|
مسيرة الجمال والنضال--
44
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(
الرجل الأسطورة
كنت أقول لنفسي ماذا يختلف الشهيد أبو كريم عن الأبطال الأسطوريين
والبارزين الذين سمعنا و قرأنا عنهم من أبطال الاتحاد السوفيتي الذين
ناضلوا بشجاعة ونكران ذات ضد الفاشية، أو أبطال الحرب الأهلية أو
الأبطال في أفريقيا أو أمريكا اللاتينية. إذا كان البعض يعتقد أن هذه
الكلمة كبيرة ربما فهذا البعض لا يختلف معي في إن الشهيد أبو كريم فيه
خصال نادرة وكبيرة، الإقدام والتضحية والشجاعة والإخلاص والشهامة وكذلك
حبه للآخرين. هذا العامل البسيط تعليما كان يفهم الماركسية بطريقته
الخاصة وبشكل جيد. كان يحب الحزب ويدرك قدرة ومكانة الحزب عند
الكادحين، عامل البناء القادم من مدينة الكادحين ومن عائلة فقيرة وأب
سيد كما يسمونه في منطقة الداخل في الثورة، التحق بالحزب دون أن يدري
كما يقول هو ولأنه أحب الحزب الذي يدافع عن العمال والفلاحين والناس
البسطاء والكادحين. كان يفخر بذلك فيقول: كنت احترم العمال الذين
يشتغلون معي حيث انهي عملهم الساعة الثالثة بدلا من الساعة الرابعة،
لأنني فهمت ضرورة الاهتمام بالعمال والفقراء. وكان يردد كذلك كنت ادفع
لهم أجورا عالية وادعوهم أحيانا إلى المطاعم على حسابي الخاص وعند
(جبار أبو الشربت) الكائن على أبو النؤاس، لقد تعرفت على هذه الشخصية
الجميلة واللطيفة في عام 1975 في احد العونات لأحد أقربائي ( أبو عادل
) في قطاع 9 في مدينة الثورة داخل. منذ ذلك الوقت وأنا اجل هذا الإنسان
الرائع الذي يحترمه كل من عرف نبله ومودته ولطفه تلك الصفات التي
يكتشفها المرء مباشرة ولا تخفى عن العيون المحبة. فإذا كان أبو كريم في
هذا الموقع أو ذلك فهو يجعل الأجواء جميلة من خلال نكاته وسرعة بديهته،
والجميع يتمنى وجوده معه.

كان الشهيد أبو كريم يمتلك
قدرة نادرة في دخوله قلوب الناس خاصة أهالي القرى دون
إستئذان،
حتى أن المنطقة وقراها كانت تحب الشهيد وتحترمه وتقدر جهاديته ولطفه
وهكذا هو الحال بالنسبة لكل من عرفه. انه شخصية فذة ونوعية قل مثيلها
في مآثره وتطلعاته وأسلوبه وفهمه للحياة. يمكن أن أقول هذا والكثير
غيره ممن غادرنا مبكرا. كنت أتمنى وجوده في هذه الظروف والمحن
والمتغيرات. ويمكن الحديث في صفحات طويلة عنه، ولان الكتاب هو عن حياتي
فلا
أجد
المجال وأتمنى أن يكتب غيري من الذين عاشوا قريبا منه في كردستان، ولكن
وفي مجرى المعايشة تروى الأحاديث الممتعة الكثيرة عن الشهيد.
تحدث لي الرفيق أبو ليث كيف كانت تتم عملية اختيار البيوت بالنسبة له
وللشهيد أبوكريم أثناء توزيع الرفاق في القرى.

ويقول في موقف ذهبنا إلى بيت احد المواطنين في الليل، قدم الرجل ما
عنده وأخذنا مستلزمات النوم. في الصباح قال أبو كريم لازم انروح إلى
بيت آخر وبالفعل ذهبنا بعد أن تركنا مستلزمات النوم (بطانية ودواشك) في
الجامع. جاء صاحب البيت إلى الرفاق ليسال عنا. وحجته أن صاحب البيت
فقير وعلينا أن نذهب إلى شخص لديه أمكانية اكبر، وتتم موافقته على
التوزيع في البيت بوجود تلفزيون.
ونحن بصدد هذا المقاتل الأسطورة، في إحدى الإجازات
كنت مع الرفيق أبو رشدي في طريقنا إلى منطقة الفوج الثالث وهناك في
قرية دهيه التقيناه، كانت لدى أبو رشدي قضية تشغل تفكيره بصفته إداري
السرية (المقر) هي كيفية إيصال المياه من نهر الزاب إلى مزارعنا التي
تقع على النهر. المشكلة أن ثمة طريقا ترابية تمتد بين النهر والمزارع.
يمكننا استخدام مضخة مياه، لكن كيف ستكون فكرة تصميم مجرى المياه من
النهر إلى المزرعة. كانت فكرة الرفيق أبو رشدي هي إنشاء مجرى من الصفيح
على شكل جسر يرتفع مترين فوق الطريق. لم يقتنع الشهيد أبو كريم بتلك
الفكرة فقال معلقا: (كلي اذا انت عندك هيج افكار ليش ما تشارك بحرب
النجوم؟)

