، بل لسلطة السوق ايضا ، الذي سوف يبقى لأمد
طويل المنظّم لاقتصاد الدولة "(26)
. كما يشير دافيز
R.W.Davies
الى أنه "حتى عام 1928 ، أفترض الجميع أن على الخطط ان
تنسجم مع توازنات السوق ، ومع علاقة اقتصادية غير
قسرية مع الفلاحين "
(27) .
لقد أهمل التخطيط الستاليني كل هذه المواصفات . ومن
السائد الآن النظر اليه على أنه كارثة شاملة ، وقد كان
فعلا كذلك من حيث الخسائر البشرية والمادية الفظيعة
التي اقتضاها . ولكنه كان اكثر فعالية في وضع الاتحاد
السوفيتي –والدول الشيوعية الأخرى فيما بع – على طريق
التصنيع السريع وهو أمر يعترف به عموما . والواقع أن
انجازاته ، من حيث الكم تحديدا ، كانت مذهلة كما يقول
بول كيندي " أولا في انتاج الفولاذ ، الحديد الخام ،
الفحم ، النفط ، الأدوات والآلات ، القطارات
الكهربائية وقطارات الديزل ، الاسمنت ، الأسمدة
المعدنية ، الجرارات ، الأحذية ومنشآت البناء مسبق
الصنع " بالاضافة الى "النظام التعليمي الأوسع شمولا
في العالم" و توفير "الأطباء الناشطين أكثر من أي بلد
آخر في العالم" (28).
غطى هذا النجاح في التخطيط السوفييتي على الكلفة
والهدر اللذين لازماه ، كما ساعد هذا النجاح كثيرا على
انتشار شعبية فكرة التخطيط أثناء الثلاثينات ، وساعد
على هذا الانتشار عنصر التخطيط الذي مارسته الحكومات
في الغرب اثناء الحرب العالمية الثانية وخلال سنوات
اعادة البناء التي تلتها . اشار ستيوارت هولاند في
كتاب نشر عام 1978 الى أنه حتى "في الستينات ، كانت
جميع البلدان الأوروبية الغربية المتقدمة ملتزمة بشكل
ما من اشكال التخطيط الاقتصادي –باستثناء ألمانيا
الغربية-" وهو يعرّف هذا التخطيط بأنه "مكوّن من أهداف
توجيهية ومساعدات وحوافز "
(29) . وسرعان ما تغيرت الموضة بعد ذلك .
وما يلاحظ هولاند أيضا : "في السبعينات كان الابتعاد
شديدا عن التخطيط" وازداد هذا الابتعاد في الثمانينات
.
ولكن هذا الكلام مضلّل نوعا ما . "رغم كل خطاباتها ،
فان جميع حكومات البلدان الراسمالية المتقدمة تلتزم في
الواقع بدرجة معينة من درجات التخطيط مهما كان حماس
هذه الحكومات ل "الاقتصاد الحر" ، لاقتصاد السوق ولعدم
التدخل الحكومي في الحياة الاقتصادية . ان الحكومات ،
مهما كانت طبيعتها ، مضطرة الى تحديد أهداف لمجموعة من
المشاريع التي لا بد من أن تتولاها ، ولا بد لها من
تحديد الموارد اللازمة لهذه الغاية . ان خطة الدفاع
مثال واضح ، فمن الضروري وضع خطة لتطوير وانتاج
الأسلحة ، الدبابات ، الطائرات ، السفن الحربية
....الخ ، تمتد هذه الخطة الى سنوات بل عقود قادمة .
يصح القول نفسه على برامج انشاء الطرقات ، المطارات ،
بناء المدارس ، المستشفيات والسجون ....الخ . ولا يهم
ان استخدمت الحكومة من أجل ذلك شركات عامة أو خاصة ،
الا من ناحية أن الشركات العامة يمكن محاسبتها بسهولة
اكبر من محاسبة الشركات الخاصة . وقلما تستغلّ الشركات
العامة هذا العمل في تحقيق الأرباح الفاحشة التي ميزت
دوما الشركات الخاصة عند تعاملها مع الحكومة .
فالحكومات الرأسمالية تهتم كثيرا بقضايا الكلفة ،
الكفاءة ومواعيد التسليم ، رغم أن نظام رقابتها ضعيف
عموما . والحكومات هي التي يجب أن تقرر الأولويات
وتقوم بالتخطيط لضمان بلوغها . وعندما تهمل الحكومة
هذا الالتزام ، تكون النتائج وخيمة . حول ذلك ، كتب
روبرت هيلبرونر
R.
Heilbroner
عام 1991 ، فيما يتعلق بالولايات المتحدة " ان جميع
البنى الارتكازية من شوراع ، طرقات سريعة ، جسور ،
أنفاق ، مطارات ، منشآت ملاحية ، وشبكات المياه
والمجاري ، قد تعرضت على مدى العشرين عام الأخيرة ،
للتدهور المستمر بسبب عدم تخصيص الأموال اللازمة "
(31) . ولا يمكن
أن نتوقع أن يقوم "السوق" بالتعويض عن اهمال الحكومة .
فليس من مهام الشركات الخاصة أن تقوم بمشاريع هي أصلا
من مسؤوليات الحكومة ، ولا يمكن توقع ذلك منها . ان
قوى السوق تحديدا هي التي تبعد الشركات عن الاستثمار
في المشاريع الضرورية لرفاه المجتمع ، التي لا تبشر
الشركات بالربح .
