|
رالف ميليباند
الاشتراكية لعصر شكاك
ترجمة : نوال لايقة
مراجعة : د. غانم حمدون
الفصل الثالث
آليات عمل الديمقراطية
-1-
سوف تختلف أشكال وصيغ الديمقراطيات الاشتراكية من بلد
الى آخر . ولكن وكما تتشابه الديمقراطيات الرأسمالية
بسمات كثيرة تكفل وحدة التعريف الذي يجمع بينها ، رغم
الاختلافات الدستورية والسياسية التي لاتحصى فيما
بينها ، ينطبق الشيء نفسه على الديمقراطيات الاشتراكية
.
يهتم هذا الفصل في المقام الأول بالتغييرات الدستورية
والاجتماعية التي سوف تنتج عن التحول الى الديمقراطية
الاشتراكية . الفصل الذي يليه يهتم بالتغييرات المطلوب
اجراؤها على التنظيم الاقتصادي للمجتمع الذي يتحول الى
الديمقراطية الاشتراكية . ان هذا التقسيم مصطنع بشكل
ما ، لأن التغييرات في المجالين متشابكة . مع ذلك ،
يفضل تناول تغييرات كل مجال على حدة توخيا لوضوح العرض
.
يهتم كلا الفصلين أساسا بالتوسيع الجذري للديمقراطية
بحيث يشمل جميع مجالات الحياة . كما يهتمان بالاجراءات
التي يقتضيها هذا التوسيع . فهذا السعي نابع من التزام
المجتمع ككل بالأساليب الديمقراطية , التي أشرنا سابقا
الى كونها من الأساسيات الضرورية لتحقيق الاشتراكية .
ان المجتمعات الرأسمالية عاجزة عن بلوغ مثل هذه
الديمقراطية ، وحكام هذه المجتمعات يهمهم كثيرا الحد
من هذه الديمقراطية . ومن الجدير بالذكر ايضا أن
الكفاح من أجل توسيع نطاق الديمقراطية بصورة جذرية هو
استمرار نضال الأجيال الماضية من أجل تحقيق مثل هذا
الهدف . وفي السياق نفسه ، لا بد من تكرار احدى النقاط
الواردة في الفصل الأول وهي أن الديمقراطية الاشتراكية
، في حالات كثيرة ، سوف تتبنى وتعزز كثيرا أشكال
الديمقراطية الموجودة في المجتمعات الرأسمالية . ان
نورمان غيراس يوضح هذا جيدا بالقول ، " ان الاصرار على
التخلي تماما عن الديمقراطية البرجوازية في مشروع
السياسة الاشتراكية تحت شعار " تحطيم " الدولة ، قد
حجب عن أعين الكثير من الاشتراكيين الثوريين قيمة بعض
المؤسسات والمعايير التي تحتاج أية ديمقراطية اشتراكية
حقيقية الى اقتباسها : منها مجلس نيابي وطني ينبثق عن
انتخابات عامة مباشرة ، الفصل النسبي بين السلطات ،
استقلال السلطة القضائية عن السيرورات السياسية ،
حماية حقوق الفرد ، وتعددية سياسية ييضمنها الدستور "
(1) .
ان الديمقراطية الاشتراكية تعني أكثر من ذلك ، ولكن
الاصرار على اقتباس هذه " الحريات البرجوازية " في أي
مفهوم جدي للديمقراطية الاشتراكية يساعد على توضيح أن
ما يعنيه مشروع اقامة الديمقراطية الاشتراكية ليس مجرد
فكرة طوباوية مستلة من الأفق الأزرق البعيد ، بل يعني
اعطاء مضمون جديد لما هو موجود ، بالاضافة الى البحث
عن سبل اضافية من أجل اغناء معنى الديمقراطية . وكما
كررنا سابقا فان المكاسب المتحققة على هذا الصعيد ، في
ظروف رأسمالية ، هي مكاسب مقيدة تفسدها البيئة
الرأسمالية المحيطة بممارسة هذه الأشكال الديمقراطية
وتصميم القوى المحافظة في الدولة والمجتمع على
الحيلولة دون ان تعرض هذه الأشكال بنى السلطة
والامتيازات القائمة .
ان الدولة ، في هذا السياق ، هي آلية محافظة جدا عندما
يتعلق الأمر باعلان وتنفيذ اجراءات تتحدى السلطة
والامتيازات القائمة . كما أن مؤسسات الدولة جاهزة
بكفاءة لاضعاف ومقاومة الضغوط السياسية الهادفة الى
تغييرات راديكالية , وللحد من تأثير هذه الضغوط على
السياسة والممارسة القائمتين . ولبنى السلطة في الدولة
والمجتمع تأثير عميق دائم على عمل الأشكال الدستورية
لدرجة اننا لا يمكن أن نفهم عملها دون الرجوع الى
سياقها الاجتماعي . على سبيل المثال , الكونغرس
الأميركي مؤسسة تشريعية اكثر استقلالية عن السلطة
التنفيذية من أي هيئة تشريعية أخرى . ولكن أن نكتفي
بهذه الملاحظة فحسب ، ونجعلها مقياس العلاقة بين
السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية ، كما هو سائد في
مؤلفات العلوم السياسية ، يعني أن نتجاهل حقيقة أساسية
، أعني تحديدا كم سيناتور ونائب ، بما هم عليه من
استقلال عن السلطة التنفيذية ، وتحرر من ضوابط حزبية ،
يعتمدون ، لاعتبارات انتخابية , على دعم الشركات
وجماعات الضغط المرتبطة بها . ان الاستقلالية
المؤسساتية قناع يخفي وقع اذعان المشرعين وارتباطهم ب
" المصالح الخاصة " التي تمثلها الشركات . ان سلطة
الشركات ليست المؤثر الوحيد ، لكنه الأعظم بكثير لدى
المقارنة مع المصالح الهامشية للقوى العاملة . في
الأنظمة الأخرى ، نجد تأثير الشركات على السلطة
التشريعية أقل منه في الولايات المتحدة ، ومع ذلك ,
فان السياق الطبقي يؤثر على نمط عمل هذه السلطة .
سيكون هدف الحكومات الاشتراكية تغيير هذا السياق للحد
من تاثير الشركات على صنع السياسة وازالة هذا التأثير
، كمرجع رئيسي ، في الوقت المناسب .
اما على المدى القريب ، فالسؤال هو مدى امكانية اعادة
تنظيم الدولة بحيث تتحول آليات عملها الى عامل مساعد
على تحقيق التغييرات الراديكالية بدلا من معاداتها .
وهي مهمة شاقة ، ليس فقط بسبب المعارضة التي لا بد ان
تلاقيها ، بل ايضا لأن محاولة توسيع نطاق الديمقراطية
ومداها هي محاولة تتجاذبها نزات متناقضة تؤدي الى
تعقيد المشروع الاشتراكي . وابتداء فان مفهوم
الدستورية
Constitutionalism
, بحد ذاته ، يشكل مثلا جيدا لما يعنيه ذلك . فمن
البديهي ان تخضع الديمقراطية الاشتراكية لشروط دستورية
واضحة المعالم ولاطار قانوني . ولكن الشروط الدستورية
والقانونية تشكل قيدا ، ليس فقط على السلطة التنفيذية
لأنها وضعت أصلا لتقييدها ، وذلك قبل ان تكون فكرة
الديمقراطية مطروحة بأمد طويل ، انها تقيد ايضا
السيرورة الديمقراطية التي تقتضي ممارسة سلطة شعبية
فيما يتعلق بتوجهات وسياسات الحكومة والهيئات العامة
الأخرى (2) .
وكثيرا ما كانت الدستورية حصنا ضد الاختراق الديمقراطي
للمصالح الطبقية الراسخة . غير ان الدستورية ضرورية
لحماية الحقوق الأساسية أيضا . يمكن ان يقال ان
الدستورية لا تستطيع وحدها ان تضمن اية حماية كهذه ,
وانه مهما قيل ان هذه الحقوق " أساسية " ، يمكن دائما
الالتفاف عليها والغاؤها عندما تعتقد السلطات أن
الظروف تتطلب ذلك . رغم ذلك ، سوف تبقى الدستورية
عاملا اساسيا في اي نظام اشتراكي ديمقراطي . دكتاتورية
البروليتاريا كانت تعني للينين " سلطة فازت بها وحمتها
البروليتاريا عن طريق العنف الثوري ضد البورجوازية ،
سلطة لا تحدها أية قوانين "
(3). ما يعنيه
هذا ليس حكما شعبيا ، بل حكما ديكتاتوريا من قبل الذين
يدعون أنهم يمثلون الشعب . ولكن , حتى لو عنت حكما
شعبيا بالفعل , فسوف يتعارض هذا الحكم مع أي مفهوم
للديمقراطية الاشتراكية , ببساطة لأن الديمقراطية
الاشتراكية تقتضي ببساطة وضع قيود على أي شكل من اشكال
السلطة بما فيها السلطة الشعبية .
-2-
لنبدأ بتنظيم الدولة ذاتها , مع الفهم الواضح أن هذا
التنظيم يشكل فقط جزءا من المشكلة , وان مقرطة الدولة
مرتبطة بمقرطة المجتمع ارتباطا وثيقا .
بداية , ينبغي القول انه لا بد لأية حكومة اشتراكية
مستجدة في ممارسة السلطة أن تكون قوية اذا ما أرادت أن
تواجه بكفاءة المشاكل التي سوف تتعرض لها فورا . وأن
هذه الحاجة للقوة ستبقى ، للأسف , قائمة ولفترة طويلة
. وتلك هي نقطة التوتر الأولى في بناء النظام
الاشتراكي ، لأن الاشتراكيين ينفرون ، وهم على صواب في
نفورهم ، من مفهوم الحكومة القوية ، بكل ما يعني ذلك
من حكم قمعي اعتباطي شهده القرن العشرون . تكمن
المشكلة في ايجاد صيغة لتكون السلطة التنفيذية قوية
وفي الوقت نفسه مقيدة . وقد اثبتت الديمقراطية
الرأسمالية بالتجربة أن ذلك ليس مستحيلا . فالحكومات
البورجوازية في البلدان الديمقراطية الرأسمالية تمتعت
عموما بالسلكة اللازمة لفرض سياساتها ، ولكنها كانت مع
ذلك خاضعة لتقييدات مختلفة في ممارستها لسلطتها هذه .
