استميح القاريء الكريم عذرا،حيث اني في وقفتي اليوم سوف لن اراعي
التسلسل الرقمي الذي اعتمدته في وقفاتي السابقة عند النصوص التي
تناولتها في نقاشاتي،حيث اني سوف اتناول في موضوعتي اليوم ما يتعلق فقط
بالصوم،وسوف اتناول بالاضافة الى ما يتعلق بصوم رمضان،مفهوم الصوم في
اليهودية والمسيحية.
ترد لفظة "الصوم" ومشتقاتها في القرآن اربعة عشرة مرة في القرآن،في
سورة البقرة لوحدها سبع مرات/183،184،185،187(2)،196(2)،وفي سورة
النساء/92،وفي سورة المائدة مرتين/89-92،وفي سورة مريم/26،وفي سورة
الاحزاب/35(2)،وفي سورة المجادلة/4،اما تعبير"شهر رمضان"فيرد مرة واحدة
فقط ،اما لفظة "صوم"فلم اعثر عليها في القرآن مطلقا.
1- يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ/183،
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ/184.
2- شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ
وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ
الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا
اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ/186.
3- أُُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ
لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ
كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ
فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ
الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى
اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
تِلْكَ حُدُودُ للهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ/187.
يتفق الدارسون واصحاب الشأن على ان المعني بعبارة:"كتب عليكم الصيام
كما كتب على الذين من قبلكم".هم اهل الكتب السماوية،اي اليهود والنصارى
حصرا،فالامر هنا صادر من الله،ولا يعقل ان يأمر الله من لا يؤمنون به
من الاقوام التي ورد ذكرهم في القرآن بالصيام،كالمجوس والصابئة
مثلا،فهؤلاء لم ترد في القرآن اية اشارة على ان لهم كتبا سماوية
مقدسة،رغم انه ساوى بين الصابئة واليهود والنصارى حيثما ما ذكروا في
القرآن(هناك احاديث تقول بأن علي ابن ابي طالب ساوى هؤلاء والمجوس
ايضا)وهي في ثلاثة مواضع فقط (بقرة62،مائدة69،الحج17)وجل العلماء
المسلمون يصنفونهم الى جماعتين:جماعة موحدة مؤمنة ونسبهم الى النبي
يحيى ابن زكريا،وجماعة ثانية اعتبرت مشركة كافرة،كما يميل البعض الى
وصفهم بالوثنيين(شخصيا اعتقد ان المندائيين لا تربطهم اية علاقة بيحيى
لا من قريب ولا من بعيد،انما هم بقايا اتباع الديانة الكلدانية القديمة
التي كانت شائعة ايام ابراهيم،والتي تحولت الى اسم حرفة كل العاملين في
مجالات السحر والتنجيم والشعوذة والطب وغيرها من المهن في بابل،اما
اتخاذهم ليوحنا المعمذان او يحيى كما يسميه القرآن،كان مجرد وسيلة تجنب
للاضطهاد اليهودي اولا ومن ثم المسيحي ثانيا،فطقوس التعميد لا تكفي لان
تكون دليلا مقنعا،خاصة وان بقية شعائرهم وطقوسهم الدينية لا تتفق وما
كانت تمارسه بقية الشعوب التي كانوا يقيمون في ظهرانيها،فيحيى ابن بيئة
يهودية محضة يرد ذكره في الانجيل على انه مرسل من الله لكي يهيأ الشعب
لقبول المسيح كما يورد متى1:3-6 ومرقس1:1-8 ويوحنا19:1-28 ولوقا1:3-17
)هذا يعني اذن،ان المعني بالذين كتب عليهم الصيام كما كتب على المسلمين
كانوا اليهود والنصارى كما اسلفت.