ان التخطيط المفضل بدى حكومة اشتراكية يشمل تحديد
أهداف قطاعات اقتصاد أساسية مثل البنى الارتكاية ،
الخدمات ، المنشآت العامة ، وعناصر أساسية أخرى في
سيرورة الانتاج ، بالاضافة الى توفير التأهيل والتدريب
، التعليم ومجموعة من الخدمات الأخرى . ستخضع هذه
الأهداف دوريا الى اعادة التقييم والتعديل حسبما تتطلب
الظروف ، وسوف يتم انجاز هذه الأهداف من خلال كل من
التخطيط التوجيهي والتخطيط الالزامي ، فتستخدم الحكومة
شتى الحوافز والضغوط بالاضافة الى التعليمات في سبيل
تحقيق الأهداف التي تمّ تحديدها بأسلوب ديمقراطي .
ان لليابان وفرنسا خبرة كبيرة في مجال تحديد الوسائل
التي في متناول الحكومة اذا أرادت أن تلعب دورا
ايجابيا في قيادة النشاط الاقتصادي . كتب مارته كيف
M. Cave
وبول هير
P. Hare
" في اقتصاد مختلط كاقتصاد فرنسا ، تكون قدرة السلطات
على تنفيذ الخطة ، محدودة"
(32) . رغم ذلك
، استطاع تيار التخطيط "التوجيهي" في عهد النظام
الضعيف نسبيا في الجمهورية الرابعة أن يبلغ ما أراد
تحقيقه . وبحلول أواسط الستينات ، في عهد الجمهورية
الرابعة أن يبلغ ما أراد تحقيقه . وبحلول أواسط
الستينات ، في عهد الجمهورية الخامسة ، لم يعد التخطيط
أداة أساسية من أدوات السياسة الاقتصادية . ولم يحاول
نظام ميتران أن يعطي قوة جديدة للتخطيط . لكنه وضع
"برنامج أولويات" ، كما في الخطة التاسعة للسنوات 1983
– 1988 ، التي تضمنت أهدافا مثل تحديث الصناعة ،
التعليم والتدريب ، تطوير صناعة وسائل الاتصال ن سياسة
التشغيل وما الى ذلك . ولم يكن لهذه الخطة تأثير كبير
على سياسات الحكومة الحريصة على التقشف وتخفيض النفقات
. أما حكومة اشتراكية من طراز آخر ، فسيكون لها
"برنامج أولويات " أيضا ، لكنها ستنفذ هذا البرنامج
بروح مختلفة جدا .
سيكون الأسواق مكان محدد ضمن اقتصاد يغلب عليه التشريك
. ولن تكون قوى السوق ، في اقتصاد كهذا ، العامل
الحاسم في الحياة الاقتصادية . ان خضوع الاقتصاد الى
قوى السوق دونما ضوابط يعني تنازل الحكومة والمجتمع
الذي يؤازرها عن المسؤوليات في تقرير ما يجب عمله من
أجل المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية. فهذا التنازل
يعني حقا عودة "اليد الخفية" للسوق ، وعودة الافتراض
الخاطىء ، كما أثبتت أدلة كثيرة، أن ما يمليه السوق
يؤدي حتما الى الخير العام . فالاقتصاد الاشتراكي لن
يخضع الى التقديس الأعمى للسوق .
سيكون من أهم أهداف حكومة اشتراكية تعمل ضمن اقتصاد
يغلب عليه التشريك ، توسيع نطاق ما لا يخضع لقوى السوق
في الاقتصاد، مثل مجانية الخدمات حاليا في البلدان
الرأسمالية ، وهي ، الى حد كبير ، ثمرة الضغوط الشعبية
في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية ، من أجل
ضمان الحق في الحصول على الخدمات الصحية ، التعليم
والخدمات الأخرى بالمجان باعتبار ذلك حقا أصيلا في
المواطنة لا علاقة له بقدرة المواطن على الدفع . عن
ذلك يقول أندرسون : "ان المعيار البارز للحقوق
الاجتماعية يجب أن يكون في مدى تمكينها المواطن من جعل
مستوى معيشته مستقلا عن قوى السوق"
(33) . ان هذا
المفهوم للمواطنة يشكل فارقا أساسيا بين الاشتراكية
والنظم المحافظة ن حيث تهتم الأخيرة بتخفيض مساحة
الخدمات المجانية وتطبيق المبدأ القائل ان تقديم
الخدمات المجانية يجب أن يقتصر على أفقر أفراد المجتمع
حسب معايير صارمة . وما خصخصة المجالات الخدمية الا
جزء من هذا المسعى . يقول
Alice Nove
، ان تأمين "الخدمات الصحية ، التعليم ، السكن الشعبي
، البريد ، وسائل النقل العامة ، حماية البيئة ،
التزويد بالمياه ، انارة الشوارع وتنظيفها ، الحدائق
.... الخ ليست غايته ، ولا يجب أن تكون غايته جني
الأرباح " (34)
. ولا يمكننا التحديد المسبق لمدى وسرعة هذا التوسيع
للخدمات (مع العلم أنه لا يعتبر ثوريا ) . من جهته ،
يضيف ارنست ماندل الى هذه اللائحة "الخدمات الثقافية
والاعلامية (الاتصالات) فضلا عن تأمين الطعام واللباس
الأساسيين" ويلاحظ أن هذه الاضافة ستجعل اللائحة
المذكورة تغطي ما يعادل "70% الى 80% من الانفاق
المدني في البلدان الصناعية في العالم "(35)
. ربما يتجاوز هذا حدود الممكن في المستقبل
القريب ، ولكن التأمين المجاني لمساحة واسعة من
الحاجات الحياتية يمثل جزءا اساسيا من
الاشتراكية . ولا يعني هذا فرض تماثل في الاستهلاك
وحرمان المواطن من حق الاختيار . وليس الهدف من تأمين
الخدمات بالمجان خلق "ديكتاتورية على الحاجا" كما أن
هذه المجانية لا تتعارض مع توفير أنواع عديدة من
البضائع والخدمات التي تبقى خاضعة للسوق .
