|
رالف ميليباند
الاشتراكية لعصر شكاك
ترجمة : نوال لايقة
مراجعة : د. غانم حمدون
آفاق
-1-
إن التحرر من راس المال ليس مطروحا في اي مكان كاحد
الخيارات السياسية ، ف "النظام العالمي الجديد " سيبقى
لفترة طويلة تحت سيطرة راس المال ، تسيره سلطة الشركات
وحكومات تعمل نيابة عنها ن على قدر ما تسمح به الظروف
. وتسري هذه الآفاق الكئيبة على البلدان الشيوعية
السابقة وبلدان آسيا ، افريقيا ، وامريكا اللاتينية
بقدر ما تسري على البلدان الراسمالية المتقدمة .
إن سيطرة رأس المال في البلدان الراسمالية ، هو امر
اكيد كما كان دائما . حكومات تأتي وتذهب ، ازمات
سياسية من كل نوع تتكرر ، يفتضح الفساد على اعلى
المستويات ، النظام السياسي يواجه بكثير من السخرية
والشك ، تكثر الآفات الاقتصادية وتتضاعف المشاكل
الاجتماعية ، تغدو البطالة على نطاق واسع حقيقة
مستعصية ، تزداد الجريمة وما يرتبط بها من انتشار
المخدرات ، وتعجز اية حكومة بمفردها او حكومات تنسق
فيما بينها على إحداث تغيير جدي في هذا الوضع . مع كل
ذلك بقيت سيطرة رأس المال قوية لا يواجهها تحد فعلي .
وليس هناك حاليا أي حزب اشتراكي – ديمقراطي يهمه تحدي
هذه السيطرة تحديا جادا . اما بالنسبة للحكومات
المحافظة ، فإن سياستها مصممة اصلا لتقوية رأس المال ،
وليس لإضعافه . سيبقى هذا ، بعض الوقت ، هو الواقع ،
في بلدان العالم الراسمالي المتقدمة .
هناك دولة راسمالية هامة ، هي جنوب افريقيا ، يبقى
مستقبلها خلال السنوات القليلة القادمة غير واضح .
ولكنه سيكون متفائلا جدا أي اشتراكي يمكن ان يصدق أن
حكومة يسيطر عليها حزب المؤتمر الوطني الأفريقي
باستطاعتها البدء ، فعلا في تطبيق برنامج اشتراكي .
وهذا لا يعني ان انبثاق حكومة كهذه لا يشكل تقدما
كبيرا ، ولكنه من غير المحتمل جدا لحكومة المؤتمر
الوطني الأفريقي ان تقوم بأكثر من اعتصار موارد من
رأسمالية بلدها تكفي لتحقيق تقدم حقيقي في مجالات
الإسكان ، التعليم ، الصحة ، النقل وخدمات اخرى للسكان
السود ، بكلمة أخرى ، تعميم ما يشبه الرفاه الذي كان
حكرا على البيض . إن هذا سيكون تقدما حقيقيا بالفعل ،
اما إذا كان ذلك إفراطا في التفاؤل إذا أخذنا بنظر
الاعتبار الصعوبات والمقاومة من جانب الأقلية البيضاء
المتخندقة ، فإن الهوة بين قيادة " معتدلة " للمؤتمر
الوطني الأفريقي وبين المتطرفين في مناطق سكن السود
ستتسع مما سيكون له عواقب وخيمة على البلد . على اية
حال ، الفرصة مهيأة لبقاء جنوب أفريقيا لفترة طويلة في
الحظيرة الراسمالية .
كما اشير في الفصل السابق ، فإن الأقطار الشيوعية
السابقة هي الآن في سيرورة انتقال باتجاه الرأسمالية ،
بتشجيع قوي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والقوى
الغربية الأخرى ، ومن قبل المنظمات الدولية مثل البنك
الدولي وصندوق النقد الدولي . في الحقيقة لا تحتاج هذه
الأقطار الكثير من التشجيع ، فإن اكثر موظفي الحكومات
الشيوعية الكبار مع جيل جديد من الضواري النهمة بمن
فيهم رجال أعمال على هامش القانون ، او في الحقيقة
خارج حدوده تماما ، يستغلون بتلهف الفرص التي يوفرها
اقتصاد يعيش حالة فوضى وخصخصة مرتجلة . لا تزال
السيرورة في بدايتها ، ولكن يمكن ان نتوقع اتساعها إلى
حد بعيد . من صفات هذه العملية زرع الشركات متعددة
الجنسيات في قطاعات استراتيجية من الاقتصاد . وكما هي
الحال في كل مكان ، لا تهم المصالح الكبرى للبلدان
المعنية هذه الشركات ، فكل ما تريده الشركات ، طبعا ،
هو زيادة ارباحها الخاصة ، بغض النظر عن اي تأثير سلبي
يمكن ان يسببه ذلك للمدن والمناطق التي توجد فيها
(مؤقتا ) . ومن غير المحتمل ان تقوم حكومات اعتنقت
حديثا " الاقتصاد الحر " باي ضغط فعال على هذه
الشركات.
