|
رالف ميليباند
الاشتراكية لعصر شكاك
ترجمة : نوال لايقة
مراجعة : د. غانم حمدون
الفصل الثاني
المطامح الاشتراكية
-1-
يعدّ تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار الأنظمة الشيوعية
في أوروبا الشرقية مؤشرا واضحا على انتهاء بديل محدّد
للرأسمالية بدأته الثورة البلشفية عام 1917 . ما من
أحد يشك بالأهمية البالغة لذاك الحدث ، ولكن ما مدى
صلته بمناقشة الاشتراكية ؟
ساهمت ولادة بديل شيوعيّ للرأسمالية بتنشئة وادامة
اليسار بأجيال متعاقبة من الناس ، فقد بدا لهم البديل
دليلا ماديا واقعيا وملموسا على أن اقامة مجتمع مختلف
كليا ، وأفضل كثيرا مما يمكن للرأسمالية أن تقدمه ، لم
تكن مجرد احتمال ممكن للمستقبل البعيد ، بل ان البديل
قيد الانشاء فقلا . فهذه الولادة حققت ، بعد طول
انتظار ، وعود الثورة الفرنسية التي قام ثيرميدور
باجهاضها ، وها هي قد أثمرت كل النضالات والتضحيات
التي ميّزت التاريخ منذ تلك الثورة ، انه النصر الذي
عوّض عن معانة المضطهدين في كل مكان . ها هو أيضا
الوعد بأن ما تمّ انجازه في الاتحاد السوفيتي يمكن ان
يتكرّر في أي مكان آخر
(1) . من باريس الى كالكوتا ، من نيويورك
الى جوهانسبرغ ، استمدّ نشطاء اليسار المتفانون ،
رجالا ونساء ، القوة من هذا الايمان ، وأيدوا بدون
تحفّظ بيان ستالين المعلن سنة 1927 القائل ان "الثوري
هو المستعد دوما لحماية الاتحاد السوفيتي والدفاع عنه
بلا قيد أو شرط ، علانية وبأخلاص ... لأن الاتحاد
السوفيتي يشكّل القاعدة للحركة الثورية العالمية ولا
يمكن الدفاع عن هذه الحركة الثورية وتعزيزها بدون
الدفاع عن الاتحاد السوفيتي وتعزيزه "
(2) .
لقد ضم اليسار على الدوام أناسا ، من الاشتراكيين –
الديمقراطيين وصولا الى الفوضويين ، اعتقدوا دائما أن
الاتحاد السوفييتي وما تلاه من أنظمة شيوعية تمثل حالة
مشوّهة وبشعة للاشتراكية . كما قام تروتسكي واتباعه
منذ العشرينات ، من داخل الحظيرة الماركسية ، بشنّ
حملة متواصلة ضد ما سمّوه ب "خيانة الثورة" ، وهناك
الكثير من الشيوعيين الذين خابت آمالهم بالاتحاد
السوفيتي حملوا الرؤية نفسها . ولكن سرعان ما نبذتهم
الدعاية الشيوعية واتهمتهم أنهم ، بانتقادهم الاتحاد
السوفيتي ، قد اتخذوا موضوعيا جانب القوى الرأسمالية
الامبريالية والفاشية . لكن الشيوعيين ومؤيديهم قد
توطد ايمانهم بالاتحاد السوفيتي ، دونما تحفظ ، بسبب
منجزاته الكثيرة التي سنأتي على ذكرها ، والعداء
الرأسمالي له ، والاعتقاد بأنه الحصن الحقيقي الوحيد
في وجه الفاشية ، ودوره الحاسم في دحر ألماني النازية
في الحرب العالمية الثانية ، وبسبب عدائه لجهود
الولايات المتحدة وحلفائها بكل الوسائل ن بما فيها
التدخل العسكري ، كل محاولات التغيير الجذري في أي
مكان من العالم .
بعد عام 1956 و"خطاب" خروشوف " السري " في المؤتمر
العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي ، أصبح على المؤيدين
المتحمسين للأنظمة الشيوعية أن يقرّوا ، على الأقل ,
بأن الكثير من جوانب التجربة الشيوعية كانت وما زالت
غير مقبولة ، وقد ازداد هذا الرأي صراحة بمرور السنين
. مع ذلك بقي واسع الانتشار بين صفوف اليسار الرأي
القائل ان عيوب الانظمة الشيوعية ، أيا كانت ، يمكن
التخلص منها على المدى الطويل ، ولم تساور تلك الصفوف
شكوك في قدرة هذه الأنظمة على الاستمرار والتطور .
ومما عزز هذا التفاؤل المحاولات الكثيرة التي قامت بها
الأنظمة الشيوعية من أجل تحقيق الاصلاحات ، وبدا أن
المساعي المبكرة لغورباتشوف بعد عام 1985 توفر أساسا
آخر للآتقاد بأن الاتحاد السوفيتي يتحرك كما يبدو نحو
الاشتراكية الديمقراطية وان كانت خطواته في ذلك
الاتجاه متقطعة وغير كافية . وهذا الاعتقاد بالذات هو
الذي تلقّى الضربة القاضية بأحداث عام 1989 وما بعده .
ليس لدى هؤلاء سبب للتفجّع على موت النظام القديم ،
ولكن كانت لديهم أسباب وجيهة للتفجّع على فشل
غورباتشوف في تحقيق الانتقال من الحكم الجماعي التسلطي
Authoritarian Collectivism
الذي ساد عهد بريجنيف الى شيء ما شبيه بالديمقراطية
الاشتراكية . ولا يمكن أبدا الجزم فيما اذا كان ذلك
احتمالا ممكنا أم لا .
يذكّرنا أعداء الاشتراكية دائما بأن تاريخ البشرية لم
يعط أي بديل آخر للرأسمالية ما عدا البديل المتمثّل
بالأنظمة الشيوعية السابقة ، ثم يقفزون بسهولة الى
تأكيد اعتقادهم بأن أي بديل آخر غير ممكن أبدا ، بكلمة
أخرى ، موت الشيوعية السابق مرادف ، في رأيهم ، لنهاية
الاشتراكية ، باستثناء استمرارها في النظريات
الطوباوية النظرية التجريدية والخداعة التي يضعها
المنظّرون الايديولوجيون بعيدا عن العالم الواقعي .
وحسب وجهة النظر هذه ، يكون الخيار الوحيد الممكن أمام
البشرية هو بين الشيوعية كما طبقتها الأنظمة الشيوعية
السابقة من جهة ، وبين الرأسمالية من جهة أخرى . ولكن
هذا بالطبع ليس خيارا بعد أن فشلت الشيوعية بشكل واضح
. الخيار الواقعي هو ، حسب الزعم الشائع ، بين اشكال
مختلفة من الرأسمالية ، مثلا ، بين رأسمالية اكثر
تدخلا في الاقتصاد وعناية بالمجتمع ، كالنموذج السويدي
، وأخرى أقلّ تدخلا واقل حماسا لتحقيق الرفاه . ولا
يقتصر هذا الاعتقاد على اليمين : اذ أنه شائع على نطاق
واسع داخل صفوف اليسار ، وسوف نعود لمناقشة هذه
الظاهرة لاحقا .
كما اشرنا سابقا ، لا يمكننا اثبات امكانية تحقيق بديل
اشتراكي للرأسمالية الا بالقيام ببناء هذا البديل فعلا
. لكن القول ان البديل الوحيد الممكن للرأسمالية
يتمثّل بالشيوعية ، كما طبقت سابقا ، يعني تبني رؤية
محدودة مفرطة الضيق وغائمة لما يمكن تحقيقه عن طريق
بناء الاشتراكية .
-2-
يجب ان نبدأ هنا بتوضيح ما لا تعنيه الاشتراكية ، وأن
نفعل ذلك بالدرجة الأولى استنادا الى الأنظمة السابقة
فرغم وجود اختلافات كثيرة فيما بين تلك الأنظمة ، كان
هناك "نموذج" عام لها جميعا ، تحدّده مجموعة ملامح
مميزة . أحد هذه الملامح كان الاقتصاد الأوامري
الممركز بافراط والمتميز بنظام شامل لتخطيط مفصل
والزامي ، وبخضوع جميع الوسائل الاستراتيجية للنشاط
الاقتصادي ، وغالبية الوسائل الأخرى ايضا ، الى ملكية
وادارة الدولة ، وباسواق وأسعار لا يسمح لها الا بدور
اقتصادي هامشي جدا في أحسن الأحوال وقد جرّت محاولات
كثيرة في العقود التي تلت موت ستالين عام 1953 للحدّ
من صرامة هذا "النموذج" ، ولكن مع ذلك ظلت الملامح
الأساسية للنظام عصيّة على التغيير .
ثانيا ، قامت الاحزاب الشيوعية في هذه الانظمة (وتحت
عناوين مختلفة ) بممارسات بلغت حدّ احتكار السلطة
السياسية ، وتجاوزت ذلك الى احتكار السلطة في المجتمع
كله . أما الأحزاب الأخرى التي سمح بوجودها في بعض
البلدان الشيوعية السابقة الى جانب الحزب الشيوعي ،
فكانت مجرّد توابع مذعنة لارادة هذا الحزب . لكن هذا
الحزب نفسه كان مجرّد اداة من أدوات الحكم الأخرى . لا
سيما جهاز الدولة ، في ايدي زعماء الحزب . فاحتكار
الحزب للسلطة كان في الحقيقة احتكار زعمائه لها ، تحت
ظل نظام "المركزية الديمقراطية" وفيه قامت المركزية
بابتلاع الديمقراطية بسهولة بالغة . وارتباطا بذلك ن
سعت الأنظمة الشيوعية السابقة الى شل وقمع كل مظاهر
الحياة التي لا يمكن للدولة والحزب السيطرة عليها عن
قرب . وقد اختلفت درجة ا لنجاح في تحقيق ذلك من بلد
شيوعي الى آخر . وكانت في بعض البلدان ، على الأقل ،
أخف وطأة في العقود الأخيرة مما كانت عليه ، في ذروة
الستالينية . ولم تستطع مركزية الحكم ان تحول دون نشوء
نوع من "التعددية " في المستويات العليا للنظام ،
بمقدار تنافس شتى المصالح ومجموعات الضغط (اللوبي)
المتنوعة من أجل الثروات والامتيازات
(3)
. ومع ذلك بقي النظام ، من حيث الأساس ، مونوليثيا
monolithic
وقمعيا في النوايا والممارسة وتتمتع أجهزة بوليسه
الضخمة بسلطات اعتباطية واسعة .
لقد تم قمع المعارضة باسم حزب رسميّ وايديولوجيا دولة
، هي الماركسية اللينيني ن التي صيغت بعد وفاة لينين
عام 1924 ، وتم تعزيزها في بعض الحالات باضافات محلية
، مثل فكر ماو تسي تونغ ، أو افكار كيم ايل سونغ ،
وتنوعات أخرى . وهذه تعاليم عقائدية لم يسمح بأي
انحراف عنها غير مرخص به رسميا .
كان من المستحيل ضمان تأييد الجميع للايديولوجيا
الرسمية ، اما معاقبة كل من يعارضها بشكل علني في اي
مجال من المجالات ، فكانت ممكنة ن وقد اختلفت درجة
الصرامة في تطبيق ذلك من بلد الى آخر .