ان النظام الاجتماعي الذي لا تخضع الحاجات والخدمات
الأساسية فيه الى قدرة المواطن على الدفع سيخلق الوضع
المؤاتي لانتشار وازدهار الشعور بالانتماء الى الجماعة
في المجتمع ككل ، ويغني حياة الفرد والمجتمع على حد
سواء ، كثيرا ما تعرّضت فكرة "الحاجات الأساسية "
للانكار من قبل الكتّاب المعادين للاشتراكية وذلك باسم
نسبية زائفة تماما . وهكذا يتحدث كاتب من هؤلاء وهو
John Gray
عن "عدم امكانية المقارنة والقياس بي الأفضليات والقيم
في المجتمعات الحديثة التي تتميز بالتنوع في أسلوب
الحياة وفي التقاليد"، وهو ، حسب زعم الكاتب " ما
تتجاهله نظريات الاحتياجات الأساسية أو السلع الأساسية
، فهذه النظريات تفترض أن من الممكن تلبية هذه الحاجات
والسلع من قبل مؤسسات تخضع في طريقة عملها لرقابة
ديمقراطية " : انه يرفض ذلك لأن "تعيين مرتبة الحاجات
والسلع الأساسية يثير خلافا مستعصيا على المعالجة
بالمنطق ... وان مضمون وتعريف الحاجات نفسها يختلف
باختلاف التقاليد واساليب الحياة "
(36). لا توجد
في الواقع اية مشكلة حقيقية في تحديد الحاجات الأساسية
، باعتراف المؤلف نفسه في مقالة أخرى
(37) . قد يكون
هناك جدل يتعلق بالمدى الذي يجب ان تمتد اليه قائمة
الحاجات هذه ، ولكن من الممكن تماما تسوية ذلك
الاختلاف (38)
.
من الواضح بالطبع ، أن تكاليف مثل هذه الخدمات والسلع
التي توفر بالمجان أو بسعر مخفّض ، ستغطيها شتى
الضرائب المباشرة وغير المباشرة . لقد حوّلت عقيدة
الليبرالية الجديدة الضريبة المباشرة الى أكثر
التعابير مدعاة للكراهية في قاموسها . لكن القاضي
فرانكفورتر قال ذات مرة : "الضرائب تشتري المدنيّة" .
مع ذلك ، فان الضرائب سوف تبقى غير مستحبة ، ولكن يمكن
جعلها مقبولة بتوزيع عبئها بشكل عادل . وسيكون ذلك
هدفا رئيسيا لأية حكومة اشتراكية . وفي المرحلة
الانتقالية أي قبل انهاء الملكيات الضخمة والمداخيل
المفرطة ، سيلقى على أصحابها العبء الأكبر من الضرائب
وستقوم الحكومة الاشتراكية أيضا بسد الثغرات الكثيرة
التي تلجأ اليها الشركات للهرب من دفع كل أو بعض
الضرائب المترتبة عليها . فالهدف هو الانتقال الى
أوضاع يكون فيها التفاوت الكبير في الثروات والمداخيل
، المعتاد في المجتمعات الرأسمالية ، في تقلص مستمر ،
مما سيجعل الغالبية العظمى تنظر الى الضرائب المباشرة
وغير المباشرة على أنها ثمن لا بد من دفعه مقابل
الخدمات والضمانات التي تفيدهم وتفيد المجتمع ككل .
في الستينات والسبعينات ، حين كانت النقابات قوية
نسبيا ومتأثرة بنضالية أعضائها ، تم بذل الجهود
الكبيرة في الدول الراسمالية (لا سيما من قبل الحكومات
الاشتراكية – الديمقراطية) لتنفيذ سياسة خاصة
بالمداخيل تقوم باحتواء وتهدئة مطالب زيادة الأجور .
ففي هذا الحقل على الأقل ، كانت قوى السوق ضارة ب
"المصلحة الوطنية" ، أحرزت تلك الجهود درجات مختلفة من
النجاح .
ولكن معى هذا النجاح كان وقوع العبء الأساسي لتلك
السياسة على العاملين بأجور . وكما يحدث دائما في
السياق الرأسمالي ، وقع عليهم الأثر الضار لتلك
السياسات بدلا من ان تقع على أصحاب الشركات وذوي
المداخيل الكبيرة . في الثمانينات وبداية التسعينات ،
عانت الأجور أشكالا مختلفة من الضغوط : كالبطالة
ومحاربة الحقوق النقابية ، (في بريطانيا وأماكن أخرى)
، و كنتيجة لذلك ، تراجعت نضالية العاملين بأجور .
ان حكومة اشتراكية تعمل بوضوع من أجل أهداف مساواتية ،
وتتعرض الى ضغط وتعاني من ضغوط تضخمية قوية لا بد لها
من أن تخففها ، يمكن ألا تلجأ الى سياسة خاصة
بالمداخيل مشابهة للنمط القديم . ولكن ، ضمن مساعيها
للحد من الطلب على السلع والخدمات ، لا بد أن تتوصل
الى بعض التفاهم مع النقابات ومع العاملين بأجور عموما
، وخاصة من منهم في موقع تفاوضي قوي ، من أجل اقناعهم
بالحد من مطاليبهم الأجرية وغيرها. قد يبدو قولنا غير
واقعي الى حد مضحك . ولكن ذلك يتجاهل حقيقة أن
الحكومةالاشتراكية سينظر اليها بصفتها تناضل من أجل
اقامة مجتمع عادل وأنها سوف تحدّ ايضا بقوة من زيادة
الرواتب الضخمة والامتيازات المالية الأخرى التي يتمتع
بها كبار المدراء وغيرهم من أصحاب النفوذ . ولا بد
انها ستحاول التأكيد على أن الذين يعملون في خدمة
الدولة يجب ان يتقاضوا رواتب مناسبة . الراي المباشر
الذي سنسمعه ردا على هذا هو أن هذه السياسة سوف تؤدي
الى ابتعاد أفضل الكفاءات من خدمة الدولة . وتؤدي كذلك
الى "هجرة الأدمغة " الى البلدان التي تدفع لهم
أجوراأعلى بكثير . في الواقع ، من المحتمل أن عددا
كبيرا من أصحاب الكفاءات العالية سولف يختار ان يبقى
ويساعد في عملية البناء الاجتماعي الجارية . وعلى أية
حال ، ان الأشخاص الذين لا يجذبهم الى العمل في الدولة
او شركات القطاع العام الا الرواتب الضخمة ليسوا
الأشخاص المنشودين . والواقع أن من المعقول ان تتوقع
ان الغالبية العظمى من المواطنين سوف تختار . على مضض
أو بدونه ، تقبّل الظروف الجديدة ، على الأقل لأن هذه
الظروف الجديدة ، على الأقل لأن هذه الظروف الجديدة لن
تحكم عليهم بالفقر المدقع .
