|
مسيرة الجمال والنضال-57-
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(
الفصل الخامس)الأخير(
الخروج من كردستان العراق
[ 46 ]
ضم حركة الأنصار إلى الإقليم
في اجتماع حزيران 1988 قررت اللجنة المركزية إلحاق حركة الأنصار بمنظمة
الإقليم. رحل بعض من أعضاء المكتب السياسي وبدأت قيادة الحزب الأخرى
وكوادره بالسفر إلى الخارج، كان هذا القرار ذا تأثير سلبي على البعض من
الرفاق. اذكر عندما التقيت مع احد قادة الحزب (ا ع) الذي كان متأثرا
جدا، قال لي بالحرف الواحد (شفت يا رفيق ماذا عملوا أنهم يريدون إنهاء
الكفاح المسلح بهذه الطريقة) وقد كنت ولازلت مع رأيه لأنهم هدموا ما
بنيناه طيلة ثمان سنوات من العمل والكفاح والنضال والتضحيات الجسام
وقال لي (يا رفيق لا يوجد عندي غير الحزب وأكثر عائلتي موزعة وقد فقدت
زوجتي وأنا أنصحك وادعوك أن تعشك الحزب كما تعشق فتاة جميلة تحبها أنت
فهو حزبك الذي لن يموت.(
كان
القرار غير موفق وجاء ونحن في ظروف بالغة التعقيد خاصة بعد انتهاء
الحرب العراقية الإيرانية ثم الهجوم على حركة الأنصار وما سمي بعمليات
الأنفال سيئة الصيت، على أية حال هذا القرار جاء على ضوء الصراعات بين
العمل الحزبي والعسكري والتي أخذت حيزا غير قليل من المناقشات. وجراء
هذا القرار اتخذت كثير من الإجراءات التنظيمية والعسكرية وحتى السياسية
لتنفيذه وبعضها كان ارتجاليا، رغم ما يقول البعض ( لم تتح الفرصة
الكافية لامتحان هذا لقرار على ارض الواقع وخاصة في تلك الظروف الصعبة،
مما كلفنا خسائر كبيرة) ـ من وثيقة تقيم حركة الأنصار التابعة للحزب
الشيوعي لعراقي في الفترة 1979 ـ 1988ص 98
).
[47]
اقتحام الحدود والأسر
في حزيران من عام 1988 تهيئنا في مفرزه للذهاب إلى لولان حيث المكتب
السياسي، تلك المفرزة كانت ستأخذ معها الرفيق أبو زكي. كان معي أبو
خالد وأبو أيار وبعض الكوادر الحزبية، تحركنا حتى وصلنا إلى قرية زيته
الحدودية، انقطع الطريق وبقينا يومين، التقينا بمفرزة الأخوة في كادحي
كردستان بقيادة قادر عزيز إضافة إلى الدكتور رزكار وبهنام وآخرين، كان
لقاء جميلا مع هؤلاء المناضلين الذين كنا نعرفهم لأننا في موقع واحد.
بدأنا
نناقش في كيفية العبور، حيث كان الأتراك يسيطرون على الطريق ولا يسمحون
لنا به، كذلك كانت الطريق العراقية صعبة أيضا خاصة مياه النهر الذي لا
نستطيع عبوره، حيث كان منسوب ارتفاع مياه النهر عاليا نتيجة الثلوج
وذوبانها في الصيف. تجمع الكثير من البيشمركه ومنهم (ئالاي شورش) وهو
حزب يساري صغير. كان عددنا حوالي ثمانين مقاتلا من مختلف الأحزاب ولا
ندري ما العمل، تم الاتفاق على إرسال مجموعة استطلاع، ذهبت مجموعة
الاستطلاع وعادت بعد يومين لتقول، إن منسوب المياه عال والأتراك
يتواجدون بين الحين والحين في المنطقة ولا يوجد جسر وسنحتاج حبلا وإطار
سيارة داخلي وغير ذلك من الأشياء، كان معنى ذلك أن الوضع صعب للغاية.
تمت مناقشة هذا الأمر من قبل المسؤولين في هذه الأحزاب. بالنسبة لنا
فقد أصبح بعض رفاقنا مرضى، والبعض الآخر كانت لديه قضية مع المكتب
السياسي ورفاق آخرون يحتاجون مساعدة الحزب للسفر إلى عوائلهم، بعد أن
قضوا سبع سنوات في الجبل، أنا كنت مريضا بسبب إصابة في ساقي وهكذا كان
الأمر بالنسبة للرفيق أبو زكي الذي كان يريد السفر إلى عائلته.