اخيرا ، قامت بعض الأنظمة الشيوعية ، لا سيما الاتحاد
السوفيتي ، الصين ، كوريا الشمالية ورومانيا بانشاء
نمط من عبادة الشخصية المفرط البشع ، في اضفاء خصائص
فوقبشرية وشبه الهية على قائد الحزب والدولة ، ولم
تسمح بأية معارضة له .
هذا هو " النموذج " الذي اتخذ اكثر اشكاله تطرفا في
سنوات سنوات ستالين في الاتحاد السوفيتي ، والذي انهار
فيما بعد هناك وفي اوروبا الشرقية . اما في الصين ،
فان الحزب الشيوعي ، الذي بقيت سيطرته كاملة ، ترأس
على ما يبدو تحوّلا تدريجيا للبلاد من الشيوعية الى
الرأسمالية ، رغم أن الزعماء الصينيين ينكرون أنّ تلك
هي نواياهم ويدّعون ان هدفهم هو ايجاد سوق اشتراكي .
الآنظمة الشيوعية المتبقية هي في كوريا الشمالية ،
فيتنام ، وبصيغة مختلفة جدا ، في كوبا ، ولا يمكننا
الجزم حول مدّة بقائها . على أية حال ، لا يمثّل اي من
هذه الأنظمة "نموذج" الاشتراكية الذي ظنّ الكثيرون من
صفوف اليسار أن الاتحاد السوفيتي كان يمثّله في عهده
المبكر .
-3-
من بين الأسئلة التي يمكن توجيهها حول هذه التجربة
الشيوعية ، يمكننا تميييز سؤالين على قدر كبير من
الأهمية : الى أي حد كانت نتاجا للماركسية ؟ وما هي
علاقتها بالاشتراكية ، ان كان هناك من علاقة ؟
كثيرا ما تعرضت الماركسية للّوم على أنها المصدر
الرئيس لسلبيات التجربة الشيوعية . فهل لهذا اللوم
مبرّراته والى أية درجة ؟
(4) .
ان توخينا الاتزان في التقييم يكون الجواب هو بالنفي
القاطع بقدر ما يتعلق الأمر بالماركسية الكلاسيكية .
فقد نجد ضمن أعمال ماركس الضخمة ، ولاسيما في أعمال
انجلز ، بعض الصيغ المعزولة ذات نبرة مركزية وحتى
تسلطية ، ولكن الوجهة العامة لكل ما كتباه تعاكس ذلك
بشكل حازم غير قابل للالتباس . كما لا يمكن العثور في
كتاباتهما على ايّ تلميح الى ايّ من أهم واوضح سمات
الأنظمة الشيوعية مثل نظام الحزب الواحد ، التسلط على
المجتمع من قبل حكومة ديكتاتورية قمعية ومنحى عبادة
الشخصية الذي كان سيثير قرف ماركس وانجلز معا . أما
فيما يتعلق بالدولة ، فان فكر ماركس بجوهره يعكس نفورا
عميقا ، ربما مبالغ فيه ، من سلطتها ، واصرارا على
ضرورة خضوع الدولة التام ، بالمفهوم الاشتراكي ، لسلطة
المجتمع . وقد كان انجلز هو الذي تطلّع الى " اضمحلال
سلطة الدولة" ، بعد الثورة الاشتراكية .
اما فيما يتعلق بالملكية العامة لوسائل الانتاج تشكّل
القاعدة الأساسية لبناء المجتمع الاشتراكي ، ولكنهما
لم يقترحا وضع تنظيم الاقتصاد وادارته والرقابة عليه
في عهدة دولة جبارة تملي ارادتها على المنتجين وكل
الأخرين . فماركس رأى ، على العكس ، أن أساس النظام
الاشتراكي يجب أن يقوم على "الاتحاد الحر للمنتجين " ،
أن اساس النظام الاشتراكي يجب أن يقوم على "الاتحاد
الحر للمنتجين " . لا نرمي هنا الى بيان مدى ملاءمة
منظور الماركسية الكلاسيكية حول الاقتصاد لعصرنا هذا ،
بل القول ان هذا المنظور لا علاقة له ن سوى القليل جدا
، بتنظيم الحياة الاقتصادية في الأنظمة الشيوعية .
مقابل هذا ، كثيرا ما نسمع آراء تقول انه بغض النظرعن
اقوال ونوايا ماركس وانجلز ، فان عواقب نمط تفكيرهما
وايمانهما بالتنظيم الثوري والشامل للمجتمع كانت
"شمولية " بالضرورة ، فكان حتميا ان يؤدي التطبيق
العملي لطموحاتهما الى النظام الذي قام في الاتحاد
السوفيتي واماكن أخرى
(5) .
ان هذا رأي يتناول التجديد الاجتماعي الشامل فهو
بجوهره غير معقول لآنه لا ياخذ بعين الاعتبار الظروف
الخاصة التي يحدث فيها هذا التجديد الاجتماعي ، درجة
التأييد التي يتمتع بها ، طبيعة المقاومة التي يثيرها
لدى اصحاب المصالح ، ومرونة وتلاحم المسؤولين عن هذا
التجديد والقائمين عليه ، اي باختصار جميع الظروف
التاريخية التي يحصل فيها . هذا لا يعني ابدا ان
التغيير الاجتماعي الشامل أمر سهل التحقيق وأنه يمكن
تجاهل المخاطر التي سوف ترافقه حتى في افضل الظروف .
ان التجربة في القرن العشرين بشكل عام تبيّن بوضوح مدى
واقعيّة هذه المخاطر ، ويمكنني القول هنا ان طريقة
تناولي في هذا الكتاب لمسألة التقدم على طريق
الاشتراكية قد تاثرت الى حد كبير بادراكي لمدى دقّة
وحساسيّة هذا المشروع وضرورة الحذر من الحلول التسلطية
الزائفة للمشاكل التي سوف تواجهه . وما يعنيه ذلك
عمليا سيناقش خلال هذا الكتاب . لكن ، وبعد الاعتراف
بالأهمية اللازمة للصعوبات والمخاطر في التغيير الواسع
للنظام الاجتماعي ، الذي تعنيه الاشتراكية محكوم عليه
ان يصير مشروعا كارثيا يهزم نفسه بنفسه . فتسليمنا
بهذا يعني استسلامنا الى شكل محبط ومتطرّف من اشكال
القدرية .
لقد ادّعى قادة الأنظمة الشيوعية السابقة الاخلاص الى
تعاليم ماركس وانجلز ، ويحتمل جدا انهم كانوا معتنعي
بهذا . ولكن لا يمكننا أخذ الادعاء أو حتى القناعة
برهانا على أي شيء . لقد تمت صياغة الخطاب والدعايات
التي انتجتها هذه الأنظمة وفق مصطلحات ماركسية اختيرت
بدقة وعناية ، امّا الممارسة فتتنافى تماما مع
الماركسية الكلاسيكية .
فما شكّل تلك الممارسة كان بالدرجة الأولى الظروف التي
اكتنفت ولادة النظام البلشفي في روسيا والأنظمة
الشيوعية التي تلته في اماكن أخرى . فقد ولدت في ظروف
ازمات استثنائية ، اضطرابات ، حروب عالمية وأهلية ،
تدخل اجنبي ، خسائر فادحة في الأرواح ودمار هائل .
علاوة على ذلك ، كان مستوى التقدم الاقتصادي واطئا
سواء في البلدان التي حدث فيها التغيير الثوري من
الداخل او فرض من الخارج , وذلك باستثناء
تشيكوسلوفاكيا وما اصبح فيما بعد جمهورية ألمانيا
الديمقراطية . ومن بين امور اخرى ، كان على هذه
البلدان ، بدلا من الانطلاق من قاعدة صناعية ناضجة ،
أن تسلك طريقا شاقا في تنمية اقتصادها . ولم تكن
الظروف السياسية افضل من هذا : وباستثناء
تشيكوسلوفاكيا ، مرة ثانية ، كانت البلدان المعنية
كلها محكومة سابقا من قبل انظمة تسلطية بهذا الشكل أو
ذاك ، كولونيالية أو محلية . بالاضافة الى كل ذلك ،
افتقرت اغلب الأنظمة الجديدة الى الشرعية في نظر
الغالبية الساحقة من السكان ، وخاصة في البلدان التي
تمّ فرض النظام الجديد فيها من قبل الاتحاد السوفيتي .
في الاتحاد السوفيتي نفسه ، سهّلت الظروف الغير ملائمة
فرض "النموذج؟ الستاليني ، وسرعان ما تمّ تبنّي هذا
النموذج في اماكن اخرى من قبل قادة تتلمذوا في المدرسة
الستالينية فكرا وممارسة . وفي ظلّ جميع هذه الظروف
بدأ حكم الحزب الواحد وقمع المعارضة امرين مشروعين في
نظر الحكام الجدد ، أفلا تحركهم أنبل النوايا ؟ اليس
معارضوهم مجرمين لأنهم يعرقلون تحقيق تلك النوايا ؟
لقد كان هذا الشكل من انظمة الحكم جذابا للقادة الذين
ينشدون التغيير الثوري في ظروف غير ملائمة الى حدّ أن
الثورات التي ولدت غير شيوعية سرعان ما انجذبت نحو
"النموذج" السوفيتي : تمثل الثورة الكوبية ابرز مثال
على هذا ، ويمكن ايجاد امثلة أخرى في البلدان
الافريقية التي تبنت "الماركسية – اللينينية " رسميا .
وجد القادة الشيوعيون شرعيتهم ليس فقط في نواياهم
الطيبة او في المعارضة الرجعية التي واجهوها ، بل
وجدوها ايضا في الثورات الاجتماعية الحقيقية التي
قادوها . وسواء كانت هذه الثورات مفروضة من قبل قوى
خارجية او مولودة داخليا ، فقد حققت بالفعل تغييرا
جذريا في علاقات الملكية وفي البناء الطبقي لبلدانهم
وفي النظام السياسي وفي المفردات السياسية . ولم تكن
انجازاتهم أبدا عديمة الأهمية وخاصة في السنوات الأولى
، بالمقارنة مع سجل الأنظم التي حلّوا محلها . فقد
حققوا الكثير من الانجازات على صعيد التنمية
الاقتصادية والعناية الصحية والتعليم وتامين فرص العمل
وتامين الفرص للجماهير التي كانت حتى ذلك الحين معاقة
ومحرومة الى ابعد الحدود . هذا لايغير الطبيعة
التسلطية والقمعية لهذه الأنظمة , وان كان ذلك لا ينفي
الانجازات التي تحققت . وكما اشرنا سابقا ، فقد ساعدت
هذه الانجازات كثيرا كل من لديه الاستعداد للتغاضي عن
سلبيات الأنظمة الشيوعية ويراوده الأمل بان ما قد
تعاني من علل ستعالح في نهاية الأمر .
-4-
السؤال الثاني والأهم الذي تستدعيه التجربة الشيوعية
هو السؤال عن علاقة هذه التجربة بالاشتراكية .
