|
حكاية أنصارية
تقي
الوزان
كانت نوبتي في الحراسة الساعة الأخيرة , من السادسة الى السابعة صباحا,
مع نهوض خفر الخدمة الرفاقية في إعداد وجبات الطعام لذلك اليوم . ونقطة
الحراسة داخلية في الفصيل , لكون الفصيل في قاعدة مقر قيادة قاطع
بهدنان, وتحيط بالقاعدة نقاط حراسات باقي فصائل سرية المقر . كان
فصيلنا مستقل عن إدارة القاطع, وحمايته عسكريا في عهدتها , لكونه فصيل
( المكتب السياسي ) كما يسمى بعض الأحيان , وتواجد القيادة الحزبية فيه
. كانت نقطة الحراسة عند المطبخ الذي يتوسط الوادي , ويقابل مجموعة
الغرف التي تتواجد فيها القيادات الحزبية , وباقي أعضاء الفصيل . وجرت
العادة على تواطؤ الخفر مع الحارس , ليذهب الأخير يواصل ساعة النوم
الأخيرة في تلك البرودة الساحرة وسط شهر أيار . طلب مني الخفر علوان
بعد أن ركن بندقيته في زاوية المطبخ وبدء بتهيئة الفطور , ان اذهب
لمواصلة النوم , وفاته , إن التوجيهات العسكرية منعت أي تهاون في أداء
واجب الحراسة منذ أكثر من عشرة أيام , أي قبل عودته إلى الفصيل بعدة
أيام .
كان سبب التشدد العسكري , وجود سجين فرغت له غرفة منام الرفاق المواجهة
للمطبخ تماما . والسجين عباس , شيوعي من أهل البصرة, ترك العراق مع
عائلته (زوجة وطفلتان) أثناء ضربة الحزب الشيوعي من قبل النظام الصدامي
عام 1979 , والتحق بتنظيمات الحزب في لبنان , وشارك في التدريبات
العسكرية التي كان يجريها الحزب لأعضائه , ليتم الالتحاق بعدها
بالقواعد الأنصارية الناشئة للشيوعيين في كردستان . ونتيجة جرأته,
وإمكانيته في تأمين وضعية العودة إلى العراق – ولو لعدة أيام -
للالتقاء بباقي الرفاق المقطوعين عن التنظيم , ولملمة علاقة البعض منهم
. عاد إلى البصرة , وحقق بعض النجاح , وتكررت عودته إلى الداخل ولفترات
طويلة عدة مرات , وبالذات بعد أن استقرت قيادة التنظيم في كردستان ,
واستقرت خطوط عمل الحزب إلى حد ما بعد بناء قواعد الأنصار , وعودة
الروح المعنوية المتدفقة للشيوعيين , والإصرار على مواصلة الطريق , رغم
بشاعة الهجمة الدموية الغادرة من قبل البعث .
لم يتعرض الحزب طيلة تاريخه الذي شيده بالصراع المرير مع أنظمة
استعمارية , وقومية فاشية , وحتى مع البعث عام 1963, الى مأساة مثل
مأساة عام 1979 , بعد ان تمكن البعث من مد نفوذه الى كل خلايا المجتمع
, وبات حتى الهواء في داخل غرف نوم العراقيين مشبع بالمراقبة والوشاية
. وكم من الزوجات , والأطفال , قد تم تحويلهم إلى مواسير لنقل المياه
القذرة , عن طريق الرعب , أو الإغراء , أو الجهل واستغلال الطفولة ,
ليرسلوا آبائهم إلى الإعدام , لمجرد تذمرهم , او بصقهم على صورة صدام .
ودع عنك المعارف والأصدقاء , لي صديق القي القبض عليه من قبل الأمن
العامة وهو في بيت صديقه , ذهب إليه بعد أن ضاق به المجال لمبيت ليلته
. يقول : حتى لو كنت اعرف ان صديقي – وهو رفيق أيضا - قد تعاون معهم ,
فلن أتردد من المبيت عنده , لتأكدي بعدم إمكانيته من الوشاية بي .
كان اكبر نجاح لفاشية نظام صدام هو إنهاء الثقة حتى بين أبناء العائلة
الواحدة , وبات الجميع يبحث عن وسيلة تثبت براءته أمام اجهزة امن
النظام , التي أخذت تنظر بعين الشك حتى لمن يردح أكثر للنظام , وبات
البعث ومنظماته ( الجماهيرية ) من نساء وطلبة وعمال وطلائع يتسابقون في
كتابة التقارير , وليس بالضرورة ان تكون صحيحة , بل المهم استمرار
تدفقها .
