|
الأم
الأثيرة – صفحات من دفتر ذكريات بيشمركة
حمودي عبد محسن
كنا في أغلب الأوقات نتحدث في المفارز
عن القسوة والظلم وبشاعة الاضطهاد التي يتعرض لها شعب
كردستان من قبل الدكتاتورية ، كنا نتألم عندما نكن
عاجزين عن إيقاف وحشية السلوك وفظاعة الممارسة اليومية
المتواصلة ضد كل ما هو جميل في هذه الأرض التي
أحببناها ، ووهبنا حياتنا من أجلها ونحن في زهرة
الشباب والحماس وعنفوان النشاط ، وقد تولدت لنا خبرة
قتالية في مواجهة جيوش الإرهاب والقمع ، وصد هجماته
المتكررة على القرى ومواقع البيشمركة ، وقد كنا نخشى
هجماته بأن يمطرنا بقنابل الكيمياوي ، إذ لم يكن لدينا
سلاحا نستطيع به أن نقاوم أسلحته القذرة سوى الصعود
إلى قمم الجبال ، و إشعال النيران أو صب المياه على
الأجساد تجنبا الغازات السامة القاتلة التي يظهر أثرها
على الأجساد في البداية من انتفاخ العينين كأنهما
تبكيان ، و كنا نميز القنابل أو الصواريخ الكيماوية
حالما تقذفها الطائرة من الألوان الواضحة الزرقاء و
الرمادية ، وهي مدوية في الأعالي ، ورغم الخسائر التي
تكبدناها نحن البيشمركة من تلك الغازات ، إلا أنها لم
تكن مثل تضحيات أهالي القرى ، فهناك قرى دمرت بالكامل
، و أخرى قتل أهلها ، فكانت دائما محور أحاديثنا ،
وهكذا كنا نتذكر أحيانا لوحة بابلو بيكاسو ( 1881 _
1973 ) الشهيرة التي رسمها عام 1937 ، والتي تتحدث عن
مدينة جورنيكا التي قصفتها طائرات هتلر أثناء الحرب
الأهلية ( 1939 _ 1939 ) حيث كانت تدعم قوات الدكتاتور
الجنرال فرانكو ، وراح ضحية القصف 1500شخصا ، وقد دمرت
المدينة الصغيرة التي تقع في إقليم الباسك في اليوم
السادس والعشرين من شهر أبريل ( نيسان ) عام 1937،
ومحيت عن الوجود ، فقد خلت المدينة الوديعة من الرجال
، فأغلبهم في جبهات القتال أو كانوا على حدود التماس
ضد كتائب فرانكو ، فلم يبق فيها إلا الأطفال والنساء ،
وقد استمر القصف لمدة ثلاث ساعات ونصف ، وسويت المدينة
بالأرض ، فهز هذا الحدث بيكاسو فيه اللوعة و الحسرة
والانفعال وهو يحمل الحذر المتوقد بالمعانات من
العدوانية المجنونة التي تحملها الدكتاتورية على الأرض
، فاشتغل بها لفترة شهر حتى أنجزها ، وقد أذهلت
العالم كتعبر عن دراما إنسانية ، وصرخة بوجه الوحشية
، ويقال أن الغرض من هذا القصف كان تجريب آثار القنابل
التدميرية الحارقة على المدنيين العزل ، وتبقى
الجورنيكا صرخة خالدة قوية ثائرة ضد العدوانية ، وكنا
غالبا ما نناقش قوة التعبير في اللوحة حيث الثور يرمز
إلى العنف ، والحصان قوة الشعب ، وحاملة الضوء قد يكون
عالم آخر ، ففي اللوحة على جانب اليسار نرى الثور
وتحته امرأة تحمل جثة طفلها الممزقة أحشائه ، و الحصان
الواثب على قائمتيه الأماميتين يمثل الاحتجاج الإنساني
، وهناك في وسطها ثلاثة نساء كما لو يدخلنا إلى اللوحة
من الخارج ، إحداهن تحمل مشعل الضوء ، وفي الأسفل جندي
ممدد ممزق جسده ، وهناك تجسيد عام في اللوحة _ الوجوه
الملتوية ، الأفواه الفارغة ، وتأوه طائر ، وصهيل حصان
، وأجساد هاوية تحت أقدام الوحش ، و آلهة الانتقام
التي تتحدى الظلام _ إن اللوحة تجسد الرعب الناجم عن