كثيرا ما اعتبر هذا السؤال مجرّد تمرين على استخدام
التعريفات الاعتباطية . مثلا ، نرى اقتصاديا اشتراكيا
بارزا مثل بروس
Brus
يقول "ان انكارنا لقب "اشتراكي" على البلدان الشيوعية
سيكون بمثابة اضفاء مسبق جوهريا لصفات طهرانية على
الاشتراكية وحذف ما هو سلبيّ تعريفا"
(6) . من جهته ،
يقبل الأستاذ بروس " التعريف المؤسساتي للاشتراكية "
الذي وضعه جوزيف شومبيتر بالقول في كتابه "الرأسمالية
، الاشتراكية والديمقراطية " "حين نقول ان المجتمع
(اشتراكي) فاننا نشير بذلك الى نموذج مؤسساتي معين
تكون فيه وسائل الانتاج خاضعة للسلطة المركزية – او ،
يمكن القول ، هو الذي تخضع جميع الشؤون الاقتصادية فيه
، من حيث المبدأ ، الى القطاع العام وليس الخاص "
(7) . هذه
"الاشتراكية المركزية " ، كما دعاها ، ليست الا توصيفا
ضيّقا بما يكفيه للزعم الباطل بقوله : "يمكن لمجتمع ما
أن يكون اشتراكيا بشكل كامل وفعلي لكنه محكوم من قبل
حاكم مطلق أو يكون منظما باكثر الطرق ديمقراطية .
فيمكن ان يكون ارستقراطيا أو بروليتاريا "(8)
.
ان هذا يتناقض تماما ما تعني الاشتراكية لجميع الألوان
الفكرية الاشتراكية ، ولا يمكننا اهمال مثل هذا
الاجماع وكأنه شيء غير متصل بالموضوع . لقد تمّز تيار
الاشتراكية دائما بالتنوّع الكبير وبالخلافات
والانقسامات الحادّة والخصومات الباقية ، ورغم كل ذلك
، هناك عدد من المسائل الجوهرية التي حازت على قبول
اغلب الاشتراكيين بحث يمكن اعتبارها تعريفا مشروعا
لمعنى الاشتراكية : وعلى هذا الأساس يمكننا تماما
الطعن باشتراكية الأنظمة الشيوعية السابقة دون اضفايء
الطهرانية على الاشتراكية مسبقا . ان مثل هذا الطعن
ضروري حقا اذا اردنا الا نقع في اعتباطية وغموض لامبرر
لهما عند تعريف الاشتراكية مما يسلبها المعنى الذي
نقصده . فكثيرا ما نسمع في هذه الأيام ان هذه هي
الحالة تماما وان كلمة الاشتراكية لا معنى لها الآن
لشدة غموضها وهذا راي خاطىء .
هناك عمليا ثلاث نقاط جوهرية تعرّف الاشتراكية وهي
متساوية من حيث اهميتها ومرتبطة جدليا وتعتمد الواحدة
على الأخرى . انها الديمقراطية والمساواتية وتشريك
socialization
الجزء الأكبر من الاقتصاد .
اولا ن تجسّد الاشتراكية تصورا لمجتمع أكثر ديمقراطية
بكثير مما يمكن لأي مجتمع رأسمالي أن يكون .
فالاشتراكية تسعى لاعطاء معنى حقيقيا لمفهوم المواطنة
وسيادة الشعب يتجاوز الى حدّ بعيد حق الانتخاب الشامل
والانتخابات الدّورية والحقوق السياسية والسمات الأخرى
للديمقراطية الراسمالية . كما اشرنا سابقة ، تبدو
الديمقراطية الراسمالية ، بالمنظار الاشتراكي ، تعبيرا
مناقضا لذاته ، لأن صيغها الديمقراطية تفسد تماما في
السياق الراسمالي الذي تعمل فيه ز كما ان الاشتراكية
تسلمّ بضرورة تغلغل وشمول الديمقراطية لجميع جوانب
النظام الاجتماعي ، وهذا بالتاكيد ليس الحال في
المجتمع الر أسمالي .
ان الاعتقاد بان الاشتراكية هي لا ديمقراطية ، ما هو ،
في احسن احوالها . الاّ ضلال كبير دفع العديد من
الشخصيات القيادية في الحركة العمالية العالمية
والحركة الاشتراكية ذاتها لأن تتخذ ، منذ بداية الثورة
البلشفية ، موقفا نقديا جدا ازاء الدكتاتورية البلشفية
. لهذا ندددجد كارل كاوتسكي يقول في عام 1918 ،
"بالنسبة لنا ....الاشتراكية بدو الديمقراطية هي شيء
لايمكن التفكير به . ان ما تعنيه " الاشتراكية
العصرية" لنا ، ليس فقط التنظيم الاجتماعي للانتاج ن
وانما التنظيم الديمقراطي للمجتمع ايضا . وعلى هذا
الأساس فان الاشتراكية بالنسبة لنا لا يمكن فصلها عن
الديمقراطية . فلا اشتراكية بدو ديمقراطية "
(9) . وفي الجهة
الأخرى من الطيف الاشتراكي نجد روزا لوكسمبرغ ، بالرغم
من تمجيدها للبلاشفة على شجاعتهم في الاستيلاء على
السلطة ، تنقد بشدة قمعهم للحريات المدنية حيث كتبت :
"الحرية التي تمنح فقط لأعضاء حزب واحد ، مهما كان عدد
هؤلاء الأعضاء كبيرا ، لا تعدّ حرية . فالحرية هي
دائما ، وتحديدا ، لمن يفكّرون بشكل مختلف . لقد جعل
لينين وتروتسكي مجالس السوفيات بمثابة الممثل الحقيقي
الوحيد للجماهير العاملة . ولكن ، مع قمع الحياة
السياسية في البلد اجمعه ، لا بد ان يدب العجز اكثر
فاكثرفي حياة مجالس السوفيات ايضا . فبدون انتخابات
عامة وبدون حرية مطلقة للصحافة والاجتماعات ن بدون
الصراع الحر للاراء ، سوف تخمد الحياة في كل مؤسسة
عامة وتصبح مجرد مظهر خارجي شبيه بالحياة ، تبقى فيه
البيروقراطية هي العنصر النشيط الوحيد "
(10) .
ومع ذلك ، تبقى العلاقة بين الديمقراطية والمعارضة
اكثرغموضا مما نجده في الطروحات ، ذلك أن الديمقراطية
، سواء فهمناها على انها حكم الأغلبية ، أو كمفهوم
أوسع بكثير . باعتبارها الممارسة الفعالة لسلطة الشعب
، تتوافق تماما مع قمع بضع اشكال المعارضة التي تصبح
في بعض الحالات مرفوضة من قبل اصحاب السلطة ، الذين قد
يكونون حائزين على تأييد الأغلبية ، وأحيانا الأغلبية
الساحقة ، من السكان . كمثال واضح على ذلك نذكر
المضايقات والاضطهاد الذي مارسته حكومة الولايات
المتحدة الأمريكية ضد الشيوعيين وآخرين من صفوف اليسار
بعد عام 1945 (وحتى قبل ذلك) ، والذي بلغ أوجه بحملة
المطاردة المكارثية في بداية الخمسينات . لكن من
المضلّل أن نعتبر تلك الحملة مثالا جيدا لما ورد في
كتاب جون ستيوارت ميل "استبداد الأغلبية" : صحيح أن
الغالبية أذعنت للحملة بل أيّدتها أيضا ، ولكن
الغالبية لم تكن البادئة بهذه الحملة ، كما أنها لم
تشارك فيها ، بل قام بذلك اصحاب السلطة في الحكومة
المركزية ، وفي المجالس الولائية والمحلية بالاضافة
الى اصحاب النفوذ في المجتمع ككل (مثل رؤساء ومديري
الجامعات وأمنائها ، عمالقة هوليوود وأصحاب الصحف ) ،
وتعرض المجتمع ككل الى حملة اعلامية واسعة نفّذتها
الدولة وجميع وسائل الاتصال ، هدفها اقناع الجماهير
بأن الولايات المتحدة كانت تتعرض لخطر مؤامرة شيوعية
محدق . طبعا لم تكن الولايات المتحدة البلد الوحيد
الذي حصلت فيه مثل هذه المضايقات والاضطهاد بموافقة
الأغلبية : بل كانت تلك الممارسة جزءا من المشهد
السياسي في جميع الديمقراطيات الراسمالية في مرحلة
الحرب الباردة (11)
.
ورغم ذلك ، لا نستطيع الادّعاء أن هذه البلدان ، بسبب
تلك الممارسات ، لم تعد " ديمقراطية " بالمعنى
التقليدي لهذا المصطلح . الحقيقة أنه باستطاعة الانظمة
أن تكون ديمقراطية بالمعنى ذاته ، وتقوم في الوقت نفسه
بقمع المعارضة . والفرق الاساسي بين هذه الأنظمة
والأنظمة التسلطية هو نأن الأنظمة الديمقراطية تتقيد
كثيرا في قمعها واضطهادها للمعارضة . لقد كانت تلك
الملاحقة الأمريكية للمعارضة عملا شائنا ، دمر حياة
الكثيرين وسدد ضربة لليسار الأمريكي بشكل عام ، حسبما
كان مقررا له . ورغم ذلك ، لا يمكن مقارنة هذا بطريقة
تعامل الأنظمة التسلطية مع معارضيها . فالمعارضة في
أيّ مجتمع ، مهما يكن ديمقراطيا ، تعرض دائما لظروف
يعتبر نشاطها فيه مصدر تهديد للنظام الاجتماعي القائم
. ولن يزول هذا عندما تكون الحكومة يسارية ، وتسعى نحو
التغييرات الجذرية في المجتمع وتجديده. على العكس ،
ففي ظروف الاستقطاب ، يكون الخطر على أشدّه ، ويتوجّب
عندها على الحكومة اليسارية ان تكون حذرة جدا في
موقفها ازاء المعارضة .
ان جميع الأنظمة الديمقراطية تفرض قيودا معينة على
المعارضة وعلى وسائل التعبير عن هذه المعارضة ، أي على
حق التعبير ، حق التجمّع والتنظيم والنشاط السياسي .
المهم هنا هو مدى الحيّز الذي تتركه هذه القيود
للمعارضة من أجل أن تقوم تنشاطها ومدى فعاليّة الضوابط
المفروضة على أصحاب سلطة الدولة والمجتمع في تعاملهم
مع المعارضة والمعارضين . وينطبق هذا طبعا على
الديمقراطية الاشتراكية بقدر انطباقه على الديمقراطية
الرأسمالية ، وسوف نناقش هذه النقطة بتفصيل اكبر حالا
.
ترتبط المساواة ارتباطا وثيقا بالديمقراطية ، بوصفها
ثاني العناصر الأساسية لتعريف الاشتراكية . هذا يستلزم
مساواتية تقريبية تختلف عن المساواة التامة التي
نعتبرها فكرة مستحيلة التحقيق ن فالمساواتية تطمح الى
ازالة جميع اشكال التفاوت المفرط في كل جانب من جوانب
الحياة ، هذا التفاوت الذي يميّز حياة المجتمعات
المنقسمة على أساس الدخل والثروة والسلطة والفرص
المتاحة . بكلما أخرى ، تعنى الاشتراكية نشوء مجتمعات
تختفي فيها مع الزمن الانقسامات الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية والثقافية العميقة ، يشارك
المجتمع ككل في السلطة التي تستأثر بها حاليا أقلية
صغيرة نسبيا من ذوي المصالح . وهي تختلف عن نظام
اجتماعي "جداراتي " لا يعني سوى تسهيل الصعود الى
القمة . حتى هذا الطريق نحو الأعلى محفوف بالعقبات
الكبيرة في المجتمعات الطبقية حيث يكون "تكافؤ الفرص "
مجرد شعار وليس حقيقة واقعة . لكن ، مهما كانت قوة
الرغبة في ازالة المعاناة الناتجة عن التمييز القائم
حتى الآن على أساس الطبقة ، الجنس ، العرق ... الخ ،
فان توقف التمييز ضدهم وتمكّنهم من استخدام كفاءاتهم
الى الحدّ الأقصى ، ووصولهم الى "القمة " لن يقضي على
البنى السلطويّة القائمة . فوصول نساء وأفراد ملوّنين
الى السلطة لن يكفي بمفرده لتغيير نظام يفتقر بعمق الى
الديمقراطية .
