|
العراقيون يضربهم البرد
القارص بقوة ووسائل التدفئة نادرة

GMT 2:00:00 2012 الأحد 22 يناير 9
إيلاف عبدالجبار العتابي : يعاني
العراقيون من البرد القارص بسبب شح النفط الأبيض الذي يعتبر رأسمال مال
المدافئ في فصل الشتاء، ولا تجد الكثير من العائلات من حلول أمامها سوى
الالتحاف بالملابس الثقيلة والارتماء تحت الأغطية السميكة.
بغداد: يشعر اغلب المواطنين العراقيين هذه الأيام بالبرد، نعم.. بالبرد،
وليس لديهم من وسائل متعددة أو خيارات عديدة للتحصن منه، لاسيما داخل
البيوت التي تشكو من شح واضح للنفط الأبيض الذي هو رأسمال المدافىء
النفطية بعد أن غابت الوسائل الأخرى بفعل الظروف، وبالأخص مع غياب
الكهرباء المستمر، لذلك فالتحصن بالملابس الثقيلة لم يعد ممكنا طوال
أوقات اليوم كما ليس من الممكن أن يعطل الإنسان عمله ليرمي جسده تحت
الأغطية السميكة بحثًا عن الدفء.
فالبرد الذي اشتد منذ أسبوعين وما زال مستمرًا، وجعل الناس تتشتت في
البحث عن النفط الأبيض من اجل التدفئة، الذي هو الوحيد المساعد في
التدفئة، لاسيما مع توقعات هيئة الأنواء الجوية (من المتوقع أن يتأثر
العراق بموجة برد تسبب انخفاضاً ملحوظاً في درجات الحرارة وستسجل درجات
حرارة صغرى دون الصفر المئوي في أماكن متعددة من المنطقتين الوسطى
والشمالية).
ومن خلال هذا الطقس يمكن رسم مشهد معين لبغداد، إذ باتت الشوارع خاوية
والحركة قليلة في النهار، وليس في الليل الذي تهبط درجات الحرارة فيه
إلى تحت الصفر ربما مصحوبة برياح لها القدرة على أن تجمد الأطراف في
دقائق للذي يقف تحت أجنحتها، وليس من الصعب أن تجد العديد من المواطنين
لاسيما الذين يعملون في الشارع ومنهم عناصر الجيش والشرطة يشعلون النار
في ولا تسمع من الناس سوى أنهم اختبأوا في بيوتهم للخلاص من هذا البرد
القارص، ولكن كيف يمكنهم الحصول على الدفء؟
هناك بالتأكيد وسائل عديدة، ولكن في العراق تكون الخيارات معدومة، مثلا
هناك المدافىء الكهربائية، وهذه شبه معطلة لعدم وجود الكهرباء أصلا إلا
لساعات قليلة لا يمكن معها الشعور بالدفء داخل الغرفة الواحدة، وهذه
المدافىء لن تعمل على المولدات الكهربائية الصغيرة أو الأهلية الكبيرة
لأنها تحتاج إلى (امبيرات) كثيرة، وهذا غير ممكن لغلاء هذه الامبيرات
إذ أن سعر الأمبير الواحد (10) ألاف ينار عراقي، أكثر من 8 دولارات.
يقول المواطن سمير شهاب: "نسينا شيئًا اسمه المدفئة الكهربائية، بل أن
هناك ما يسمى (هيترات) كهربائية لكن أين الكهرباء التي يمكن أن نشغل
بها هذه الهيترات؟ حيث إن المولدات الكهربائية البيتية لا تستطيع أن
تشغلها لأنها تحتاج إلى امبيرات أكثر من الاعتيادي، كما أن المكيفات
الهوائية لا يمكن أن تعمل إلا بوجود الكهرباء الوطنية لذلك أنا شخصيا
في هذه الأيام الباردة جدا لا أجد إلا ادخل في الفراش وأتغطى بعدد من
البطانيات!".
أما الوسيلة الأخرى فهي الحطب، وهذه غير متوفرة في المدن حاليا لعدم
وجود الخشب كما في السابق، فضلا عن أن ضررها أكثر من فائدتها، لأنها
تبعث الدخان الخانق، تقول المواطنة أم بشار: "كنا في السابق، أيام زمان
يعني، نشتري الحطب الذي هو خشب ونضعه في (منقلة) صغيرة إلى أن يصبح
جمرا ونتدفأ به، لكنه يترك لنا رمادا كثيرا وأحيانا الدخان (يعمينا)
والأطفال لا يتحملونه، واذكر أن زوجي الله يرحمه كان يعمل في السكك
ويجلب لنا قطعا من الخشب يسمونه (سكاج) ويغنينا عن النفط الغاز، لكن
الآن لا يوجد نفط يكفينا لنتدفأ من هذا البرد، أنهم يعطوننا حسب
البطاقة النفطية 50 لتر وتخلص بخمسة أيام أو اقل، لان (الصوبات) تشتغل
كلها طول النهار والليل، لان هذا البرد لا يحتمل، يضرب بالعظم".