يتفق جل الباحثون على ان الناموس الاخلاقي والاجتماعي(اعني بها شريعة
الطاهر والنجس وبقية الممارسات الحياتية الدينية والشعائر التي سماها
الاسلام فيما بعد شريعة الحلال والحرام) الذي وضعه موسى لبني
اسرائيل،قد اخذ به المسيحيون مع بعض التعديلات التي رفضها الانجيل رفضا
قاطعا،كتعدد الزوجات،وتحريم بعض الاطعمة على سبيل المثال،واعتبرت
المسيحية ناموس الوصايا العشرة التي كتبها الله بأصبعه على لوحين
واعطاهما لموسى(خروج1:20-17) ثم اعاد كتابتهما (خروج1:34) بعد ان كان
موسى قد كسرهما حين وجد الشعب قد جعل له الها على شكل عجل حين ابطأ
عنهم(خروج19:32)هو جوهر العقيدة التي لم ينقضها المسيح قط ،لذلك الزمت
نفسها بها،ولو رجعنا الى اسفار التوراة الخمسة وبقية اسفار العهد
القديم من الكتاب المقدس،سوف نجدها تخلو تماما من ذكر اي شريعة او
ناموس او شعيرة تقول بالصوم العام كعقيدة دينية كتبها الله على
المؤمنين،ولكننا سوف نجد ان البعض كان يمارس الصوم بشكل فردي،ولا يفرض
الصوم على الشعب سوى في مناسبات خاصة جدا الا ما ندر(يقول في
لاويين29:16 في اليوم العاشر من الشهر السابع تذللون نفوسكم بالصوم ولا
تعملون عملا)ولو رجعنا الى سفر الخروج،نجد ان موسى لا يأكل ولا يشرب
لاربعين يوما وهو في حضرة الرب(28:34) كما نجد ذكرا للصوم في مواضع
اخرى كثيرة،مثل ما يرد على سبيل المثال في صموئيل الاول6:7،وفي
زكريا18:8 يقول(هو غير زكريا ابو يوحنا او يحيى كما يسميه
القرآن):وكانت اليَ كلمة الرب القدير قال:صَومُ الشهر الرابع والخامس
والسابع والعاشر،سيكون لبيت يهوذا سرورا وفرحا واعيادا طيبة.فأحبوا
الحق والسلام.يشير زكريا هنا الى مناسبة خاصة جدا،وكذلك يرد ذكر الصوم
في ملوك2(1:25) وملوك1(8:19)ويونان(5:3)واشعيا(12:12) ومواضع اخرى
كثيرة تشير جميعا الى عدم وجود شرع او ناموس عام للصوم،ولو تصفحنا
الانجيل سطرا سطرا،سوف لن نجد سوى نصا واحدا يشير الى الصوم كممارسة
ايمانية عامة،ولكن ورغم عموميته،الا انه يبقى امرا اختياريا يمارسه
المؤمن بشكل كيفي وحيثما يريد هو ذلك،يقول المسيح في موعظته على الجبل
بحسب ما نقل لنا متى في انجيله(16:6-18):واذا صمتم،فلا تكونوا عابسين
مثل المرائين،يجعلون وجوههم كالحة ليظهروا للناس انهم صائمون،الحق اقول
لكم:هؤلاء اخذوا اجرهم.اما انت،فأذا صمت فأغسل وجهك،وادهن شعرك،حتى لا
يظهر للناس انك صائم،بل لابيك الذي الذي لا تراه عين،وابوك الذي يرى في
الخفية هو يكافئك.كما يرد في الانجيل ان المسيح صام اربعين
يوما(متى1:4-2)وايضا يرد ذكر الصوم في مواضع اخرى
متعددة،يوحنا(12:2-17) متى(21:17) اعمال الرسل(2:13-3) ولكن في كل
المرات،لا يدل على ان الصوم مكتوب كقانون عام يستوجب الاخذ به كشعيرة
او ناموس او طقس،وهذا يعني ان الصيام لم يكتب على اهل الكتاب كما يزعم
النص القرآني واي كان تفسيره وتأويله،ومهما قيل في شبهة التحريف
الواقعة على التوراة والانجيل التي ما زال يتغنى بها شيوخ الاسلام دون
دليل واحد مقنع،فالثابت تاريخيا هو ان العقائد المسيحية قد اقرت على
الاقل اعتبارا من مجمع نيقيا الاول في بداية العقد الثالث من القرن
الرابع الميلادي كاملة،ولو كان الصوم قد اقر في الانجيل،لكان هناك نظام
موحد لهذا الصوم كما يقول المنطق،فمثلا يصوم المسيحيون الكاثوليك
الشرقيون لمدة خمسين يوما(غالبا يطلق عليه صوم الخمسين) قبل عيد
الفصح،في حين يصوم الكاثوليك الغربيون اربعين يوما.كما ان هناك بعض
الاطعمة التي تسمح بتناولها هذه الطائفة ولا تسمح بها طائفة اخرى،مثل
السمك في حالة الانقطاع عن الزفرين.خلاصة كل هذا،هي ان الزعم بأن الصوم
كتب على اهل الكتاب،زعم لا يسنده دليل كتابي،انما كتب الصوم الرمضاني
على اتباع ديانات اخرى يصنفها الاسلام ضمن خانة الوثتية كما سوف آتي
عليه.
