|
تأملات
أسئلة موقف تفاوضي
رضا الظاهر
إذا كان للمرء أن يتأمل حالة الطرف العراقي في
المفاوضات الخاصة بالاتفاقية العراقية الأميركية، فإن
عليه أن يدرك، أولاً، حقيقة أن أي ادعاء بأن هناك
ندّية أو تكافؤاً بين الطرفين العراقي والأميركي هو
وهم يصعب أن ينطلي على أحد. فالطرف العراقي، وباعترافه
هو، منقوص السيادة. غير أنه قد يكون هناك اختلاف في ما
يتعلق بهذا المفهوم، ذلك أن اليابان، على سبيل المثال،
منقوصة السيادة، ولكن نقص السيادة في العراق أمر
مختلف.
وعلى المرء أن يدرك، ثانياً، حقيقة أن الطريقة التي تم
بها التمهيد للاعلان عن اتفاق المباديء وإطار التفاوض
تتسم بدلالات عميقة، حيث جرى في دائرة تلفزيونية
مغلقة، مما يكشف البعد عن الشفافية.
ومعلوم أن أول إعلان كان في بيان القوى الخمس يوم
السابع والعشرين من آب الماضي، حيث أشير الى علاقة
تعاون بعيدة المدى بما يضمن المصالح المشتركة للطرفين.
وفي إعلان المباديء نهاية تشرين الثاني الماضي إشارة،
في النسخة الانجليزية للنص، الى بيان القوى الخمس وكأن
الطلب جاء من الجانب العراقي، غير أن تثبيت ذلك في
الاتفاقية تتويج لمفاوضات بين أطراف متنفذة في الحكم.
ومما يلفت الانتباه أن المعني بالمفاوضات هو المجلس
السياسي للأمن الوطني، بينما كان المرء يأمل أن تكون
الحكومة هي المسؤولة عن إدارة المفاوضات في إطار
التمثيل السياسي الفاعل وليس الشكلي. غير أنه ما من
أحد يعرف، على وجه التحديد، شيئاً عما يجري من أحاديث
مبهمة حول استعادة سيطرة العراق على ثرواته ومقدراته
وسياسته واتخاذه القرارات، وخصوصاً بشأن القضايا
المصيرية.
والسؤال الكبير الذي يطرح هو: ما هي ستراتيجية التفاوض
لدى الطرف العراقي ؟ وهل أن الطرف العراقي قادر ومهيأ
لخوض مثل هذه المفاوضات ليخرج منها بانتزاع السيادة
الوطنية وإنهاء الاحتلال ؟
وفي سياق هذه الأسئلة يمكن للمرء أن يربط موضوعة
التفاوض بحقائق لعل بوسعه الاشارة الى ثلاث منها.
الأولى ارتباط التفاوض بواقع سياسي خلقه "المحررون"
وساهم في ترسيخه "المقررون"، وسمته الأساسية تقاسم
النفوذ على أساس طائفي إثني.
والثانية ارتباط التفاوض بمنهجية المحاصصات، وهي
المنهجية المقيتة التي تركت جميع الأطراف السياسية،
وبالتالي المفاوض العراقي، في موقف "ضعيف".
أما الحقيقة الثالثة فيجسدها ارتباط التفاوض بثقافة
سياسية باتت هي السائدة في البلاد، حيث السمة الرئيسية
لها تتجلى في الاستعداد لتقديم تنازلات مقابل مزيد من
المغانم.
والمثير للقلق، في إطار تصريحات مسؤولين عراقيين، أن
معظم هؤلاء المسؤولين يريدون، على ما يبدو، بقاء وجود
أميركي لفترة طويلة هي، في الحد الأدنى، عشر سنوات.
ومن الطبيعي القول إن سبب ذلك بسيط، ويتمثل في أنهم
كانوا ومازالوا ينظرون الى الوجود الأميركي باعتباره
الضامن للمكاسب والامتيازات.
ومما يبعث على الارتياب أن المرء لا يعرف، على وجه
التحديد، من هو المفاوض العراقي، الذي يبدو، حتى الآن،
مثل شبح، حتى كأن "المحررين" لم يُشبِع نهمهم تحول
العراق بأسره الى بلاد أشباح. كما أن "المستشارين"
الأميركان والعراقيين أظهروا "براعة" في التستر على
مجريات الأمور، كشفت عنها اللغة الغامضة والتعابير
الغائمة التي تفضح، من بين أمور أخرى، الاستهانة بذكاء
الناس. فقد قال مستشار أميركي إن "الوثيقة ليست معاهدة
بل مجموعة مباديء تركت بحث المسائل الشائكة"، بينما
أسهم مستشار عراقي في خلط الأوراق عندما طالب بعدم
القلق من "وثيقة مباديء هي اتفاق غير ملزم". وقلل نائب
"مقرر" في البرلمان من شأن خطورة القضية عندما قال عن
الوثيقة بأنها "ليست سوى إعلان مباديء يحدد مستقبل
العلاقة بين البلدين وشكلها"، بينما صرح الناطق باسم
الحكومة بأن "وثيقة النوايا ستكون المصدر الرئيسي
للاتفاق". وهناك، بالطبع، الكثير من مثل هذه التصريحات
المثيرة للالتباس والتي تضفي مزيداً على "تناقضات"
مواقف وتحليلات المسؤولين، فتزيد، بالتالي، الارتياب
بقدرات المفاوض العراقي.
وهناك، من ناحية أخرى، تصريحات تبدو "مختلفة" عن تلك
التصريحات المتناقضة، لكنها متوافقة، في الجوهر، معها.
فقد أطلق مسؤولون تصريحات تكشف عن أن "المفاوضات ستكون
صعبة"، وهي، في الواقع، تصريحات يقصد منها استدرار
العطف على مفاوضين عراقيين يوحى بأنهم "لا يُشَقّ لهم
غبار"، حتى وإن كانت أسماؤهم مجهولة، وتحركاتهم
مستورة.
* * *
على براعة المفاوض العراقي يتوقف الكثير من حماية حقوق
الشعب ومستقبل البلاد وتكريس الاستقلال والسيادة، في
مفاوضات على درجة كبيرة من الحساسية والخطورة. ولا ريب
أن الموقف التفاوضي لا يمكن أن يكون فاعلاً ومثمراً ما
لم تكن الحكومة أمام مسؤولياتها في تهيئة مستلزمات
موقف وطني موحد وجبهة داخلية متينة، وما لم تحسن
اختيار تشكيلة الوفد المفاوض من حيث الكفاءة وسعة
التمثيل السياسي واعتماد الشفافية والعودة الى ممثلي
الشعب، بعيداً عن "التسييس" والمكاسب الضيقة وصراعات
السلطة والنفوذ.
لسنا في سيرك سياسي حيث كل "بهلوان" يعرض ألاعيبه
البارعة لإمتاع الجمهور .. نحن أمام مصائر البلاد وحكم
التاريخ .. وينبغي أن تكون الكلمة الفصل لأهل هذه
البلاد وصنّاع تاريخها !
طريق
الشعب
|