الفرضية الثالثة التي أثارت أكبر قدر من الجدل هي أن
الاشتراكية تستلزم تشريك الاقتصاد ، باخضاع الجزء
الأعظم من وسائل النشاط الاقتصادي وخاصة "القمم
المهيمنة" فيه لأشكال شتى من الملكية والرقابة
والادارة الاجتماعية أو العامة .
لقد وصفت في مقدّمة الكتاب عملية التشريك على أنها
وسيلة ضرورية لتحقيق نظام اجتماعي ديمقراطي ومساواتي .
وعلى هذا يكون التشريك مقوّما أساسيا من فرضيات
الاشتراكية ، وكان هذا المفهوم طويلا موضع معارضة قادة
وكتاب اشتراكيين – ديمقراطيين . ووصلت هذه الانتقادات
ذروتها في السنوات الأخيرة . وقد أقصي هذا المفهوم
عمليا ، بالمعنى السياسي للكلمة ، الى هامش الحياة
السياسية ، وكان هدفا للشجب والرفض والسخرية باستمرار
. لكن حقيقة أن
تشريك الجزء الأكبر من الاقتصاد موضع الاستهانة والرفض
في مؤسسات اليسار الرئيسية لا يمكن أن تعتبر تفنيدا
لفكرة أن هذا التشريك شرط ضروري (وان كان غير كاف بأية
حال) للوصول الى مجتمع ديمقراطي ومساواتيّ . السؤال
الحقيقي من وجهة نظر الاشتراكية ، ليس حول مدى كون هذا
التشريك جزءا لا يتجزا من معنى الاشتراكية ، بل هو
كيفية اجراء التشريك في سياق رأسمالية تتحوّل اكثر
فأكثر الى رأسمالية متعدّدة الجنسيات . سوف نعاين هذه
المسألة ومسائل أخرى مرتبطة بالتشريك في الفصل الرابع
.
يجب التأكيد على أن مقوّمات الاشتراكية الثلاثة
مترابطة بشكل لا يمكن فكاكه ومتساوية في أهميتها . فلا
يمكن وجود مثل هذه المساواة بدون تشريك الجزء الأكبر
من الاقتصاد . ولكن ، كما برهنت التجارب الأليمة ، فان
الملكية العامة بدون ديمقراطية تشكّل حجر الأساس
لتركيز التسلط الدولتي .
من بين مقوّمات الاشتراكية الثلاثة ، كان الثالث وحده
موضع رفض واضح وحاد في السنوات التي تلت الحرب
العالمية الثانية ، ومن قبل اناس يعتبرون أنفسهم
اشتراكيين ، والمجال مفتوح طبعا أمام كل من يرفض تشريك
الاقتصاد لانتحال الهوية الاشتراكية . ولكن هذا الموقف
ينطوي على اخفاق في فهم مدى تأثير التشريك في الأهداف
الأخرى للاشتراكية والتي يقبل بها هؤلاء نظريا . فمهما
تكن التسمية التي يختارونها لأنفسهم ، فانهم في
الحقيقة مصلحون اجتماعيون مهتمون بتحسين النظام
الاجتماعي القائم بدلا من استبداله بنظام آخر مختلف
عنه تماما . ان مصطلح "الملح الاجتماعي" ليس شتيمة :
انه ببساطة يدلّ على موقع مختلف عن ذاك الذي يحتلّه
الاشتراكيون، . فبقدر ما يستمر خضوع وسائل النشاط
الاقتصادي للملكية الخاصة ، يستمر خضوع النظام
الاجتماعي لدافع السعي وراء الأرباح الخاصة ، ويستمر
مالكو هذه الوسائل والمتحكمون بها في ممارسة نفوذ
وتأثير كبيرين على الحكومة والمجتمع . لا شك أن الأمور
ستكون أسهل بكثير على الاشتراكيين لو لم يكن التشريك
واحدا من المقومات الأساسية للاشتراكية . والسبب في
ذلك ليس كون التشريك معقدا فحسب ، بل أيضا لأن الكثير
من اليساريين سيكونون أكثر تقبلا لاشتراكية مقتصرة على
الديمقراطية والمساواتية ، على الاقل نظريا . والسبب
الرئيس لتحفظهم هذا هو ارتباط التأميم بالمركزية
والبيروقراطية والأمراض الأخرى . وقد ساهمت دعاية
المحافظين واعلامهم كثيرا في صنع هذه الصورة غير
الجذابة للتشريك ، ولكنها أيضا تحتوي على ما يكفي لأن
يجعل التأميم فكرة غير جذابة ، ناهيك عن الصعوبات التي
سوف يواجهها تحقيق التأميم ، مما يجعل من الهام جدّا
أن يقوم الاشتراكيون بتوضيح أن التأميم ، بمفهومه
التقليدي ، بشكله ومضمونه وأهدافه ، يختلف كثيرا عن
التشريك الذي يعتبر جزءا جوهريا من سيرورة الديمقراطية
.
يجب النظر الى الاشتراكية نفسها باعتبارها جزءا من
الحركة الديمقراطية التي تسبقها بزمن طويل ، ولا يمكن
سوى للاشتراكية ان تعطيها معناها الكامل . ان فكرة
الديمقراطية ضاقت كثيرا من حيث مداها وفحواها في
المجتمعات الرأسمالية ، وذلك لتقليل الخطر الذي يمكن
لها أن تشكله على مصالح اصحاب السلطة والامتيازات .
بعكس هذا ، تلتزم الاشتراكية بتوسيع كبير لمدى
الديمقراطية .
كان نبيّ الديمقراطية غير المتحمّس في القرن التاسع
عشر هو
A. De Tocqueville
قد قال في مقدمة كتابه "الديمقراطية وأمريكا" الصادر
عام 1835 ، ان الديمقراطية ، (التي ساواها هو مع
"المساواة في الظروف المعيشية" ، وظنّ أنه وحدها في
امريكا ) انها سائرة في طريقها الى اوروبا أيضا . وكتب
يقول ، "تجري من حولنا ثورة ديمقراطية عظيمة ، كل فرد
يراها ، ولكن لا يحكم الجميع عليها بالطريقة نفسها ،
البعض يتصور انها شيء جديد وعرضيّ ويأمل أن يستطيع
كبحها ، آخرون يرون أنها شيء لا يمكن مقاومته لأنهم
يعتبرونها النّزوع الأكثر استمرارية والأقدم والأرسخ
على مرّ تاريخنا المعروف"
(12) . كما
يتساءل في مقدمة الطبعة العشرين لهذا الكتاب عام 1848
، "هل يمكن لأحد أن يتخيّل أن الديمقراطية ، التي
دمّرت النظام الاقطاعي وقهرت ملوكا ، سوف تهزم أمام
الطبقات الوسطى والأغنياء ؟"
(13) . لقد
كافحت الطبقات المسيطرة في كافة البلدان الرأسمالية
بشراسة منذ القرن التاسع عشر ، وبنجاح لا بأس به ، كي
تثبت خطأ تنبّؤ توكفيل : أن الاشتراكية هي سبيل النضال
من اجل الديمقراطية الحقة .
بهذا المنظار ، تكون الاشتراكية جزءا من النضال في
سبيل تعميق وتوسيع الديمقراطية في كل جوانب الحياة .
ان تطوّرها ليس مدرجا في سيرورة تاريخية مقدرة سلفا ،
بل كان نتيجة ضغط دائم من الطبقات الدنيا بهدف توسيع
مجال الحقوق الديمقراطية . ويرتكز هذا الضغط نفسه على
حقيقة ان الغالبية العظمى من الناس في قاعدة الهرم
الاجتماعي تحتاج الى هذه الحقوق اذا أراد الذين يصوغون
هذه الحقوق مقاومة وتحديد السلطة التي يخضعون لها .
لكن هذا ليس كافيا . فالاشتراكية تسعى ليس فقط الى
الحد من السلطة بل الى زوالها الحتمي كأساس تنظيمي
للحياة الاجتماعية . وهذا ، بالصدفة ، او أنه ليس صدفة
، في النهاية ، ما دعا اليه ماركس . انها بالطبع دعوة
تشكل تحدّيا عظيما للجنس البشري للتوصل الى تعاون غير
قسري ، انها دعوة قد يستهين البعض بها ويعتبرها "
طوباوية " لا طائل وراءها . لكنها تمثل جزءا ضروريا
مما تبشر به الاشتراكية ، مهما طال أجل تحقيقها .
يجب اعتبار الديمقراطية والمساواة والتشريك وسائل
للوصول في نهاية المطاف الى ما يجسّد الاشتراكية ، ألا
وهو بلوغ انسجام اجتماعي يفوق بكثير ما يمكن للمجتمعات
المبنية على الاستغلال والتسيد أن تحرزه . ان هذا
الانسجام سيرتكز على ما يمكن تسميته "الفضيلة المدنية"
التي ، على أساسها ، يقبل الناس ، بحرية تامة ،
الواجبات التي تمليها المواطنة مثلما يطالبون بما
توفره من حقوق . ولن يجدوا صعوبة في تحقيق ما يسمى
"الفردانية المشترك’ "
socialized
individualism
وفيها يعبّر الأفراد عن شخصيتهم المتفرّدة مع الأخذ
بعي الاعتبار القيود التي يفرضها العيش ضمن المجتمع .
على ضوء هذا المعنى الصحيح للاشتراكية ، من الواضح ان
ممارسة الأنظمة الشيوعية كانت في معظمها نفيا لهذا
المعنى بدلا من تأكيده . لقد قاموا بالفعل بوضع وسائل
النشاط الاقتصادي الرئيسية (وغالبا جميعها ) تحت سيطرة
الملكية العامة ، لكنهم اثبتوا فعليا أن القيام بذلك
دون تحقيق الديمقراطية لا يمثل اكثر من "تسلطية
جماعية" .
كما أن هذه الأنظمة ليست مساواتية لنها خلقت بنى
للتسلط والامتيازات استخفّت بأي مفهوم للمساوة في
الظروف . لقد وصف اليسار الأنظمة الشيوعية السابقة على
انها اشتراكية ، أو دول عمّالية في طور الانحلال ، أو
دول رأسمالية الدولة ، أو جماعية بيروقراطية ، وهكذا .
ولكن يبدو واضحا بأي معيار أنها شكلت ، في أحسن
أحوالها ، تشويها فظيعا للاشتراكية ، وفي أسوأأحوالها
، نفيا تاما للاشتراكية .
