|
الأشجار
تنزع أوراقها ( صفحات من دفتر ذكريات بيشمركة )
حمودي عبد محسن
ها قد حان وقت الخريف !
الصيف كان خالدا ، وأكثر قدما ، والثمار فيه قد اكتملت
بنضوجها ، البيشمركة تضوق طعمها اللذيذ في قرن الخصوبة
، وقد حفظها الفلاح مجففة للخريف ، والصيف ، أجل انتهى
همس الزهور التي الآن تذبل ، وتنحني نحو الأرض لتقبلها
بسقوطها ، ويختفي عطرها في ارتجاف الهواء البارد
بعفوية ، فكل شئ عندنا حقيقة مباشرة ، الزهور شاحبة ،
نائحة ، افتقدت عبيرها ، لقد فات زمانها بارتباط عجيب
ملئ بالورود الذابلة أيضا ، كما لو أننا نفتش عن طبيعة
الخريف ، أي خصائصه ، ومكوناته الرتيبة الطويلة ،
والأرض فيها رائحة آتية من الطبيعة بفصولها التي تلوح
لنا معروفة ، مملوءة حتى بالفيضان ، وهنا لابد من
استعادت أنفسنا ، وتهيآتها بعد أن غادرنا الصيف وجها
لوجه ، آملين من وراء ذلك أن نصل إلى الوحدة العميقة
بين الفصول ، التي تكون طبيعية مباشرة …الشجرة كأنها
تحاول أن تندهش من ذاتها ، وتستدعي عفوية محيرة ،
وتتظاهر بالاستسلام إلى أكثر النزوات مجانية ، لكي تضم
ذاتها كشيء غير منتظر ، وبتعبير آخر كشجرة عرفناها
تختلف عن ذاتها ، تحس بالضجر ، هذه الشجرة التي تصنع
لذاتها الأغصان ، وتنزع عنها الأحزان ، تتفرد في تناسخ
جديد ، فالكبرياء ، والسأم ، كلها واحدة تمر عليها
الأعمار ، تستسلم من دون أن تعرف حياتنا كبيشمركة ،
أما نحن فنصغي إلى النداء الجبار : ( الأشجار تنزع
أوراقها ) ، دائما نصغي إلى قلوبنا ، ونردد : (
السكون لا يمحي ظلم الدكتاتور ) …الأشجار تمزق اللحاء
في الخلاء ألا معروف لها ، ثابتة متينة تطهر ذاتها ،
وتمحو كل ورقة ، كل ظلال ، كل آثار مهشمة … الخريف
فسيح تحتفي الأشجار بظلالها لتكون عارية ، لا شئ
يغطيها من البرد المنحدر من الوديان والجبال والسفوح
، حيث ثمة موت للأوراق ، للتمتمات ، للهاث ، هذه
البرهة لا وجه لها ، الأوراق في جهالة تسقط ، حيث
نهاية المطاف تنحشر في الأرض ، والمياه …
أنه المساء ، الطائر يهدهد تحت حلم ، فاكهة منخورة
تسقط في المياه نابشة ضجيجها ، وأخرى في تحالف مع
الأوحال ، تباشير المطر يتنادى بخفوت ، صوت عذري ،
صرخة الأشجار تنفض أوراقها مع دوامات المياه ، ثمة
أزاهير تتحرك ، تويجات ، أفواه تتحرك ، لن تحيا إلى
الأبد ، لن يتوقف الذبول ، لون النسائم يحركها ،
ينبغي لنا أن نحتمي بالغيوم والمطر بعد العمليات
العسكرية ، فإرادتنا حرة ، تدعونا إلى عالم جديد ،
نقرر لوحدنا ارتباطنا مع الطبيعة ، أشياء كثيرة تتغير
، الثمار الناضجة الذابلة الشاحبة التي لم يتم قطفها
تسقط على الأرض ، متدثرة بالصمت دون أمل مجهول ، كأنما
الأشجار تنزع عنها الحمولات من جرح جاف ، ذكريات أليمة
، فإذا هبت الريح تصدر رنينا كئيبا وطويلا ، صدى أليم
، الأغصان تضرب بعضها ، ,إذا كانت الرياح عاتية تقلع
أشجار الجوز من جذورها ، وكم تضررت القرى بهذه الرياح
الرهيبة كشبح ينفخ ، يلهث ، بعينين ملتهبتين يحملق ،
ويصفر متحديا الإنسان ، كنا كبيشمركة نقف متأسفين على
ما فعلته الرياح بأشجار الجوز ، آه ، كيف تتساقط
الأشجار ذات الوجه الأخضر والوشاح الجميل !