كان اغلب البيشمركَة الشيوعيين من الشباب الذين تركوا كلياتهم ومعاهدهم,
وتركوا عوائلهم التي باتوا لا يستطيعون السؤال عنها بعد أن غيروا
أسمائهم , وعباس يدرك جيدا لواعج هؤلاء الرفاق الذين تركوا العراق منذ
عدة سنوات , ويحاول أن يطمئنهم : بأن الأمور لم تعد مثل السابق , وان
النظام اخذ يتفكك نتيجة استمرار الحرب العراقية الإيرانية التي مضى على
اندلاعها أكثر من خمسة سنوات , واقرب مثال سهولة ذهابه وعودته . وجازف
اثنان من الرفاق بإرسال رسائل معه إلى أهلهم , وطلب منهما أن لا يخبرا
التنظيم , لأن الحزب منع إرسال أية رسائل شخصية مع من يعملون في الداخل
. وعاد لهم برسائل من أهلهم, ومبلغ بسيط من المال . كانت عادته عند
قدومه ان يتسامر مع الرفاق حول موقد نار المطبخ , وينقل لهم مشاهداته
وتحليله للوضع السياسي , أحاديثه متنوعة, وشيقة , ولديه تلقائية تصل حد
السذاجة , ويعرج على الجنس , الذي ينتظر الحديث عنه اغلب الرفاق ,
ويكايد بعضهم بوصفه تفاصيل التحلل الأخلاقي نتيجة الحرب , ويزيد في
تشويقه فيضيف في بعض الأحيان وصف احد المشاهد الدافئة مع زوجته , التي
سحبها لتسكن معه بعد ان وجد السكن الآمن كما يؤكد .
قبل أسبوعين وصل عباس قادما من البصرة , وحال عودته, وكالعادة التقى به
مسئوله الحزبي لاستلام البريد , ومعرفة تفاصيل نشاطه , والطريق الذي
سلكه في عودته , وفيما إذ واجه صعوبات بذهابه , وباقي الاستفسارات
الأخرى . وبعد ثلاثة أيام – التي هي استراحة لكل رفيق قادم بمهمة من
خارج المقر – طلب منه أن يهيئ نفسه مع ستة رفاق آخرين , للذهاب بمفرزة
لإحدى القرى التي تبعد مسافة أكثر من يوم سيرا على الأقدام , لإنجاز
مهمة استطلاعية . وعند استراحتهم في بيت احد الرفاق في إحدى القرى التي
في طريقهم , تقدم الرفيق صاحب البيت , بعد ان طلب منه آمر المفرزة –
منعا لأي التباس - تشخيص, من اخبر عنه , وشخص عباس من دون الرفاق
الآخرين . والرفيق صاحب البيت , ( جحش )كان مع مفرزته التي ألقت القبض
على عباس عند نزوله الأخير, وسلمته إلى آمر فوجهم , لينقل إلى امن
الموصل . وبعدها يطلق سراحه من هناك , كما قال عباس الذي انهار بعد ان
واجهه الرفيق ( الجحش ) بصرامة الأدلة . وتبين انه تعاون مع مديرية
الأمن في بداية الحملة عام 1978, ومع تواصل التحقيق , وتوالي
الاعترافات , عرفنا حجم التخريب الذي مارسه , وتمكن الحزب من إنقاذ بعض
الرفاق الذين كانوا ( تحت الحُكَة ) .
كان المطبخ مربعا, وظلعاه المقابلان لغرف الرفاق مفتوحان إلا من دكة لا
يتجاوز ارتفاعها المتر , لحفظ الموقد , ومنع الحيوانات من دخول المطبخ
. كان الخفر علوان قد أشعل النار تحت قدر شوربة العدس , وبجانب الموقد
وضع إبريق ماء الشاي , وفرغ من تحضير أقداح الشاي وصحون الشوربة .
وناداني مرّة أخرى بشئ من العصبية , على أن اذهب وأعود إلى النوم ,
وأجبته : أشكرك , باقي . وأصر : آني أكَلك روح ارتاح يا رفيق ! وآني
أكلك ما أروح يا رفيق , لان تعرف الوضعية ( وأشرت له على غرفة السجين )
, وإذا سألني آمر الفصيل : ليش تارك الحراسة؟ شراح أجاوبه ؟ أهو,
أجابني علوان: لو باقية على توجيهات الجماعة جان حتى الشراويل بعناهن.