ان صعوبة مقومات الاشتراكية الثلاثة في وقتنا الراهن
واضحة بحيث لا تحتاج الى توكيد ، كا أن مجرّد التقدم
على طريق تحقيقها أمر في غاية المشقة ومليء بالتوترات
والمطبّات ، وقد وصلت غالية بقايا اليسار الآن الى حدّ
قبول أفكار محافظة معرفيا غذّاها اليمين ورعاها سابقا
حول محدوديّة ما يمكن تحقيقه عن طريق تجديد المجتمع .
ان الرد المناسب على هذه المفاهيم يكمن ليس في انكار
وجود المشاكل التي تعترض طريق البناء الاشتراكي ، بل
في البحث عن طرق لحلّ هذه المشاكل أو ، كخطوة أولى ،
البحث عن طريقة لتخفيف حدة هذه المشاكل انطلاقا من
الافتراض ، الذي يكمن في جذور الاشتراكية ، بأن حلّ
هذه المشاكل هو مرغوب فيه وكذلك ممكن .
من بين جميع القضايا التي تطرح نفسها ، تبرز ثلاث
قضايا ذات أهمية استثنائية لأنها تجسّد الشك في مشروع
الاشتراكية في جوهره ، لدرجة أن العديد من القضايا
الأخرى ، يبدو بالمقارنة أقل تحديا .
أولا ، هناك الشكوك التي يوجهنا بها التاريخ نفسه ، لا
سيما التاريخ الحديث ، حول اساس النزعة التفاؤلية ازاء
قدرات الانسان ، هذه النزعة التي يطفح بها المشروع
الاشتراكي ، انه الايمان الموروث من عصر النهضة بقدرة
الانسان اللامحدودة على بلوغ الكمال أو ، بتعبير احدث
، الايمان بأن البشر قادرون تماما على تنظيم أنفسهم في
جماعات متعاونة ، ديمقراطية ، مساواتية تحكم نفسها
بنفسها ولا تخلو تماما من الصراعات ، لكن الصراعات اقل
تكرارا وحدّة . لا بد أنتحقيق هذا كله سوف يحتاج وقتا
طويلا ، ولكن نقطة الانطلاق الأساسية للاشتراكية هي ،
أو يجب أن تكون ، أن الجنس البشري ليس محكوما بلعنة
أبدّية تفرض عليه الانقسام والنزاع الأبدييّن .
يواجهنا التاريخ كله ، وخاصة تاريخ القرن العشرين ،
بردود مريرة على أيّ تفاؤل كهذا . قال هيغل مرة :
"التاريخ مسلخ " ، وكان بذلك يردّد صدى قول جوزيف دي
مايستر : " ان رائحة الدم تفوح من صفحات التاريخ" . لا
ينطبق هذا القول على اي وقت بقدر انطباقه على هذا
القرن . فالعنف الذي أنهى حياة الملايين في الحرب
العالمية الأولى والثانية ، معسكرات الابادة النازية ،
السجلّ الاجرامي للستالينية ، الخسائر البشرية التي
نتجت عن نزعة المغامرة الماويّة ، القتل الجماعي الذي
رافق الحرب التي شنتها فرنسا على الجزائر والتي شنتها
الولايات المتحدة في كوريا وفيتنام ، القتل الذي رافق
عملية "التطهير العرقي" في يوغوسلافيا السابقة ، وعدد
لا يحصى من الكوارث التي صنعها البشر والحروب منذ عام
1945 ، بالاضافة الى كل الفظائع المرافقة لها ، كل هذا
يشهد ، كما يبدو ، ضد التفاؤل الاشتراكي ويبرّر تشاؤم
اليمين . وكما يبدو ، يتاكد ذلك بالأعمال الوحشية التي
يرتكبها البشر بحق بعضهم في سياق الحياة اليومية .
ان السؤال الذي يطرحه سجل الرعب ، الذي لا ينتهي ، على
أيّ ملتزم بمشروع من النوع الذي تمثّله الاشتراكية
واضح ؛ هل هذه هي "المادة " البشرية التي سوف تشكّل
المجتمعات القائمة على التعاون ، الحسّ الجماعيّ
والايثار ؟ . ألا يدعو هذا ، على العكس من ذلك ، الى
الشك في امكانية بناء النظام الاجتماعي الذي تطمح اليه
الاشتراكية ؟ . أليست قدرة الانسان على بلوغ الكمال
مجرّد وهم تنفيه يوميا الحقيقة العارية التي لا يمكن
دحضها (14)
؟.
اوليس اذا من الأعقل ألف مرّة أن نقبل باجراء
التحسينات على النظام الاجتماعي الذي بنته المجتمعات
الديمقراطية الرأسمالية ، بدلا من النضال من أجل اعادة
بناء شاملة للمجتمع من المؤكّد فشلها ؟.
أحد الردود على أسئلة كهذه يكمن في أن الاشتراكية لا
تدعي أنها تقدم "حلا كاملا" لقضايا البشرية ؛ كما أنها
لا تعد بنظام اجتماعي ، أو بعالم يسوده النور والرفاه
الى الأبد . لكن هذا الرد مفرط السطحية . فحتى بالنسبة
لمشروع أقل طموحا بكثير لا بد أن يواجه السؤال حول مدى
"الطوباوية" الخطرة لفكرة التخفيف المتواصل للصراعات
وتحقيق الانسجام الاجتماعي الكامل .
في هذا الصدد ، لا بدّ من التأكيد على نقاط أساسية
تبين أن الحالة ليست ميؤوسا منها الى الحدّ الذي يشار
اليه عادة .
احدى هذه النقاط هي ان اراقة الدم الجماعية الهائلة ،
التي تشكل جزءا كبيرا من سجل التاريخ لم تكن ابدا
نتيجة أفعال تلقائية تماما من القاعدة : ان الفكرة
السهلة التي مفادها أن "الجميع مذنبون" وعزو المعاصي
الى الطبيعة البشرية تموّه الحقيقة الهامة جدا بأن
القتل الجماعي كان على الدوام تقريبا بمبادرة وتنظيم
من فوق . لم تكن "الجماهير" هي التي قررت بناء افران
الغاز ، أو نظمت ابادة الكولاك ، أو اطلقت سياسات
الماويّة التي أدّت الى الكوارث ، او خططت لقصف كوريا
و "ارجاعها الى العصر الحجري" ، أو قررت القصف الكثيف
على فيتنام وكمبوديا ، أو مهدت الأرضية وخططت لعمليات
التطهير العرقي . فمعظم هذه الافعال الجماعية نظمها
وبدأها أناس ذوو سلطة سعيا وراء اغراضهم وأهوائهم ،
أيا كانت . فعلى الأقل لا يمكن اعتبار الجماهير مسؤولة
عن القرارات التي أدّت الى المذابح الجماعية ؛ في
الحقيقة ، نادرا ما كان للناس "العاديين " أية علاقة
مباشرة بتلك المذابح : حتى في فترات الرعب الكبير ،
كانت أغلبية الناس تميل الى دور المتفرج على ما كان
غالبا يرتكب باسمها .
صحيح أن الناس العاديين كانوا ، بشكل عام ، يسلمون
بالفظائع التي ترتكب وكثيرا ما صفقوا لمرتكبيها . وقد
اقتصرت المعارضة النشيطة للسلطة على أقلية صغيرة في
الغالب ، وكلما ازدادت وحشية السلطات تتقلص هذه
الأقلية . فضلا عن ذلك لم يكن صعبا على أهل السلطة أن
يجندوا أناسا ، من اجل تنفيذ الأفعال الاجرامية بعد
اتخاذ القرار بشأنها ووجدوا دوما ما يكفي من الناس
لانزال العنف ، التعذيب والموت على بشر آخرين . ولم
تعان فرق الاعدام يوما من نقص المجندين كما أنها لم
تعان من فرارهم . وكان سهلا على الجيوش في ساحة القتال
وعلى المشاركين في المجازر الجماعية ان يجدوا تبرير
افعالهم في شعار "اقتل أو تقتل " . وثمة تبرير اضافي
لمن يؤمن بأية قضية مقدسة انهم يخدمونها بما يرتكبون .
لم يقتصر ارتكاب الفظائع الواسعة على أي جزء محدّد من
الجنس البشري قط . في الظروف المواتية ، يمكن اقناع او
اكراه الكثيرين – ربما الأغلبية – على المشاركة في
المذابح الجماعية ، رغم أن الدعوة الى ذلك قد تكون
موجهة الى أقلية فقط . ولكن ، لا يجوز لنا أن نستنتج
من هذه الحقائق أن الانسانية بحدّ ذاتها لا يمكن لها
ان تتفادى المجازر ، وانها محكوم عليها ، جيلا بعد جيل
، أن تضيف الى ملفّ الفظائع الجماعية فظائع أخرى جديدة
. ومن المعقول أكثر أن نؤمن بامكانية خلق بيئة يكون
فيها واضحا للجميع فظاعة القسوة الجماعية على حقيقته
مما يثير المقاومة الكافية فيتعذر تكررها . ان وجود كل
ه1ا القجر الهائل من الشرور هو الذي يجعل خلق هذه
البيئة أمرا ضروريا جدا على الأقل من أجل الحدّ منها
ان لم يكن التغلب عليها . ومن الركون الى اليأس القول
ان ذلك مستحيل أو ان الشرور الكبرى تشكل جزءا من
الطبيعة البشرية لا يمكن التغلب عليه .
ينطبق الأمر نفسه على أفعال القسوة التي يرتكبها
الأفراد بحق بعضهم البعض ، أو بحق الأطفال ، أو حتى
بحق الحيوانات . فيمكن أن تعزى هذه الأفعال الى
الاحساس بعدم الأمان ، الاحباط ، القلق والاغتراب ن
وجميعها تشكل جزءا جوهريا من المجتمع الطبقي القائم
على التسلط والاستغلال ، بدلا من القول انها سمة
متأصلة في الطبيعة البشرية يتعذّر استئصالها . ان
المظالم التي تنتجها الفوارق الطبقية ، الجنسية ،
العرقية ، الدينية ، وغيرها كثير ، تساعد بسهولة على
نشوء تشوهات فظيعة في النفوس تؤثر على العلاقات
الانسانية بشكل سلبي وعميق . ويمكن معالجة ذلك فقط في
مجتمع ينمّي التضامن ، التعاون ، الأمان والاحترام ،
وتكون فيه هذه القيم متمثلة ماديا في مجموعة من
المؤسسات الراسخة والمزدهرة في جميع مجالات الحياة .
وهذه هي الظروف التي تحاول الاشتراكية أن تعزّزها .
تشكل القسوة الفردية أو الجماعية واقعا مفسدا رهيبا ،
ولكنها ايضا تلاقي مقاومة قوية . هناك بالفعل ، من
المقت والاشمئزاز ومن القسوة ما يفوق أي وقت مضى :
والكثير من الأفعال التي كانت تحوز على القبول بسهولة
في الماضي ، بل في الماضي القريب ، مثل الاضطهاد
العرقي والجنسي والتمييز ، والجرائم البشعة التي كان
يرتكبها وكلاء الدولة ، تلاقي الآن الشجب والمعارضة
النشيطة . فليس من الطوباوية التفكير أن بالوسع توفير
ظروف يمكن أن تؤدي الى تهميش متزايد للانتهاكات
الفردية والجماعية .
ومع ذلك لا يمكن أن نتوقع لهذه الشرور ، التي فعلت
فعلها طوال التاريخ ، أن تكف تأثيرها الوبيل في مستقبل
قريب ، بل حتى بعد وقت طويل ، وسوف يؤثر النضال ضد هذه
الشرور بشكل كبير على طريقة بناء نظام اجتماعي جديد .