تحتاج الرأسمالية المتوحشة التي يجري إرساؤها في
البلدان الشيوعية السابقة إلى دعم انظمة قادرة على
خدمة البرجوازية الجديدة، وقادرة على احتواء وقمع
النقمة التي ستولدها هذه السيرورة . وهذا يعني ، إلى
جانب الأشكال الديمقراطية الضعيفة التي يجب المحافظة
عليها. على الأقل حفظا لماء الوجه أمام الرأي العام
العالمي ، ان من المحتمل ان تبدي هذه الأنظمة جوانب
قمعية قوية ، وأن تسعى للحصول على التأييد من خلال
إثارة ديماغوجية لمشاعر قومية مشوبة بعنصرية عرقية .
ومن الممكن ايضا ان تلجا هذه الحكومات ، عندما تجد
نفسها في قبضة أزمات صعبة وعندما تتعرض لضغوط كبيرة من
الناس ، إلى الخيار التسلطي ، بحجة الدفاع عن
الديمقراطية بالطبع .
لا تزال الصين دولة شيوعية بالاسم ، وذلك لأنها تخضع
لحكم حزب شيوعي ضخم يستمر في إدعائه الالتزام
بالاشتراكية . ولكنه هو نفسه الحزب الذي يتراس حملة
مسعورة لنشر " اقتصاد السوق " ولتوطيد القيم التي
ينطوي عليها هذا الاقتصاد . لا تزال المشاريع الصناعية
الخاصة تمثل جزءا صغيرا فقط من طاقة البلد الصناعية .
ولكنها امتدت إلى المناطق الريفية التي لا يزال يسكنها
غالية الشعب الصيني . بناء على التوجهات الحالية ،
يبدو من المحتمل ان تسيطر المشاريع الصناعية الخاصة
على كل قطاعات الحياة الاقتصادية . كيف سيؤثر ذلك على
النظام في الصين هو سؤال مفتوح ؛ ولكن تحوله من
دكتاتورية ذات سمات ستالينية قوية الى اي شيء قريب من
ديمقراطية اشتراكية يبقى أمرا بعيد المنا . إن الصين ،
في الوقت الحاضر ، خاضعة لنظام قمعي حازم يتعامل
بفظاظة مع اي شكل من اشكال المعارضة .
ولا يمكن الجزم فيما إذا كان نظام كاسترو في كوبا
المحاصرة سيتمكن من التغلب على المصاعب التي تواجهه
حاليا . ولكن إذا تمكن من ذلك ، من المحتمل ان يتخلص
من سماته السلبية التي كثيرا ما ساعدت اعداءه للتعتيم
على إنجازاته . وإذا تمكن من الاستمرار كبلد ملتزم
بالأهداف الاشتراكية ، رغم المضايقات الأمريكية
الشديدة له ، سيكون استمراره مكسبا اساسيا لليسار في
كل مكان .
اما بالنسبة لديكتاتورية كيم إيل سونغ في شمال كوريا ،
فإنها مجرد تجسيد صارخ للصورة الكاريكاتيرية التي
قدمتها الأنظمة الشيوعية السابقة عن الاشتراكية ،
ويبدو ان زوال هذا النظام سيقود في أحسن الأحوال إلى
نظام رأسمالي يحاكي النظام القائم حاليا في جنوب كوريا
.
أما في بلدان " العالم الثالث " ، فمن الواضح أن اي
تنمية اقتصادية فيها ستكون تحت الرعاية الرأسمالية ،
وسيكون لرأس المال الغربي دور اساسي في السيرورة . لقد
قيل الكثير ،
خلال سنوات الخمسينات والستينات ، حول الاشتراكية
الأفريقية والاشتراكية العربية ، كما سادت آمال كبيرة
بأن تقوم دول أمريكا اللاتينية بمحاكاة نصر كاسترو في
كوبا . كما سادت آمال بين صفوف اليسار بان تقوم
الماوية بتحويل الصين إلى منارة تضيء طريق الاشتراكيين
في كل مكان . لقد ثبت ان كل ذلك كان محض أوهام – ناتجة
عن رغبة في الاعتقاد وليس عن تحليل واقعي للأحداث .