-7-
على ضوء ما قيل في هذا الفصل ، ما هي التغيرات
الأساسية التي ستنتج عن اقامة الاقتصاد المشرّك ؟ قبل
الاجابة على هذا السؤال يجب الاشارة الى نقطة كررناها
في سياقات اخرى ، ومفادها تحديدا اننا لا نذّعي أبدا
أن التغيير الحاصل سيقود تلقائيا الى عالم جديد خال
تماما من شرور العالم القديم . فلعل مثل هذا التفاؤل
صار في غير محله . سوف تدوم المشاكل القديمة لأمد طويل
، وتنشأ مشاكل جديدة أيضا . لكن المهم هنا أن هناك
طريقتين مختلفتين لقبول ذلك . احداهما تقول ان هذه
المشاكل عديدة ومتصلة في الطبيعة البشرية ، وهي
بالتالي عصية على الحل الفعال . وهو الرأي التقليدي
المحافظ ، الذي يعتبر الأمل في التحسين الجذري لأسلوب
الحياة المعهودة مجرد يوتوبيا خطرة . ان اللازمة
الطبيعية لهذا الرأي هي أن محاولات التغيير الجذري ،
من النوع الذي تعرضه هنا ، لا بد أن تجعل الحالة التي
تحاول تغييرها أسوأ بما لا يقاس .
أما الموقف الآخر فيقول انه لا يوجد مشكلة مستعصية على
الحل وان امكانية التغيير الجذري نحو الأفضل كبيرة جدا
، وان الجنس البشري لم يبدأ الا بتلمس هذه الامكانية ،
لكن العزم على استثمار هذه الامكانية لن يخلق جنة على
الأرض ، بل سيخلق بيئة أفضل ، بما لا يقاس ، للأغلبية
الساحقة من أجل تحقيق أفضل ما في ذواتهم .
من الواضح ان الفوارق بين الاقتصاد الرأسمالي
والاقتصاد المشرك ليست "اقتصادية" بحتة : انها
اقتصادية ، اجتماعية ، ساسية وأخلاقية ، وتؤثر على
نسيج ونمط حياة النظام الاجتماعي برمته .
الفرق الأول هو بالطبع ان الملكية الخاصة والسلطة
الخاصة على الموارد الاقتصادية الأساسية في المجتمع لم
تعد الشكل المهيمن في النظام الاقتصادي . ونتيجة لذلك
ن سوف يضمحل بالتدريج مصدر التفاوت في النفوذ والموقع
الاجتماعي . وهذا يعني تغييرا اساسيا في البنية
الاجتماعية ، حيث يختفي في النهاية الجزء الأهم من
الطبقة الرأسمالية، وهو بالتحديد مالكو وسائل النشاط
الاقتصادي الأساسية والمسيطرون عليها في القطاع الخاص.
وسيشبه هذا بعض أوجه ما حدث في القرن العشرين
لأرستقراطية ملاّكي الأراضي في بلدان أوروبا الغربية ،
هي لم تختف في الواقع ، بل فقدت الجزء الأكبر من
النفوذ الذي كانت تستمده في السابق من ملكيتها للاراضي
. اما النفوذ الذي بقي لها فتستمده من مصادر اخرى ،
ليس أقلها ، المواقع التي يعمل فيها الأرستقراطيون
كموظفين للدولة . كما سيفقد المسيطرون على سلطة
الشركات هذه السلطة ايضا ، رغم أن الكثيرين منهم
سيشقون طريقهم نحو مواقع استراتيجية في مؤسسات
الاقتصاد المشرّك ، لكن سلطتهم هنا لن تستند الى
سيطرتهم على الموارد الأساسية الخاضعة للملكية الخاصة
.
هذا يستثير الرد القائل ان ما ذكرناه يمكن ان يؤدي الى
توطيد " طبقة جديدة" ، أي "بورجوازية دولة " ، تتألف
من ذوي المواقع العالية في الدولة والقطاع العام ، وفي
نفس سياق التفكير هذا ، يمكن القول ان هؤلاء سيكونون
المستفيدين من " الدولتية"
Statism
الشاملة ، مما سيعطيهم درجة من السلطة والامتيازات لا
تختلف كثيرا عما يتمتع به اصحاب السلطة في
الديمقراطيات الرأسمالية ، ان لم تتجاوز ذلك بالغعل .