هناك فارق كبير بين سلطة تنفيذية تعمل ضمن القواعد
الدستورية وخاضعة لضوابط أخرى أيضا وبين سلطة تنفيذية
بلا قيود . سوف تسعى الديمقراطية الاشتراكية ، بطرقها
الخاصة ، لتحقيق الربط بين القوة وقيودها ، ولكن من
الخطأ الاعتقاد أن سعيها ذاك لن يؤدي الى خلق مجال
دائم للصراع . وليس هذا بالأمر السيء . فمن المحتم ،
أثناء التقدم نحو الديمقراطية الاشتراكية ، أن يحصل
تأرجح بين سلطة الدولة والقيود المفروضة عليها ، كما
هو الحال في الأنظمة الديمقراطية الرأسمالية .
وبالمثل ، لا بد ، اثناء سيرورة التغيير الجذرية، من
حدوث تضارب وصراع دائمين بين الحقوق المتناقضة ، لا
سيما بين حقوق الملكية الخاصة ومتطلبات المصلحة العامة
، كما تفهمها وتحددها السلطات الشعبية المنتخبة بصورة
ديمقراطية . ان النضال الطويل الأمد من اجل توسيع
الحقوق الديمقراطية كان على الدوام نضالا ضد حق ذوي
الملكية الخاصة الى حد كبير، هذا الحق الذي يعني ، حسب
صيغ القرن الثامن عشر . " ان نفعل ما نشاء بما نملك "
. وكانت الحركات العمالية دوما في صميم هذا النضال :
وسوف تذهب أية حكومة اشتراكية الى حد أبعد من هذا
بكثير في نضالها ضد حقوق اصحاب الملكيات الخاصة عندما
تتعارض هذه الحقوق مع متطلبات سياساتها العامة . وتكمن
الخطورة هنا ، وفي بقية الميادين ، في التعيين
الاعتباطي لهذه المتطلبات ، وسوف يتم تقييد أية حكومة
اشتراكية بالاحترام الدقيق للأجراءات القانونية ، مع
الاقرار أن على نظام كهذا ان يكون حكما محايدا بين
مطالب متنافسة . ان الاعتقاد بعدم الحاجة الى القانون
في المجتمع الاشتراكي بسبب اختفاء الصراع الطبقي ، هو
اعتقاد طوباوي (4)
. ولكن مهما بلغت محاولا الدقة في التحكيم بين المطالب
والمتنافسة فلا بد من حجب بعض الحقوق عند تحقيق غيرها
، مع استخدام سلطة الدولة من أجل ضمان المضي قدما في
تحقيق الاصلاحات التي التزمت بها الحكومة .
نعرض فيما يلي لا ئحة ببعض التغييرات المؤسساتية التي
يقتضيها التحول الى الديمقراطية الاشتراكية , في
الدولة وفي النظام السياسي .
(I)
حسب النظرية الليبرالية فان السد المنيع الأول الذي
يقف حائلا دون تسلط الدولة كان دائما الفصل بين
سلطاتها التنفيذية، التشريعية ، والقضائية . ولكن
عمليا ، كان هذا الفصل بين السلطان ، مهما بلغت مزاياه
، وسيلة أيضا لحماية الملكية الخاصة والامتيازات من اي
تدخل ، فالمطالبة بحماية هذه الملكية والامتيازات
راسخة دائما في السلطة التشريعية والسلطة القضائية .
بالاضافة الى ذلك ، فان الدرجة العالية من الانسجام
الايديولوجي السائد بين فروع السلطة الثلاثة هو الذي
جعل الفصل بينها ممكنا كسمة اساسية للحكم . ورغم جميع
الخلافات بين الوزراء ، المشرعين ، والقضاة فانهم
متفقون ، في الغالب ، بشأن السمات الأساسية للنظام
الاجتماعي . وحين انهار هذا الاجماع ، أصاب الأذى عمل
الحكومة ووظائفها . وفي بعض الحالات المتطرفة أدى ذلك
الى اعادة تنظيم العلاقات بين اقسام السلطة المختلفة ،
عادة لصالح تقوية السلطة التنفيذية , واتخاذها صيغا
ديكتاتورية صريحة في كثير من الأحيان .
لا بد لأي نظام اشتراكي من الفصل بين السلطات . ويمكن
الافتراض أن درجة كافية من الانسجام الايديولوجي ، مع
الوقت ، تتحقق داخل الحكم من أجل اضعاف أو حتى ازالة
مصادر النزاعات الحادة بين السلطات التنفيذية ,
التشريعية والقضائية ، فلا يكون الفصل بن السلطات سوى
تيقظ يطبع العلاقة فيما بينها لا أكثر ، ولكن لا اقل ،
من ذلك . مثل هذا التوتر يعني تقييد سلطة الحكومة لا
تقويضها ، وهو المطلوب .
وللسلطة القضائية دور هام في هذه السيرورة عادة ،
وكثيرا ما استخدم القضاة سلطتهم لاعاقة التشريعات التي
تطال انحيازهم المحافظ . ولكن هذا السلوك ليس جزءا من
صميم وظيفة القضاء ، ومن الممكن تماما أن نطمح الى
سلطة قضائية لا تكنّ التحيز ضد التشريعات . وهناك عدد
لا بأس به من القضاة في البلدان الرأسمالية الذين
شرّفوا وظيفتهم القضائية بمواقفهم المتسامحة أثناء
قيامهم بواجبهم . لا شك أن الديمقراطية الاشتراكية سوف
تسعى الى الحد من اعتراضات السلطة القضائية ، لسبب
بسيط وهو أن البتّ في القضايا السياسية الهامة يجب أن
يتم – قدر الامكان – من خلال سيرورة الديمقراطية .
ولكن التغييرات في شكل السلطة القضائية سوف تخلق مع
ذلك رؤية جديدة لمعنى الاعتراضات القضائية . كثيرا ما
طرحت اعتراضات في بريطانيا على نشر اعلان الحقوق ،
انطلاقا من الاعتقاد بأن اي اعلان كهذا سوف يزيد من
سلطة القضاة الميالين عادة الى اخضاع القضايا التي
امامهم الى المعايير المحافظة
(5) . ولكن لن
يكون الحال كذلك اذا تمّ انتقاء القضاة وفق المعايير
التي لا تعارض بل تفضّل تعيين قضاة تقدميين . على اي
تحال ، وضمن نظام سياسي خاضع لقيود القانون ، يتعذر
تجنب قدر معيّن من الاعتراض القضائي ، فهو مرغوب ما
دام يمثل مصدرا هاما للتصدي لأجهزة الدولة التي تسيء
استخدام صلاحياتها .
على افتراض أن السلطة القضائية سوف تصبح في نهاية
المطاف مكونة من رجال ونساء ذوي نزعة سمحة ، سوف يتمكن
الضاة من التعاون في انجاز مهمة قد فشلوا سابقا في
المشاركة الغعّالة فيها ، وهي تحديدا أنسنة النظام
القضائي . ان عمل القضاء مخز في غالبية الديمقراطيات
الرأسمالية من حيث الكلفة ، التأجيل ، الأحكام ، ظروف
غرف الحجز والسجون ، والانحياز الطبقي والعرقي ، هذه
الصفات المخجلة لن تعود مقبولة في أعين أجيال المستقبل
التي سوف تنشأ في مناخ اشتراكي مختلف تماما . وغالبا
ما قام القضاة بالدعم الثابت والقوي للنظام الذي
يشكلون جزءا منه . وقلّما كان صوتهم دعوة الى اصلاح
النظام القضائي الذي ينتظر منهم ادارته . وليس من
التجنّي القول ، لو ترك الأمر لهم ، لاستمرّت عقوبة
الاعدام في الديمقراطيات الرأسمالية التي الغت هذه
العقوبة . ولا وجود لمعارضتهم في البلد الرأسمالي الذي
ما زال يستخدم هذه العقوبة بشكل واسع ، تحديدا
الولايات المتحدة . ستأخذ اية حكومة اشتراكية على
عاتقها اصلاح العملية القضائية ، بشكل كامل ، سوف
يساعدها في انجاز هذه المهمة قضاة اصلاحيون . بالاضافة
الى مهامها الأخرى ، سيكون على اية ديمقراطية اشتراكية
أن تحقق عدالة قليلة الكلفة ، في الوقت نفسه لا تعاني
من التاجيل ، وسوف تعتبر ذلك جزءا جوهريا من السيرورة
الديمقراطية .
(II)
مهما كان شكل تنظيم الدولة ، لا بد لها أن تضم جيشا
كبيرا من الموظفين سيبقى لفترة طويلة . أحد أهداف
"ديمقراطية المشاركة" ، التي سنتناولها حالا ، هو
تمكين "الناس العاديين" ومنظماتهم من تولي مهام
الموظفين ، وبالتالي اعطاء معنى فعليا لمفهوم الحكم
الذاتي . ويحتل هذا الهدف مكانة هامة في برنامج العمل
الاشتراكي ، ولكن من غير الواقعي أن نتصور امكانية
التخلص من جيش الموظفين في المستقبل القريب وجعل
الدولة وبيروقراطيتها "تضمحل" .
ان "البيرقراطية" الآن شتيمة لدى اليمين واليسار ، مع
اختلاف الأسباب . فبالنسبة لليمين ، يشكل الاصرار على
أن بيروقراطية الدولة غير كفء ، بطبيعتها ، وأنها
تتدخل في حياة الناس بلا ضرورة ، حجة مفيدة في معركة
اليمين ضد "تدخل الدولة" في حقوق الملكية الخاصة
والشركات ، كما ان الايحاء بأن الدولى هي الوحيدة
المعرّضة الى عيوب البيرقراطية الحقيقية والمزعومة ،
يساعد على تمويه حقيقة أن جميع المنظمات الكبيرة ، كما
اشار ماكس فيبر منذ أمد طويل ، تدار بأساليب
بيروقراطية . فالقول ان الشركات لا تدار بهذه الأساليب
ولا تعاني من عيوب البيروقراطية يعطي صورة زائفة عن
الواقع .
أما اليسار فيعتبر البيروقراطية مضادة للحكم
الديمقراطي ، ومما زاد عداء اليسار للبيروقراطية ،
تجربة الأنظمة الشيوعية السابقة واعتقاد اليسار أن جيش
الموظفين الشامل الذي يخلد نفسه هو الذي خنق ما وعدت
به ثورة اكتوبر .