كما أن الآمال التي علقت على النظامين الماركسيين
اللينينيين في انغولا وموزامبيق قد تلاشت منذ وقت طويل
. وكان السبب الأساسي في حدوث هذا ، ولكن ليس السبب
الوحيد ، الحروب التي خاضها النظامان مع القوى
المعارضة المدعومة من قبل الولايات المتحدة وجنوب
افريقيا وإسرائيل .
كما ولّدت الهند آمالا بالتحول نحو الاشتراكية بعد
تحررها من الحكم البريطاني . ولكن تبين ان هذه الآمال
ايضا كانت أوهاما ؛ إن الهند بلد رأسمالي بشكل راسخ ،
وسوف يبقى كذلك لوقت طويل ، رغم كل الخطب التي كانت
مالوفة في وقت من الأوقات بين قادتها .
خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية ، تمكنت
حكومات في آسيا ، افريقيا وامريكا اللاتينية من تحقيق
توازن بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي فتمكنت
من تحقيق بعض المكاسب بسبب التنافس بين " القوتين
العظميين " . الآن ، وقد انتهى كل هذا ، اصبحت
الحكومات في " العالم الثالث " متقبلة تماما لهيمنة
الغرب وقامت بتكييف سياساتها الاقتصادية والاجتماعية
بما يناسب ذلك . فالثمن الذي كانت ستدفعه لو لم تفعل
ذلك يتعدى إمكاناتها ورغباتها .
-2-
كل هذا يجب أن يكون مبعثا لفرح اليمين ، كما هو مصدر
غم وقنوط اليسار . ولكن بعد فترة قصيرة من الاحتفال
بالنصر الذي أعقب سقوط جدار برلين وتفتت العالم
الشيوعي ، هناك في الحقيقة القليل من البهجة في أوساط
اليمين . فمن الواضح جدا ان ما يسمى " النظام العالمي
الجديد " هو في الحقيقة فوضى عظيمة ، لا يمكن للقوى
الرأسمالية معالجتها . وبدلا من الميل إلى الخفوت ،
على الأقل ، فإن ويلات العالم تتنامى اكثر لتصبح اكثر
وضوحا وإيلاما . إن خطر الإبادة النووية يجعل حربا
نووية " محلية " اكثراحتمالا في السنين القادمة . ويجب
ان يضاف إلى ذلك مسائل اخرى مثل الكوارث البيئية ،
الانفجار السكاني ، نمو المدن مفرطة الضخامة التي لا
يمكن تامين حياة لائقة لغالبية القاطنين فيها ،
بالإضافة الى استمرار تفاقم الفقر والحرمان والتشرد
على المستوى العالمي .
وتوفر هذه الحالة ، كما اشرت في الفصول السابقة ، تربة
خصبة جدا لنمو ما دعوته بالتشوهات المرضية عديدة
الانواع . سوف يكثر عدد الخطباء الدهمائيين والدجالين
الذين ينشرون بضاعتهم السامة ؛ وستكون رسالتهم نشر
النعرات والعداوات الأثنية والدينية . ولا يقتصر هذا
على اي جزء من العالم ، بل يؤثر على المجتمعات الغربية
الغنية والمستقرة كما يؤثر على بقية بلدان العالم .
ففي الولايات المتحدة بشكل خاص ، يبث وعّاظ التلفزيون
كلاما وبيلا هداما يشيع طرازا رجعيا جدا من الأصولية
السيحية ؛ وهناك مبشرون آخرون من طراز علماني يجدون من
يستمع الى افكارهم السياسية الرجعية . لم تعد معاداة
الشيوعية فعّالة كما كانت ؛ ولكن هناك الكثير من
الأعداء الذين ينالهم الشجب . فكلما زاد فساد حياى
المدن وكلما ازداد الإحساس باليأس الذي يقود الى العنف
فيها ، كلما اكتسبت العنصرية قوة جديدة ، مع الدعوة
الملحة الى تعزيز أجهزة القمع في الدولة .
