لقد ابتدأت مذكرات نصير لفيصل عبد السادة الفؤادي من
البؤرة الثورية التي تختلف عن مثيلتها في أمريكا
اللاتينية في التحرر من الدكتاتورية ، فقد كانت نواتها
الأساسية من الأنصار الوافدين من الداخل والخارج ،
ليتحملوا وطأة وجودهم في بناء المقرات ، وتوسيعها ،
بغية تهيأة الأجواء النضالية للملتحقين بهم ، كان ذلك
عام 1978، عام تعرضت البلاد إلى أبشع مطاردة للمناؤيين
لسلطة الدكتاور التي شنت حملة اعتقالات واسعة ضد
الشيوعيين ، والقتل ، والتشريد ، كان ذلك جبريا من
طبيعة الصراع بين قوى التقدم ، وقوى الدكتاتورية ، ولا
يوجد هناك حل آخر سوى ممارسة الكفاح الثوري ، بعد أن
رسخت الدكتاتورية مؤسساتها القمعية ، ودخل الوطن في
مرحلة جديدة لطبيعة النظام ، وأرست العنف والإرهاب ،
واستحوذت على كل أجهزة الدولة رافقتها تصفيات للوطنيين
الأحرار ، تلك التجربة أضفت إلى هذه البؤرة الثورية
الحماس ، والتفاؤل في توسيع مدارها لتكون حركة
جماهيرية تعتمد الكفاح المسلح كشكل رئيسي من نضالها ،
فمذكرات نصير تدور في مدار شخصية عامل آتي من العاصمة
بغداد ليلتقي كوادر في الحزب الشيوعي من مختلف
القوميات العراقية ، وهم في زهرة شبابهم متفانين
للقضية التي آمنوا بها ، وهي إسقاط الدكتاتورية ،
واقامة نظام ديمقراطي ، واعطاء الحقوق المشروعة للشعب
الكردي ، حاول الكاتب أن يبرز أبسط الأشياء في الحياة
اليومية له ، والتي تتطلبها ظروف النضال الصعبة ، وهو
يتشعب بها ، ويخوض في تفاصيلها ، أعتقد أنها مهمة
بالنسبة للقارئ الذي لم يخض تلك التجربة ، ولهذا
يمكننا أن نطلق على الكتاب ، كوثيقة يعتمدها ، وكمصدر
يمكن الرجوع إليه في حقبة نضالية من حياة السياسة
العراقية ، فالتفاصيل اليومية مشبعة بالمعرفة ، وتعطي
الفهم ، والتفسير لما جرى لهؤلاء الشبان الشجعان ، وهم
يبنون كل شئ ، ويهؤون كل شئ لنزول مفارز قتالية ، إذ
تبدأ بالمواجهة الحقيقية مع جيش الدكتاتور ، ونشر
الفكر الثوري لدى الجماهير الفلاحية ، التي راحت
تستقبل المفارز بقراها ، ودعمها ، الكتاب يعطي تلك
الأهمية للنصيرة المقاتلة التي شاركت في العمليات
العسكرية ، والتي ساهمت بنمو الحركة وتطورها ، إذ زادت
المفارز القتالية ، وبنيت مقرات في عمق الداخل ، التي
كانت لها الأهمية بذات الصلة بالجماهير الفلاحية ،
وتحسس معاناتهم ، وآلامهم ، وعاداتهم ، وتقاليدهم ،
حيث بدأ البعض يتقن اللغة الكردية ، ويجيد التفاهم مع
الفلاحين ، بالرغم من أن الكثير من شعب كردستان يجيد
اللغة العربية ، هنا أعطى الكتاب بين سطوره إلى ارتباط
الحركة المسلحة بالجماهير ، التي لولاها لفشلت الحركة
في طورها الأول ، أخذت تمتد إلى القرى نفسها عندما
التحقوا بها أهل المنطقة ، باعتبار الطريق الأمثل
للنضال ، هذا ويبقى يجسد الكتاب ذلك التعايش بألفة في
المقرات كقاعدة لانطلاق المفارز في عمق الداخل في
كردستان ، فهو مسؤول إداري ، ثم مسؤول عن مشجب السلاح
، كل له مهمته حسب ما يتطلبه الوضع العام في المقرات
التي كانت قيادة القاطع تتمركز فيها ، فكانت أعباء
كثيرة على العاملين في المقرات ، وعندما انتشرت
المفارز في عموم قاطع بهدنان ، وجدت ضرورة لبناء مقرات
الفوج الأول قرب
مرالني ، والفوج الثالث في بامرني ، إن الكاتب جسد
وثيقة تاريخية يمكن الرجوع إليها ، بلغتها الغير مثقلة
، خفيفة ، ذات تبيان واضح ، ومنهج في ترتيب الكتاب ،
فأسماء الشهداء ، ونماذج لصور البيشمركة ، إن يتبادر
للذهن أن يحفز نجاح هذا الكتاب على الاستمرار في
الكتابة عن الأنصار ، لأنها تجربة غنية ، كانت تكبو ،
وتنهض ، حتى بالغت الدكتاتورية الوحشية باستخدام
القنابل والصواريخ الكيمياوية ضد مقرات قاطع بهدنان ،
كما ورد في الكتاب بالتفاصيل ، أنني أشيد بالكتابة عن
حياة البيشمركة التي لم تخرج سوى كتب قليلة لا تستوفي
ثراء التجربة رغم النواقص العديدة فيها ، هذه الوثيقة
" مذكرات نصبر " مقدمة لأشياء كثيرة في البال براد
تسجيلها مهما اختلفت أو اتفقت وجهات النظر …