هناك الكثير مما يبرر عدائ اليسار للبيروقراطية . حتى
لو اعتبرنا الأنظمة الشيوعية السابقة نماذج متطرفة ،
فان الصيغ البيروقراطية الأكثر اعتدالا لا تخلو من
نقائص مثل ، الجمود ، الغطرسة ، عدم الكفاءة وازدراء
المواطن العادي .
لكن النظرة السلبية تماما الى البيروقارطية تتجاهل
الدور الذي يمكن أن تلعبه قواعد عمل البيروقراطية ، في
مناخ ديمقراطي ، في الحدمن الاعتباطية في ممارسة
السلطة وليس تعزيزها . لا نريد من هذا القول توسيع
البيروقراطية ، بل القول أن في الدولة الحديثة ، وجيش
الموظفين جزء لا بد منه ، تكمن القضية الأساسية في
كيفية اخضاع أجهزة الدولة الى المساءلة الديمقراطية .
يجب التمييز هنا بين البيروقراطية في مستوياتها العليا
والدنيا . على المستويات العليا ، حيث يتم تحديد
السياسات واقرار الاجراءات ، يمكننا الافتراض أن جميع
الموظفين في جميع قطاعات الدولة ، بما فيها أجهزة
الجيش والبوليس ، ينبغي أن تخضع للوزراء . ان التصريح
بهذا الافتراض أسهل بكثير من تطبيقه على ارض الواقع ،
لأن الوزراء كثيرا ما يتغيرون، أما الموظفون فقد يبقون
حيث هم الى أمد طويل ، وقد يطورون آراء خاصة بهم
وبدوائرهم ، كما يمكنهم ، اذا أرادوا، ممارسة تأثير
كبير على السياسات المتبعة بحيث يحولون فكرة خضوعهم
الى الوزراء الى مجرد شيء صوريّ . أما في الحكومة
الاشتراكية ، فسوف يتحقق تواصل أيديولوجي بين الوزراء
وكبار الموظفين (6)
. وسوف يتكفّل هذا التواصل بالتخفيف من مخاطر تلك
الحالة . لكن هذا لن يمنع من ظهور خلافات حول القضايا
الهامة . ولذلك لا بد من التطبيق الصارم لمبدأ خضوع
الموظفين في المستويات العليا للدولة الى تعليمات
الوزراء . مع ذلك فان الكثير هنا ، كما في المواقع
الأخرى ، يعتمد على نوعية ومرونة الوزراء أنفسهم .
يواجه المواطن العادي الموظفين على أدنى مستويات
الدولة حيث يكون للعيوب مثل ، عدم الكفاءة ،
اللامبالاة ، الكسل وكذلك الوحشية ( في دوائر البوليس
) ، أكبر تأثير مباشر . يجب اخضاع هذه المستويات الى
رقابة مؤسسات مختلفة بدءا من الهيئة التشريعية الوطنية
ووصولا الى المجالس المحلية التي تمثل المواطنين ومن
يتعرض للأذى ، ويجب أن تقوم هذه المؤسسات بمهامها على
أساس توزيعها لمعلومات يحصل عليها المواطن مجانا .
في النهاية ، لن يكون أي هذه الاجراءات كافيا ، مهما
بلغت من تفصيل ، اذا لم تلزم الثقافة السياسية المحيطة
بعمل موظفي الدولة بأن يكون لديهم شعور قوي بالاحترام
الذي يستحقه المواطن "العادي" . وليس من السهل نمو هذا
الشعور باحترام المواطن العادي في مجتمعات تسود فيها
جميع أنواع اللامساواة ، لأن التفاوت الشديد في الظروف
الحياتية يولّد تفاوتا شديدا في التعامل ، لا سيما من
قبل موظفي الدولة ، الذين يزاول الكثير منهم المهام
الادارية ، الرقابية والقمعية للدولة على المستويات
القاعدية التي تتعامل مع أناس فقراء أو لديهم متاعب ،
ويعملون تحت ظروف سيئة للغاية . عندما يتم التخفيف
الكبير للتفاوت السائد ، وتصبح "المواطنة" والجماعة
أكثر من مجرّد كلمات عندها فقط يمكن التخفيف من عيوب
فئة الموظفين .
يمكن تعزيز الاحساس بالمسؤولية لدى الموظفين ، في
المستويات العليا للدولة ، وفي بعض مستوياتها الأدنى
ايضا ، اذا تمّ اختيار هؤلاء الموظفين عن طريق
الانتخابات . في الديمقراطيات الاشتراكية ، حيث يتمتع
الناس بسلطة هامة في الدولة والمجتمع ، يجب أي يخضع
الموظفون للانتخاب ، قد لا تكون هذه الطريقة عملية في
المستويات الادارية العليا في الدولة حيث يتوجب اختيار
المدراء من قبل الوزراء ، وبموافقة الهيئة التشريقية .
ومع ذلك من المستحسن خضوع الموظفين ذوي المسؤوليات
الهامة ، مثل القضاة ومدراء البوليس ، الى الانتخاب
بعد ان يستوفوا شروط القبول التي تعلنها الجهات
المختصة . ولا يوجد أي سبب منطقي يمنع الناخبين من
اختيار القضاة على اساس ما يطرحون من مواقف عن تحقيق
العدالة ، التعامل مع منتهكي القانون ، قضية الاجهاض
،والمسائل الأخرى التي تخص وظائفهم . وينطبق هذا على
ضباط ادارة البوليس فيما يتعلق بالقضايا التي تقع في
مجال عملهم . وليس هناك مبرّر الاعتراض المحتمل في
حالة القضاة ، بأن هذا سوف يؤدي الى تحيّز وبيل عند
القضاة ، لأن اعلان المواقف يترك مجالا كبيرا ليحكموا
بتجرد في القضايا الخاصة .
(III)
لا بدّ لأي نظام اشتراكي في دولة مركزية أن يفضل لا
مركزية السلطة ومنح صلاحيات كبيرة للسلطات المنتخبة
على المستويات المحلية والاقليمية ، انطلاقا من
الافتراض أن هذه السلطات المحلية أقدر على تمثّل مصالح
ورغبات ناخبيها من الحكومة المركزية . ولكن اقامة هذه
اللامركزية في السلطة ليس ، بأي حال من الأحوال ،
مرادفا لاقامة حكم ذاتي ديمقراطي ، لأن منح الصلاحيات
للمجالس الحكومية المحلية ، مهما كان مرغوبا ، يمكن
ألا يعني سوى تكاثر الهيئات وتعزيز نفوذ "الوجهاء"
المحليين ، وتضخم عدد موظفي الدولة دون أن يعني ذلك
تقوية " الديمقراطية المشاركة "- هذا ما دعاه يوما
رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق ن بيير موري ،
باللامركزية المتطرفة
(7) ويمكن قول الشيء نفسه عن تطبيق
"اللامركزية" أي اعطاء بعض الصلاحيات للولايات أو
الأقاليم في الأنظمة الفيدرالية . فاللامركزية جزء
أساسي من أنظمة كهذه ، ولكنها لا تؤدي بحدّ ذاتها الى
توسيع نطاق الديمقراطية .
كما يطرح مبدأ اللامركزية مشكلة أخرى على حكومة تتأهب
للقيام بتغييرات راديكالية . لأن حكومة كهذه ، حاصلة
على دعم الأغلبية ، سيهمّها تماما تطبيق القوانين
الخاصة بالمسائل الهامة على مستوى الوطن ككل . ولن
تسمح للمجالس المحلية أن تقوم ، بذريعة الحكم الذاتي
والتحرر من "تدخل" الحكومة المركزية ، بالاستخفاف أو
التحايل على التشريعات التي تخص قضايا هامة مثل
العناية الصحية ، التعليم ، شروط السلامة أثناء العمل
، حماية البيئة ، حقوق الاجهاض وكثير من القضايا
الهامة الأخرى . وحالما يتمّ فرض تلك القوانين ، يمكن
اعطاء المجالس المحلية صلاحية تكييف السياسات التي
أقرتها السلطة المركزية بالشكل الذي يناسب الاحتياجات
والرغبات المحلية – شريطة أن لا يستخدم هذا التكيف
لاحباط الاصلاحات . هنا أيضا سوف تبرز النزعات
المتناقضة ولا بدّ من تحقيق توازن بين سلطة المركز
وسلطة الأطراف .
(IV)
ينبغي الحديث عن تنظيم السلطة التنفيذية . لا بد
للحركات السياسية التي تحقق النجاح الانتخابي أن تضع
عددا من الأشخاص في مواقع قيادية ، بالاضافة الى شخصية
واجدة تعتبرها حامل لواء مطامح الحركة . ولا بدّ أن
تصبح هذه الشخصنة
personalization
، في عالمنا السياسي الذي تسيطر عليه شبكات التلفزيون
والصحف الشعبية ، أكبر وأكثر حدّة مما كانت عليه في أي
وقت مضى . النظام الرئاسي يعزز هذه النزعة ، ولكنها
فعالة ايضا في الأنظمة البرلمانية .
سوف تنحاز ان لديمقراطية الاشتراكية بطبيعتها ضد
التركيز الشديد للسلطة التنفيذية في يد أي شخص ، سواء
كان رئيسا ، مستشارا أو رئيس وزراء . فهذا التركيز
يعني أن قرارات كبرى تتخذ دون الرجوع الكافي الى أي
جهة خارج دائرة ضيقة من المستشارين . ان رؤساء الوزراء
في الديمقراطيات الرأسمالية مقيدون عموما في ممارستهم
للسلطة الشخصية أكثر من الرؤساء المنتخبين باقتراع عام
، ولكن التجربة برهنت على أن رئيس الوزراء الذي يريد
أن يمارس سلطته الشخصية يتمتع بهامش كبير يمكنه من ذلك
، ان هو أصرّ .
ومن السذاجة أن نعتقد بامكانية تجاوز ذلك مهما كان شكل
النظام . مع ذلك يجدر القول ان النظام الديمقراطي
الاشتراكي يجب أن يقدس مبدأ " القيادة الجماعية " ،
ويضمن عدم منح سلطة مفرطة لأي فرد . الديمقراطية
الاشتراكيةستقوم بتطوير مناخ سياسي تغدو فيه السلطة
الشخصية الكبيرة خيارا خظرا وغير ضروري ، وتصير "عبادة
الشخصية " بأي شكل انحرافا مرفوضا عن القيم
الديمقراطية .