لقد اصبح المهاجرون في بلدان أوروبا الغربية ايضا ،
كبش فداء لجميع شرور وامراض المجتمع ، واصبحو مستهدفين
من قبل عصابات العنف والقتل . يخدم المهاجرون
والأقليات الأخرى غرضا مفيدا جدا : فالكراهية الموجهة
اليهم تمنح عددا كبيرا من الأفراد احساسا بالهوية
قائما على اساس التمييز . وتحقق مجموعات النازية
الجديدة مثل " الجبهة الوطنية " بقيادة لوبان في فرنسا
ومجموعة " الجمهوريين " في المانيا نموا مطردا في
الموقع الانتخابي . وعلى الهامش الخارجي ، يقوم
الأفراد الذين يحنّون الى النازية بتشكيل شبكات تنتشر
من اقصى اوروبا الى اقصاها ، ويكون العنف جزءا من اسوب
نشاطهم السياسي .
ومقابل الأصولية المسيحية ، هناك الأصولية الإسلامية
والأصولية اليهودية ( والأصولية الهندوسية في الهند )
. وفي إسرائيل نجد التعصب الديني مرتبطا بقومية مسعورة
من مبادئها الأساسية العامة . الرفض القاطع لأية فكرة
عن إنشاء دولة فلسطينية ، مهما كان هذا الرفض ميئوسا
منه على المدى الطويل . أن ما يغذي الأصولية الاسلامية
والأصولية الهندوسية ايضا ، هو السخط الذي ولّده فشل
الحكومات الفاسدة في إنجاز شيء ذي بال . او اي شيء على
الاطلاق . من اجل الشعوب التي تحكمها . كما يغذيها في
كثير من الأحيان شعور الكثيرين بتهديد سيطرة الغرب
لقومياتهم . وفي جميع الأحوال ، تساهم هذه الأصوليات
في نشرمشاعر عدم التسامح والتمييز .
تزدهر العنصرية القومية والأثنية في كل مكان ، وتنشر
جرعاتها اليومية من الوحشية والعنف والقتل . فيسقط
ضحية العنف عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال في
جميع انحاء العالم ، في كل يوم ، وبشكل حتمي كحتمية
دوران الكواكب . ولا يوجد ما يدعو للتفاؤل بان هذا لن
يستمر ، وإلى مدى طويل ايضا .
-3-
يمكن لقائمة الرعب والبؤس ان تطول بسهولة ؛ وهي
تطرحثانية التساؤل فيما اذا كان ما ورد في الفصول
السابقة حول إمكانية تغيير جذري لظروف الحياة
الإنسانية وفي ظل نظام اجتماعي مختلف كليا ليس سوى وهم
سخيف ، او يوتوبيا لا اساس لها في الواقع . الا تؤكد
حالة العالم الراهنة رؤية ما بعد حداثية حول الحياة ،
عبّر عنها شكسبير على لسان مكبث ؛" حكاية يرويها معتوه
، مليئة بالضجيج والغيظ ،لا معنى لها "؟
إن الاستسلام لهذه الرؤية ، والانهزام امام الشرور
التي تملأ العالم ، يعني الغفلة عن جملة أمور تدعو
للتفاؤل . يجب أن نتذكر دائما ان قلة فقط هي المعرّضة
للتشوهات المرضية التي اشرنا إليها والتي توجّه سلوكها
. فمرة بعد اخرى ، نجد ان من يبدون صراحة مشاعر
التمييز والكراهية والذين يرتكبون الأفعال الإجرامية ،
لا يشكلون سوى أقلية . وكما اشرت في فصل سابق ايضا ،
يمكن للأكثرية الساحقة في جميع البلدان ان تذعن لما
يجري باسمها ، ويمكن لها حتى ان تؤيده ، أو أن تنصرف
عنه باستنكار . ولكن سيكون من الخطأ ان ننسب العقلية
التي تفرض السلوك الإجرامي إلى الأغلبية وسيكون خطا
خطيرا وموهنا ان نحمّل الأكثرية مسؤولية الجرائم التي
ترتكبها الأقلية ؛ لأن ذلك يعني إدانة الشعب بأسره ،
ويقوي الاعتقاد بأنه لا يمكن فعل شيء على طريق التقدم
.
بالإضافة إلى الأقلية الرجعية والى الأغلبية السلبية
والمذعنة ، هناك عنصر ثالث نشيط ، اعني الأقلية
النشيطة التي تقاوم ، بصورة عملية ، العنصرية ، معاداة
الغرباء ، معاداة السامية ، الأصولية ، التمييز وجميع
الشرور المماثلة ، مما يعرّضها الى خطر كبير . إن ما
تؤول اليه الأمور يعتمد جوهريا على اي الأقليتين تتمكن
من الفوز ب " قلوب وعقول " الجزء الأكبر من السكان .