سألته كيف تعمل هنا وحدك في هذه المنطقة وأنت مسؤول مشتريات الفوج
الثالث؟ الا تخاف الاغتيالات؟ خاصة وانت تعرف انهم اغتالوا
رفيقنا ( أبو حسن)
في هذه القرية. المفروض أن يكون معك مرافق على الأقل فقال لي: (شتحجي
انت منو يكدر يتقرب علي خاصة ان اغلب أهالي القرية والمنطقة يحبوني
ولدي علاقة جيدة معهم، وهم يعرفون ماذا نريد لهم).
في نفس الفترة أراد الرفيق أبو كريم أن يلتقي بالرفيق ارا خاجادور عضو
المكتب السياسي للحزب الذي وصل قبل أيام للإشراف على العمل الحزبي
والعسكري. المهم أثناء رجوعه مع أبو ليث وأبو رشدي وهم قرب قمة بامرني
، جرت مناقشة بينهم، وقد شهدت تلك الفترة عملية قصف ليبيا من قبل
الولايات المتحدة وبالذات احد بيوت القذافي، وقد قتلت ابنته من جراء
ذلك القصف.
سالوا أبو كريم ماذا ستقول لأبو طارق (عضو المكتب السياسي) حول الوضع
العسكري والحزبي؟
رد عليهم: أول موضوع هو ما هو رأي الحزب بقصف أمريكا لليبيا؟ قالوا له
وما هي العلاقة بين عملنا ومهماتنا وليبيا؟
فرد مرة أخرى: لا هذه هي القضية الأساسية عندي وعلى ضوئها اعرف واحدد
موقف الحزب من القضايا العربية والعالم و الأمور الأخرى.
هز أبو ليث يديه بطريقته المعهودة قائلا: (ولك شتحجي انت شنو ليبيا شنو
الوضع والله ما يسمعك، هذا حجيش يا أبو كريم، واحد يحجي على المشاكل
التنظيمية والعسكرية ).
أما أبو كريم فلم يعجبه حديث أبو ليث، فقد رد برأسه انه غير موافق على
كلامه.
أحيانا يخرج أبو كريم مع مجموعة من السجناء
إلى
قطع الأشجار (الحطب) ونقلها إلى الموقع وأثناء الرجوع يفرض على السجناء
ترديد الهوسه ( بغداد ثوري ثوري.... خلي دروك تلحك نوري)، ودروك رفيقة
في الفصيل حيث يكون مسيرهم وصياحهم محل ضحك لجميع الموجودين بمن فيهم
دروك.
في فترة 81 و82 كثرت مفارز أربيل والسليمانية لحمل ونقل السلاح الذي
يصل إلينا. اذكر إحدى المفارز التي وصل معها الرفيق أبو سحر وهو
المعروف بدماثة أخلاقه وحب الرفاق له، هذا الرفيق المناضل من العائلة
الشيوعية المعروفة في الديوانية، التقى أبو سحر مع صديقه الشهيد أبو
كريم وكان يومها يعمل في فصيل السجن، ومنذ الساعات الأولى وبمزحة
الشهيد أبو كريم مع الشهيد أبو سحر وضعه في السجن وقال له: (لازم
تعترف)، فرد أبو سحر (ولك عليمن اعترف وهو شعندي أنا؟)، وبين رد أبو
كريم وصياحه الذي كان يصل إلى م/ القاطع وجميع الرفاق يعرفون بمقالب
أبو كريم مع أبو سحر، جاء أبو تحسين واحد الرفاق من المكتب لكي يصدر
الأوامر بتخلي أبو كريم عن الرفيق، وانتهت المزحة بعد ساعة من الأخذ
والرد وهذا المزاح الذي أضحكنا كثيرا، ثم اخذوا بعد ذلك يغنون ويرقصون
حتى وقت الغروب.

في فصيل السجن عام 1981 كان الإداري النصير يوسف النجفي وهو من بيت
كمال الدين كان حقانيا جدا في توزيعه للمواد على الأنصار ولما كان
الشهيد أبو كريم والآخرون لا يشبعون فقد أرادوا تبديله والسبب أن أبو
يوسف يجلب الأرزاق بطريقة سوق عكاظ من مسؤول المخزن الرفيق أبو محمود
بان يأخذ مثلا كفين من العدس أو ثلاثة من الفاصوليا أو الحمص وكانت كفه
صغيرة ولهذا وطول الوقت يكون ثمة قصور في المواد، المهم عملوا انقلابا
ابيض على الشهيد أبو يوسف أصبح الشهيد أبو كريم الإداري ومن المعروف أن
أبو كريم هو عامل بناء وكفه كبيرة وعندما يريد أن يأخذ (يغرف) من هذه
المواد فنحصل على كمية كبيرة من المواد الغذائية لهذا أصبح الطعام كثير
وزاد منه وشبع الرفاق وحين تأتي مفرزة تابعة للديمقراطي وتمر قرب
الفصيل يصيح أبو كريم بعلو حسه ـ كرمكـــــــــــــــه، كرمكه، ويعنى
تفضلوا. بعدها طلب من الفصائل الأخرى أن تبعث رسائل تأييد لتعينه في
هذا المنصب وبالفعل أرسلت الفصائل الثلاث وحتى مجموعة من منظمة كوك
ببرقيات تهنئة، إزاء هذا المزاح زعل رفيقنا أبو يوسف بشكل كبير وعلق:
هل يعني أريد للرفاق أن يجوعوا؟
في اليوم التالي لعملية اقتحام ربيئة كركي في زاخو من قبل سرية 47
اجتمعت المفرزة لتقييم العملية وقد أثنى الرفيق أبو جلال المستشار
السياسي للمفرزة على الرفاق وقال وبشكل ثوري و حماسي: انتم أيها الرفاق
نواة الجيش البروليتاري والذي سيبني العراق الحر الديمقراطي. انتم أيها
الرفاق اعتماد الحزب..الخ. فجأة قاطعه أبو كريم قائلا: (ياحزب يا
بروليتاريا، احنا صايرن
مثل منظمة أيوكا اليونانية)
مما دفع الرفيق أبو جلال إلى قطع خطابه والإمساك بعصا صغيرة وملاحقة
أبو كريم وهو يقول مازحا: (انعل أبو الدزك عليه) وسط مرح وضحكات الرفاق
الجالسين.
|