(V)
ان سلطة رئيس الحكومة ليست بالطبع السلطة الوحيدة التي
تدعو الحاجة الى تحديدها ، اذ يجب تحديد سلطة الحكومة
ككل .ويقودنا هذا الى دور السلطة التشريعية وعلاقتها
بالسلطة التنفيذية .
افترضنا في فصل سابق أن الحكومة الاشتراكية سوف تحتاج
الى مساندة أغلبية برلمانية صلدة كي تنجح في مساعي
الاصلاح ، كما ستحتاج من أجل ذلك الى مراقبة وضبط
برنامج التشريع وجدول أعماله . غير ان هذا لا يعني أن
الهيئة التشريعية ستكون ملحقا طيّعا يخضع للحكومة . ان
الرجال والنساء الذين يشكلون الأغلبية موحدون بصفة
عامة ، لكن لديهم آراء ومواقف مختلفة حول قضايا كثيرة
. ويزداد هذا الاختلاف اذا كانت الأغلبية مكونة من
أحزاب ومجموعات مختلفة ضمن ائتلاف . فالتأييد العام
الذي يتوقع من الاغلبية أن تقدمه للحكومة ، والذي تريد
ان تقدمه لها ، لا يعني في اي حال تخلّي الأغلبية عن
دورها النقدي والرقابي الضروري . سوف تحتاد السلطة
التشريعية ولجانها المختصة ، في أي نظام اشتراكي
ديمقراطي ، الى التسلّح بالنفوذ الكافي في علاقتها مع
السلطة التنفيذية كي تشكّل مرجعية لا يمكن تجاهلها .
يمكن الاعتماد على أحزاب المعارضة في الهيئة التشريعية
لتفعل ما يمكنها لمراقبة الحكومة . لا بد أن يكون
تأثير هذه الأحزاب محدؤدا لأنها أقلية . ولكن سيقع على
عاتقها قسط كبير من مسؤولية الفحص النقدي لسياسات
الحكومة وأفعالها . فالحزب أو الأحزاب التي تساند
الحكومة ستعاني من بعض المواقع في ممارسة دورها النقدي
.
ان الحكومة المنشغلة بمهامها الشاقة لحقيق التغيير
الجذري الذي يواجه معارضة قوية ، لن ترحّب كثيرا
بالنقد الصادر عن مؤيديها ، وسوف يشغر البرلمانيون
المؤيدون لها بالحرج من الاصطفاف مع المعارضة حين يجري
صراع كبير . ومع ذلك ، ينبغي للهيئة التشريعية أن
تمارس دورا نقديّا ، ويدب أن تضمن لها نصوص الدستور
امكانية القيام بهذا الدور ، وأن يسند دور رقابي هام
الى لجانها . وهذا مثال آخر للتوتر الحتمي بين ما
تتطلبه السيرورة الديمقراطية من جهة ، ومتطلبات
الحكومة من جهة أخرى .
يقول ماركس ، مادحا كومونة باريس في كتابه " الحرب
الأهلية في فرنسا " ، " ان الكومونة أريد لها أن تعمل
، ليس كبرلمان ، بل كهيئة تشريعية وتنفيذية في الوقت
نفسه" (8) .
وقد تبنّى لينين الفكرة نفسها فيما بعد
(9) . هذا الرفض
للفصل بين التشريع والتنفيذ اثبت عدم واقعيته ، لأن من
غير الممكن أن يمارس البرلمان الحكم المباشر ، على
الأقل على مستوى البلد ككل ، لا بد عاجلا وليس آجلا أن
يفوض البرلمان السلطة التنفيذية الى حكومة قادرة على
رسم السيا سة . فثمة حاجة الى حكومة قوية وسلطة
تشريعية قادرة على القيام بدور فعال مقابل الحكومة .
هنا ايضا ، يبدو القول اسهل من الممارسة ، ولكن ليس
هناك من شك في الحاجة الى ذلك .
(VI)
ان الهيئة التشريعية التي تطرقنا اليها حتى الآن هي
المجلس الأول في نظام يضم مجلسين تشريعيين ، ولا بدّ
من الحديث قليلا عن المجلس الثاني ، في الماضي كان هذا
المجلس مسلحا بسلطة كبيرة لعرقلة أو منع مرور أي تشريع
يمكنه تهديد الملكية الخاصة أو يمكنه ، بشكل أعم ، أن
يدفع الوضع القائم باتجاه تقدمي ديمقراطي
(10) . وفي
القرن العشرين جرى تقليص سلطته باطراد ، في البلدان
غير الفيدرالية على الأقل . لا بد للديمقراطية
الاشتراكية ان تميل الى النظام ذي المجلس التشريعي
الواحد في البلدان غير الفيدرالية . ويمكن اقامة مجلس
ثان لتمثيل المصالح الاقتصادية ، الاجتماعية ،
الاقليمية والثقافية ومصالح أخرى . ولن يطرح هذا
الخيار أية مسألة مبدئية ، شرط ان يبقى دور هذه
المجالس استشاريا اراديا فحسب ، بحيث لا يشكل أي تحد
للمجلس الأول .
سوف تطرح المسألة نفسها بشكل مختلف في الأنظمة
الفيدرالية ، حيث تقوم الولايات والأقاليم بالمطالبة
بتمثيلها في مجلس ثان مشكّل خصيصا للدفاع عن
امتيازاتها ومصالحها . في هذه الحالات يحتاج المجلس
الثاني الى قدر من السلطة للقيام بهذا الدور .
(VII)
سواء كان المجلس الوطني قويا أو ضعيفا ، يجب أن تعكس
بنيته بدقة واضحة نسب توزع أصوات الناخبين في اقتراع
عام . من هذه الناحية ، يتضح أن النظام الانتخابي غير
مرض اذا كان الفائز بموجبه هو الذي يحصل على أعلى
الأصوات ، فهو يجعل مفهوم التمثيل الدقيق مسخرة .
ولأنه يؤدي الى اعطاء سلطة الحكم الكاملة الى حكومة
انتخبتها أقلية من المقترعين ، وأصغر من ذلك اذا
احتسبنا كل الذين يحق لهم الانتخاب . فعلى هذا الأساس
تمكنت مارغريت تاتشر ، بواسطة أقلية من الناخبين في
أعوام 1979 ، 1983 ، 1987 ، من مواصلة ثورتها المضادة
في بريطانيا ، ويصح القول نفسه على انتخاب زميلها جون
ميجر عام 1992 . ان أعضاء حزب العمال ، الذين يساندون
هذا النوع من النظام الانتخابي ، يبررون مساندتهم
بقولهم ان هذا النظام يعطي حزب العمال أيضا فرصة الفوز
في الانتخابات وتشكيل الحكومة . يمكن لهذا القول ان
يكون صحيحا ، ولكنه يتجاهل بعض الحقائق الهامة ، ناهيك
عن المسألة المبدئية التي تقتضي ألا يشوه النظام
الانتخابي التمثيل النيابي . هذا الموقف يتجاهل أن
الحكومة التي تريد القيام باصلاحات جوهرية الى تأييد
جمهور الناخبين في البلاد بدرجة أكبر جدا من التأييد
الذي تحتاجه حكومة محافظة . هكذا فقط يمكن لحكومة
راديكالية أن تأمل في تحقيق أهدافها ، ويجب أن ينعكس
هذا التأييد في عدد الأصوات التي تحصل عليها . ان نسبة
51% ليس رقما سحريا ، الا أن الحصول على هذه النسبة من
الأصوات ، بشكل مستقل أو ضمن ائتلاف ، أمر مفيد جدا .
سيكون لأية حكومة ديمقراطية اشتراكية نظام انتخاي يضمن
درجة عالية من التطابق بين كيفية توزع اصوات الناخبين
والمقاعد البرلمانية . أما التطابق التام بينهما بصيغة
التمثيل النسبي فيؤدي الى منح الأحزاب الصغيرة سلطة لا
تتناسب أبدا مع حجمها ضمن حكومة ائتلافية هشّة . ولكن
بين نظام يكتفي بأغلبية أصوات من جهة والتمثيل النسبي
الصارم من جهة أخرى ، توجد خيارات كثيرة تمكّننا ، على
الأقل الى حد ما ، من تجنب العيوب غير الديمقراطية
لكليهما .
(VIII)
ايا كان شكل النظام الانتخابي السائد ، فان الانتخابات
- أو على الأقل الانتخابات غير المزيفة - تعني ان
الحزب أو الأحزاب الحاكمة يمكن أن تهزم . حين لا تكون
الأحزاب منقسمة على نفسها انقساما جوهريا . وتكون
الأساليب الديمقراطية متأصلة ، يعتبر هذا الاحتمال
بديهيا ، اذ يفترض أن تسود "قواعد اللعبة " وأن تستقيل
الحكومة المهزومة في الانتخابات فاسحة المجال أمام
خليفتها . وهطذا ، في نظام رئاسي ، يخلي الرئيس
المهزوم مكانه لغريمه الفائز .
كانت أحدى السمات الأساسية لتطور الأحزاب الشيوعية في
الستينات والسبعينات – وهي فترة الشيوعية الأوروبية –
قبول هذه الأحزاب غير المشروط لمبدأ "التعاقب" كما
يسمونه في فرنسا ، قبولها ل "قواعد اللعبة " في هذا
المجال كما في غيره . وقد تعارض ذلك بشكل حادّ مع
السياسات الستالينية بشكلها السائد في اوروبا الشرقية
بعد عام 1945 ، ناهيك عن الاتحاد السوفياتي ، حيث لم
تكن هذه المسألة مطروحة في ظل احتكار الحزب الشيوعي
للسلطة . نظرا للتجربة الستالينية ، كان بمقدور اعداء
الشيوعية في فرنسا واماكن اخرى الادعاء أن فوز الحزب
الشيوعي وحلفائه في الانتخابات يجعلها الانتخابات
الأخيرة أو على الأقل آخر انتخابات نزيهة تجري في ظل
التنافس مع الأحزاب الأخرى . ربما كان هذا صحيحا ، ليس
فقط لأن الزعماء الشيوعيين أرادوا ذلك ، بل لأن فوزهم
في الانتخابات - وكان على أي حال غير محتمل - كان
سيتبعه على الأرجح ظروف تقترب من حرب أهلية ، يصبح
اجراء الانتخابات في ظلّها من المستحيلات تقريبا .
