|
المجد والخلود لـ ابو علي
مالوم ابو رغيف
في ليلة باردة، في مسجد كوردستاني غرقنا في ظلامه فلا
يدل علينا سوى جمرات لفافات السجائر التي بدت وكانها
عيون حمراء مشتعله وبضع من اطراف احاديث مقتضبة خافتة
كدخان التبغ المحروق التي نحسه دون ان نبصره،
سؤاله لم يكن خافتا
هل تعرفني
قلت لا وكيف اعرفك وانا لم ارى وجهك
قلت
هل تعرفني انت
قال لي
نعم انك صديقي.
كيف تبين وجهي في هذا الظلام الدامس!!!
عندها قدح الجاق، ماق اضاء قليلا ثم خفتت ناره
عندها تبينت ملامحه الطيبة، كان كما كان دوما صداقيا
بشوشا تغني الطيبة في محياه اغاني العمال والفلاحين
وترتسم على وجه سنوات الكفاح والنضال، ابو صادق ذلك
الرفيق العنيد الطيب ، كان هو الحزبي المعروف وانا
طالب الثانوية الذي لم يستقر بعد على ارض او نظرية..
صدفة في مدينة الثورة، في منطقة الجوادر، حيث كنا
نلتقي، مجموعة من الشبان، كان من بينهم ابو تحسين،
جواد كاظم صاحب اشهر نعال في القرن الواحد والعشرين،
والمرحوم الصديق والرفيق مهدي ومحسن عمشة اخو ابو
عليوي القن، وقتها كنت اقرأ كتاب فلسفتنا للسيد محمد
باقر الصدر.
ابو صادق الذي وان كنت اعرفه اسما لكني لم ارتبط معه
بعلاقة، ربما لفرق العمر واختلاف الاهتمامات، سألني
عن عن محتوى الكتاب ، لا اعرف بما اجبته، لعلي وقتها
لم افهم الكتاب او لم يجذبني شي فيه، فقد كان عبارة عن
مجرد تعليقات على نصوص اغلبها للفيلسوف كارل ماركس،
وهذا اسلوب يعتمد عليه الكتاب الذين لا يجدون ما
يقولونه فيتخذون من موضوع الغير مادة للتعليق المعاكس
للفكرة، ولا يخرج القارئ بنتيجة سوى ان المؤلف قد بذل
كل وسعه لا ليضيف او يطور الفكرة، بل ليهدمها ويبني
عليها ما يخالفها. اتذكر جيدا ان ابو صادق استعار مني
الكتاب، ثم ارجعه مع بضع التعليقات عليه تطابقت مع
قناعاتي وارائي البسيطة.
بعدها تكررت اللقائات، كنا دائما نلقتي في ذلك
المقهي ونتبادل الاحاديث السياسية، ومع الشاي الحلو
ولسان ابو صادق الحلو ووجه ابو تحسين الحلو تسلل
الفكر الماركسي حلوا عذبا ليلامس شغاف القلب وليستقر
فيه الى هذه اللحظة.
كان ابو علي، كانا نناديه ابو صادق، هو الذي رشحني
للحزب انا والمرحوم مهدي، وكان هو مسؤولنا الاول وهو
الذي منحني اسمي الحزبي الاول الذي لم ينساه ابدا
وذكرني فيه في لقائنا السريع في ذلك المسجد
الكوردستاني في قرية صغيرة على ظهر جبل. فقد كان اسم
احد اولاده.
لقد كان اللقاء سريعا، فقد كنا في اتجاهين مختلفين،
لكن لقائنا لم يكن عابرا او محض صدفة، فقد كنت واثقا
باني سالتقي بابي صادق في كوردستان ان كان على قيد
الحياة، ولقد كان له نفس الاحساس والتوقع بالنسبة
بانه كان متاكدا بانه سيراني هناك.
اتذكر كيف اتاني ليلا ليخبرني باننا في غد سنذهب لعزاء
الشهيد محمد الخضري الذي اغتالته الايادي البعثية
القذرة، قلت هل سنذهب سوية من هنا، قال لا سنلتقي عند
سينما الفردوس في بغداد. لقد كان حريصا جدا ملتزما
بكل تعليمات الحزبية مهتما باساليب الصيانة وعدم اعطاء
اي بصيص ضوء لازلام البعث..
لم يمر شهرا واحدا الا وكان لابو علي نشاط اكان في
النشاطات والفعاليات المطلبية او التثقيفات الحزبية او
توزيع المناشير والصاقها على الجدران والمشاركة بكل
المسيرات.
لا زالت اتذكر صوته وهو يهتف عاليا في المسيرة
الشهيرة مناسبة اعياد نيروز ..
جيم جيم جبهه
جبهه وطنية
بيها عرب واكراد
ما بيها رجعية...
لكن الذي حصل اننا ضربنا في ساحة الميدان بعد خمس
دقائق من بداية المسيرة على يد من كنا نود ان نعقد
الجبهه معهم.
ولا زلت اتذكر الهمة والنشاط والحيوية التي شعر بها
ابو صادق عندما طلب الحزب تجميع قوانا للمشاركة في
المسيرة الكبرى في ملعب الشعب. حين نزلنا من السيارة
ارتفعت يد ابو صادق عاليا لتكون قبضة عمالية مثل تلك
التي نراها في البوسترات وليهتف باعلى صوته
يعيش الحزب الشيوعي العراقي
عاش النضال من اجل الجبهة الوطنية.
او ذلك اليوم الذي وقع فيه عزيز محمد واحمد حسن البكر
على ميثاق الجبهة، كيف كان ابو صادق في مقدمة المسيرة
التي انطلقت عفويا في منطقة الجوادر في مدينة الثورة
لينظم اليها من كل قطاع عشرات الشباب، ولتكبر المسيرة
طولا وعرضا ويعلو صوت الشيوعيين مدويا بالمجد للحزب
ورفاقه حتى حسبنا بان كل المدينة اصبحت شيوعية، لذلك
وعند ساحة خمس وخمسين تصدى لنا البوليس ومنعنا من
المسيرة قدما للالتحام بمسيرة الثورة داخل. رشقنا
سيارة الشرطة ببعض الحجارة، لكن ابا صادق وبكل هدوء
طلب منا التفرق والعودة الى البيوت.
ستبقى يا ابو صادق في ذاكرتنا ما حيينا وما عشنا،
ستبقى ذلك الصديق والرفيق النبيل الطيب، وان رحلت عنا
جسما ستبقى عملا وفكرا وصدقا ونبلا ومناضلا باسلا..
فالمناضلون خالدون ما بقى النضال..
لك المجد والخلود الابدي
مالوم ابو رغيف
|