يقول:أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى
سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر.في هذا النص رخصة للمريض
والمسافر تسمح ان تعوض ايام المرض والسفر بأيام اخرى،وهذا امر لا بد
مقبول في حالة المرض،ولكنه مؤكد مثير للدهشة في حالة السفر،اذا ما
قارنا بين مقدار الاجهاد في حالتي السفر والجهاد في سبيل الله بحد
السيف الذي يعد ذروة العبادات(عن ابي هريرة قال:جاء رجل الى رسول الله
فقال:دلني على عمل يعادل الجهاد.فقال رسول الله:لا اجد. وعن ابي سعيد
الخدري قيل:اي الناس افضل يا رسول الله؟فقال:مؤمن يجاهد في سبيل الله
بنفسه وماله) فمعركة بدر كما يروي التاريخ الاسلامي وقعت في
رمضان،وكذلك فتحت مكة ايضا في شهر رمضان،والمؤرخ المسلم عودنا على
التفاخر بأن المجاهد كان يقاتل وهو صائم،ترى ما الذي منع تشريع الافطار
خلال الحرب؟
يقول:شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن سوف اتجاوز
التعرض الى ما قيل وسوف يقال حتما في تفسير وشرح هذه العبارة،فهي الاف
الروايات التي ربما كان لها بداية،ولكن سوف لن يكون لها نهاية
مطلقا،ولو تسنى لاي انسان ان يتابع ما قيل ويقال في هذا،لاحتاج ان يعيش
لالف سنة لكي يأتي عليها،لكثرتها الهائلة اولا،ولاختلافها وتناقضها في
الكثير من الاحيان ثانيا،كما سوف اتجاوز الخوض في الاحاديث المنسوبة
الى محمد فيما يخص الصوم وفضائله وفوائده الصحية،فالاحاديث التي تروج
لها الفضائيات ومواقع الانترنيت الاسلامية لا تعد ولا تحصى،ولو اعطينا
لكل حديث دقائق معدودة،سنجد ان محمدا كان يحتاج على الاقل الى خمسين
سنة متواصلة لكي يروي تلك الاحاديث،ونحن نعلم ان صيام رمضان كان قد شرع
قبل موت الرجل بحوالي عشر سنوات فقط،وجميعا نعرف ان محمدا،كان نبيا
وقاضيا ومشرعا وقائدا للمعارك وزوجا لتسعة نساء عدا السراري يوم
مات،ونساء محمد كما نعرف لم يكن على وفاق فيما بينهن،فقد كن
عصبتان،واحدة بقيادة عائشة بنت ابو بكر والثانية بقيادة زينب بنت
جحش،اما ما يقال عن مجازاة الله لمن يصوم شهر رمضان،فأن المرء يحسب
نفسه واقفا بباب الجنة،وما عليه سوى الطرق على الباب لكي يفتح له فيجد
في استقباله حور الجنة والغلمان المقرطة والمسورة جاهزة لتقوم على
خدمته،لا بل ان حماقة جرأة الاستهتار بعقول البسطاء وصلت مرحلة يستوجب
على كل صاحب عقل ان يوقفها عند حدودها،فقد وصل الامر الى اختراع قصص
تروي تأثير الصيام على ابسط اجزاء الخلية الحيوانية التي يصعب رؤيتها