روح ارتاح عزيزي وعلى مسئوليتي . اجبته بعصبية : وبيش كيلو مسئوليتك؟
آني الحرس لو أنت؟! توتر الجو بيننا بسرعة , وفتح عينيه على اتساعها -
كان يحظى باهتمام أكثر من غيره لتواجده المستمر في مناطق الفرات الأوسط
والجنوب – تطاير الغضب من عينيه , وبصراخ مكتوم : لك أنت تعرف ويامن
تحجي ؟! تخرس , وتحترم نفسك , ودير بالك تتجاوز , أجبته بعصبية مفرطة .
استدار ودخل المطبخ , واخذ علبة السكر ليملئها من المخزن , ومشيت بدوري
لنهاية الفصيل باتجاه القاعدة , وهي اقل من ثلاثين مترا . التفت , كان
المخزن بجانب غرفة السجن , وعلوان يتحدث مع السجين , وعند عودتي
المسرعة , رفع صوته : جبان تافه , وتركه ليدخل المخزن .
عرفت علوان منذ أكثر من سنتين عندما كنت في قاطع السليمانية , كان موضع
احترام البعض من البيشمركَة , ويشار إليه بالجرأة والرجولة , لنزوله
المتكرر الى الداخل دون ان يتمكن احد من القبض عليه , وموقف متشكك من
البعض الآخر, بسبب ( نزوله المتكرر دون ان يتمكن احد من القبض عليه )
أيضا . كان علوان يتبجح كونه احد المساهمين في معركة سولميش , وهي قرية
في ريف السليمانية, جرت فيها معركة كبيرة بين قوات البيشمركَة والقوات
الحكومية , وساهمت فيها آليات عسكرية ودبابات وطائرات هليكوبتر ,
واستمرت ليوم كامل , سقط فيها الكثير من أفراد القوات الحكومية والجحوش
, وخسرنا فيها عدة شهداء وجرحى , وتم اجتياح القرية من قبل العسكر
والجحوش . وقد تمكن علوان من الاختباء في إحدى المرافق الصحية, ولعدة
ساعات , لينجو بعدها كما يقول .
في فصيلنا المستقل , تجري العلاقة الحزبية على مستويين, الأول الهيئات
الحزبية داخل الفصيل لتمشية الأمور اليومية, والآخر لتنظيمات الداخل
حسب تقسيم الحزب لمناطق العراق . وجاءني مسئول منطقتنا بعد الفطور ,
وسألني : أشبيك ويه علوان ؟! كان مسئولي لا يود علوان لأسباب عدة ,
وأهمها , ان علوان يستفز الآخرين( بتخوفهم ) من النزول الى الداخل .
وكانت تربيتنا الاجتماعية , والسياسية , التي تعتمد على الحماسة
والرجولة , تنتقص بشكل جارح من الشخص الذي لا يفي بما كلف به , دون
الأخذ بالصعوبات, وتغيّر الظروف, التي قد تواجه إنجاز العمل . وعلى
سبيل المثال: ترك احد الرفاق كلية الهندسة السنة الأخيرة في جامعة
بغداد عام 1978 , والتحق بعد فترة من الاختفاء البطولي بقوات الأنصار
في كردستان, وطيلة سنواته السبع في البيشمركَة , والتي خاض فيها معارك
كبيرة وشرسة , وجرح في إحداها , لم يتأخر عن إنجاز أي واجب كلف به –
كنا في البيشمركَة نعتبر فقدان البندقية من الرفيق من الكبائر – وحدث
ان انزلقت بندقيته من كتفه أثناء تسلقه مجموعة من الصخور للاختباء
خلفها في معركة شرسة , وغير متكافئة, مع قوات الجحوش , والنزول لأخذها
يعني الاستشهاد المحقق . ورغم تفهم الآخرين للموقف , إلا انه – وبعد
الانسحاب – اندفع بعملية انتحار فاشلة , والظلال المتخيلة ( للجبن )
أنهكته لسنوات . ولعل الآثار الكارثية لهجمة البعث على عام 1978 على
الشيوعيين الذين استمروا تحت سطوة فاشية النظام , وما تركته من جروح لا
يزال بعضها ينزف رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود , نتيجة اخذ التعهدات
منهم بعدم العمل مع الحزب الشيوعي خير مثال لذلك , والتي لا يزال الحزب
يعالج تأثيراتها السلبية على سير العمل الحزبي لحد الآن .
