|
هنا في أرض كردستان ( صفحات من دفتر ذكريات بيشمركة )
حمودي
عبد محسن
أصبحت
فجأة حزين ، ومنهك في يوم متعب ، أنا متعب جدا ، يجب
أن أستلقي على العشب الجاف ، وإلا فأنني ضائع لا محالة
في عناء ، استلقيت، ولا أحتاج إلى بذل الجهد لأستلقي ،
كنت كالمهجور في ظلال الطريق ، الآلام تعتصرني ، وأنا
أحكي لنفسي أساطير ، لا أعرف عنها شيئا سابقا ، أساطير
من خلق نفسي ، ثم أمعن التفكير كثيرا ، وقد كان كل شئ
حولي صامتا ، إلى أي مدى من المبالاة يمكن أن أصل
إليها ، ، أية قناعة هذه ، بحيث فقدت الحس حولي ؟!
مجرد أنا متعب ، وضعفت ذاكرتي بالتفاصيل الصغيرة
لعوالمي السابقة ، أريد تأدية أكبر الواجبات ، أنا
أحلم بوجودها ، فيها أستطيع التعبير عن نفسي بهذه
الدقة ، وتلك اللحظة التي تقع في رمي البندقية على
الأرض ، أنا أثق بأننا نتقدم ، ، وقد حدث سلفا ،
اعتبرت ذلك هدأة مع النوم ، لكنني لم أنام ، استراحة
بسيطة ، وكنت أكره أن أنهض من مكاني ، لأنني خسرت سحرا
خارقا حميما في هبة الليل ، لأن الليل زمني ، غامض ،
من سأكون ؟! حتى صدى الأساطير أبلغ فيها القدم في
المستقبل في مقام سحري منعزل الوجود ، لي قدرة على
التنبؤ ، من يدري أية متاهة ، تائه ، تدهش قدري ، حيث
تعلمني مغامرتي أن أكون دوما ، وما كنت في أكثر من
مائة ليلة في ليلة ، أملي فيها ، سأعود إليها ، . لمست
يداي العشب ، ملامسة شخص حالم ، رأيت القمر نحيل يأوى
إلى حضني ، يلقي بحنانه إلي ، لقد تحطمت المسافات ،
رقيقة هي الليلة ، نظر القمر نحو البعيد ، طول الليلة
تسبح في الوحدة ، نجومها المتناثرة في طعم الشوق ،
ينتظرني صدى لطالما انتظرته في تشتت الليلة السرية
وسلام العشق ، أيام غامضة ، وإسراف طويل في الدروب ،
فقد قطعنا مسيرة طويلة بعد أن نفذنا عملية عسكرية ضد
الجحوش في باعذرة ، واستقرينا في وادي ، كنت متعب جدا
، والأشياء صاخبة من حولي ، ترفل بالألم ، والحداد
الباذخ بعد أن دفنا الشهيد ، كنت متشنج في عيون السماء
، ثم الليل بجماله الهارب ، بنظراته التي جعلتني أولد
من جديد ، هل أراه بعد الموت ؟! أراه في الأبدية ، في
مكان آخر ، بعيد جدا ، تحتل نفسي ، وتجهد جسدي تلك
الأبدية ، عنيد أنا في اعترافي ، متشنجا في عيون
السماء ، وقد دفعنا غاليا ، ونحن نخوض طريقنا فوق
العشب المرتجف ، يجتث قدرتنا في المشي ، أين أمضي ؟!