تمت مناقشة الأمر بيننا ونحن جالسين أكثر من خمسة عشر يوما في (زيتة)
القرية الحدودية لتركيا، تم إرسال اثنين من كل حزب (حزب كادحي كردستان
وحزب شورش)، كان الأمر يحتاج إلى رفاق يعرفون السباحة جيدا، كان
المفروض أن اذهب أنا هذه المرة، لكن إصرار الآخرين على شرط أمكانية
السباحة بشكل جيد كان الأساس في الاختيار لان رفاقنا سوف يربطون جسرا
بدائيا فوق النهر قرب (عادل بك) تم الاتفاق على أن يذهب الرفيقان أبو
نادية وأبو محمود. حضرت المجموعة نفسها للقيام بمهمتها الصعبة
والخطيرة. بالنسبة لنا قمنا بشراء حبل بطول عشرين مترا لكي يساعد في
سحب الشجرة. ذهب الرفاق في المساء، كان مجموعهم ستة من البيشمركه وكان
حديث الناس يشير إلى أن الشيوعيين سوف يفتحون الطريق خاصة وهم يملكون
حبلا. انتشرت الشائعات بين الفلاحين في المنطقة. وبالتأكيد وصلت تلك
الشائعات إلى الأتراك، هذا إضافة إلى أن بعض القوى الإسلامية في
المنطقة لم تكن تريد لنا ذلك. كنا قد اتفقنا مع المفرزة أن نأتي بعدهم
وعلى نفس الطريق في اليوم التالي وبعد أن يجهزوا كل شيء لنا.
تهيئنا بالفعل وصعدنا الجبل الواقع في ظهر قرية زيته مساء، لكي لا يعلم
الآخرون خصوصا الفضوليين منهم بعد حوالي ربع الطريق وإذ بنا نشاهد احد
الأشخاص كان يقترب منا وهو منهك تماما. عند الاقتراب منه وكنت في
المقدمة مع احد أعضاء (كادحي كردستان) وهو بيشمركة من (حزب شورش) في
حوالي العشرين من عمره، سألناه ما الذي كان يجري، فقال إن الأتراك
أمسكوا الرفاق وانه قد تمكن من الهرب بعد مقاومتهم. وجدنا أثر إطلاقة
في شرواله. تجمعنا حوله ونحن مندهشون من تلك الأخبار السيئة. تبين فيما
بعد وبعد وصولهم واستطلاعهم المنطقة لم يجدوا ما يعيق عملهم، بدأوا
بعملهم في قطع الاسبندار وسحبه ليكون جسرا، واستطاعوا العمل لساعتين
بجد ومثابرة، وحين كادوا أن ينتهوا من عملهم على الطرف الآخر من الجسر،
كانت الإخبارية وصلت فيما يبدو إلى الأتراك، فوصل المكان حوالي مائتي
مسلح من الجندرمة وكذلك الطائرات التي أطلقت مدفعيتها صوب الهدف وكذلك
قنابل التفجير اليدوية وقذائف المدفعية من قبل المهاجمين. اختبأ الرفاق
في إحدى المغارات، بعد ذلك طوق الأتراك المكان وقالوا سلموا أنفسكم وقد
سلم خمسة من البيشمركة أنفسهم إلى الأتراك الذين لم يستطيعوا مقاومة
البيشمركة إلا بعد أن حرقوا المنطقة بقذائفهم. أما بالنسبة إلى هذا
البيشمركة الذي التقيناه في الطريق فقد قال انه كان حرسا وأثناء سماعه
للأصوات واقترابها لم يستطع أن يخبرهم وانه نادى عليهم لكنهم لم يسمعوه
وهم في زحمة العمل، وصوت المياه وجريان المياه النهر كان مدويا، ولهذا
قاومهم فأطلقوا النار عليه وأضاف وهو يرينا شرواله: ها هو شروالي
أمامكم وقد أصيب بطلقة، ومنذ يوم أمس وأنا جائع لم أضع شيئا في فمي. لم
نصدق هذه الرواية لأنه غير مجروح، وقلنا من ممكن أن ينزع الواحد شرواله
ويطلق عليه طلقة ويقول هذه علامة على الرمي، اعتقدنا انه كان نائما وقت
مجيء الأتراك، مع ذلك لم يكن أمامنا شيء نفعله رجعنا إلى قرية زيتة،
بعد ذلك كان علينا أن نخبر قيادة الحزب بما جرى لنا ذهبت أنا والرفيق
اشوان من رفاق حزب توده الذين كانوا ضيوفا عندنا إلى الحزب الديمقراطي
الكردستاني الذي كان مقره قرب قرية برزان الذي يبعد عن زيته حوالي ثلاث
ساعات ونصف أخبرناهم بأننا نريد إرسال برقية إلى قيادة حزبنا عبرهم
وروينا لهم الحادثة، المهم بعد جدل واخذ ورد أرسلت برقية إلى م/ س
لحزبنا أخبرناهم فيها بالذي جرى لنا. أما رفاقنا والآخرون الذين تم
أسرهم فقد جاءت طائرة إلى معسكر في قرية زيتة التركية الحدودية ونقلتهم
إلى ديار بكر كما قيل. بقينا في قرية زيتة العراقية ( توجد قرية بنفس
الاسم زيته واحدة في الجانب التركي والأخرى في الجانب العراقي ) إلى أن
تم الاتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني حيث ازداد عدد البيشمركه في