بدقة أكثر ، سيكون لهذا النضال تأثيرمباشر على نمط
الحكم المطلوب في مجتمع بدأ يخطو باتجاه الاشتراكية .
فسلطة الحكومة في مجتمع كنذا ستكون خاضعة لقيود شتّى ؛
ولكنه ضرب من الخيال أن نتوقع تلاشي سلطة الدولة
وقسرها ، على الأقل في المستقبل المنظور . قد يأتي يوم
يصبح فيه القسر الحكومي غير مطلوب ، و "تضمحل الدولة "
فعلا ؛ ولكنها سوف تبقى لأمد طويل عنصرا ضروريا من
عناصر بناء أي مجتمع جديد .
القضية الثانية التي تتحدى التفاؤل الاشتراكي هي التي
أطلق عليها روبرت ميتشيلز منذ زمن طويل " قانون
الاوليغاركية ( حكم القلة ) الفولاذي " . فالاشتراكية
ترتكز على الرأي بامكانية تقاسم السلطة وجعلها لا
مركزية بطرق ديمقراطية حقيقية ، الى الحدّ الذي يصبح
الحكم معه حكما ذاتيا . لكن عددا من نظريات النخبة
يجمع على أن هذا التوقع مناف للعقل ، لأنه ، كما تزعم
هذه النظريات ، يتجاهل حقيقة أن حكم القلّة ، الذي
يتميز بتركيز السلطة في أيدي عدد قليل نسبيا ، يشكل
احدى سمات الظرف الانساني التي لا مفرّ منها ، وأنه ،
مهما كانت نوايا الثوريين والاصلاحيين ، ومهما بلغت
محاولاتهم من عزيمة من اجل تحقيق توزيع ديمقراطي
للسلطة ، فلا بد ان يحبط حكم القلّة مساعيهم .
هذا التوكيد على حتمية حكم القلة يستند على أحد
افتراضين اثنين . أحدهما هو أن في أي مجتمع يوجد
انقاسم "طبيعي" بين أقليّة تؤهلها صفاتها أن تمسك
السلطة ، وأغلبية لا تملك تلك الصفات اللازمة للحكم ،
فهي تشكّل السكان الخاضعين . وان الصفات المطلوبة
تتفاوت من زمن الى آخر ، فيمكن أن ترتبط بالقوة البدني
، أو الشجاعة ، أو القدرات العقلية ، أو المعرفة
المتخصصة ، أو الثروة ، أو المكر ، أو مجموعة من بين
هذه الصفات ، ولكن ، مهما اختلفت الصفات المطلوبة ،
فان التفاوت في توزيعها سيضمن خلود حكم القلّة . يمكن
تحدي هذه القلة ولكن نتيجة هذا التحدي سوف تكون ، اذا
نجح ، مجرّد استبدال اقلية حاكمة بأخرى . وقد عبر
باريتو عن ذلك ذات مرة بقوله : "التاريخ مقبرة
الارستقراطيّات " .
أما الافتراض الثاني فينطلق من رأي حول النظام ، مفاده
ان السلطة في أي نظام تتركّز حتما في أيد قليلة نسبيا
، وأن أولئك الذين يتمتعون بهذه السلطة ، سيرغبون في
الحفاظ عليها وتوسيعها ، ويستخدمون جميع الموارد التي
تحت أيديهم للردّ على أي تحدّ لسيطرتهم . وكان ميتشيلز
قد صاغ " القانون الفولاذي للأوليغاركية " بشأن الحزب
الاشتراكي – الديمقراطي الألماني قبل الحرب العالمية
الأولى . كان همّه ان يبيّن بأن ما أريد له أن يكون
أداة لتحرير الطبقة العاملة هو في الحقيقة أداة
للسيطرة على الحزب من قبل زعمائه ، وينطبق هذا على أي
نوع من أنواع التنظيمات ، كما يؤكد ميتشلز . فحكم
النخبة لا مفرّ منه .
لا شك أن أي نوع من أنواع التنظيم يقتضي منح درجة من
السلطة لبعض الناس ، ومن الأرجح أن يحصل على هذه
السلطة الأشخاص الذين يفوقون الآخرين بطاقاتهم ،
حوافزهم ، بعزمهم ، بطموحهم , او بأية ميزة أخرى . ان
النزوع الى النشاط السياسي ليس موزعا بالتساوي بين
الناس ، ومن المحتمل جدّا أن من آلت اليهم السلطة سوف
يستسيغون ممارستها وبالتالي سوف يحاولون التشبّت بها
وسوف يوجدون مبرّرات ممتازة لتشبثهم .
السؤال الحقيقي هو حول امكانية مراقبة وتقييد الذين
نالوا السلطة لمنعهم من تشكيل حكم قلة ( اوليغاركية )
. انها ليست ببساطة مسألة قواعد وأنظمة لممارسة السلطة
، فمن السهل دوما الالتفاف على القواعد والأنظمة .
والأهم من ذلك بكثير هو البيئة الاقتصادية ،
الاجتماعية ، السياسية ، والاخلاقية التي فيها تمارس
السلطة . فمن المحتم تأن تتخذ السلطة شكلا أوليغاركيا
ومركزيا في المجتمعات التي يكون فيها التفاوت الكبير
بين الناس ، في جميع المجالات ، جزءا اساسيا من الحياة
اليومية ، وذلك مهما بلغ صخب الخطاب الديمقراطي واتقان
الاجراءات الرسمية التي تستر الحقيقة هذه . ولكن
النزوع نحو النشاط السياسي ليس أمرا ثابتا . اذ يمكن
ان ينتشر (15)
.
وفي المجتمعات التي تكون فيها المساواتية قيد التشكل ،
والمواطنون يعون بعمق حقوقهم الديمقراطية ، بما فيها
حقهم في المشاركة الطوعية الفعالة ، لن ينقلب أي حكم ،
بالضرورة ، الى حكم أوليغاركي . ومع ذلك ، سيبقى
النزوع نحو الأوليغاركية لزمن طويل ، ولكنه نزوع يمكن
مقاومته وهزيمته . أما "قانون الأوليغاركية الفولاذي "
فهو مسألة اخرى . فعند توفر البيئة الصالحة لا يبقى
سبب وجيه للتفكير ان قانونا كنذا سوف يتحكم بالضرورة
في شكل ممارسة السلطة .
ان تحديا جديدا للتفاؤل الاشتراكي قد شقّ طريقه الى
قمة جدول عمل عمل السياسة في العقود الأخيرة ، أعني
بذلك القراءة "المالتوسية الجديدة " لمخاطر البيئة
التي تهدد الجنس البشري . حسب هذه القراءة ، فان النمو
السكاني وتضاؤل ونفاد الموارد يحولان التنمية التي
تحتاجها أجزاء كثيرة من العال بشكل ملحّ الى خطر متنام
على الحياة في هذا الكوكب ؛ وان هوس الانتاج
والاستهلاك المستحوذ على العالم المتقدم يسهم في تفاقم
هذا الخطر بقسط كارثي .
ان المخاطر التي يشير اليها علماء البيئة واقعية تماما
. ولكن نقطة الخلاف تكمن في اصرار "المالثوسية
الجديدة" على أن البشرية واقعة في قبضة قوى خارجة عن
سيطرتها . ان هذا ما على الاشتراكيين تفنيده دون
الوقوع في خطأ الاستخفاف بابعاد هذه المخاطر أو
الاقلال من شأنها . فكما لاحظ (تيد بينتون) "تعتبر
"المالتوسية الجديدة" أن الفوارق النوعية في تنظيم
المجتمعات ذات أهمية سببية ثانوية مقابل اتجاهات
ومحدّدات كمية طبيعية أو شبه طبيعية واسعة النطاق )
(16) .
والحقيقة ان لهذه "الفوارق النوعية في تنظيم المجتمعات
" أهمية أساسية فيما يتعلق بالمخاطر البيئية وغيرها .
ولا تؤثر التجربة الشيوعية أبدا في اضعاف هذا الرأي
فسجل الدول الشيوعية السابقة فيما يتعلق بالبيئة كان
مرعبا حقا ، لكن هذا لا يؤكد سوى أن الحكم التسلطي
وقمع المعارضين يؤدان حتما الى عواقب وخيمة في مجال
البيئة كما غيره . كان الحكام الشيوعيون مندفعين بقوة
في نزعة انتاجوية وضعت التنمية الصناعية في قمة
اهتماماتهم ، وقد تمكنوا من اطلاق العنان لهذه الدوافع
، ومن التسبب في احداث أضرار بيئية جسيمة دون التعرض
لأية عقوبة .
أما في المجتمعات الرأسمالية فيشكل السعي وراء الأرباح
السبب الأساسي للتخريب البيئي . في هذا المجال ، كما
في غيره ، تفرض طبيعة النظام على حكامه أن يتعاملوا مع
أي اعتبار غير اعتبار الربح على أنه ، في أحسن الأحوال
، اعتبار ثانوي .
تعلن الشركات والحكومات هذه الأيام اهتماما بالبيئة ن
كما تفعل الكثير من الوكالات الدولية ، وتعقد
المؤتمرات التي تصدر قرارات جديرة بالثناء . ولكن
معالجة المخاطر البيئية ، وتضاؤل الموارد وفيض السكان
على الكوكب انما تتطلب ترتيبا للأولويات يختلف عما
يحرك الدول الرأسمالية فضلا عن الشركات في الوقت
الحاضر . انها تتطلب تنظيما للمجتمع لا يكون السعي
وراء أعلى الأرباح هو المبدأ الأساسي السائد . كما
تتطلب التدخل في الحياة الاقتصادية تدخلا يعتبر من
المحرمات في نظر الشركات والحكومات والوكالات الدولية
التي تلهمها مبادىء الليبرالية الجديدة .
ليس المقصود هنا الاقلال من حقيقة المخاطر ومن ضخامة
المهمة المتمثلة في معالجة هذه المخاطر بشكل فعال .
ومع ذلك ، فان المشكلة الحقيقية لا تكمن في واقع
التلوث ، شحة الموارد أو الفيض السكاني ، بل تكمن في
مدى قدرة عالم تسيطر عليه مبادىء الرأسمالية على
معالجتها . وانطلاقا من هذا الاعتبار يسود تشاؤم له ما
يبرره . ومن العبث الادعاء أن الاشتراكية تطرح حلا
فوريا للمشاكل التي يواجهها الكوكب . ولكن من المشروع
أن نقول ان الاشتراكية بنضالها من أجل التدخل ومن أجل
احباط الدوافع الرأسمالية ، تخلق فرصة لمعالجة هذه
المشاكل بكل التصميم المطلوب ، هذا على المدى الطويل ،
أما في الوقت الحاضر فيجب على الاشتراكيين وغيرهم
المشاركة في الكفاح ضد كل القوى التي تعرض الكوكب الى
المخاطر .