لذلك ليست الصورة بالكآبة التي ترتسم عادة ز ويكمن سبب
قولي هذا ببساطة في طبيعة الرأسمالية وفي إخفاقاتها .
لقد قلنا الكثير في هذه الصفحات حول هذا الموضوع
وتأثيره على البلدان الراسمالية المتقدمة . ولكن يصح
قولنا بشكل أقوى عندما يكون الحديث عن البلدان التي
تحيا حياة اشد بؤسا ، فقرا ، وحشية ، واقصر مدى .
فالغالبية العظمى من شعوب العالم تحيا في بلدان تسود
فيها رأسمالية وحشية ، فالرفاه ضئيل أو معدوم ، حيث
تعتبر مياه الشرب ترفا يحرم منه عدد هائل من البشر ،
وحيث ظروف الصرف الصحي في حالة مزرية، والبطالة تطال
جزءا كبيرا من السكان ، ويدخل عدد كبير من الأطفال سوق
العمل في سن السادسة أو السابعة ، وحيث معدلات الوفاة
بين المواليد الجدد عالية جدا ، وبغاء الأطفال ظاهرة
شائعة . وتطول اللائحة الى درجة تثير الاشمئزاز . وفي
الوقت نفسه ، وفي البلدان نفسها ، يقوم ذوو النفوذ في
الدولة والمجتمع بحماية وتعزيز النظام الذي يؤمن لهم
وللبورجوازية المحلية حياة سهلة ومريحة ومترفة ؛
وعندما يتحدثون عن الإصلاح ، يشترطون دوما ألا يهدد
هذا الاصلاح النظام الاجتماعي القائم . ويستطيعون أن
يعتمدوا في ذلك على دعم الحكومات الغربية والمؤسسات
الدولية .
لا يمكن لحياة كهذه أن تستمر . ببساطة ، انه ليس من
المنطق في شيء أن نعتقد بأن رجالا ونساء يعرفون ، بفضل
الثورة الحاصلة في الاتصالات ، بأن هناك حياة من نوع
آخر يمكن أن تتوفر ، لن يسعوا في الوقت المناسب لتحقيق
حياة افضل من حياتهم . فقد تمت الإطاحة بأنظمة
استبدادية عن طريق انفجارات شعبية ، وفي الأماكن التي
أجبر فيها حكام مستبدون على القبول بإجراء انتخابات ،
اغتنمت الغالبية الفرصة للتخلص منهم ، وفي بلدان
العالم الشيوعي السابق ، تثبت الانتخابات بأن الناس ،
على الرغم من عدم رغبتهم في العودة الى النظام القديم
، فإنهم بالمقابل لا يريدون رأسمالية متوحشة يتم فرضها
عليهم فرضا . لقد ذكرت في فصل سابق بأن التغيير الحاصل
في النظام السياسي وحلول " الديمقراطية " لا يفيدان
بالضرورة النظام الاجتماعي . لكن من المؤكد ان
المطالبة بضرورة حصول تغيير جذري على هذا النظام
الاجتماعي ستبرز للعيان ، وهذا بالفعل ما هو حاصل الآن
في العديد من البلدان . تتنوع خصوصية المطالب واشكال
النضال التي تولدها تنوعا كبيرا من بلد لبلد ؛ وليس
هناك " نموذج " وحيد للتغيير التقدمي أو الثوري .
ولكن في كل مكان هناك أهداف وتطلعات عامة ، من النوع
الذي سعيت الى وصفه وتحديده ، من أجل الحصول على أشكال
ديمقراطية في الأماكن التي لم تمنح فيها بعد ، ولتحقيق
اشكال اكثر ديمقراطية في الأماكن التي لا زالت محرومة
منها ، أو أنها ليست اكثر من واجهة لحكم القلة ، من
أجل نظام اجتماعي يكون فيه تحسين شروط معيشة الناس
الأكثر حرمانا – والذين غالبا ما يشكلون – من اولى
اهتمامات الحكومات ؛ من أجل تطويع الاقتصاد بحيث يلبّي
الحاجات الاجتماعية . وفي كل البلدان اناس قد تزيد
أعدادهم أو تقل ، تحركهم رؤيا تنشد نظاما اجتماعيا
جديدا تشكل فيه الديمقراطية ، المساواتية والتعاون (
وهي القيم الأساسية في الاشتراكية ) المبادئ المسيرة
لتنظيم المجتمع . إن في تنامي أعداد هؤلاء الناس ، وفي
نجاح نضالهم يكمن أفضل أمل تتوخاه البشرية .
|