حتى بواسطة ادق المجاهر الالكترونية ذات قوة التكبير العالية جدا،كما
سوف اتجاوز مناقشة واثبات كون صوم رمضان الاسلامي،اخذ كنسخة طبق الاصل
من صوم رمضان الصابئي،اي ان هذه الممارسة الايمانية انتقلت بنصها
وروحها من حران الى يثرب،كما تشهد وتقر بذلك اكثر المصادر الاسلامية
شهرة ورصانة(انظر على سبيل المثال وليس الحصر:ابي الفداء-المختصر في
تاريخ البشر.ج1 ص64،65،66،ابن النديم- الفهرست.ص319،دائرة المعارف
الاسلامية.ج14 ص399،ابن الجوزي- تلبيس ابليس.ص 84 وما يليها) كما جل
العقائد الاسلامية التي اخذت جاهزة من الاديان التي ولد الاسلام
بينها،سواء اليهودية او المسيحية،او الصابئية،او الوثنية،او
الزردشتية(يقال ان محمدا كان يخلو بسلمان الفارسي لفترات طويلة حتى
تشكت نساؤه من ذلك)انما سوف يقتصر نقاشي على حديث واحد قال الفقهاء
ورواة الحديث والمفسرون جميعا بصحته،والحديث يدور حول ان الكتب
السماوية الاخرى جميعا نزلت في رمضان،وهذا يعني،ان اتعامل معه كما النص
القرآني،فالحديث الصحيح هو وحي موحى،يقول احمد في مسنده(1575) نقلا عن
قتادة:روى واثلة بن الاسقع عن الرسول الله قال:صحف ابراهيم نزلت في اول
ليلة من رمضان،والتوراة لست مضين،والانجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من
رمضان،والزبور لثمان عشر خلون من رمضان،وانزل القرآن في اربع وعشرين من
رمضان.ونفس هذا الكلام ينقله لنا محمد بن يعقوب الكليني في مصنفه
الكافي ج2 ص629،نقلا عن الامام جعفر الصادق نقلا عن ثقاة نقلا عن
محمد،مع فرق ان القرآن انزل في الثالث والعشرين وليس في الرابع
والعشرين كما روى بن الاسقع،ويعد هذا الكتاب من اهم كتب الحديث عند
الشيعة الامامية،والسؤال هو:هل حقا ان ما ادعاه محمد بشأن الكتب
السماوية الاخرى صحيح؟والجواب هو مؤكد كلا.للاسباب التالية:
اولا:صحف او صحائف ابراهيم:ما زلنا ننتظر لاربعة عشر قرنا ولم يأتنا
احدهم بدليل يؤيد وجود صحفا لابراهيم،وكما هو معروف من خلال التوراة،ان
دعوة ابراهيم كانت وما زالت محصورة في بني اسرائيل فقط،والروايات
القرآنية التي ترد في القرآن عن تبشير ابراهيم بمعتقده بحاجة الى دليل
علمي وتاريخي يثبتها،لان الادلة على عدم صحتها كثيرة جدا.
ثانيا:التوراة:هذه لقنها الله لموسى شخصيا يوم كانا يلتقيان ويتحدثان
لبعضهما،كما يتحدث الرجل الى صاحبه كما تقول رواية التوراة ويؤيدها
القرآن،اذن ليس هناك اي سبب لوجود وسيط ينزلها الى موسى.