التدمير في كل مكان تسود فيه الدكتاتورية . أنني أتذكر
أحد البيشمركة كان يركز على الأم التي تمسك طفلها
الممزقة أحشائه في اللوحة ، وهو يكرر :
_ إنها لقطة تجسد الوحشية في كل مكان ،
هذا ما أراد بيكاسو أن يقوله في هذه اللوحة …
أجل ، إنها تجسد أقسى ملامح العذاب
والحزن ، و أنا أتذكر قول بيشمركة آخر :
_ لو جاء بيكاسو إلى كردستان لرسم ألف
جورنيكا …
أجل ألف جورنيكا مروعة حلت بكردستان ،
تمزق أجساد معذبة ، ضخامة التدمير ، والتهجير ،
الإبادة الجماعية ، القبور الجماعية ، أجل ألف جورنيكا
تصرخ ضد الظلم و الطغيان والاستبداد ، لم يوقع بيكاسو
على اللوحة ، ولم يكتب لها تاريخ محدد ، بل اعتبرها
ملك البشرية ، ولا تدخل موطنه إسبانية إلا بعد انتصار
الديمقراطية ، هذا ما أوصى به . كانت نقاشاتنا تدوم ،
وتتكرر ، والإرهاب كان يتصاعد حتى جاءنا اليوم الذي
انتفخت فيه عيوننا من البكاء ، كان ذلك يوم جديد لألف
جورنيكا ، يوم 18 آذار 1988حيث سقطت القنابل الكيمياوي
على حلبجة ، قنابل سقطت على المدينة الصغيرة الوديعة ،
قنابل الموت ذات اللون الأزرق والرمادي ، الذي يفرش
طغيانه على الأم الصارخة ، وهي تحتضن طفلها ، وتغطيه
بذراعيها ، ووجهها ، هنا يحدث شئ مروع في التاريخ ، كم
ضحت الأم الكردية من أجل كردستان ، الأم الأثيرة ،
ونحن نرى دموعها ، وهي تبكي ، فلم يكن أمامي كي ألملم
حزني ، وأنثر دموعي إلا في قصيدة الأم الأثيرة :
وما زادت بنظرها كواكب السماء
تعشق الأرض وما عليها من زاد
ماذا تقول لبراعم الربيع ، للأشجار
تلك يلاعبها الهواء :
أنا الأم الأثيرة
سأمضي نحو المصير
في نهار جديد
في طريق جديد
كفاية من عذاب الزمان
تلك خطوات…
فوق أرض دقت عليها الخطوات
ملايين أجيال ، ملايين أحفاد
فألفت البراعم ، وينابيع المياه
وكم ثوت كردستان فيها أرواح طيب
أرواح زهاد !
وكم صيحة فجر هزت أشجار رمان
الأم ما نامت عيناها
و ما زالت في بكاء
مثل هديل الحمام في المساء
وما هذا المطر من غيمة سوداء !
يسقي الأرض ، يسقي مقابر الأجداد
فذو زهو على الزهو أبناء ، وآباء
وقد خشعت لها الصخور الملساء
ونثرت يدها حبات قمح صفراء
وثوت العشرة بحور في العجين
في التنور
في الرغيف
وهفهف منديلها الأسود في الرياح
لم تنفض عن رأسها غبار الأيام
ورفعة الأجداد ، وحب الأحفاد
صيحة حزن ،
ونواح على حلبجة كردستان
وفي الرقاد ، كل يوم في الرقاد
هنا ، الآن صرخة بكاء :
أماه…أماه
رضعته من صدرها ،
هزت مهده
ومنتهاه طلوع الفجر
وصرخة بكاء
والبرق يلمع في السماء
يفيض صدرها صبرا
وفي الرقاد ، وفي كل يوم في الرقاد
إذ لم يبق لها أبناء في ذلك الزمان
حلبجة كردستان…
في هذا الزمان ، في الرقاد
هي متلظية بخرزة فأل خضراء
نقشت عليه أسماء أبناء
أسماء أجداد
وهي تهدهده ، وفي ثغرها ابتسامة فجر
ما لرياحين الجنة ، ما قطر السحاب ؟!
ما سفينة النجاة ، ما تجدد الحياة ؟!
ما أزاهير فاحت ثناياها في بستان ؟!
ها قد سقطت قنابل الطغاة !
نم…نم يا ولدي !
سأمضي نحو المصير
في نهار جديد
في طرق جديد
كفاية من عذاب الزمان
ما القنديل ، ما الدعاء ؟!
نم…نم يا ولدي !
حسبي من عمر الطيور ، نتفت ريشها على
الورود !
عجبا ، لتلك الورود المذبولة على
القبور !
