|
بسمة النمري.. قصص رسم فيها
الشعر تشكيليا وبصوت خاص
بيروت (رويترز) - قراءة الكاتبة الاردنية بسمة النمري
في مجموعتها القصصية الأخيرة "اقرب بكثير مما تتصور"
تخلق في النفس شعورا عميقا من المتعة يبدو انه ناتج عن
أن القصة عمل يجمع بين الشعر والرسم التشكيلي.
ويكاد القارىء يتصور أن لدى الكاتبة قدرة لا على أن
تكتب القصة شعريا فحسب بل على أن ترسم هذا القص الشعري
فيبدو كل ذلك -اذا صح التعبير- اقرب إلى احياء السرد
الشعري في لوحات "تشكيلية" ذات اتساعات وأغوار في
أحيان كثيرة. لبسمة النمري صوت خاص نسمعه مميزا من
خلال تلك السمات كلها التي تميز كتابتها.
بعض أهمية هذا الانطباع انه يأتي بفعل اثر النص نفسه
لا من فكرة مسبقة.. فهو يتكون لدى القارىء الذي لا
يعرف الكثير عن بسمة النمري قبل أن يصل إلى نهاية
المجموعة ليقرأ ان الكاتبة فضلا عن كونها قاصة هي
فنانة تشكيلية اردنية متفرغة للكتابة والرسم وهي
متخصصة في " التصوير" والنحت.
اشتملت المجموعة القصصية على ما لا يقل عن 24 عنوانا
توزعت على 154 صفحة متوسطة القطع وبرسوم ولوحة غلاف
للفنانة الكاتبة. وقد صدرت المجموعة عن المؤسسة
العربية للدراسات والنشر.
لعل بعض ما جاء في قصة "اقرب بكثير مما تتصور" التي
اعطي عنوانها للمجموعة يمثل كثيرا من سمات هذه الاعمال
القصصية التي تبرز فيها أحيانا رمزية موحية مؤثرة
تتناول بعمق بعض المفجع في ما يطلق عليه في بعض
المجالات "الوضع البشري".
نقرأ مع الكاتبة "اختفى الخيط اللامع في الفضاء الضيق
بيننا. انقطعت سبل العودة بالعنكبوت الصغيرة.
"-كم هو صعب الا تستطيع العودة. أليس كذلك.. ألم تلحظ
ان خيطها قد انقطع.... جيد. هذا يعني ان لا مزيد من
السقوط. لكن لا امل بالعودة ايضا.
"-اريد ان انام.
"-ألن تقتلها..
اريد ان أناااااام.
"- سأدفعك الى ذلك وستقتلها.. هيا.. هيا اقتلها. ألم
اقل لك منذ البداية انك لن تفهمه الا عندما تصير
فيه....
"-ما هو..
"-الموت ايها الغبي.. الموت.. هيا."
تتمثل التصويرية الشعرية في قصص النمري في معظم قصصها
اذا لم نقل كلها. نبدأ مثلا بالقصة الاولى "الصفصاف
المنتحب" اي تلك الشجرة المعروفة تاريخيا وحتي في كثير
من التراث الديني والتي تسمى ايضا " الباكية " حيث
تبرز اجواء شعرية مموسقة بنبرات حزينة تنسجم مع
العنوان اي الصفصافة المنتحبة.
نقرأ مع بسمة اذ تقول "الماء انت وانا النار.. او
الماء انا وانت هي.. فما الفرق.. وأحدنا يطفىء الاخر..
او الاخر يحيل النبع غماما يسوق ضياعه إلى المدى
العالي.. فما الفرق.. ما الفرق ان كانت اجراس الريح
بينا تهيل اوجاعها في مسامعنا.. ام انها اخذت تعاند
هواء وجودها واستسلمت للصمت.. ما الفرق.."
وفي مجال في اخر القصيدة تتوزع الموسيقى على اللغتين
العربية والانجليزية باستعمال اسم شجرة الصفصاف
بالانجليزية مرافقا لكلمات العربية بتكرار حزين. تقول
"ونسير معا.. نسير وأكبت في اعماقي وعيا يتعاظم بأنك
حين نرجع.. سوف تسلك بنا دربا مختلفا تماما فلا اعود
اليها.
"ويبنج ويلو.. ويبنج ويلو.. يا للايقاع الحزين" ويدمع
صوتي.
"ويبنج ويلو.. ويبنج ويلو.. يا للايقاع الرائع..
وتضحك."
ونقرأ القصة - القصيدة التصويرية المموسقة التي تحمل
عنوان " خيانة" حيث تقول بسمة النمري "الشرفة المعلقة
في الفضاء.. العالقة في فراغ المساء الموحش.. تحملنا
وتلقي بنا في حضن الافق الدامي.. فأغرق في عذابه..
وأجنح الى البكاء.
"-لكنني مازلت احبك.. صدقيني
"-...
"-لن ادعك تقصيني عن حياتك.. لن اسمح بذلك ابدا...
"انظري حولك.. الى نفسك.. داخلك.. الا ترين.. انا
هناك.. ان تنتزعيني منك.. .. مستحيل...
"يا عاشقة الغروب ألم يخطر في بالك يوما ان الشمس لا
تصنع غروبا عظيما الا عندما تسقط..
"-اه.. لا.. الشمس لا تسقط ابدا.. ابدا.. نحن الذين
حين ننحدر نظن انها تغيب.. وما ذاك الا غروبنا..
غروبنا نحن.. الا تفهم..
"وبهدوء اسير الى الحافة.. استدير للمرة الاخيرة
نحوك.. انتزع روحي من لهفة ذراعيك المستميتتين
لاحتضاني.. ارد لعينيك تضرعهما.. وأقفز."
|