ثالثا:الزبور،او ما يسميه اليهود والمسيحيون بالمزامير:هي مجموعة قصائد
شعرية،قد اثبتت الدراسات ان الكثير منها نسب الى داود بغير حق،وهذه
القصائد يتحدث اغلبها عن تمجيد الله وتقديسه،وتدعوا الى الطهارة والعفة
التي تتناقض والكثير من صحيح الدين الاسلامي فيما يتعلق بالجنة
وانهارها وحور العين والغلمان والتقية وكثير غيرها،كما ان العديد منها
تتحدث عن طلب داود للمغفرة لكثرة معاصيه واثامه الشخصية،ويرد فيها كما
يدعي المسيحيون الكثير من النبؤات التي تتحدث عن موت المسيح
وقيامته،وهذا يخالف جوهر العقيدة الاسلامية في مسألة المسيح كما نعرف
جميعا،فجوهر العقيدة المسيحية لا يقوم على ميلاد المسيح المعجز
والاعاجيب التي اجترحها،انما يقوم على موته على الصليب وقيامته من بين
الاموات.
رابعا:الانجيل:الانجيل لفظة يونانية تعني البشارة السارة،وليس عنوانا
او اسما لكتاب كما توهم الكثيرون ومنهم صاحب القرآن،والمعني بهذه
البشارة كما افهم شخصيا،هو موت المسيح على الصليب كفارة عن خطايا البشر
اجمعين،منذ ادم الى يوم الدينونة،وقيامته من بين الاموات،والاناجيل او
البشائر التي في متناول يد الناس اليوم لا بد كانت اقرت على الاقل في
مجمع نيقيا المسكوني الاول الذي اقرت فيه العقيدة الايمانية
المسيحية،وهذا انعقد في 20 مايس 325 ميلادية،اي قبل الاعلان عن الدعوة
الاسلامية بقرابة الثلاثة قرون،وكتاب الانجيل هم اربعة رجال،اثنان من
تلاميذ المسيح(حواريون)واثنان من تلامذتهم،في مواقع جغرافية تبعد عن
بعضها الاف الاميال وبلغات مختلفة حتما وازمنة مختلفة،والانجيل هو
عبارة عن سرد لسيرة المسيح الشخصية وتعاليمه وذكر لافعاله لا اكثر ولا
اقل،وهذا يعني:ان الكتبة شهود عيان او اخذوا عن شهود عيان،ولا يحتاجون
الى وسيط بينهم وبين الله لينزل اليهم ما يدونون.والقول بشبهة تحريف
الانجيل لا يسنده اي دليل منطقي،انما العكس هو الصحيح،لان اية مقارنة
بين شخصية يسوع(عيسى)وشخصية محمد استنادا الى القرآن وكتب السيرة،سوف
لن تعطينا اي قاسم مشترك يصلح ان يكون قاعدة مشتركة بين
الرجلين،فالشخصيتان متناقضتان تماما،وصورة الله في الانجيل هي غيرها
بالمطلق عما هي عليه في القرآن.
اذن،واستنادا الى ما ورد في اعلاه،سوف يكون الذين كتب عليهم الصيام قبل
الاسلام،هم الصابئة الحرانيون الذين اخذ عنهم صاحب القرآن شعيرة صوم
رمضان وعيد الفطر دون غيرهم،فهذا هو ابن النديم في الفهرست ص325-324
يقول بما معناه:كان الحرانيون يصومون شهرا تكريما لاله الشمس
سين.ويؤيده على ذلك ابن حزم الاندلسي في الفصل في الملل والاهواء
والنحل ص39،كما يورد مثل هذا الكلام واكثر كثيرا الشهرستاني في كتابه
الملل والنحل ج1/ فصل عبادة الصابئون وهياكلهم(حيث يتحدث المؤلف عن صوم
رمضان والصلوات الخمس والضوء وغير ذلك).