عرش كردستان مصان بيد الأبناء
زهوا لكردستان منقذها الأحفاد
دعاء على المنابر ، ألف دعاء
كردستان مصانة بيد الأبناء
فيا روح أيقظي الآباء والأحفاد
صغار …كبار
عذرا ، طويت العمر في العناء
نم…نم ، يا ولدي
من كل صبيحة إلى كل مساء ، وفي النهار
في النهار ،
تبدو كردستان بتاجها كعروس جميلة حسناء
تبدو كعذراء تزف بوجه السناء
لم ترض حلبجة غير أرضها منزلا
كالنجم الزهري في السماء
متدلية ذيوله فوق كردستان
كشجرة الرمان ،
متدلية غصونها كدرر حمراء
في النهار ، في كل نهار
مشهد الكمال لا يتوارى عن الأنظار
تتصدر مجلس الأشجار في بستان
يحيا من تحتها الشذا و العطر
تجري المياه سواقي ،
ويرف فوقها الزهر ، والثمر
والنسيم إذا ما هب وانثنى تاجها
تبشر بالسعد ، وينفح الطيب ، ويقطر
وأنفاس الليل إذا ما نطقت بأحلى زينة
فلم يبق من القمر إلا أن يظهر
كل السماء في شعاع يزهر
تروق للعين كبرج يبهر
كعرس غدير فوقها فاح عنبر
تآلفت مع الليل
عشقها بين أشجار و نهر
وعصفور مزغرد ضائع في طور يسهر
وقد هوت نحوها شهب
سبتها بالضوء والقمر
ومن خلل أوراقها شعشعت الشمس للثمر
في ظل من ظلالها ،
عشق الزهور لراعشات الأفياء
فلا الليل يحجبها عن القمري
ولا الكسوف يتخذ برج السماء
عروس بثوب طيف جل جلالها
وزهو بزهو لبوسها الحسن
كردستان خضائلها سبائك
مضفورة من أشجارها
سناها قامتها تعانق غيمة المطر
نم… نم ، يا ولدي
فما بقى من حلبجة
وهي تفر من يد الطغاة
أشجارها
يعذبها اشتياقا للقمري
لاصفرار غصون
لانحناءة جذوع
و بقايا أخيري
فهناك نغمة هزار يحن للثمري
محتاج لعسل التين في النقري
و أطواقه وتر على وتر
فيا شجرة ما أبقت منك يد الطغاة !
تفتت أحشاء البقاء
في كل عصر تدق أوتار على وتر
رجع الصدى صدى : أوتارررررر
أوتار ،
نح يا هزاركما تشاء على الدهري
صفراء يباب من دهر إلى دهر
لا أنف يشم عطرا فواح
ولا عين ترى الدرة الحمراء
ولا أذن تسمع دق الأوتار
أوتار على وتر
هي تلك حلبجة تصغي لملائكة ،
تحفف فراشا لأقدار الزمان
ورجع الصدى صدى :
أوتار في القدري
نم…نم ، يا ولدي
فما أبقت من حلبجة يد الطغاة
جاءت بأثواب الحداد
والنوى منظرها
والرياح في عواء
حلبجة في ملامح العذاب
فريسة الذئاب
الرياح في عواء
على عتبة كل باب
نم…نم ، يا ولدي
وإذا مر ذكرها ظلت الأجنحة في رفيفها
سحائب دماء تسنمها الذرى باللحن
فهي ظل لظل في رونقه
تسبيه أكفان الموتى
وتصدعه أفلاك السماء
مواسية
وهناك سوى نسائم خاطرات تمر على ظل
الظلال
خاطرات من حين إلى حين
فيضيع زهر النبات
زهر النبات يضيع إذا ما جن الليل
بالظلام
ولم يبق ما يتضوع البستان
تبشره من أزهار خميلة
وشذا عباق
وهذي هي أصبحت شيمة الأزهار
فكل من أبصرها
هممت العيون باكيات
نم…نم ، يا ولدي
فيا شجرة الرمان !
ما أبقت منك يد الطغاة ؟!
أغصان تعانق مدامع الأجفان
حطبا مشتعل
الرمان في مواقد النار
و ما بقاياه إلا رماد
أو جمرا من ذلك الزمان
سحائب هابطات كأمس
باسمات ، ضاحكات في الورى
فيا طيب عرج بنسيمك على حلبجة
وفح شذا وقت السحر
وارجع لها ما خطت عليه أقدام الأجداد
خطوات…
خطوات تسحب أذيال خطوات
هذه المسيرة المثلى
خطوات تتقدم إلى الأمام
فالسواجع تغرد لحنا
وما الشذا إلا في روضة خضراء
أهذا شجو أم وهم أم قدر ؟!
أهذا غفوة طيف أم حلم أم كدر ؟!
أنها رؤيا تقرأها عينا الهزار ، يا
ولدي !
رؤى ، وتذكار عن رحلة طويلة
وأنت ، يا ولدي… !
أتحلم بالساجعات
أم تزهو كالحمائم على الأغصان ثقيلات
في الفضاء خفيفات
تخفق بأجنحتها منتشيات
صارخات : يا غصن البان تفتحت براعم
و الطيور في زغبها تنام
تمر عليها نفحات زكية
كردستان في بناء
كردستان مصانة بيد الأبناء
حمودي عبد محسن
وهل يعود ذلك الزمان ؟!
|