أما الوسيلة فهي بالمدافىء النفطية التي هي تتسيد مشهد الشتاء، ولكنها
تحتاج إلى نفط ابيض، والنفط هذا عند وزارة النفط التي اتبعت طريقة في
التوزيع باسم (البطاقة الوقودية) التي تعطي حصة شهرية لكل عائلة
مقدارها (50) لترًا، لكن هذه الحصة لا تكفي إطلاقا مع انخفاض درجات
الحرارة وعدم توفر الكهرباء فضلا عن وجود أكثر من مدفأة في العائلة
الواحدة.
ويقول محمد شامي: "لم استطع أن احصل على هذه الحصة رغم انقضاء شهور من
الشتاء، وذلك لصعوبة الحصول على هذه الحصة من محطات الوقود للزحام
الكبير هناك، حاولت أكثر من مرة ووقفت في طابور طويل، ولكن في كل مرة
اشعر بالتعب من الفوضى فأعود إلى البيت، حاولت أن ابحث عن باعة النفط
في السوق السوداء فلم أجد، ويبدو أن هؤلاء يخافون من الظهور، كما أننا
افتقدنا باعة النفط بالعربات التي تجرها الخيول التي كانت تدور في
الشوارع وتضرب لنا صوتا بآلة حديدية أو بصراخ (نفط.. نفط)، هذا المشهد
الآن غائب، وأنا الآن (يقتلني) البرد وليس لديّ سوى (اللحاف) احتمي به،
فـ (اتلفلف) وأنا وأطفالي ليفأ بعضنا بعضا!!".
وكانت وزارة النفط قد أعلنت عن إنجاز طباعة (البطاقة الوقودية) في
بغداد وبكلفة تجاوزت المليار دينار عراقي، وحسب تصريح لمدير توزيع
المشتقات النفطية في بغداد علي الموسوي انه: تم إنجاز طباعة البطاقة
الوقودية في بغداد من قبل شركة توزيع المنتجات النفطية التابعة لوزارة
النفط والتي تجاوزت كلفتها المليار دينار عراقي (حوالي مليون دولار)
وبواقع مليون ونصف المليون بطاقة على عدد عوائل بغداد.
وهذه الوسيلة هي الرائجة لذلك تكمن المعاناة الشديدة للمواطنين فيها،
إذ أن على المواطن أن ينتظر شهرا كاملا ليحصل على الحصة القليلة من
النفط، وحسب نظام إطلاق البطاقات، وحين إطلاقها يهرع المواطنون لحاجتهم
الماسة للنفط إلى محطات الوقود ولكن الزحام يعيق الوصول إلى المضخات،
كما أن هناك معتمدون لبيع النفط على الناس وكل واحد من هؤلاء لديه
سيارة حوضية أو عربات ذات حمولة بسيطة لكنهم يتقاضون مبالغ تصل إلى ضعف
المبلغ المحدد، وحتى هؤلاء لديهم عملاء خاصون ولا يبعون للمواطنين كافة.
يقول فريد شكري: "لديّ عربة لبيع النفط استلم بها النفط من المحطة التي
يعرفني أفرادها، ولكنهم يعطونني الكمية حسب ما لديّ من بطاقات، أي أنني
احصل على حصة المواطنين لكنني أبيعها لهم بسعر يحقق لي أرباحا كوني أنا
الساعي لهم بذلك".
ويقول المواطن أبو إبراهيم: "معاناتنا في الشتاء مثل معاناتنا في الصيف،
ورحم الله الذي قال لا صيفنا صيف ولا شتاؤنا شتاء، فهذه الأيام الباردة
نجد أنفسنا صغارا أمام أبنائنا الذي يلوذون بنا من البرد، نسمعهم
يشتكون من البرد ولا نستطيع أن نفعل لهم شيئا، البرد زمهرير وليس لدينا
ما نتدفأ به، وبصراحة البرد قاس هذا الشتاء، ولان ما لدينا من نفط
حصلنا عليه من البطاقة النفطية قد نفد، فأنني استسلمت للبرد، لكن
المشكلة في أولادي، فذهبت إلى منطقة (الكرادة) واشتريت 20 لترا بعشرين
ألف ينار، وهذه الكمية لاتكفي اكثر من يومين".
وقالت سعدية صعب: "والله يحزنني منظر الناس الذين يعيشون في بيوت غير
مقفلة، بيوت مكشوفة أو مبنية من مادة (البلوك) ولا اعرف كيف يحتملون
هذا البرد واعطف على أبنائهم الصغار، خاصة مع عدم وجود نفط، ولا أريد
أن أقول أن بعضهم بلا (صوبات)، أما أنا فأحاول إن اقتصد بالنفط الذي
نحصل عليه، ولا نشغل المدفأة إلا في ساعات الليل أو البرد الشديد أو
نتغطى بأغطية ثقيلة وننام، ماذا نعمل؟ المهم أن أولادنا لا يشعرون
بالبرد خوفا من المرض عليهم.
|