بقى ان اشير الى معلومة صغيرة،هي تعبير "ليلة القدر" التي يقال ان
القرآن انزل فيها جملة من السماء السابعة الى احدى السماوات التي
دونها(اختلف المسلمون في تحديدها،لذا اعتذر عن ذكرها بالضبط)الذي ربما
القليل جدا من المسلمين يعرفون ان هذا التعبير استعمل في مكان اخر قبل
ان يرد في القرآن بقرون طويلة،فالصابئيون يحتفلون في اليوم السادس
والسابع من كل سنة جديدة،والليلة التي بينهما تسمى ليلة القدر(دائرة
المعارف الاسلامية ج14 ص399).
يقول: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى
نِسائِكُمْ...كانت اغلب شرائع الصوم المطبقة عند غير المسلمين تحرم
معاشرة النساء خلال فترة الصوم،او بعد ان ينقضي النهار ويخلد الناس الى
النوم،وهكذا كان يفعل المسلمون اسوة بهم،وشاءت الظروف ان لا يصطبر عمر
ابن الخطاب وغيره من المسلمين على ذلك فأختانوا انفسهم،اي خانوا انفسهم
كما يقر النص القرآني بذلك،حيث يقول بوضوح:عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ
كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ
فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُم.ْ وهذا النص
هو عبارة عن حل لمعضلة لم يطق المسلم ان
يصطبر عليها،حيث تتفق جميع الروايات على ان اسباب ورود النص في
القرآن،كان ان جاء عمر ابن الخطاب في احد ايام الصيام محمدا بنفس حزينة
ومكسورة،وقال:اتيت الليلة رحلي بعد النوم يا رسول الله(لاحظوا معي ان
عمر يشبه المرأة بالدابة حيث يشبه المعاشرة الجنسية بركوب الرحل،اي
الدابة)وكان ان عاتبه محمد على فعلته تلك ولامه،بعد ذلك جاء النص الذي
اباح معاشرة النساء الى لحظة الامساك(يمكن الرجوع الى هذه الرواية في
جل كتب التفسير واسباب التنزيل)وهذا يعني:لولا ان عمر تجرأ واقر
بذنبه،ما كان هناك اية حاجة لهذا النص،وهذا يذكرني بنصوص اخرى كثيرة في
القرآن وردت على نفس طريقة ورود هذا النص،فمثلا،لولا ان عبد ابن ام
مكتوم طالب بحقه في غنائم الحرب واسلابها لانه عاجز عن حمل السيف
والجهاد في سبيل الله كونه ضريرا،ما كان هناك اي مبرر ان تضاف هذه
الزيادة الى النص:لا يستوي القاعدون.......غير اولي الضرر/نساء95،ولولا
ان عائشة فقدت عقدها وانشغل القوم بالبحث عن العقد حتى ادركهم وقت
الصلاة وكان ماؤهم قد نفذ عندهم الماء،ما شرع التيمم بالتراب بدل
الوضوء بالماء/نساء43،مائدة63،والشيء نفسه يقال عن الذي كان يأتي
الصلاة وهو يترنح من شدة سكره ولا يعلم ماذا يقول،فنهيَ عن ذلك لكي
يعلم ماذا يقول/نساء43 ،وهناك حالات اخرى كثيرة اخرى في القرآن وردت
لاسباب خاصة جدا،لا بل ان البعض منها كانت الغاية منه الخروج من ورطة
ربما كانت تسبب تصدعا في الصف الاسلامي لولا ان عولجت بنص قرآني،كما في
قضية زينب بنت جحش وطلاقها من زيد ابن ثابت وزواجها من محمد بعد ان كان
الله كما تقول كل الرويات قد امال قلب محمد اليها،فزيد هذا كان قد
تبناه محمد بعد ان كانت قد اهدته له زوجته خديجة، وكان يكنى بزيد ابن
محمد،الا ان المسلمين لم يقبلوا هذا السلوك وعابوا على محمد ان يتزوج
بأمرأة ابنه،فجاءت النصوص القرآنية التي تشرع له ذلك بأمر الله،وتحرم
التبني في الاسلام رغم انه موقف انساني عظيم،علما ان زيدا هذا كان قد
تزوج من زينب بنت جحش بموجب امر الله لانها كانت قد رفضته يوم تقدم
محمد شخصيا يطلبها لزيد/احزاب36-37،وهنا يبرز تساؤل مشروع جدا:الا تشير
النصوص التي اوردناه الى انها وحي من الارض الى السماء وليس
العكس؟ننتظر الاجابة ممن لا يتفق معنا في الرأي.