كيف تطرح هذه المسألة نفسها عندما يتعلق الأمر بحكومة
اشتراكية انتخبت بصورة قانونية وتواجه الانتخابات
العامة التالية ؟
ان الرهان في انتخابات كهذه سيكون أكبر بكثير منه في
الحالات المألوفة ، لأن المعارضة تحاول استرجاع السلطة
وابطال أهم الاصلاحات التي قامت بها الحكومة . من
جهتها ، الحكومة والأحزاب المؤيدة لها ، ستكون مدركة
لحقيقة ان سيرورة الاصلاح لا تزال في بدايتها ولا يمكن
المضي بها أو توطيدها الا عند بقائها لأمد طويل . بهذا
المنظار ستكون الخسارة المحتملة للانتخابات هزيمة كبرى
، مفعمة بعواقب وخيمة . لكن سجلّ الحكومة الايجابي
وحماس مؤيديها في البلاد قد يولدان تأييدا واسع النطاق
يضمن الفوز الانتخابي المستمر . وهذا ما استطاعت
الديمقراطية الاشتراكية السويدية تحقيقه مرّة اثر مرّة
، الى أن ادى تفاقم المشاكل الاقتصادية ، واعتماد
الاجراءات الليبرالية الجديدة في سنوات الثمانينات
سعيا لحلّ تلك المشاكل ، الى عودة خصومها المحافظين
الى الحكم . وحين تبدو الهزيمة محتملة ن لأية اسباب ،
لا تملك اية حكومة اشتراكية بديلا عن خوض الانتخابات
وتقبل نتائجها . أما الخيار البديل ، اي رفض اقامة
انتخابات ، سيكون مساويا لانقلاب عقيم لا يمكن الابقاء
عليه الا بأساليب تفتقر الى أية شرعية ويتوقع أن يواجه
معارضة حادة .
لكن هذا ليس نهاية المطاف . فقد افترضت هنا أن
المعارضة مهما بلغ حماسها لالغاء ما قامت به الحكومة
السابقة ن سيكون عليها أيضا الالتزام بالصيغ الدستورية
. يمكن ان يقال انه افتراض كبير جدا ، وأن الأحزاب
المحافظة ، التي ظلت حتى الآن ملتزمة بالصيغ الدستورية
، يمكن أن تتحول فيما بعد الى الفاشية . هذا القول
يستخف بالمسافة التي تفصل عادة بين أحزاب كهذه ،
وأحزاب فاشية بشكل صريح . اذا أخذنا بعين الاعتباؤ تلك
المسافة سيكون من الصعب على الأحزاب المحافظة أن تتحول
الى أحزاب فاشية .
كتب بيري اندرسون أن "التجربة الايطالية والألمانية بي
الحربي تذكرنا بوجود طريق برلماني يؤدي الى الفاشية "
(11) .
والحقيقة أن تلك التجربة لا تثبت وجود طريق برلماني
يؤدي الى الفاشية . فعندما سمّي "الزحف على روما" عام
1922 ، كان لحزب موسوليني الفاشي 35 نائبا في مجلس
النواب ، ولم يكن ممكنا ان يصل الى السلطة عن طريق
انتخابات حرة. كانت قوته تكمن في حماسة فاشيي ايطاليا
، وفي ضعف الحكومة ، وفي التعاطف الذي ولّدهلدى الطبقة
الحاكمة ، وفي التأييد الذي كان لديه في أجهزة الدولة
على المستوى المحلي والاقليمي . ولم يكن لتولّيه رئاسة
الوزارة بناء على تكليف الملك اية علاقة بطريق برلماني
الى الفاشية . أما هتلر فقد حقق نجاحا في الانتخابات
أفضل بكثير . كان الحزب النازي عام 1932 اكبر حزب في
برلمان ألمانيا . ولكنه لم يحصل على أغلبية ولم يكن
الدستور يقتضي بتكليفه برئاسة الحكومة ، لا سيما أن كل
ما قاله وفعله الحزب النازي قبل ذلك قد بيّن بشكل قاطع
أنه ينوي تدمير الأساليب الديمقراطية في جمهورية
(فايمر) . جاء تعيين هتلرنتيجة لانقسامات اليسار
والضعف الناتج عن هذه الانقسامات ، بالاضافة الى ، في
هذه الحالة أيضا ، ضعف المعارضة الجدّية التي لاقاها
في صفوف اليمين . فالواقع ان الاعتقاد ساد بين الكثير
من أصحاب القوة والنفوذ في الدولة وفي البلد ان هتلر
هو الحلّ لمشاكل ألمانيا . في أعقاب اندحار فرنسا عام
1940 ، صوتت اغلبية برلمانية لصالح تنصيب (بيتان)
رئيسا للدولة ومنحه سلطة مطلقة ، وهكذا أضفوا الشرعية
على ما أصبح فيما بعد نظاما تسلطيا . ولكن هذا ، في
ظروف تلك الفترة الخاصة ، لا يعني القفز الى السلطة
عبر " طريق برلماني " .
بقيت تلك الطريق مغلقة في وجه الأحزاب الفاشية الجديدة
منذ الحرب العالمية الثانية . وظلّت هذه الأحزاب
هامشية حتى الثمانينات . وبدأت تحقق قدرا أكبر من
النجاح الانتخابي بعد ذلك الحين ، ولكن لم يفلح أي
منها بأن يتحول الى حزب رئيسي لديه فرصة استلام السلطة
عن طريق الفوز في الانتخابات . من المحتمال أن تحصل
على مزيد من التأييد اذا استلم الاشتراكيون السلطة ،
ولكن خطرهم الأساسي عند ذلك سيكون تزايد لجوئهم الى
العنف وبالتالي خلق ظروف أشبه بحرب أهلية ، والخطر
الآخر هو أنهم سيجدون حلفاء لهم ضمن أجهزة الدولة وبين
السياسيين المحافظين الذين كانوا حتى الآن ملتزمين
بالمبادىء الدستورية .
في حالات كهذه ، لا تجانب الصواب اية حكومة اشتراكية
باعلان حالة الطوارئء وتعليق العمل الاعتيادي للمؤسسات
الى أن يعود السلام المدني ثانية . وفي مرحلة مبكرة
نسبيا ، ستقوم الحكومة أيضا بتقديم القادة الفاشيين
وأحزابهم الى المحاكمات لأسباب متنوعة . ان فرض قانون
الطوارئ وتعليق العمل الطبيعي للمؤسسات بيس بالأمر
المرغوب ، ولكنه الثمن الحتمي الذي لا بد منه من أجل
مواجهة خطر استيلاء الفاشية الجديدة على السلطة .
وهذا يختلف كثيرا عن استلام السلطة من قبل احزاب
معادية للأشتراكية ملتزمة بالقوانين الدستورية . حتى
حكومة معادية للاشتراكية وملتزمة بالدستور سوف تطمح
الى ابطال الكثير مما قامت به الحكومة السابقة لها .
يأمل اليسار أن الحكومة الاشتراكية قد استغلت فترة
حكمها للقيام باجراءات تجعل عملية التراجع عن
اصلاحاتها عملية صعبة للغاية ، وانه ، ورغم هزيمة
الاشتراكيين في الانتخابات ، ستبقى القوى الفعّالة
التي ساهمت في فوزهم المرّة السابقة قوية ومتحفّزة
لمنع أية حكومة تالية من الاندفاع المفرط ضد الاصلاحات
. لم تواجه حكومة تاتشر في الثمانينات معارضة قوية
ومتحفّزة كهذه ، وهذا مكّن تلك الحكومة من فرض
سياساتها الرجعية على نطاق واسع . وعندما واجهت تلك
الحكومة معارضة حقيقية تراجعت ، كما حصل عندما حاولت
أن تفرض ضريبة الرأس
Poll-Tax
.
انّ ما يمنح القوة لليمين هو دائما ضعف اليسار ،
وسيكون من أهم مهمات حكومة اشتراكية أن تعزز قوى
اليسار على طول البلاد وعرضها ز ويمكن ا لافتراض ،
بالاضافة الى ذلك ، أن حكومة كهذه ستناضل من أجل بدء
السيرورة التي وصفها
Francis
Casles
بشأن التجربة السويدية ، فقد كتب عام 1968 ، "
الاشتراكيون – الديمقراطيون وأنصارهم مندمجون في آليات
المؤسسات على جميع مستوياتها . فهم يشكّلون جزءا لا
يستهان به من البيروقراطية العليا للدولة ، من الدارات
المحلية ، من السطلة القضائية ، بل من كل وسيلة سياسية
رئيسية في سكندنافيا "
(12) . ولا يؤدي هذا سوى الى تكرار الحالة
التي تجدها في الدولة البرجوازية ، وفي اقامة السدود
والحصون القوية الملتزمة باليسار في المجتمع والدولة
تكمن افضل الآمال في احباط مساعي حكومة تعقبهم ،
وجعلها تبدو مجرد فاصةل في سيرورة الاصلاح الراديكالي
. فالمقاومة التي سوف تواجهها من قبل اليسار هي جزء من
سيرورة الديمقراطية ، فهي تماثل فقط المقاومة التي سوف
تواجهها أية حكومة اشتراكية من قبل القوى المحافظة .
ان الفوز في الانتخابات ، من قبل اليمين او اليسار ,
لا يمكن اعتباره النهاية للمعارضة .