القرية وكان بعضهم مرضى وجرحى، عند ذلك سمح بالعبور وتحت إشراف الجنود
الأتراك إلى مناطق (لولان وكلي ره ش) والى إيران، ( بالنسبة إلى
رفاقنا، بقي في السجن عند الأتراك حوالي أكثر من سنة، عند ذاك أطلق
سراحهم بعد أن دفع الحزب الملايين من الليرات التركية من اجل حريتهم
وإنقاذهم من قبضة الأتراك.(
عند عبورنا توزعنا كل واحد منا إلى مهماته، أنا بدوري اتجهت إلى
(خواكورك) حيث يوجد د. أبو يسار بعد فحصي بشكل جيد وكان يساعده الرفيق
كاوه، قال لي (رفيق لازم تذهب إلى إيران للعلاج فالركبة تحتاج إلى علاج
سريع وهي مصابة نتيجة التعب والإرهاق، لان العضلات عندها كانت متعبة
للغاية ومتهدله نوعا ما، إضافة إلى وجود أمراض أخرى)، ولكن قرار الحزب
أمر آخر، بدل أن يكون الطب ورأي الطبيب فوق قرار الحزب، كان العكس حيث
رأى الحزب أن يلغي قرار الطبيب الأمر الذي أدى إلى مشاكل كثيرة مع
الرفاق وقيادة الحزب، حيث اعتبر قرار الطبيب مجرد رأي وهذا في رأيي
واحد من اكبر الأخطاء التي واجهتنا، حيث يمكن أن لا يكون بمقدور بعض
الرفاق على سبيل المثال ولا بد من إعطاء الفسحة والمجال للراحة من
النفسية أو الصحية. كان لا بد من دراسة معينة للرفاق القدماء الذين
جاءوا في عامي (1979 و1980) إلى كردستان وإعطائهم فرصة للراحة والإجازة
للذهاب إلى الخارج، حتى يجد شريكة حياته ويتزوج، لكن هذا لم يكن مع
الأسف، أي لم يتم التخطيط له.
كانت
بعض القرارات ارتجالية، وبقي الرفاق القدماء بعد إن أنهكوا من جراء
التعب والإرهاق الذي دخل في عمر الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين
أصبح عمره بعد هذه السنوات أكثر من ثلاثين عاما وهم دون زواج، وهذا
الأمر لم يكن فيه جانب يرقى إلى الإنسانية، حيث أننا كشيوعيين أكثر
الناس شعورا بالإنسان واحتراما له، والإنسان كان دائما رأسمالنا فكيف
إذا كان هذا الإنسان هو من رفاقنا. على أية حال كانت هذه من الأخطاء
الكبيرة أيضا التي تركت أثرا نفسيا عميقا لدى البعض من الرفاق. قال لي
احدهم وهو من الرفاق القدماء ومن البيشمركه ومن الذين لعبوا دورا
بطوليا مشهودا له هو الرفيق أبو إدراك (والله لو اطلع للخارج بعد ما
ارجع، لو قبل ثلاث أو أربع سنوات لرجعت، لكن الآن متأخر.(
لقد أفنى هؤلاء الأنصار شبابهم في مرحلة الكفاح تلك وقبلها وبعدها. كان
علينا أن نقدرهم بمستوى بطولاتهم وتضحياتهم التي جعلت اسم حزبنا في كل
بيت وقرية ومدينة، من مدينة السليمانية حتى زاخو في دهوك، وهم يجوبون
الأرياف وكانوا يعيشون الخوف والضنك والقلق وصعوبات الحياة بكل
تفاصيلها. كان النظام الفاشي يقول عن حزبنا انه انتهى وبغير رجعة لكنه
كان حيا شامخا بهؤلاء الذين أتحدث عنهم بهذه الصفحات، لكن أولئك
الأوغاد الذي بشروا بنهاية حزب الشيوعيين العراقيين كانوا يجهلون تماما
أي حزب هذا الذي استبشروا وهم واهمون بنهايته، كانوا لا يعرفون أن
الحزب الباسل الذي ولد وترعرع بين الناس البسطاء والكادحين وأصبح
تاريخه تاريخا ناصعا للعراق وللعراقيين ولا يمكن أن يغفل حتى أعداء
الحزب الشيوعي العراقي انه سجل بنضاله على مدى سنوات طوال ضد الاستعمار
والرجعية والإقطاع وكل من يقف ضد طموحات شعبنا، سجل تاريخا كتب للعراق
ويفخر به العراقيون، وها هو الحزب ينهض من جديد برفاقه الشجعان من
الصعب على فاشيين جهلة أن يدركوا أهمية وخلود حزب خرج من رحم الحلم
الشعبي في العراق، ولا يمكنهم أن يدركوا أن حزبا كحزب الشيوعيين
العراقيين خالد بخلود الشعب العراقي الذي ظل عمره دائما أطول من عمر
جلاديه.
لقد ناضل الحزب ضد أعتى دكتاتورية في العالم وأكثر الحكومات فاشية، حيث
لم يسلم منها البشر والحجر والحيوان والنبات والماء حيث تجفيف الأهوار
والجرائم الكبرى المعروفة في استعماله السلاح الكيمياوي والمقابر
الجماعية والأنفال... وغيرها وغيرها، علينا كشيوعيين أن نفتخر لأننا
حاربنا في زمن ومرحلة معينة تلك الفاشية التي أهدرت كرامة المواطن
العراقي.
|