يقول: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
تِلْكَ حُدُودُ للهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون.بصراحة ما بعدها صراحة،وقفت طويلا جدا
امام هذا النص،َفظاهر النص واضح وصريح،فهذا خطاب من الله الى المعتكفين
في المساجد يحرم عليهم مباشرة النساء خلال فترات الاعتكاف في المساجد
او داخلها،الا اني اضطررت الى الخضوع لرأي المفسرين رغم اختلاف
الروايات وعدم انسجامها مع بعضها،ولكي اوجز لكم الكلام،انقل لكم
الرواية الاشهر رغم عدم قناعتي بها،تقول الرواية:خلال شهر الصوم كان
المسلمون يعتكفون في المسجد ليل نهار،ولو اضطر احدهم الذهاب الى بيته
لقضاء حاجة ما،كان يحل له ان يداعب زوجته ويقبلها ويغازلها وما الى ذلك
من امور،ولكن دون الجماع،اي ان حدود الله هنا هي عبارة عن فرج المرأة
الذي يمنعه الله عن المعتكف،ولو قلنا بغير ذلك،ستكون حدود الله جدران
المسجد خلال ايام الاعتكاف فقط،الا يقول:تلك حدود الله فلا تقربونها؟
بقى ان نقول:ان الكثير من المجتهدين يصرون على ان الاعتكاف لا يجوز سوى
في احد المساجد الثلاثة،اي:المسجد الحرام،والمسجد النبوي ومسجد قبة
الصخرة بناء على ما قال به محمد،الا ان البعض الاخر يعمم الاعتكاف في
كل المساجد التي تقوم فيها صلاة الجماعة،وهذا يعني ان جميع مساجد
الشيعة لا يجوز الاعتكاف فيها،فهؤلاء لا يقيمون صلاة الجماعة حتى يرجع
امامهم من غيبته.
يقول: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُون.اين هي الايات التي بينها الله هنا يا ترى؟هل هي الادعاء
بكونه كان يعلم بأن الرجل المسلم كان لا يلتزم بشروط الصيام ويخون؟واذا
كان الجواب بنعم،فأننا نقول له:الم يكن من الحكمة ان يشرع ذلك للرجل
المسلم سلفا لكي يتحوط لنفسه؟فالذي اقر بخيانته لنفسه لم يكن واحدا من
عامة الناس،انما كان من الحلقة الاكثر قربا من محمد شخصيا،لا بل انه
احد العمرين الذين قال فيهم محمد:اللهم اعز(انصر) الاسلام بأحد
العمرين.اي عمرو ابن هشام او عمر ابن الخطاب،وهذا حديث يتفق على صحته
الجميع الرواة السنة( شخصيا ارفض هذا المنطق،فأنا اعتقد ان الانسان هو
الذي يزداد رفعة وعزة بمعتقده وليس العكس).
نظرا لكون الموضوع اخذ مساحة كبيرة،لذا اضطررت الى عدم التعليق على
البناء اللغوي للنصوص اعلاه خشية الاطالة،ولكني سوف اختم حديثي بملحوظة
بسيطة تتعلق بلفظة التشكيك والتخوف والخشية"لعل" فهذه ترد على لسان
الله في مواضع كثيرة جدا في القرآن،فمثلا يقول في النصوص اعلاه:لعلكم
تتقون،لعلكم تشكرون ولعلهم يشكرون،ترى الا يفترض ان يعرف الله فيما اذا
كان القوم سوف يتقون و يشكرون ام لا؟انه مجرد سؤال اتمنى ان يجيبني
عليه اصحاب الاختصاص ويعذروا سذاجتي.