الزنبقة البيضاء ( صفحات من دفتر ذكريات بيشمركة )
حمودي عبد محسن
في البدء أردت أن لا
أفكر بالزنبقة البيضاء التي تتوسط حشائش ، ونباتات
ملونة ، وزهور ، في بركة نتجت عن ينبوع ماء صاف ، هكذا
ما كنت أفعله ، حتى عندما أكون قرب البركة ، وارتشف
الماء بيدي من الينبوع ، أرى ألوانا ، وأسمع أصواتا
ليست فقط خرير الماء ، بل عصفور يغني على شجرة جوز
المليء بها وادي ( ميراني ) ، فاستسلم من دون إرادتي
إلى هذه الدهشة كما لو أني أهمس مع الزنبقة وإن ساقها
الطويل مندفعا إلى أعلى فارشا تاجها على سطح الماء ،
والشمس تبزغ ساطعة من خلل أغصان الأشجار ، ما زالت
عيناي تنظران إلى الزنبقة ، أرى لونا جديدا ، ربما
هناك نوع من المبالغة في نظري لعدة ألوان ، هنا يحيى
عشرات البيشمركة في المقر ، فصرت بأحلام قليلة ، وهيام
كثير في هذه الزنبقة ، وكأني لم أشبع من التطلع إليها
، رحت أمعن النظر ، وفجأة صرت أفكر بأيامي الطويلة ،
والقصيرة ، من يحيى أكثر ، من يحيى أقل ؟! فجأة رأيت
ظلها على سطح الماء ، غريبة ، عجيبة ، شكلها عادي ،
كامل ، كأنها تهمس معي ، لتصنع شخصيتها ، وبداية
خصوصيتها ، تقويها نزعة حفظ الذات ، حيث تقف قبالتي ،
ككيان مستقل تماما ، ومكافئة كل ما يحيط بها ، كل ما
يوجد خارج ذاتها ، مطالبة بحقها في الوجود ، مواصلة
اعترافها إنها أجمل ما يوجد في البركة ، وإنها تعيش
عشرة أعمار ، إذ يداعبها النسيم ، ويدغدغ أوراقها ،
والعطر يحيطها من الزهور ، والحشائش ، يجعلها ترتعش في
نشوتها ، لم أستطع أن أتقدم إليها ، وأمسك ساقها
الرقيق ليتفتح صمتها ، لتتألق بابتسامتها ، ثم في سكون
الليل الهادئ لها عالم آخر ، فهي مثل النجمة في البركة
، جالسة في منزلها ، لا تتخلى عن ملاذها ، في مأوى
قديم في الجديد ، وتقرب البعيد ، هي نفسها إذ تقيم في
زمن البيشمركة التي تقوده قدماه إلى أمكنة مجهولة ،
فهي وحدها رفيقة الينبوع ، ترتبط بع بالبهجة ، وبين
الأشياء غير المألوفة ، فهي لم تبد غريبة ، ولم تغلق
تاجها الزاهي ، وكان بودي أن لا تلف نفسها بقناع أسود
، بل لامعة مثل النجمة تكسر الصمت من حين إلى حين آخر
، وأحيانا ينفد صبري لصمتها حينما يمتد الليل ساكنا
،وتسري النجوم إثر القمر .
ألوذ بالصمت عند الصباح
، أفيق على حفيف أوراق الشجر ، اتبع الخرير الذي يشير
إلي من برجه الأرضي ، إذ نضح حصاد الحلم الذي يقع تحت
السماء ، ووقع الصمت كما يقع صمت لون القمر الفضي على
الزنبقة ، والنسيم يغير اتجاهه في كل لحظة ، وقد يمضي
النهار بالرياح ، فتسقط ابتسامتها على الحشائش أو قد
تغير اتجاهها الريح ، فتتأوه لدورة الحياة ، للحلم ،
في جهة ما في النهار ، كانت تقيدني بجمالها ، وكنت
أطلب منها أن تعتقني بهذا التعلق ، وهمسها يقترن
بالزهور ، يا شغف النهار الذي لا ينتهي ، تنشدين أنت
أيتها الزنبقة البيضاء الضرورة ، الضرورة بطبيعتها ،
مهما كان تعلقي بك ، ولا ترددين : : أنا لم أكن نفسي "
كانت الشمس تنشر إشعاعاتها على البركة ، وقد أقبل
العصفور المغرد ، وحلق قربك ، واستراح على حواف
الحشائش ، مستقرا قربها ، ثم لم يلبث أن يغني ، ويتطلع
إليك ، ثم راح يقبض بقدميه الرقيقتين تاجك ، ويرفرف
بجناحيه ، ربما – لم تفهمين لغته ، أخذ نصيبه من
الراحة لأنه يغني ، وطار مبلول الجناحين مع القدر …
البيشمركة أسطورة مع القدر ، القدر!
أغمضت عيني محاولا
تكسير الإيقاع المتصاعد من البركة لأغوص في قرار الحلم
، الذي انقطع سياقه قبل لحظات ، لقد نفد صبري والزنبقة
البيضاء لمعرفة أصلك ، وفصلك ، وأنت راقدة ، متعالية ،
مليئة بأصوات الماضي ، بتمتمة حشائش تنهدات زهور ،
كلها أشواق ملحة ، لم تنكشف كينونتها سوى اقتراب ،
ملامسة ، احتراق داخلي ، لقاء في الضباب ، قضم الأصوات
، الشوق ، لمعة إضاءات ، كلها تجلجل ، وتتعثر ، عند
البركة ، البركة لامعة ، لطيفة ، ما تبقى شئ هو خرير
الماء ، المطر المتساقط طوال الليل ، وأنت في هدوء ،
أهي اللحظة الراهنة ، تجعلكي تنزعين أوراقك غير مرئية
، بخلط الأسرار … البيشمركة يقاوم جيش الدكتاتور
وقنابله تتساقط على منزلك في كانون الثاني عام 1987على
صفير الرياح ونغمات ترعى الغيوم ، اختفى اليوم الفائت
، وولدتي للانتظار الطويل ، فوق موجة السكون الليلي…
حمودي عبد محسن
29 \3 \ 2008
|