أحزان انقضت في الصيف كان صعبا احتمال قسوتها أحزان في
الصميم ، فتغيرت ، وتغير الكيان ، الأحزان تندرج في
كياننا مرعبة ، تحملناها بثقة عالية ، دخلت أعماقنا
كشيء جديد ، في تلك اللحظة لم تصمت أحاسيسنا ، فسالت
الدموع من عيوننا ، وقد خيم سكون متردد خجول …وكنت أنت
أيتها الشجرة الكبرى في ذلك المنحدر من الوادي يستوي
فيك الصمت والسكون لحظة توتر تشعرين بالعجز عن الحركة
، يا للغرابة ! لم يكن الحزن عابرا فقد ننفذ بالدم ،
ونحن نودع الشهيد ، ونودع الصيف ، فكنا هادئون صابرين
، قدرنا أن نبقى أحياء امتلئ في صدورنا الحب للشجرة
الكبرى …
في الخريف نمضي مع الغيوم ، سماء شاحبة ، تكتسح المياه
كل شئ أمامنا ، الأشجار تضجر وتحت أوراقها الصفر ثمار
يائسة باقية ، ونخوض طريق الوحل ، تطلع الشمس مائة مرة
كئيبة ، ونحن نسير فوق أزهار برية ذابلة ، ونباتات
طرية ، نسرع الخطى ، كنا نبحث في الفجر، لكن الفجر لم
يطلع ، نتشوق إلى إطلالته الواثقة ، الضباب الشاحب ما
أرقه مع الندى حيث تنوح الأحلام ، نسمة عذبة تخللت
أشجار اللوز ، شجرة التين ،شجرة البلوط الكبرى ، قد
شاخت ، وكثرت التجاعيد على وجهها ، تمر الغيوم فوق
رؤوسنا ، الطيور في أجوائها ترقص ببطء ، وأخرى مهاجرة
، تطلب الشجرة الكبرى صمتا ، وسكون ، وحينما تهب ريح
ضعيفة ، أو نفحة قاسية جافة من النوع الذي لا تعلن عن
ذاتها في رقصة أشعة الشمس ، لذلك لم يثير حفيف الروح
امتعاضا .
منذ ذلك اليوم والغابة يكللها الاخضرار ، أشجار دائمة
الخضرة ، الشمس شاحبة ، ناحلة ، تكشف عن عظمة الغابة ،
ثمة أكثر فتنة ، ، إذ الأوراق تبعثرت على الأرض في
احتضار الطبيعة أمام الخريف ، والزهرة العطرة تودع
الحياة ، والنسيم العليل ، وضربات الطبر ، يرن في هواء
كل صباح ليسقطها الفلاح لغرض التدفئة ، والطبخ ،
والأرض تتشرب بالمطر بلذة ونعومة وتمهل ، فقد تكدرت
السماء ورائحة الأرض الندية ، وحدها تتألق ،كأن السماء
تنخفض أكثر فاكثر ملبدة بالغيوم ، هذا لا يلغي وجود
ورقة عريضة على غصن ، ينحني مثقلا بالمطر ، حين يهسهسه
النسيم ، ويلوي تلوناته ما يلبث أن ينهار ، ليندرج في
ركامات الأوراق المهشمة ، وأنت أيتها الشجرة الكبرى لا
زلت تعيشين منذ قرون .
3\ 3 \ 2008
|