-3-
ان جميع الاصلاحات التي تناولناها حتى الآن ، واصلاحات
أخرى مشابهة ، سوف تؤدي الى مقرطة نظام الدولة الى
درجة هامة ، لكن النظام سوف يبقى نظام ديمقراطية
نيابية ، حيث تكون مشاركة الشعب في القضايا العامة
وصناعة القرارات الهامة غير واسعة ، لأن مشاركتها
ستقتصر بدرجة كبيرة على انتخاب ممثلين لها على
المستويات المختلفة للحكم ومحاولة التأثير على هؤلاء
الممثلين من خلال قنوات الضغط المختلفة ، الأحزاب ،
الجمعيات المدنية .... الخ . وكما اشرنا في الفصل
الثاني ، فان هذا كان ، الى هذا الحد أو ذاك ، هو
تعريف المنظّرين لهذ المشاركة في العقود التي تلت
الحرب العالمية الثانية ، والكثير من هؤلاء المنظرين
وجد حتى هذه الدرجة من المشاركة خطرة . في كتابه
"الرأسمالية ، الاشتراكية والديمقراطية" ، أعلن
Joseph Schumpter
أن ما اسماه ب " النظرية الكلاسيكية للديمقراطية " حسب
تسميته تتطلب " درجة مفرطة من العقلانية " من جانب
المواطنين العاديين (13)
. في السياق نفسه ، وفي تقرير من اللجنة الثلاثية ،
وهي هيئة مرموقة شكّلها
David
Rockefeller
عام 1972 وتضم اكاديميين وسياسيين من جميع انحاء
العالم ، ورد تحذير من ان "انتشار روح الديمقراطية
يمكن أن ينطوي عن خطر حقيقي ويقوّض جميع اشكال
التجمّعات" بالاضافة الى "زيادة أعباء " الحكومة و
"توسيع دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع "
(14).
ألنظرية الكلاسيكية حول الديمقراطية ، منجهتها ، تعني
بكلمة مشاركة ن حسب تعبير
Lane
Davis
" تثقيف الشعب كله الى الحدّ الذي تصل معه قدراتهم
الثقافية ، العاطفية ، والأخلاقية الى مداها الأقصى
فيرتبطون ، بحرية وفعالية ، ضمن مشترك اصيل "
(15) . والحقيقة
أن المشاركة ، حسب النظرية الكلاسيكية عن الديمقراطية
، تعني بشكل اساسي المشاركة في عملية انتقاء النواب .
على سبيل المثال ، أعلن
John
Stuart Mill
في كتابه "الحكومة النيابية" عام 1865 أن "الحكومة
الوحيدة القادرة على تلبية متطلبات الدولة الاشتراكية
هي الحكومة التي يشارك فيها جميع أفراد الشعب" . لكنه
يتابع قائلا ، "بما أنه لا يمكن ، في جماعة تزيد عن
سكان بلدة صغيرة ، أن يشارك الجميع شخصيا الآ في أجزاء
صغيرة من القضايا العامة ، نستنتج ان النمط الأمثل
لحكومة تتسم بالكمال لا بد أن يكون النموذج النيابي "
(16) .
هذا الاعتقاد بأن " ديمقراطية المشاركة " تعني حقا "
الديمقراطية النيابية "في اطار انتخابات عامة رفضه
الكثيرون من الذين تأثروا ب "روح انتفاضة عام 1968 " .
لاعتبارهم هذا التعريف مفرط التقييد للديمقراطية وقد
انطبق هذا دائما ، كما أسلفنا ن على الماركسية
الكلاسيكية ، دع جانبا الفوضوية .
الديمقراطية التمثيلية والممارسة البرلمانية المرتبطة
بها ظلت دائما سيئة السمعة لدى هذه التيارات الفكرية .
فقد فهمت على أنها ، عمليا ، تعني الاستمرار في اقصاء
جماهير الشعب عن سيرورة صنع القرارات ، وتبقي مسافة
كبيرة بين النواب ومن يمثلونهم ، فتكون السياسة نشاطا
يكاد يقتصر على اختصاصيين ماهرين في مسائل المساومة
والصفقات ، كما أنهم نزّاعون للفساد .
منذ الستينات ، يتسع الاهتمام بفكرة المشاركة بصفتها
نشاطا يتجاوز كثيرا عملية التصويت والفعاليات السياسية
" التقليدية " الأخرى ، ويكتسب شعبية اكبر ، حتى أصبحت
المشاركة تعني التوسيع الجدري للمجال الذي فيه يمكن
للناس أن "يتحكموا بحياتهم الخاصة " . ويعبر عن ذلك
بينجامين باربر
Bengamin
Barber
تعبيرا مغاليا ولكنه نموذجي بالقول ك " لا يستطيع
النساء والرجال أن يصبحوا افرادا مستقلين بدون
المشاركة في الحياة العامة التي تحدد مسارات حياتهم
وبدون المشاركة في صنع القرارات التي تحدد محيطهم
الاجتماعي " (17)
.
المسألة هنا ليست مسألة ديمقراطية المشاركة بالمعنى
المغالي للتعبير ، كما أنها ليست مسألة الديمقراطية
النيابية . فديمقراطية المشاركة ، بمعناها المتطرف ،
شيء مماثل للديمقراطية المباشرة ، اي عمليا بلا ثواب ،
أو بنواب خاضعين تماما لسيطرة ناخبيهم . وهذه نظرة غير
واقعية لما هو ممكن . فالتمثيل يلازم جميع المنظمات
على شتى المستويات ، ما عدا أكثر المستويات التمثيلية
مباشرة ومحليّة . وحتى على هذه المستويات المحلية فان
التمثيل ضروري ، والتمثيل يقتضي بعض المسافة بين
الممثّلين والممثلين .
ما ورد أعلاه يطرح سؤالين ، الأول ، كيف تقلص الهوة
بين الممثّلين والممثّلين / الثاني ، كيف تجمع بين
الديمقراطية النيابية وديمقراطية المشاركة .
يجب التفريق في البدء ، بين الأجهزة الحكومية ، وهيئات
الدولة ، المجالس النيابية ن الاقليمية والمحلية من
جهة ، وبين الأحزاب ، النقابات والاتحادات ن الجمعيات
، النوادي والجمعيات التطوعية على اختلاف أنواعها ، من
جهة أخرى . يمكن دعوة الجهة الأولى القطاع الرسمي ،
والثانية القطاع المدني .
وفيما يخص القطاع الرسمي ، المشاركة الفعالة تعني
اعتماد شتى الوسائل والاجراءات التي ذكرناها سابقا .
وغايتها جعل التمثيل مخلصا . سريع الاستجابة ، خاضعا
للمساءلة بقدر المستطاع . كما يقتضي ذلك اضطلاع بعض
ادارت القطاع المدني بدور استشاري – ارشادي ، محدد في
سيرورة صنع القرار . ولهذا أهمية خاصة بالنسبة للمجالس
الاقليمية والمحلية ، لكن من الواضح أنه يصلح للتطبيق
على نطاق أوسع . وفي الحقيقة ، سوف تشجّع الديمقراطية
الاشتراكية على اسناد أكبر قدر ممكن من المسؤوليات على
مستوى القاعدة الى روابط القطاع المدني . فتجعلها
مشاركة فعالة في ادارة المؤسسا ت التعليمية ، الخدمات
الصحية ، الجمعيات السكنية والهيئات الأخرى التي لها
تأثير مباشر على حياة المواطنين .
ان القطاع المدني ، كما يقصد به هنا ، يمتد عبر
المجتمع ككل ويمثّل جميع المصالح والشؤون التي لا تحصى
والتي تشكّل جزءا من المجتمع المدني . تتاثر حياة
غالبية المواطنين من خلال ممارسة السلطة من قبل
المسيطرين على أهم قطاعاتها وذلك ضمن المجتمع نفسه
بقدر ما تتأثر بذلك ضمن منظمات ومؤسسات الدولة .
ويتجلى هذا اكثر ما يتجلى في المصانع والدوائر ، وفي
جميع أماكن العمل ، ولكنه ينطبق أيضا على جميع
المؤسسات الأخرى حيث توجد بنى النفوذ . ففي دولة
ديمقراطية اشتراكية ، ستكون جميع مثل هذه البنى خاضعة
الى أقصى درجات الرقابة من قبل المواطنين الموجودين
ضمنها . وهذا يعني ببساطة ان الديمقراطية سوف تعمّ
المجتمع ككل وتصبح جزءا من مسلمات النظام الاجتماعي ،
فتكون المشاركة حقا "كبيعيا " للمواطنين .
وسيؤدي هذا على الأقل الى تقليص الخطر الذي اشرنا اليه
في الفصل الثاني ، أي خطر الطغمة ( أي حكم القلّة ) .
هذا الخطر موجود حيثما تجري ممارسة السلطة ، انه موجود
في القطاع العام والقطاع الخاص ، في نقابات العمال ،
الأحزاب والجمعيات بالأضافة الى المؤسسات الحكومية
والاقتصادية . ولا سبيل الى تلافي هذا الخطر الا
ممارسة الديمقراطية واعتيادها . يدب التفريق بين
"التراتبية" (أي التسلسل الوظيفي الهرمي ) وبين الطغمة
. فالمنظمات التي تدار بأسلوب ديمقراطي يمكن جدا أن
تحتاج الى بنى سلطوية ، ومن المرجح جدا أن يمتلك بعض
الأفراد ضمن هذه البنى سلطة اكثر من الآخرين .
وللحيلولة دون تسلط الطغمة ينبغي أن يحصل كل من يمارس
سلطة اكبر على تخويل حز من جمهرة ناخبيهم ، وأن يخضعوا
للمساءلة ، وان تتضمن سيرورة صنع القرارات مشاركة
فعالة من قبل المعنيين .
واضح أن المشاركة الفعالة هي احدى السمات المميزة
للديمقراطية الاشتراكية . ولكن يجدر القول انه الى
جانب هذه المشاركة يوجد الحق في الامتناع عن المشاركة
. هناك أشخاص سيختارون ، لسبب أو لآخر ، عدم المشاركة
في الحياة التي تحيط بهم ، ويفضلون الانكفاء . ولا
يعقل ان يظل احد بعيدا عن جميع مجالات النشاط العام
تماما . ولكن اذا اختار بعض الناس عدم المشاركة ، يجب
قبول هذا الاختيار . يجب أن ينظر للمشاركة على أنها حق
وليست واجبا .
ولكن الأهم من ذلك هو اعتبار مبدأ المشاركة الفعالة
سمة أساسية من سمات النظام الاجتماعي وأنها تضغي معنى
على المواطنة . فهكذا يمكن رعاية ما سميناه الفضيلة
المدنية ، وهكذا يمكن حقا للفردانية المجتمعة أن تتجلى
.
-4-
لسوء الحظ ، لا ينتمي كل هذا سوى الى عالم النوايا
الحسنة . فلتحويل النوايا الحسنة الى تقدم حقيقي ، لا
بد من تلبية بعض الشروط . اذا لم تتوفر هذه الشروط ،
كما هو الحال في الديمقراطيات الرأسمالية ، تتعرض
سيرورة المقرطة ، التي وصفناها هنا ، الى الانهيار .