وتعربد في داخلي حشود من الأفكار ، ونحن في مكان أمين
، لا يخطو الجيش في جهنم الوديان . أطلقت آنات مجهولة
، واأسفاه ، لم نبلغ الهدف ؟! ووحوش الدكتاتورية تزمجر
، وتدمدم بإطلاق الرصاص …كنت قليل الحركة ، ضعيف الصوت
، وأنا أجلس إلى صخرة ، ظهري يلتصق بها ، وساقاي
متمددتان فوق الأرض الرائعة ، المبهرة ، الغنية
بالخضرة ، تفوح روائح منعشة من الأزهار البرية ن إنها
جميلة ، وأكثر من جميلة ، هي الأرض هائلة تعطينا الثمر
والعطور في همس عاشق ، والسماء تصب الضوء ، فالقمر
الأبيض بسطوته الرهيبة المعلق في السماء في عمق الليلة
كانت تدفعه سحب بيضاء …أجل لنا أكثر من جولة واحدة مع
الأجهزة القمعية مهما حاولت أن تصنع من القرى أنقاض ،
كان الليل يبتلعني وفي عيني دمعتين ، لا إرادية تدعوان
للرثاء ، أنا حزين وكئيب ترهقني موجة هامسة ، لم أكن
أستطيع دون مرارة مؤلمة تفصلني عن الذكرى ، تحتويني
ابتسامته ، وثورته ، وعندما قلت : ( وداعا يا شهيد ! )
شعرت أني أكثر من حزين ، وقد عشت ، وقاسيت آلامي ،
ماذا أكون ؟! الحقيقة موجودة خارج ذاتي ، نحن دفناه ،
تمزقني الرغبة في كياني أن أراه ، غيبني الليل ، ولم
يمض وقت طويل على توديعه ، فنظرت إلى القمر ، بنزوة
داكنة ، أردته أن ينزل بنعومة من بين السحب ، ومن دون
صخب ، ويبسط نفسه على الأرض في رقة حانية ، وينشر
بياضه على وجهي الشاحب باتساع حزنه ، ويضمني برقة إلى
صدري ، حتى تنتابني الأبدية في البكاء ، لم أبك ، لأن
الضوء في الصمت يقول : ( لا تبك ) ، إلا أنني كنت في
هذيان أنتشي فيه ، ويئن في أعماقي ، في مداعبة الليل ،
ضياءه ينثر الرغبة في العظمة ، في الخلود ، في الجمال
، وكل ما يبعث على المجد ، فظليت عالقا إلى الأبد
بالمثل الأعلى ، لم يستطع الزمن أن يسقط الانسجام
الوضئ بيني وبين القمر ، ولم ينزع شيئا مني ، ولم
ينزع السحر الغامض الأبدي ، وفضلا عن لطفه البالغ ،
وتوهجه الرائع ، ليس سوف ما يرهقني ، أنا هنا في أرض
كردستان ! أرسو قرب صخرة ، الليل يستريح ، الفلك
السماوي يضئ الأرض دون تنكر ، أتأمل الفلك ، له تصميم
في الإضاءة تجاه الأرض ، الضوء ، وسمع زقزقات ، هذه
رؤية ، أن أستريح ، وأرخي روحي للسماء ، الضياء لن
تفنى في أقدار خاوية ، انجررت إلى الصخرة مستنشقا حتى
ضعت في السماء ، مرتعشا ، منجرحا في داخلي بعد أن صببت
اهتمامي إلى السماء ، جم غفير من الأفلاك ، وأنا أرسل
تنهدات قصيرة ، لن أتصور الموت أخذ رفيقي ، أنبش
بأظافري الثرى ، أنت أيها النجار الكادح أبو علي
النجار ! هنا في أرض كردستان ! هنا الجبل ، وأرض
المياه ، وأناء الليل في زمنه ، الكفاح صحيح ضد
الدكتاتورية ،حينما تسرع الروح للمقاومة ، ويسرع الليل
الضائع ، ويسترجع زمنه ، حيث تعبر الأحلام بين الجبال
في أقسى السنوات ، الليل يمتزج مع الموت بالذكرى ،
الأفلاك تملأ السماء ، تغذي الحياة ، فاجأنا صوتك الذي
ينزل من أعلى ، تمسكنا به بأحكام ، نقرأ الليل ، نشعر
بالحرية من هذه الجذور يا ابن آدم ! من
غصون تنمو ، وذلك تحت هذه الصخرة ، يخب قلبي وراءك كي
تنهض من الأرض لألاقيك في هذا اليوم يوم المحبة
والسلام يوم عيد نوروز ، وفي يدي حفنة تراب ، هنا في
أرض كردستان !
حمودي عبد محسن
21 \3 \ 2008
|