-6-
عند تقييمنا لمدى معقولية الاشتراكية ، يجب الانطلاق
بالدرجة الأولى مما تعد الاشتراكية به . كان في تاريخ
الفكر الاشتراكي دوما رؤية انقاذية تخليصية ، شبه
دينية للاشتراكية ، أي الاعتقاد بأنها سوف تشفي من
جميع العلل ، تحل كل المشاكل ، تنهي كل الصراعات ، وفي
النهاية تزيل جميع الأعباء التي اثقلت دوما كاهل
البشرية . فكانت الاشتراكية تعني الخلاص ، تجديد
العالم ، خلق الانسان الجديد ، مع الاعتراف أن كل ذلك
قد لا يحصل دفعة واحدة ، ولكن لن يمر وقت طويل جدا حتى
يتحقق ذلك بعد كنس النظام القديم .
ان الرؤية للقطيعة التامة مع الحاضر والتطهير التام من
كل الشرور في العالم ، قد تمتعت دوما بجاذبية قوية على
مر العصور . واضافة الى هذا وكنتيجة منطقية له ، نجد
التصور الذي عبر عنه ماركس وانجلز في "الايديولوجية
الألمانية " عام 1864 بأن الثورة ضرورية "ليس فقط لأن
الطبقة الحاكمة لا يمكن أن تهزم بأي اسلوب آخر ، بل
ايضا لأن الطبقة التي تطيحها يمكن عن طريق الثورة فقط
أن تنجح في تخليص نفسها من كل أقذار العصور وأن تبني
المجتمع من جديد " (17)
. لا تكمن القضية هنا فيما اذا كانت الثورة
هي الطريقة الوحيدة لتحقيق نظام اجتماعي جديد ، بل في
أنها لا تخلص الثوريين والمجتمع من أقذار العصور
السابقة . ففي الأنظمة الديكتاتورية ، قد تكون الثورة
ضرورية تماما ، ويمكن أن تفتح الطريق أمام التقدم
الكبير بشكل لا يمكن لشيء آخر ان يفعل . وكما قال
لينين فان "الثورة هي مهرجان المضطهدين " . ولكن
المهرجانات لا تدوم طويلا ، وتترافق الثورة عادة
بمقاومة عنيفة ، مما يؤدي الى الاضطراب والمعاناة
اللذين يؤثران كثيرا على الصفة الخلاصية للثورة ،
ويؤثران عليها سلبيا عميقا . فمن الواضح ، على أية حال
، أننا نحتاج الى اكثر بكثير من مجرد الثورة اذا أردنا
التخلص من أقذار العصور . لقد كان ماركس هو القائل في
كتابه "نقد برنامج غوتا" عام 1875 : "لا بد للمجتمع
الشيوعي في مراحله الأولى أن يحوي الكثير من النواقص
اثر ولادته ، بع آلام المخاض الطويل ، من المجتمع
الرأسمالي " (18)
. يعكس هذا القول فهما واقعيا للثورة . فيجب التمييز
تماما بين ما يمكن التطلع اليه على المدى القريب
والمتوسط ، وما يمكن تحقيقه على المدى الطويل على يد
أجيال ستنشأ في عالم تهيمن في وعيه قيم التعاون ،
المساواتية ، الديمقراطية والنزوع الاجتماعي .
من المؤكد ألا تكون الرؤية طويلة الأمد هذه جذابة لمن
يريد لانجازات الاشتراكية أن تكون فورية ودراماتية ،
ولا يرى في أي شيء آخر سوى نكهة اصلاحية ذميمة .
فهؤلاء لا يستطيعون التفكير بالاشتراكية بمعزل عن
جيشان ثوري تكون نتيجته خلق نظام اجتماعي جديد دون أي
تأخير .
لكننا هنا ، ازاء افتراضين مختلفين . فحتى لو أن
الجيشان الثوري ضروري ، تبقى عملية تحقيق أهدافه
مشروعا صعبا ، وأفضل سبيل الى نجاحه أن يجري تنفيذه
بالعناية والتأني الشديدين .
ان ما يملي هذا الاعتقاد هو طبيعة الرأسمالية كنمط
انتاج . لقد كان بالامكان الاعلان عن نهاية أنماط
الانتاج السابقة ، في ظروف تاريخية معينة ، بمجرد
اصدار أمر . ان اعلان لينكولن عا 1863 بعتق العبيد في
الولايات المتحدة – وهو أحد أعظم قرارات مصادرة
الملكية في التاريخ – يعطينا مثالا دراميا لهذه النقطة
. ويمكن قول الشيء نفسه عن القنانة التي أنهيت في
روسيا عام 1861 بمرسوم قيصري . أما الاشتراكية فلها
هدف رئيسي هو الغاء العمل المأجور ، كما عرّفناه في
الفصل الأول من هذا الكتاب . ولكن من الواضح أن هذا
الالغاء سوف يطرح مشاكل مختلفة تماما . فمن المرجح ان
تكون سيرورة التحول الى نمط عمل يتم انجازه تحت شروط
مختلفة غير رأسمالية ، سيرورة طويلة الأمد ؛ والاعتقاد
بأن ذلك يمكن تحقيقه بضربة سريعة تحقق النتائج
المطلوبة ، يتناقض مع التجربة الكئيبة التي شهدناها
لمثل هذه "الارادوية " . فعلاقات الانتاج ، القائمة
على الاستغلال ، كما عرفناه سابقا ، والسائدة في قطاع
خاص صغير ولكن لا يمكن اهماله ، في مجتمع يخطو باتجاه
الاشتراكية ، سوف تظل قائمة لوقت طويل جنبا الى جنب مع
قطاع عام غير خاضع لهذه العلاقات . سوف يخضع القطاع
الخاص بالطبع الى قيود صارمة ، وبالتالي سوف يتم تخفيف
الاستغلال ، ولكن هذا القطاع لن يكون قد زال نهائيا .
لقد مال الماركسيون والاشتراكيون ، بشكل عام ، الى
الاستخفاف دوما بالمشاكل التي سوف تطرح نفسها أثناء
تنظيم وادارة المجتمع ما بعد الرأسمالي . نجد مثالا
ملحوظا عن هذا الاستخفاف في كتاب لينين "الدولة
والثورة" حيث يرى سهولة هذه المهمة – وهو راي سرعان ما
تغيّر بعد وصول البلاشفة الى السلطة
(19) . وتميزت
الستالينية بنبرة "طوباوية" مختلفة عن هذه ، اذ آمنت
أن المجتمع يمكن تغييره فورا ودونما حدود ، وكل ما
يلزم لاعطائه أي شكل نريد هو الارادة الفولاذية
والقيادة التي لا تلين . الشيء نفسه ينطبق بدقة على
الماوية التي تحت رعايتها وبقيادة ماو تسي تونغ أطلقت
"الطفرة الكبرى الى الأمام " وما نتج عنها من مجاعة
كلفت حياة الملايين من البشر . كانت الارادوية هذه صفة
مميزة – وكارثية – للتفكير والممارسة الشيوعيين جعلت
القادة الشيوعيين يباشرون مشاريع " هندسة اجتماعية "
ضخمة لم تقم كبير وزن للخسائر البشرية والمادية التي
انطوت هذه المشاريع عليها . أحد الشعارات المفضلة في
بداية "الثورة من الأعلى" التي بدأها ستالين كان شعار
"لا يوجد قلعة يتعذر على البلاشفة اقتحامها " تكمن
المشكلة هنا في أن اقتحام القلاع لا بد أن يخلّف
الكثير منها خرابا .
اعادة لما أكدناه سابقا نقول : ان أي رأي جاد حول
الاشتراكية ينبغي الآن أن يسلّم بحقيقة أن اقامة نظام
اجتماعي جديد ، حتى في أفضل الظروف التي قلّ ما تتوفر
، هو مشروع في غاية الصعوبة ، مليء بالخيارات الصعبة
والتوترات العظيمة . لقد أمعن الاشتراكيون دوما النظر
في تناقضات الرأسمالية ، وكانوا على حق في هذا ، ولكن
التجربة تبين ضرورة الاهتمام بالتناقضات التي تشكل
جزءا محتما من المشروع الاشتراكي .
من الهام جدا في هذا السياق أن العادات والتقاليد ،
المعتقدات عميقة الغور والأحكام المسبقة العتيقة ،
والنماذح الموروثة للتفكير والسلوك ، كلها تشكل جزءا
عنيدا من الواقع ، قادرا على الاستمرار حتى في اسوأ
الظروف . وهذا يتضح جيدا في الأنظمة التي انبثقت بعد
انهيار الأنظم الشيوعية ، وذلك من خلال انبعاث المشاعر
القومية والعرقية والدينية بعد قمعها لفترة طويلة .
هناك سبيل صعب يجب استكشافه : بين ارادوية ، كارثية
العواقب ، تنطلق من الافتراض أن كل شيء ممكن ، من جهة
أخرى . فيجب فهم الاشتراكية على أنها سيرورة يجري
تطورها داخل المجتمعات ، وأي منها يشكل كلا بالغ
التعقيد ، وينبغي أخذ تاريخه بعين الاعتبار جيدا ، كما
يجب أن يحسب حساب لتعقيداته . فالاشتراكية لا يمكن ان
ترفض مسبقا كل ما حاكته العصور فشكل نسيج النظام
الاجتماعي وكثير منه ثمرة نضال مرير خاضته الطبقات
الدنيا . ان الاشتراكية لا يمكن أيضا أن تغرف في وحول
العصور الماضية . فالاشتراكية تستهدف تحقيق نظام
اجتماعي جديد ، ولكنه نظام اجتماعي يتميز بالتواصل
بقدر ما يتميز بالانقطاع ، متجذر في واقع الحاضر وفي
الوقت نفسه يناضل بدأب من أجل تجاوزه . ان أحد
الموضوعات الرئيسية لهذا الكتاب هو أن الديمقراطية
الاشتراكية تشكل امتدادا للديمقراطية الراسمالية
وتجاوزا لها .
تمثل الاشتراكية تحريرا للمجتخع من التقييدات التي
تفرضها عليه المتطلبات الضرورية للرأسمالية . لقد لحق
الكثير من السخرية بفكرة ماركس القائلة ان الرأسمالية
تصبح في مرحلة من مراحل تطورها "قيدا" على سيرورة
الانتاج ، ان هذا ، كما أشرنا سابقا ، لم يحدث ، رغم
أن الرأسمالية تفرض على سيرورة الانتاج أولويات السعي
لجني الأرباح الشخصية بدلا من الأهداف الانسانية
العقلانية ، ولكن ، على أية حال ، سنبين هنا أن
الرأسمالية قد أصبحت بالفعل قيدا على الاستخدام الأنفع
للموارد التي أوجدتها هي نفسها . لا شك أن تحسينات
كبيرة قد طرأت على الظروف الحياتية لأغلبية واسعة من
السكان في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة . ولكن هذه
التحسينات تتعرض الى الوهن والتضييق بسبب طبيعة النظام
الذي حصلت فيه . فالمهم تغيير النظام وازالة القيود
التي تعيق الاستخدام السليم للموارد . وليست القضية
قضية موارد مادية فقط ؛ ففكرة التحرير تذهب أبعد من
ذلك بكثير وتشمل جميع جوانب النظام الاجتماعي ، ليس
أقلها نوعيته الأخلاقية . فالمجتمعات الرأسمالية غير
اخلاقية أساسا بحكم طبيعتها ، فهي قائمة أصلا على
التحكم والاستغلال ، وهما سمتان تؤثران بشكل حاسم على
العلاقات الانسانية . وقد شكّل هذا المفهوم جزءا
اساسيا من الاشتراكية فيما مضى : وهو بحاجة ماسة الى
التأكيد في وقتنا الحاضر .