أكثر هذه الشروط اهمية يكمن في التقليص الكبير المتعدد
الجوانب للتفاوت الذي يميّز المجتمعات الرأسمالية .
أشرنا سابقا الى أن هذا التفاوت يشمل جميع جوانب
الحياة ، الدخل ن الثروة ، التعليم ، الفرص المتاحة
... الخ . ولكن الى جانب كل ذلك هناك عدم المساواة في
سلطة المواطن . ويجدر التذكير ثانية انه ، رغم جميع
البيانات التي تعلن سيادة الشعب ، نجد أن الوسائل
الأساسية للسلطة ، السلطة الاقتصادية ، السلطة
الآدارية والقمعية ، والسيطرة على وسائل الاتصال
والاقناع ، تتركز في ايدي اقلية صغيرة نسبيا من الذين
يتمتعون بدرجة عالية من الاستقلالية في استخدام سلطتهم
، وخاصة في المجال الاقتصادي ، هذا ما يبرر وصفنا
للديمقراطيات الرأسمالية بأنها أنظمة طغم تلطّفها
الأشكال الديمقراطية ز فما دام ذلك قائما ، لا يبقى
لفكرة المواطنة والجماعة الا معنى ضئيل .
يمكن التعبير عن الشيء نفسه بصيغة أخرى هي ، أن
الغالبية الساحقة من الشعب مجردة من وسائل السلطة هذه
. فالديمقراطية السياسية لا تنسجم الا بمفهومها الضيق
مع سيطرة الطغم على وسائل السلطة . ولهذا السبب تحديدا
يبذل كثير من الجهود في المئة سنة الأخيرة من أجل
التعتيم على واقع سلطة الطغم في الأنظمة الرأسمالية ،
ولتكريس الوهم بأن هذه الأنظمة يسود فيها الشعب وكأنه
حقيقة واقعة لا تقبل النقاش . وأسهل تعتيم على حقيقة
الطغم في المجال السياسي هو وجود الأشكال الديمقراطية
، ولا نحتاج هنا الى تكرار ما قلنا عن قصور هذه
الأشكال في سياق الحكم الطبقي . كما بذل الكثير من
الجهود من أجل تمويه سلطة الطغم في المجال الاقتصادي ن
عن طريق الاشارة الى القيود التي تخضع اليها سلطة
الشركات مثل تدخّل الحكومة، المنافسة ، السوق ،
المشتغلين ن النقابات العمالية ، الرأي العام وما الى
ذلك . ومع ذلك ، كما ذكرنا سابقا ، فان السلطة
الاقتصادية للشركات التي تسيطر على موارد هائلة ، تبقى
واضحة الحرية في اتخاذ قرارات ذات أهمية بالغة بالنسبة
للمجتمع ككل . في الواقع يعلن المدافعون عن حرية
الشركات الرأسمالية أن هذه الحرية أمر يدعو للأبتهاج ،
أما "تدخل " الدولة أو غيرها فأمر يقتضي الاستنكار
والمعارضة . أما الاشتراكيون فينطلقون من الافتراض ان
بناء الديمقراطية الاشتراكية مستحيل ما دامت الوسائل
الأساسية للنشاط الاقتصادي خاضعة لسلطة الشركات . كما
أن الملكية الخاصة والسيطرة الخاصة لهذه الوسائل
يشكلان مصدرا رئيسيا للأشكال الأخرى من اللامساواة في
النظام الاجتماعي الخاضع للرأسمالية ، وتجعل تحقيق
المساواة التقريبية في سلطة المواطنين التي تتطلبها
الديمقراطية الاشتراكية مستحيلا . سوف نناقش كيفية
معالجة ذلك في الفصل القادم .
-5-
هناك أيضا مسألة ادارة وتنظيم حقل الاتصالات والدعاية
. وعلى ضوء ما ذكر في الفصل الأول حول ذلك ، من الواضح
أن الالتزام بالديمقراطية الاشتراكية يتطلّب خضوع هذا
الحقل أيضا الى تغييرات جذرية . لكن المشكلة تكمن في
عدم وجود نموذج بديل لما هو سائد في الديمقراطيات
الرأسمالية ، نموذج ينسجم مع أهداف وقيم الديمقراطية
الاشتراكية . هنا أيضا ، لا نفع للتجربة الشيوعية
السابقة ، الا كنموذج مضاد . كان المرسوم الأول الذي
صدر عن مفوضي مجلس الشعب ، بعد يومين فقط من استيلاء
البلاشفة على السلطة ، مرسوما عن الصحافة أجاز للحكومة
وقف جميع الصحف التي تطبع معلومات كاذبة أو تشجّع
مقاومة سلطة السوفيات . تلا ذلك ، بعد عشرة ايام ،
قرار عن المكتب التنفيذي للمجلس السوفييتي الأعلى ،
صاغة تروتسكي ، يعزز المرسوم الأول
(18) . التاريخ
السوفييتي اللاحق شهد سيطرة دولة الحزب الواحد على
جميع وسائل الاعلام والاتصال بحيث بلغت حدّا لا يمكن
معه نشر أي شيء دون رقابة الحزب والدولة . ولم تكتسب
حرية الاعلام والاتصال معنّى حقيقيا في الاتحاد
السوفييتي الا بعد مجيء غورباتشوف الى السلطة عام 1985
وممارسة الغلاسنوست .
ان حرية الصحافة ، وحرية وسائل الاعلام بشكل عام في
ديمقراطية اشتراكية ، سوف تكتسب معنى جديدا مختلفا عن
نموذج سيطرة رأس المال الذي يشكّل القاعدة الآن ،
ومختلفا عن احتكار دولة الحزب الواحد كما كان الحال في
الأنظمة الشيوعية السابقة . ان البديل لتنظيم وسائل
الاعلام سوف يشمل ثلاثة أنماط مختلفة :
أولا ، سيكون هناك قطاع حكومي تديره هيئات حكومية
تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية وتنظيم عالم الراديو
والتلفزيون ، وسوف يتضمن ذلك شبكة واسعة من المحطات
الاقليمية والمحلية . توجد حاليا هيئات حكومية تنظم
وتدير عالم الراديو والتلفزيون في الديمقراطيات
الرأسمالية . ما سيكون مختلفا في الديمقراطيات
الاشتراكية هو أنها ستقوم بتوسيع حصة القطاع العام الى
حدّ كبير .
ثانيا ، سيكون هناك قطاع تعاوني واسع ، تكون فيه ملكية
وادارة صحف ، مجلات ، محطات محلية للراديو والتلفزيون
، دور سينما ومسارح ملكية تعاونية للعاملين في حقل
الاعلام من صحفيين وغيرهم ، كالأحزاب ، النقابات ،
المدارس ، الجامعات والهيئات الأخرى ، بعض هذه الوسائل
محلّي والآخر يمتد الى المستوى الوطني أو العالمي . في
كثير من الحالات ، ستقوم هذ المشاريع التعاونية بتمويل
نفسها ، أما في حالات أخرى فسوف تعتمد ، على الأقل في
جزء من دخلها ، على اعانات مالية حكومية تديرها وكالات
تعمل حسب معايير عادلة محدّدة بشكل دقيق .
ثالثا ، سيكون هناك حيّز للملكية الخاصة ، مع تحديد
صارم مسبق للمقدار الذي يمكن لغرد أو شركة أن تملكه .
ثمة قيود معينة على هذه الملكية في الديمقراطيات
الرأسمالية ، ولكن هذه القيود لا تمنع الشركات
العملاقة من امتلاك وأدارة مجموعة ضخمة من وسائل
الاعلام . لن تسمح أية ديمقراطية اشتراكية مثلا بوجود
ملكية خاصة كالتي تتمتع بها "امبراطورية بيرلوسكوني
فينيفيست"
Berlusconi
Finivest
في ايطاليا ، فهي "تشمل ملكية ثلاث أقنية تلفزيونية
وطنية رئيسية ( تؤثر بقوة على الشبكات التلفزيونية
الأخرى عن طريق تزويدها بالبرامج ، الاعلانات
والموظفين )، وتملك شركة انتاج رابحة للأفلام ،
صحيفتين وطنيتين ، مجلات ، شبكة راديو ، أكبر دار نشر
ايطالية (Mondadori)
أقنية تلفزيون في فرنسا ، ألمانيا واسبانيا . كما أن
لدى ( فينيفيست ) رأس مال في مجال التأمين ، السوق
المالية وملكية الأراضي وقطاع الانشاءات . كما تملك
سلسلة السوبر ماركت (
Standa)
تضم 300 سوبر ماركت في البلاد ، وحوالي 300 دار سينما
وفريق كرة قدم " (19)
.
أما امبراطورية مردوخ الاعلامية ، رغم أنها أقل تشعبا
، فليست أقل ضخامة ، لأنها تشمل جزءا كبيرا من الأعلام
البريطاني ، يتضمن ملكية جريدة التايمز ، توداي
Today
، صن ، سنداي تايمز ، ونيوز اف ذ وورلد ، بالاضافة الى
صحف في الولايات المتحدة ، استراليا ، وهنغاريا ، كما
أن المحطات التلفزيونية التي تملكها تغطي أكثر من
ثلثيّ الكوكب .
لا مكان لملكية ونفوذ كهذين في ديمقراطية اشتراكية ،
فنظام كهذا لن يمنع الأفراد من امتلاك صحيفة أو مجلة ،
أو محطة راديو أو تلفزيون ، أو دار نشر ، أو دار سينما
أو مسرح . ولكن لن يكون مسموحا لفرد من الأفراد أو
شركة من الشركات أن تملك أكثر من وسيلة واحدة من هذه
الوسائل الاعلامية . لا شك ان هذه السياسة ستتعرض
للاتهام بانتهاكها المشين للحريات . في الحقيقة انها
ليست أكثر من حماية للمجتمع من درجة عالية من الملكية
الخاصة والنفوذ تعطي للأثرياء سلطة يجب على أي مجتمع
ديمقراطي أن لا يقرّها . ان المجموعة المؤلفة من
الشركات الحكومية ، الشركات التعاونية المشتركة على
المستوى المحلي ، الاقليمي ، الوطني و(العالمي)
بالاضافة الى الملكية الخاصة المحدودة ، سوف تضمن
تعدّدية وغنى أكبر بكثير من المتوفرة الآن ، وسوف تعطي
لمغهوم حرية التعبير فسحة أكبر ومعنى أغنى . كما سوف
تزيح عن كاهل الاعلام أوامر الرأسمالية دون أن
تستبدلها بالقبضة الحكومية الثقيلة . كما سوف تعزز دور
الاعلام كأداة تربوية وتنويرية ، وتشجع قول الحقيقة
أثناء نشر ومناقشة القضايا العامة . باختصار ، سوف
تقوم الديمقراطية الاشتراكية بتحرير وسائل الاعلام من
قيودها الرأسمالية ، وتساعدها بالتالي على أن تصبح
حليفا قيّما في تعزيز المواطنة الديمقراطية .
