|
ربيع
كردستان بوجه آخر _ صفحات من دفتر ذكريات بيشمركة
حمودي عبد محسن
في عمق الحياة بطبيعتها ، وفي مشهدها اليومي رغم
عاديته ، نرى في عيوننا رموزا كثيرة ، تمكننا من
الرؤية الشديدة ما وراء الممرات الرتيبة ، المقفلة
علينا من مشهد الغموض في الجبال والوديان والدروب
بعالمها المرئي ، حلم ساحر ملئ بالسكون والنشوة
الذاتية ، الشيء المرئي – صراع دائما مع الإنسان –
الأكثر إثارة ، تجرجرنا مع أحلام اليقظة في حالتنا
الآنية ، قد تكون مثيرة للعين ، وقد تكون مملة في حزام
يربطنا مع الطبيعة ، الحلم دائما يتآكل مع مرور الزمن
، وتخف لحظتها مضطربة أو مفترسة ، فيه أيضا تلك الرغبة
أن تكشف المزيد من كينونة الطبيعة ، والعثور على
مشروعات للذات ، تلك متعة كافية لأن تجعلك تتعلق
بالمصادر التي تلاقيك طالما أنت في حلمها ، أثيرة ،
مهدهدة ، فخورة تتقدم وتشكل إضاءتها الخاصة أو البقع
المبهرة الخضراء ، نعم هذا هو الشيء الذي تحيا فيه
جيدا ، تحيك لنفسك نسيج الرابطة ، فالآن الثلج يذوب
بإيقاعه الخاص ، ينحدر أو يتهاوى بسرعة أو ببطء خارجا
من قيلولته الشتوية ، مستيقضا من نومه ليغرق الأرض
بمياهه العذبة ، لينتشر العشب الأخضر في الريح ،
وليهدر الخابور والزاب الكبير ، وتنطلق زغردة من مكان
تتكاثف فيه الأشجار ، كل شئ يتحرك مع ساعة الوقت ، وكل
كائن يدور ، بغني أو يتكلم بنغمة ذوبان الثلوج بصلوات
متكررة بعد كل شتاء ، مباركة الشمس فيه ، عاشقة سحر
الربيع ، عبر الجليد ، عبر تفتح براعم الورود ، حلم
يقظة زرقاء ، حيث الأجواء المتجددة ، الملونة بخفة
الأحمر ، الأبيض ، الأصفر ، وبالوردي الأخضر وقد تكون
معطرة بالمطر ، بالرغبة في سقي الأرض ، الرجال كثيرون
، يسيرون بمرح ، منحني الأجساد ليحفروا حفرا في الأرض
، ويحشوها بالأغصان ، ثم يملؤها بالثلج الملفوف أيضا
بالأغصان ، ويطمرون الحفرة بالرمل البارد ، ثم يمر
الوقت ، ويمر الربيع ، والثلج في حفرته لا يذوب ،
يستخرجون منه جزءا للصيف ، ويعمون اللبن فيه ليشربوه
باردا طازجا ، فهذه الأرض بصخب مياهها الهادرة ،
وترفها الربيع الخصب ، رائعة ، تحيك بوعود الأثمار ،
وتبعث أريجا من طبعها ، وهي أيضا غامضة مع المسك
والورد ، ومحافل صخب المياه ، والشلالات ، وهمهمة
الينابيع ، شعور ممدود من ظلمات الشتاء القرص البرد
إلى صفاء السماء في هدهدات لانهائية لأشجار في تشعب
أغصانها وارتفاعها ، هناك كل شئ واضح ، ويسير بنظام
جمالي دوري ، لكل سنة تمر ، إنه الربيع الأخضر :
رفاهية وسكون تلتقي العيون في كردستان ، نعم ، يقول لك
سأجيئك بشيء جديد ، فتطلع الشمس مشرقة أو حزينة من
وراء السحب ، حمراء أو صافية من وراء الغيم ، فقط يمكن
إدراكه في حوض الصباح اليومي الهائل ، وأنت تتأمل
الجانب الآخر من ضفة النهر ، لا تستطيع عبور الخابور
إلى ( كوماته ) أو الزاب الكبير إلى ( زيه وه ) ، ولا
أحد يسمع صراخك ، لأنك لا تستطيع أن تتغلب على الهدير
الصاخب للنهر ، فتضطر أن تلجأ إلى لغة الإيماء التي
يجيدها البيشمركة ، فتظل تئن أو تهمهم تحت غزارة المطر
، وتخيم منتظرا حكاية ارتفاع منسوب المياه ، فتشعل
النار ، وتغوص في حكايات ذوبان الثلوج ، وتحطم الجسور
الخشبية التي بناها البيشمركة من جذوع وأغصان الأشجار