ان ما تعرض لنيران الهجوم في السنوات الأخيرة هو
بالذات مفهوم الاشتراكية بصفتها اعادة تنظيم شاملة
للنظام الاجتماعي ، وكثيرا ما جاء الهجوم من أناس ما
زالوا ملتزمين ، الى هذا الحد أو ذاك ، بجوانب
التقدمية في السياسة . فتيارات ما بعد – الماركسية (
Post-Marxism)
، وما بعد – الحداثة (Post-Modernism)
، وما بعد – البنيوية (Post-Structuralism)
، والتيارات الفكرية المتصلة بها ، مهما كانت نوايا
أصحابها ، قد ساعد على تقوية الارتداد عن الأفكار
العامة لتحرير الانسان ، وخاصة عن الماركسية . فمثل
هذه الأفكار التحريرية يزدريها ، على سبيل المثال ،
نبي من أنبياء ما بعد – الحداثة ، هو جان فرانسوا
ليتوتار ، اذ يعتبرها قصصا لبطولات وهمية خطرة . ان كل
مشاريع التغيير الاجتماعي الواسع ، مهما كان حذرها
وتروّيها ، تجتذب الريبة ، العداء والادانة . وكانت
هذه المواقف على الدوام جزءال جوهريا من الفكر المحافظ
، وها قد امست الآن جزءا من تفكير عدد كبير من مثقفي
اليسار أيضا ، فاهتمامهم ينصبّ هذه الأيام على الأهداف
الجزئية ، المحلية ، المتشظية والخصوصية ، وعلى مناوءة
الرؤية الشاملة معتبرينها "كليانية" .
ينجم الكثير من هذا عن الهزائم والخيبات الكثيرة التي
عاناها اليسار في العقود الأخيرة : الفشل الكارثي
للأنظمة الشيوعية ، الاندماج المتزايد والصريح للأحزاب
والحكومات الاشتراكية – الديمقراطية في نسيج المجتمع
الرأسمالي ، تبدد الآمال التي ولّدتها فورة عام 1968 ،
صمود وحيوية رأسمالية ما بعد الحرب الثانية , وثقة
اليمين الناتجة عن كل ذلك في العقود الأخيرة ،
انتصاراته الانتخابية ، وتأكيده قيم السوق ، وتفوّق
"الاقتصاد الحر " والتنافس ، وتمجيده للفردانية
الحيادية كنقيض للفردانية الاجتماعية التي تلتزم
الاشتراكية بها .
كل هذا شجع ، الى حد بعيد ، التيارات الفكرية الكثيرة
التي ساعدت على تدمير أية ثقة بأن بديلا شاملا للمجتمع
الرأسمالي امر ممكن أو حتى مرغوب فيه . ان لتآكل هذه
الثقة أهمية بالغة ، لأن هذه التيارات ، اذ تقول أن
ليس هناك بديل حقيقي للمجتمع الرأسمالي الحالي ، انما
تلعب دورها في ايجاد مناخ فكري يسهم في ازدهار الأعشاب
السامة في غابة الرأسمالية . وقد أتينا سابقا على ذكر
اسماء هذه الأعشاب السامة : العنصرية ، التفرقة بين
الجنسين ، حتى العداء نحو الغرباء ، معاداة السامية ،
الضغائن القومية ، الأصولية والتعصب . فغياب البديل
العقلاني المتمثل بالاشتراكية ، عن الثقافة السياسية
يساعد على نمو الحركات الرجعية التي تحتضن هذه الأمراض
وتحيا عليها وتستخدمها ببراعة في سبيل أغراها . وعلى
أي حال يمكن لهذه الحركات الرجعية أن تزدهر نتيجة
للأزما ت المتعددة التي تعجز المجتماعا الرأسمالية عن
حلها ، وذلك مهما ارتفعت صيحات النصر التي يطلقها
المدافعون عن هذه المجتمعات . مما يجعل الدعوة الى
نظام اجتماعي مختلف جوهريا اكثر ضرورة من أي وقت .
(1)
B. Anderson. Imagined
communities (Verso, London and New york, 1991).لقد
كان النموذج الثوري البلشفي حاسما بالنسبة لجميع ثورات
القرن العشرين لأنه جعل تصورها ممكنا في مجتمعات أكثر
تخلفا من جميع مجتمعات روسيا . ويمكن القول ان هذا
النموذج قد دشن تحويل مسار التاريخ " .
(2)
J.
V. Stalin.
Works (Foreign Languages publishing house, Moscow,
1953), vol. X. pp.
53 – 4. في كتاب طبع عام 1968 ، تب كيم فيلبي ، الذي
يمكن ان يعتبر متطرفا في الالتزام بوجهة النظر هذه ،
بأنه يجب النظر الى الوظائف المتنوعة التي شعلها في
المخابرات السرية البريطانية على " أنها غطاء لي يجب
علي أن اؤديها بشكل جيد بما فيه الكفاية بحيث تؤمن لي
الحفاظ على وظائف يمكنني من خلالها القيام بخدماتي
للاتحاد السوفييتي بشكل اكثر فعالية . يجب رؤية
ارتباطي بالمخابرات البريطانية على خلفية التزامي
السابق الكامل بالاتحاد السوفيتي الذي كنت اعتبره
حينها ، ولا ازال الآن على أنه القلعة المركزية للحركة
الثورية العالمية " .K.
Philby, My silent War
(
Grove Press, New York, 1968) p. 21.
(3)
S.G.Solomon
(ed). Pluralism in the Soviet
انظر مثلا: كتاب من تحرير
Union (Macmillan, London,
1983).
(4)
D.Lovell.
From Marx to Lenin. (Cambridge University Press,
Cambridge,
1984).
Introduction.
(5)
L. Kolakowski, ‘Marxist roots of
Stalinism’, in Stalinisle or viable?m. Ed. R.C.
Tucker (W.W. Norton, New York,
1977).
(6)
W.
Brus. ‘ Socialism – feasible or viable? ‘ , New Left
Review. 153
(
Sept.- Oct. 1985),p. 45.
(7)
J.
A. Schumpeter, Capitalism, Socialism and
Democracy ( George Allen and Unwin,, London, 1943),
p.
167.
(8)
المصدر نفسه . ص 17
(9)
K. Kautsky. The Dictatorship of the Prolitariat
(
Manchester, The National Labour,
Press.n.d.) p. 6.
وكان هذا الكتيب قد أثار ردا غاضبا من قبل لينين
بعنوان :
The Proletarian Revolution and
the Renegade Kautsky, published at the end of 1918.
وقد اعتبر فيه لينين أن " ديمقراطية البروليتاريا هي
أكثر ديمقراطية بمليون مرة من أية ديمقراطية بورجوازية
" وأن " الحكومة السوفييتية هي اكثر ديمقراطية بمليون
مرة من أية جمهورية بورجوازية ديمقراطية " في كتاب :
Against Revisionism ( Foreign
Languages Publishing House K Moscow, 1959). P. 404.
(10)
Rosa Luxemburg Speaks, ed.
:
في كتاب
R. Luxemburg, ‘ the Russian Revolution’ M. A.
Walters
(
Pathfinder Press, New York, 1970) . p. 391.
(11)
R. Whitaker, ‘ Fighting the Cold War on the home
front: America, Britain, Australia and Canada’, In
The Socialist Register 1984:
the uses of anti-communism ( Merlin Press, London,
1984, and Monthly Review
Press, New York, 1984).
(12)
A. de. Tocqueville,
Democracy in America ( Doubleday, new York, 1969).p.
9
(13)
The
same book.
Page XIII.
(14)
في عمله الذي اثار خيال
Isaiah Berlin
هذه اسئلة طرحت مرارا من قبل
Immanuel Kant
لتاليف كتاب بعنوان :
The crooked timber
والذي من خلاله يجعل الانسان يقول : " ما من حل تام
للمشاكل المرتبطة بالعلاقة الانسانية . ليس على الصعيد
العملي وحسب ، وانما من ناحية مبدئية ايضا . وأن اية
محاولة لايجاد حل كهذا من المحتمل ان تقود الى
المعاناة والخيبة والاخفاق " : تأليف
I. Berlin
ضمن كتاب ؛
The Crooked Timber
of
Humanity ( John Murray, London, 1990), p. 48.
في مراجعة لهذا الكتاب يناقش بيري اندرسون أن " كانت "
لم يشر في الحقيقة في كتابه الى الانسانية جمعاء .
وانما كان يشير الى الاستعداد الفطري لكل فرد كوحدة
مستقلة للوقوع في الخطأ ، في :
P. Anderson. “The pluralism of Isaish Berlin.
في كتاب
Zones of engagement (( Verso, London and New York,
1992). P.
233.
وهذا بالطبع لا يلغي قيمة السؤال الذي يسألهBerlin
.
(15)
مثلا
Oligarchy
نفسه بصورة عامة عن النزعة الى حكم الأقلية
Michels
يتحدث
عندما يكتب بأن " التنظيم يتضمن نزوعا نحو حكم الأقلية
" . في كل منظمة سواء كانت حزبا سياسيا . أو نقابة ،
أو أي منظمة من هذا النوع . تظهر النزعة الارستقراطية
بشكل مبكر . في كتابPolitical
Parties ( Dover
Publication. New York, and Constable. London,1959).
P. 32
العنوان الفرعي للكتاب هو " دراسة اجتماعية لنزعات حكم
الأقلية عند الديمقراطيات الحديثة .
(16)
T. Benton. “ The Malthusian challenge: ecology,
natural limits and human
emancipatiob’, in Socialism and the limits of
liberalisam. Ed. P. Osborne
(
Verso. London and New York, 1991). P. 252.
(17)
K. Marx and F. Engels. The German
kdeology, in Collected works
(
Lawrence and Wishart, London, 1976). Vol.5.
p. 53.
(18)
k. Marx. Critique of the Gotha Programe ( 1875), in
Marx and Engels.
Collected works. Vol. 24. p. 87.
(19)
سنقوم ، نحن العمال ، بتنظيم انتاج واسع النطاق على
اساس القاعدة التي خلقتها الراسمالية . وبالاعتماد على
خبرتنا كعمال ، حيث سنمارس انضباطا صارما مدعوما بسلطة
الدولة المتمثلة بالعمال المسلحين . سوف نقلص دور
مسؤولي الدولة ليقتصر فقط على تنفيذ تعليماتنا كرؤساء
عمال ومحاسبين ، يشعرون بالمسؤولية ويحصلون على أجور
معتدلة ، ويمكن تنحيتهم " بالطبع بمساعدة فنيين من
جميع الاختصاصات والدرجات ) .. ان بداية كهذه ، على
اساس الانتاج الواسع ، ستقود بنفسها الى التآكل
التدريجي لكل أنواع البيروقراطية ، الى خلق نظام
...تصبح في ظله وظائف الحسابات وضبط الانتاج عملية
بسيطة شيئا فشيئان يمكن ان يقوم بها كل فرد بدوره ،
تصبح عنندئذ عادة وفي النهاية سينتهي وجودها كوظائف
تخصصية تنفرد بها شريحة خاصة من المجتمع" .
V. I. Lenin. The State and Revolution, in selected
Works. ( Lawrence nd
Whishart, London, 1969) , p. 298, emphasis in next.
|