كان في سؤاله : أشبيك ويه علوان؟ نبرة لإدانتي , قبل ان يسمع مني أي شئ
, ليس احتراما لعلوان مثلما أسلفت , ولكن لتأكيد سلطة الموقع , الذي لو
جرى السماح بمناقشتها , لأسقط الكثير من أركانها الديكورية . أجبته ,
وقد شحنت صوتي بكل ما أستطيع من نبرات فن الإقناع , بعد ان تجاوزت
نبرته المستفزة : المشكلة ليست بالمخاشنة التي حدثت معه , وهو الذي
تجاوز في البداية , المهم , أريد أن أخبرك إني شاهدت علوان يتحدث مع
عباس بصوت واطئ , وعند اقترابي منه , قال له بصوت مرتفع : جبان تافه .
واعتقد ان كلام الرفاق عنه ليس من فراغ , وتشكيكهم بقدومه بسيارته
التويوتا الحديثة لقرية قريبة من المقر , وبهذه الثقة , ما هو إلا
استهانة بالوعي الأمني عندنا . وكانت الجملة الأخيرة القشة التي كسرت
ظهر تحمله , وأجابني بنرفزة : أهو , عزيزي عندك شي ملموس عليه ؟
وشتعتقد ؟! يعني القيادة ما عده معلومات عنه ؟! بالعكس , الرجال أيعزك
ويقدرك , وما راد ان يوصل المشكلة , مجرد عاتبني ويعتب عليك . طبعا ما
يريده توصل, أجبته بحدة : لان ما يريد احد يعرف سبب المشكلة , وهو انه
أراد ان اترك الحراسة واذهب إلى النوم , اجابني : في سبيل ترتاح . لا ,
أجبته بتأكيد : في سبيل ينفرد بعباس . وبعد يومين, ترك علوان المقر
بشبه هروب , ولم يعد بعدها , والحديث المتشكك كثر عنه , واعدم البعض من
الرفاق في الفرات الأوسط .
" القيادة تعرف كل شئ " , ومن أين تعرف أن لم تكن عبر مجساتها
التنظيمية ؟! ولكنها الكلمة التي توصد كل الأبواب أمام أي تساؤل مشروع
, وفي الوقت الذي أبطلت فيه هذه ( الحجة ) , ولم يعد احد يستخدمها من
الشيوعيين , نجد ان بعض المعترضين على سياسات الحزب , وبالذات الذين
كانوا مرتبطين به سابقا, يبنون تعارضهم ليس على خلاف فكري أو سياسي كما
يزعمون , بل على نفس أساس فكرة ( القيادة تعرف كل شئ ) , ويحملون
القيادة ( فقط )أسباب فشل عدم تمكن الحزب من العودة لامتلاك تأثيره على
الشارع العراقي , وفشله في الحصول على احد المقاعد البرلمانية .
ولكن , الشئ الذي أدركه , ان وسائل النضال , والصراع , تغيرت كثيرا بعد
فشل التجربة الاشتراكية , وفي عصر جديد سمي بعصر الثقافة الرقمية .
وعلى سبيل المثال , وليس المقارنة كما قد يتصوره البعض: ان الحزب
الشيوعي السويدي ( اليسار ) يدخل الانتخابات ليس على أساس الصراع
الانتخابي وكسب اكبر عدد من الأصوات , بل للمحافظة على عدد أعضائه
الأربعة أو الخمسة في البرلمان . ولكنه تمكن من خلال مدرسته ( كَفارن
بي ) الشاملة , التي أشبه بالجامعة الخاصة وتمول من أجور الدراسة , ان
يخرج الكثير من أفضل الكوادر الأدبية والفنية في الإخراج , والتمثيل ,
والتصوير , وكتاب لدراما , والسيناريوهات , وباقي المهن الفنية الأخرى
. ليس من منتسبي الحزب واليسار فقط , بل ومن باقي أحزاب الوسط , وحتى
اليمين , ليؤمن تحقيق طبقة مثقفة تمتلك الوعي الطبقي بين جميع الأحزاب
, وتصبح الضمير الوطني لمراقبة استمرار حالة العيش الآمن للمجتمع
السويدي . واعرف جيدا أيضا , ان علوان الذي فلت من العقاب , واستمر في
خداع زوجته وأبنائه الذين يسكن معهم في السويد , كونه لا يزال مناضلا ,
, وبعد أن انكشفت لهم الحقيقية , طردوه , وأعلنوا براءتهم منه , وهرب
ليعيش منبوذا , وحيدا , وخائفا , وهي عقوبة اشد من أية عقوبة أخرى .
Wz_1950@yahoo.com
|