هناك أوجه متعددة لتحقيق ما سميته مساواة تقريبية في
الأوضاع الحياتية ، والتي لن تكون المواطنة
الديمقراطية بدونها أكثر من طموح ، وتشكل التربية
والتعليم أحد أهم هذه الأوجه .
تميّز التعليم في المجتمعات الرأسمالية دائما بانقسامه
العميق بين تعليم النخبة من جهة والتعليم الشعبي من
جهة أخرى . ولم يخف هذا الانقسام كثيرا لأن عددا
متزايدا من أطفال الطبقة العاملة أصبح لديه امكانية
الوصول الى معاهد النخبة . فما زالت الأغلبية العظمى
من السكان تتلقى أوطأ مستوى بكثير من تعليم الأقلية ،
وذلك من حيث الموارد والتسهيلات .
والرهان هنا عل قضية أساسية وجوهرية ، أعني هل
الانقسام بين تعليم النخبة وتعليم الشعب لا يعكس الا
انقساما بين القادرين والأقل قدرة على التعلم من أفراد
الشعب ، أم أن الانقسام ناجم عن العوامل المحيطة
بالفرد وتلعب فيه الطبقة دورا حاسما وليس بفعل القدرة
الكامنة للفرد . صحيح بالطبع أن بعض الأطفال الناشئين
في ظروف غير ملائمة يتمكنون من التغلب على تلك العوامل
ويشقون طريقهم الى تعليم النخبة أو يرتقون بدونه الى
"قمة المجتمع" . ولكن هذا ينفي حقيقة أن الانتماء
الطبقي ، بالنسبة للأغلبية ، يلعب دورا حاسما في تحديد
"فرصهم في الحياة" وفيها فرصة تطوير قدراتهم الكامنة
أقصى تطوير . ففي صميم الاشتراكية يكمن الاعتقاد أن
غالبية البشر لديهم طاقات كامنة ، وأن أحد الأهداف
الأساسية للديمقراطية الاشتراكية هو خلق الظروف التي
تعطي للطاقات الكامنة فرصتها القصوى . غالبية الحكومات
تدّعي الاهتمام بهذا الهدف مشيرة الى تكافؤ الفرص
المتاحة . ولكن تكافؤ الفرص يظل مجرّد شعار في مجتمعات
يميزها التفاوت العميق في الظروف الحياتية : ولا يمكن
لهذا الشعار أن يكتسب معنى حقيقيا الا عندما ينطلق
جميع الأطفال من ظروف معيشية لا تتصف بمثل هذا التفاوت
.
ان نفي أو اعاقة طاقات الأفراد شيء بغيض أولا بسبب
أذاه للانسان ، وثانيا لأنه يشكّل خسارة فادحة للمجتمع
ككل اذ يظل بحرا هائلا من الطاقات والمواهب دون
استثمار الا من جزء ضئيل منه . فالتقدم الى
الديمقراطية الاشتراكية سوف يتطلب التصميم على ازالة
الفجوة الكبيرة القائمة حاليا بين القطاع العام والخاص
في مرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي ، وتوفير كل
الموارد اللازمة لاخراج التعليم الحكومي من الطريق
المسدود الذي ينتهي اليه في كثير من الأحيان ، من أجل
أن يكون تأهيلا للتعليم الأعلى ، بشتى أصنافه .
كما أن نقص التعليم بشكّل آفة على المواطنة الفعالة
بالنسبة للأغلبية التي تعاني هذا النقص . فالتعليم من
أجل المواطنة يعني بالدرجة الأولى تعزيز القدرة
والارادة التي تمكّن الأفراد من الشك ، التفحص ، توجيه
الأسئلة المحرجة ، الرؤية الصحيحة رغم التعتيم
والأكاذيب . انه يعني رعاية مناخ فكري ينظر الى
العنصرية ، الجنسوية ، النفور من الغرباء ، معاداة
السامية ، على أنها ظواهر مرضية . كما يعني رعايةة
الفردانية المجتمعة التي أشرنا اليها سابقا والمرادفة
لفعالية المواطنة .
ان قولنا هذا قد يعرضنا الى مخاطر الظن أننا ندعو
لتحويل المدارس الى أدوات لترويج طائفة من الأفكار
اليقينية . أفليست هذه أمور منافية جدا لروح
الديمقراطية الاشتراكية . اننا بالأحرى نعني تنمية
الادراك بضرورة تلازم السعي نحو تحقيق الذات للفرد مع
المتطلبات الأوسع للتضامن والاهتمام بالمصلحة العامة ،
فالمواطنة الفعّالة لا تعني القبول تلقائيا بالتعريف
الذي تطرحه الجهات العليا العامة . ستختلف رؤى الأفراد
للقضايا الصغيرة والكبيرة . وذلك حسب اختلاف الخبرات
والأفكار . فهذا ما لا بد منه ، غير أن الخلافات ينبغي
تسويتها وفق قواعد متفق عليها بين مواطنين مسلحين
باليقظة والمعرفة .
كل ما ورد في هذا الفصل يترك السؤال مفتوحا حول
"الأساس" الاقتصادي الذي يجب أن تبنى عليه الديمقراطية
الاشتراكية . لقد بينّا سابقا أن الديمقراطية
الاشتراكية لا بد أن تعتمد على التشريك المتزايد
للاقتصاد . فما لم يتم تحقيق ذلك ، لن يعني كل ما
طرحنا سوى محاولة أنسنة سير النظام الاجتماعي الذي
تسيطر عليه الرأسمالية حاليا . هذه المحاولة مستمرة
منذ سنوات كثيرة ، وما حققت هذه المحاولات ليس بالقليل
، كما قلت ، لكنه ابقى المجتمعات الرأسمالية ، بكل
عيوبها ونواقصها ومواطن ضعفها التي بحثناها هنا . ولا
يمكن معالجتها معالجة جوهرية الا بتشريك الجزء الأكبر
من وسائل النشاط الاقتصادي . وهذا يشكل موضوع الفصل
المقبل .
(1)
N. Geras. ‘our ethics’, in the Socialist
Register 1989, eds. R. miliband, L. Panitch and J.
Saville (Merlin Press,
London, 1989, and Monthly Review Press, New York,
1989). P.
208.
(2)
J.
Elster and R. Stagstad (ed.).
للإطلاع على مقالات حول هذا الموضوع ، انظر كتاب
Constitutionalism and Democracy
(
Cambridge University Press, 1988).
(3)
V. I. Lenin. The
Proletarian revution and the Renegade Kautsky, in
against revisionism ( Foreign
languages Publishing House , Moscow, 1959). P. 392.
(4)
C.
Sypnowich.من
اجل دفاع مقنع عن الحاجة الى نظام قانوني في ظل
الاشتراكية ، انظر
The concept of Socialist Law. (Clarendon, oxford,
1990
).
(5)
J.
A. G. Griffith. ‘ The rights stuff, in the
Socialist Register
انظر مثلا مقال
1993,
eds R. Miliband and L. Panitch
(
Merlin Press, London, 1993, and monthly Review
press, n. York, 1993): also his
the Politics of the judiciary ( Fontana Press,
London, 1977, 4th. Edition
).
(6)
انظر الفصل السادس ، حيث مناقشة موضوع الحاجة لتجديد
المناصب العليا في جهاز الدولة والذي ستحتاج الحكومة
الاشتراكية للقيام به .
(7)
V.
A. Schmidt, ‘ Decentralization: a
revolutionary
أشير اليها من قبل
reform’ , in The French Socialists in Power
1981 – 1986,
ed. P. McCarthy (Greenwood Press, New York and
London, 1987 ) , p.
95.
(8)K.
Marx, the Civil War in France, in K. Marx and
F. Engels, Collected Works (Lawrence and Wishart,
London, 1986) , vol. 22. p.
331.
(9)
Lenin, the proletarian revolution and the
Rengade Kautsky, p. 400.
(10)
A. J. Mayer, The
persistence of the old regime: Europe to the
انظر مثلا :
Great War
: (
Pantheon Books, New york, 1981).
(11)
P. Anderson, Zones
of Engagement ( Verso, Lonson and New York, 1992),
p.124.
(12)
F.
Castles, The Social Democratic image of society (
Routledge and Kegan
Paul, London, Henley and Boston, 1978 ), p. 96.
(13)J.
A.
Schumpeter, Capitalism, Socialism and Democracy (
George Allen and Unwin,
London, 1943) , pp. 253-4.
(14)
M. J. Crozier, S.
P. Huntington and J. Watanuki, The Crisis of
Democracy, Report on the
Governability of Democracies to the Trilateral
Commission ( New York University
press, New York, 1975 ), pp. 162 – 164.
(15)
k,
Davis, ‘ the cost of realism : contemporary
restatements of democracy’, The
Western Political Quarterly, XVII, 1 ( march 1964).
(16)
J. S. Mill, Representative Government (Blackwell,
Oxford, 1946), p.
151.
(17)
B. Barber, Strong Democracy ( Universiy of
California press, Berkeley and London, 1984), p. xv,
my
emphasis.
(18)
J. Bunyan and H. H.
Fisher (eds), The Bolshevik Revolution, 1917-1918 (
1934), and Y. Akhapin (ed.),
First Decrees of Soviet power ( 1970), quoted from
W. M. Evers, ‘ ‘ liberty of
the press under socialism, eds. E. F. Frankel, F. D.
Miller, Jr. and J. Paul
(
Blackwell, Oxford, 1989) , p. 215.
(19)
J. Keane, The Media
and Democracy (Polity Press, Cambridge, 1991), p. 71.
|