أشرت في فصل سابق الى ضرورة عدم الاستخفاف بهذا
الاحتمال ، بل على العكس ، يجب أخذه على محمل الجد
تماما ، باعتباره نقطة توتر حاسمة بين المطامح
الاشتراكية ن من جهة ، ونزوع ذوي السلطة الى تعزيزها
واساءة استخدامها ، من جهة أخرى . قلت ايضا في الفصول
السابقة ، ان الطريق الى معالجة هذا التوتر وتقليل
مخاطر الاستخدام الاعتباطي المهيمن للسلطة يكمن أولا
في تقييد هذه السلطة بضوابط مؤسساتية محددة ، وثانيا
في الاعتماد على يقظة ورصد شتى هيئات الرأي ، وفي
الاعتماد على يقظة المواطنين المشبعة بفهم واضح
للأخلاق المدنية المطلوبة من ذوي السلطة .
ان زوال سيطرة الشركات الخاصة على الوسائل الأساسية
للنشاط الاقتصادي يعني كذلك تغييرا جذريا لدوافع هذا
النشاط . فلن يكون هدفه بعدئذ زيادة الأرباح الى حدّها
الأقصى لصالح أصحاب الشركات ومدرائها . وستكون تلبية
الحاجات الفردية والجماعية القاعدة الأساسية في تنظيم
الاقتصاد المشرّك ، وتحدد أولويات هذه الحاجات باسلوب
ديمقراطي . ولن يكون هناك مكان للاستغلال في القطاع
الحكومي أو التعاوني ، لكنه يستمر في القطاع الخاص
المتبقي غير انه سيكون تحت رقابة صارمة . وان اقتصار
الاستغلال على جزء ثانوي من الحياة الاقتصادية سيعبّر
عن تغيّر جذري في النظام الاجتماعي ، ويمكن أن يكون له
أثر كبير على طريقة فهم المواطنين للنظام الاجتماعي
وعلى طريقة استجابتهم لما يطلب منهم .
ان تقدير مستوى النشاط الانتاجي وأهدافه سيتم باسلوب
ديمقراطي . ولراي المنتجين دور هام جدا في هذا ، لكنه
لن يكون العنصر الوحيد في اتخاذ القرار . وسيكون هناك
حيّز واسع لمناقشة الأمور المتعلقة بذلك مناقشة علمية
، مثلا ، عدد ساعات العمل في اليوم ، عدد ساعات العمل
في الاسبوع ، متطلبات التغير السريع لأنماط العمل ،
تخصيص الموارد و .. الخ . ان نقاش بعض الأهداف العامة
سيجري على المستوى الوطني – وفي آخر الأمر قد تناقش
بعض الأهداف على المستوى الدولي . أما الأهداف الأخرى
فتناقش على مستوى محلي أو أقليمي . المهم في الأمر أن
النقاش لن يتم في ظل المتطلبات الأساسية للرأسمالية .
أشرت سابقا الى الديمقراطية في مكان العمل . يكفي هنا
أن نكرر ان الاقتصاد المشرك سيتيح المجال لنشوء منظومة
جديدة تماما من "علاقات الانتاج"، يكون فيها التعاون
الحقيقي الطوعي هو القاعدة السائدة . وتكون الفرص
متاحة لتطوير امكانيات الفرد ن المحبطة حاليا .
كان على الحكومات البورجوازية ان تقرّ الحق في العمل
اثناء الحرب العالمية الثانية بسبب التوقعات
الراديكالية التي تصاعدت عندئذ ن وبسبب الحاجة الى
طمانة الشعوب بان التضحيات التي كانت المطلوبة .
واستمر الكلام حول الحق في العمل لفترة طويلة بعد
الحرب العلمية الثانية – فتضمنته مقدمة دستور
الجمهورية الفرنسية الرابعة عام 1946 والجمهورية
الخامسة أيضا عام 1958 ، ولكنه لم يعد عمليا هدفا
رئيسيا للتطبيق عند الحكومات الرأسمالية منذ زمن طويل
، وهو الآن يعتبر ، على نطاق واسع ، هدف غير واقعي
وغير مرغوب فيه . قد تكون البطالة الواسعة مستهجنة في
نظر السلطة ولكنها سمة دائمة للحياةى الاقتصادية
والسياسية ، وهي تجد ترحيبا ما دامت تساعد كثيرا على
كبح جهادية العاملين بأجور . ويمكن لرضا الحكومات
بوجود البطالة أن يتقلص اذا استطاع العاطلون عن العمل
أن يجعلوا من انفسهم مصدرا لازعاجها ، ونظموا انفسهم
في جماعة نضالية ضاغطة . ولكن البطالة تساعد في عزل
المواطنين عن بعضهم البعض فتبعدهم عن النشاط المشترك ،
هذا بالاضافة الى شرورها الأخرى المدمرة للروح . حتى
خلال الثلاثينات ، لم تضم مسيرات الجوع ، التي
نظمهاالحزب الشيوعي ، سوى اقلية صغيرة نسبيا من
العاطلين عن العمل .
ستكون للعمالة الكاملة اسبقية عالية عند أية حكومة
اشتراكية وستحاول تحويل الحق في العمل الى واقع . في
عصر التقدم التكنولوجي المتعاظم ، تحلّ المكائن
المتطورة اكثر فأكثر محل عمل الانسان ، وهذا يتطلب
اجراءات كثيرة من أجل التكيف مع هذا التقدم مثل تخفيض
عدد ساعات العمل الأسبوعية ، تخفيض سن التقاعد ، توسيع
الخدمات ، وتطوير خدمات الرعاية للمواطنين من جانب
الهيئات المركزية والمحلية والجمعيات التطوعية ،
وسيكون توفير مراكز التدريب والتجديد اللازمين
للمهارات جانبا أساسيا من جوانب هذه الاجراءات . ان
الجهود المبذولة حاليا في هذا الميدان قاصرة وينبغي
اعتبارها جزءا ضروريا من سيرورة الانتاج . ورغم أن
المجتمع الاشتراكي سيكون ملتزما بالعمالة الكاملة الا
أنه يسعى الى تخفيض وقت العمل الذي يكرسه الناس من أجل
سد كلفة الضروريات للعيش ، ليستطيعوا زيادة الوقت الذي
يمكن لهم أن يكرسوه للتمتع بالحياة وللاهتمامات التي
يعتبرونها محققة لذاتهم . ولن يخضع هذا في المجتمع
الاشتراكي الى المنطق التجاري الاستغلالي الذي يسود
قطاع التسلية وقضاء أوقات الفراغ في المجتمع الرأسمالي
. ان العديد من المؤسسات والهيئات التابعة للقطاع
العام والتعاوني ، بالاضافة الى مؤسسات القطاع الخاص ،
ستتنافس على المستوى المحلي ، الاقليمي والوطني ، في
توفي الوسائل والخدمات ، دون تشويه هذه الخدمة جراء
السعي لجني الأرباح ، طبعا باستثناء المؤسسات الخاصة .