، وقد تنتظر عدة أيام متوسلا للنهر أن يهدأ ولو قليلا
بغية العبور إلى الجانب الآخر ، وهنا أتذكر مزح
البشمركة مع بعضهم ، ليقضون الوقت في انتظار ، وقد
يدوم الانتظار عدة أيام ، وخاصة نكات ومزاح أبو روزة
الذي لا ينفك يداهر أبو تحسين المحبوب من قبل
البيشمركة دائما ، فقد لا ينفع ( الجلج ) في شق
المياه ، ولا حتى الخوض سباحة ، هناك أشياء كثيرة في
مخيلة البيشمركة يبطل مفعولها في مثل هذا الوقت سوى
الانتظار ، إلا مفعول المراعي ذات الأعشاب الخضراء
الغانية ، أرض رائعة مبهرة ، انتزعت الثلج من فوقها ،
وانفصلت عن الشتاء ، إلا أنها لا زالت باردة مغوية ، و
في مثل هذه الوقت الحرج قد تتساقط قنابل جيش
الدكتاتورية قرب البيشمركة ، فتتعقد الأمور أكثر ، كل
شئ كان يجري ببساطة تودع الشتاء ، هكذا انقضى الشتاء ،
مرحب الفلاح بالربيع الذي له وجه آخر في حياته عبر
الثلوج ، عبر الضباب ،فلا يرى البيشمركة كثير من
الأشياء في الضباب ، وقد يكون مفيدا له ذلك أن يمر
متخفيا مارا قرب ربايا الجيش دون أن يراه الجندي ، فلا
يوجد أكثر عمقا من استفادة البيشمركة من الضباب ، إنه
يغطيه ، ويحميه ، ويحرسه ، فالضباب أيضا أكثر غموضا
حيث لا يرى البيشمركة عن قرب زميله ، وذات مرة مرينا
قرب ربية بسرعة بالغة تحت جنح الضباب ، فكان صديقي
صباح كنجي يقول : ( رأيت الجندي في الربية ، وهو لم
يرني ) ، فكنا على مقربة جدا من الربية ، وكذلك أثناء
الضباب لا نرى القمر المعلق في عمق الليل ، و تسحبه
غيوم تجري ليس مثل القمر الوديع الخدر في نوم
البيشمركة ، وحالما الغيوم تسقط مطرها تنتزع البيشمركة
من نومه ، فيستيقض مهزوما من المطر إلى مغارة أو كهف ،
ويرغمه سحر الطبيعة العاصية أن ينظر إلى سحرها ،
والمطر المراقص العشب المرتجف ،والزهور البرية ، تفوح
في الندى الليلي التي تبعث على الانتعاش ، أجل ،
البيشمركة يعشق الربيع ، ويعشق صخب الخابور والزاب
الكبير ، والماء لا شكل ثابت له ، متنوع وله ألف مكان
في جبل أو وادي ، يدق الأرض الندية بعنف غريب ، في
عظمة ، في خلود ، في مجد كل من ينظر إليه بعين الجمال
، وهو أجمل ما يعيش المرء من أجله ، الجمال الأخاذ ،
الربيع الزاهي ينشر ألوانه على الماء ، وتلك الغمام
الأخرى في الصمت ، في الليل ، والأرض خضراء ، ومياه
الينابيع أو المنحدرات صافية رقراقة إلا مياه الأنهار
الكبيرة فتتلون مثل ما تريده الطبيعة ، هذا أجمل ما
يعيشه الإنسان طويلا ، هو الربيع من وجه آخر :
من أكون ؟!
هذا الليل قد جاء
والمطر فوق الحشود
وسرعان ما ذابت الثلوج
و أزهرت البراعم
من أكون ؟!
لا أكون غيري في حتوف
تغوص ساقاي إلى الركبة في المياه
ويأتيني لحنا خفيفا في شجون
وبجانبي تنشر العطور
الزهور
لا أكون غيري في مجهول
لا أعرف ساعات الغروب
ولا أعرف الغيوم حين تزول
سأتوحد مع الرقة ، و الصمت ، والسكون
في الخشوع
من أكون ؟!
هكذا أمضي في الضباب
في لفحات شمس
والبلبل يغرد كالمخمور
في عشق الهواء الطلق
ويعود…
وأعود
لا أعرف من يكون ؟!
بلبل في السماء
للمساء ويعود
في الغموض
فضاع في صدمات الأشجار
وسقط بين الصخور
فتساقط الثلج بانهمار
والجليد في انكسار
لا يكون…في العيد هنا
لا يكون إلا حرا في غروب
هكذا قد جاء
المطر
وسقط فوق الحشود
|