كما أن الاقتصاد الخاضع لسيطرة اشتراكية فعالة سوف
يكون يقظا جدا تجاه الكلفة الاجتماعية لسيرورة الانتاج
، وسوف يخضعها الى رقابة بينية صارمة . هنا أيضا ، ما
تفعله الرأسمالية بجرعات غير كافية سيقوم به النظام
الاشتراكي بحماس في سياق يحرر الحكومة من وطأة
الاعتبارات اللازمة لرأس المال .
النتيجة الأخرى لتطبيق الاشتراكية هي توقف ما يسود
حاليا من ترويج محموم للمنتجات باسم الاعلان التجاري
ففي ظل الرأسمالية ، نجد جيشا ضخما من المهرة ،
الموهوبين أحيانا كثيرة ، يكرسون مهاراتهم ومواهبهم
لانتاج وابل منحاز من الاعلانات لمصلحة زبائنهم ، وهذ
الاعلانات تتصف بالمديح الضمني أو الصريح للاقتصاد
الحر ونعمه . لن يتوقف الاعلان في المجتمع الاشتراكي
ولكن سيتقلص كثيرا ويفقد طابعه المسعور والمنحاز .
وسيؤدي هذا الى انخفاض هام في الكلفة وسيكون ذلك مفيدا
للثقافة المشبعة الآن بالدعاية التجارية الهابطة .
باختصار ، وتكرارا لأحد الأفكار الرئيسية في هذا
الكتاب ، فان الاقتصاد المشرّك سوف يحرر المجتمع برمته
من "القيود" التي يفرضها عليه منظق الرأسمالية ،
وستبدله بمنطق مختلف كليا يهتم بالحاجات الانسانية
ويسعى الى تلبية هذه الحاجات بأقل ارهاق ممكن . هذا
التحرير للمجتمع من سيطرة رأس المال يشكل شرطا أساسيا
من شروط اقامة نظام اجتماعي يتصف بدرجة من التعاون
والانسجام لا يمكن بلوغهما في ظل الرأسمالية .
ان جميع الاصلاحات التي اقترحناها في هذا الفصل
والفصول التي سبقته بحاجة الى دراسة مفصلة . ولكن هذه
الاقتراحات تطرح كذلك مجموعة من الأسئلة المختلفة
والهامة ، ما سعة التأييد الشعبي حاليا أو الممكن
توفيره للاصلاحات التي تطلبها الديمقراطية الاشتراكية
؟ ما هي الهيئات المتوفرة من أجل هذا الغرض ؟ وما هي
الاستراتيجيات التي يمكن لها أن تسرّع السيرورة ؟
السؤال الذي لا يقل اهمية عن هذا ، وأشرنا اليه سابقا
، يدور حول المعارضة التي لا بد ان تجابه الحكومة
الاشتراكية المصممة على احداث هذه التغييرات . هذه
الاسئلة هي التي يتناولها الفصل التالي .
1-
في الثلاثينيات ، دعا بعض الديمقراطيين الاجتماعيين
المعتدلين في بريطانيا ، امثال ايفان دربن وهيو غيتسكل
، وعلى الأقل لفترة من الزمن ، دعوا الى تأميم ليس فقط
بنك انكلترا المركزي ولكن كذلك البنوك الخاصة ، كما
دعا اشخاص اكثر جذرية ينتمون الى الحركة الفابية . في
ذلك الوقت ، الى شركات التاميم وجمعيات الاسكان كذلك .
انظر
Elizabeth Durbin , new
jerusalems: the labour party and the economics of
democratic socialism
(
Routledge and kegan paul , london , 1985
من جانبه ، شمل الاتحاد الاشتراكي , اسس عام 1932
كمجموعة ضغط من أجل الاشتراكية ضمن حزب العمال . وضم
أساسا في صفوفه مجموعة متنوعة من الأعصاء . تتراوح من
كليمنت آتلي الى انيورين بيفن ومن ر. ه. تاوني الى
هارولد لاسكي ، شمل في برنامحه مطلب التأميم الفوري
للبنوك , الارض , المناجم ، الطاقة ، المواصلات ،
صناعة الحديد والفولاذ ، القطن ، والسيطرة على التجارة
الخارجية .
2 -
Roy Jenkinsدعا
New Fabian
Essays, first published in 1952.في
والذي كان في ذلك الوقت ، وبعد ذلك ايضا ، في الجناح
اليميني للحزب دعا الى توسع ملحوظ في الملكية العامة "
‘Equality’,
in
New Fabian Essays, ed. R.H.S.Crossman(J.M.Dent,
London,1970)p.83.
3-
تضمنت خطة ميدنر الانتقال التدريجي للأسهم من مؤسسات
خاصة الى "صندوق لأصحاب الأجور" يهدف الى تأمين ، على
المدى الطويل ، تحول جذري في توزيع السيطرة على
الاقتصاد السويدي . لكن هذه الخطة ولدت ميتة ، من
الناحية العملية .
4 -
يوجد في بريطانيا حاليا مالكو اسهم اكثر مما كان عليه
الحال قبل الخصخصة في عام 1981 ن كانت نسبة مالكي
الأسهم البريطانيين فقط 7% ، على حد قول وزارة المالية
. بحلول عام 1992 ، كان 22 % من البريطانيين يملكون
أسهما . ولكن حصة المالكين الجدد للأسهم كانت صغيرة .
حتى قبل بيع الشركة الأخيرة من اسهم شركة البريد
البريطانية ( بريتيش تيليكم ) في تموز 1993 , 54 % من
أسهم هذه الشركة كانت لدى فئة تملك اقل من 400 سهم لكل
مالك .
The Economist (6-12).
يشير المصدر نفسه بأن المالكين الأفراد لا يزالون
يملكون نصف اسهم بورصة نيويورك وثلث اسهم بورصة باريس
، في حين أنهم ، اي المالكون الأفرد يملكون فقط 20 %
من قيمة الأسهم البريطانية .
5 -
لقد كانت هذه الحرية هي التي جعلت ممكنا لشركات
المملكة المتحدة أن تنخرط في استمارات خارجية مباشرة
في الثمانينات بحيث وصلت 65.6% من صافي توظيفاتها
المباشرة . جاءت الشركات الألمانية في المرتبة الثانية
بعد البريطانية في التوظيفات الخارجية التي كانت تعادل
16.1 % من اجمالي التوظيفات . مقال بقلم
A/ Glyn and B. Suteliffe, ‘ Global but leaderless?
The new
capitalist order’, in the Socialist Register 1992 ,
eds. R. Miliband and l.
Panitch ( Merlin Press, London, 1992, and Monthly
Review Press, New York, 1992),
p. 85.
6-
من أجل وصف دقيق للقيود المحبطة والعديدة التي كانت
توضع في وجه المؤسسات المؤممة في بريطانيا بدءا من
العام 1945 ، انظر ماكتبه ٌ
R.
Saville in “ nationalization ‘ in the labour
Government 1945-51, ed. J. Fyrth
(Lawrence
and Wishart, London, 1993)ٌ
.
وكما اشار سافيل ، ان المسؤولين عن إدارة الصناعات
والمؤسسات التي جرى تأميمها كانوا دائما من رجال اعمال
وعسكريين لم يكن لديهم اي اهتمام بالآمال الكبيرة التي
كان يعقدها الاشتراكيون ( وليس وزراء حزب العمال ) على
التأميم . ٌ
7-
كما يشير روبين موراي فيما يتعلق بنمط التأميم في
بريطانيا الى أنه مصمم ليقوي الإدارة ، ويضعف العمال ،
والمنتفعين والسياسيين : ،
Ownership, control and the market’, New
Left Review,: 164 (July-Aug. 1987). P. 103.
8-
W. Brus and K.
Laski, From Marx to Market : socialism in search of
an economic system (Oxford
University Press, Oxford, 1989 ), p. 59.
9-
المصدر نفسه ، ص 47 .
10-
R.P. Appelbaum and J. Hederson (eds.), States
and Development in the Asian pacific Rim ( sage,
Newbury Park, Calif., London
and New Delhi, 1992), p. 23.
11-
في تايوان ، وفي عام 1952 ، كان 57 % من اجمالي
الانتاج الصناعي ... و 56و7 % من ناتج التصنيع يعود
لشركات القطاع العام . " في أوائل الثمانينات ، تقلصت
حصة القطاع العام الى اقل من 20 % . ولكن الحكومة تبقى
مسيطرة في قطاعات مثل تصنيع الآليات الثقيلة ، الفولاذ
, الالمنيوم ، بناء السفن ، البترول ن المواد
الاصطناعية ، الاسمدة ، الهندسة وحديثا ، انصاف
الموصلات " .
A.H. Amsden, ‘ The state and Taiwan’s
economic development’, in bringing the State Back
Inc. eds. P.B. Evans, D.
Rueschmeyer and T.Skocpol ( Cambridge University
Press, Cambridge, 1985), p. 91.
كذلك " ان كل بنك في تايوان تقريبا تملكه الدولة كليا
أو جزئيا ( البنوك الأجنبية لم يكن مسموحا لها بالعمل
في تايوان حتى العام 1969 ) . كافة عمليات التسليف الي
كانت تقوم بها المؤسسات المالية الحكومية كانت تحت
اشراف دقيق من قبل الدولة " ( المصدر نفسه ، ص 91 .
12-
M. Castells.
‘
Four Asian tigers with a dragon head: a comparative
analysis of the state,
economy and society in the Asian Pacific Rim ‘ , in
Appelbaum and Henderson
States and Development in the asian Pacific Rim, p.
42.
13-
C. Johnson. MITI and the japanese Miracle ( Stanford
University press, Stanfor,
Calif, 1982
).
14-
المصدر نفسه .
15-
R.
Rowthorn and Ha-Joon Chang, ‘ The political economy
of privatization’ , in the
International Theory and Practice of Privatization,
eds. T. Clarke and C.
Pitelis ( Routledge, London and New York, 1993), p.
59.
من اجل تقييم ايجابي للتجربة الفرنسية في مجال الملكية
العامة ، انظر
P. Dreyfus, in the article
,
The efficiency of public Enterprise in a Mixed
Economy, ed. W. J. Baumol
(
Macmillan, London and Basingstoke, 1980).
من اجل تقييم سلبي لعدد من مؤسسات القطاع العام في
بريطانيا في السبعينات ، انظر مقالة :
R. Pryke, ‘ Public
enterprise in practice: the British experience of
nationalization during the
past decade’.
المصدر نفسه
16-
H. Parris,
P. Pestieau and P. Saynor, Public Enterprise in
Western Europe ( Croom Helm,
Beckenham, 1987), p. 150.
17-
Murray,
‘
Ownership, control and the market’ , p. 91.
18-
المصدر نفسه .
19-
المصدر نفسه .
20-
Thus, Glin
and Surcliffe
, يشير بأنه من المعتاد في الدول الرأسمالية المتقدمة
بأن حوالي 0 – 10 بالمئة من راس المال الثابت تعود
ملكيته الى جهات في ما وراء البحار . وهذا يعطي صورة
هامة ولكنها ليست طاغية لعولمة الانتاج (
Global but leaderless? ‘ , P.
84.
21-
A. Gorz, ‘ The , in After the Fall: the failure of
Communism, ed. R. Blackburn (Verso, London and new
York, 1992 ) , p.
296.
22-
J. Zeitlin, “ Local industrial strategies:
introduction’,
in Economy and ?Society, Special Issue: Local
industrial strategies, 18, 4
(
N0vember 1989), p. 369
23-
من أجل سجل لما تم القيام به في هذا المجال من قبل
مجلس لندن الكبرى الذي كان يسيطر علية حزب العمال في
الثمانينات . انظر
M. Mackintosh and H. Wainwright, A Taste of Power :
the politics of
local economics ( Verso, London and New York, 1987
).
24-
وحتى مغامرة تعاونية موندراغون المشهورة في اقليم
الباسك ، كانت عبارة عن ملحق هامشي للإقتصاد الاسباني
؛ مع حلول نهاية السبعينات يشير إتش . توماس وسي .
لوغان الى أنه كان هناك في الاقليم نظام تعاوني حديث
للتعليم التقني ، 70 مصنعا تعاونيا تضم قوة عاملة تقدر
بأكثر من 15000 عامل تعاوني ، وبنك تعاوني له 93 فرعا
ويمتلك 300 الف حساب ,
H.Thomas and C. Logan, Mondragon: an economic
analysis
(
Allen and Unwin, London,
1982 ) ,
p. 1.
25-
من أجل مناقشة للمشاكل التي تؤثر في المؤسسات
التعاونية انظر مثلا
J. Elster, ‘ From
here to there:
or if cooperative ownership is so desirable, why are
there so
few cooperatives?’ in E. F. Paul et al . Socialism.
26-
A. Nove,
Socialism, Economics and Development (Unwin Hyman,
London, 1986), p. 33.
في العام 1923 ، كان تروتسكي يقول بأنه ، " في المرحلة
التالية ... سوف يكون لدينا اقتصاد دولة مخطط ، يربط
نفسه شيئا فشيئا مع سوق الفلاحين ، وكنتيجة لذلك ،
يقوم بالتلاؤم مع الأخير خلال مسيرة نموه " . ولكن ،
يضيف تروتسكي ، "بالرغم من أن هذه السوق يتطور بصورة
تلقائية ، فان هذا لا يعني أبدا بأن القطاع الصناعي
للدولة يجب ان يكيف نفسه معها تلقائيا . على العكس ،
ان نجاحنا في التنظيم الاقتصادي سوف يعتمد في جزء كبير
منه على درجة نجاحنا ، عن طريق المعرفة الدقيقة لشروط
السوق وعن طريق تنبؤات اقتصادية صحيحة ، في تحقيق
الانسجام بين صناعة الدولة والزراعة طبقا لخطة محددة "
L. Trotsky, ‘ The new course’, in the Challenge of
the Left
Opposition: (1923-5) ( Pathfinder Press, NewYork,
1975) , P.
119.
27-
R. W. Davies. ‘ Gorbachev’s socialism in historical
perspective’, New Left Review 179 ( Jan. – Feb,
1990), p. 9.
يضيف دافيز ، " على كل حال ، ان كل الاقتصاديين
الشيوعيين افترضوا أن هذه مرحلة انتقالية ، في النهاية
سيحل التخطيط محل اقتصاد السوق ، وسوف يحل تبادل السلع
محل التجارة " ( المصدر نفسه ) .
28-
P. Kennedy
<
Preparing for the twenty-first
century ( Harper Collins, London, 1993), p. 229.
29-
S. Holland
(ed.),
Beyond Capitalist Planning ( Blackwell, Oxford,
1978), p.
1.
30-
المصدر نفسه
31-
R.
Heilbroner, ‘ lifting the silent depression’, New
York Review of Books, XXXVIII,
17 (24
October, 1991), p. 6.
32-
M. Cave
and P. Hare, Alternative approaches to economic
planning ( Macmillan, London,
1981.
33-
G. Esping Andersen, the Three Worlds of Welfare
Capitalism
(
Polity Press, Cambridge, 1990), p. 3.
34-
A. Nove,
‘
markets and socialism’, New Left Review,
161(jan-feb. 1987) p.
102.
35-
E. Mandel, ‘ The myth of marker socialism’, New Left
Review, 169 ( May-June, 1988), p. 112.
36-
J. Gray,
‘
Marxian freedom, individual liberty, and the end of
alienation’, in Marxism and
liberalism. Eds. E. F. Paul, F. Miller and J. Paul
(Blackwell, Oxford, 1986), p.
181.
37-
J. Gray, Beyond the New Right (Routledge, London,
1993),
Passim.
38-
من أجل مناقشة ممتعة لهذا الموضوع ، انظر كتاب
L. Doyal and I. Gough, A Theory of Human Needs (
Macmillan, London, 1991)
.
39-
أنظر مثلا :
R. J. Flanagan, D. W. Soskice and L. Ulman,
Unionism, Economic Stabilisation , and incomes
policies: European experience
(
Brookings Institue, Washington, D.C., 1983
) .
|