|
مسيرة الجمال والنضال-52-
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(
[ 41 ]
المفارز إلى لولان واستشهاد موناليزا
ذهبت في مفرزة لإيصال الرفيق أبو ماهر( ثابت حبيب العاني عضو ل/م عبر
طريق زيته)، كان آمر مفرزتنا الرفيق زكي الجنيدي. على طول الطريق كان
الرفيق أبو ماهر يتحدث لنا عن ذكرياته عن الحزب والرفاق ومواقفهم
البطولية وعن حياته وعن ابنه ماهر الذي قتل في الحرب العراقية
الإيرانية، اذكر واحدة من تلك الذكريات يقول: (في حرب تشرين 1973 أرسل
صدام بطلب الحزب للتشاور، وكنت كما يقول مع الرفيق زكي خيري عضو م/س،
قلت لأبو يحيى لو سألنا صدام ما هو موقفكم من حرب تشرين، وهل نوافق على
إرسال جيش إلى سوريا؟ كان هذا أثناء ذهابنا إليه ونحن في السيارة،
ويقول بصراحة كان الحزب لم يتخذ بعد قرارا في هذا الأمر، قال لي نعم
نوافق وقلت أنا نفس الرأي يجب إرسال جيش لمناصرة سوريا لأنها قضيتنا
ونحن عرب، حين التقيناه قال باعتزاز اثمن موقفكم، تحدث لنا عن ذكريات
كثيرة لا مجال للحديث عنها. كانت فترة وصلنا إلى لولان 8 أيام وهي رحلة
طويلة لأننا أخذنا الطريق الآمن.
في هذه الزيارة شاهدت للأول مرة متطوعي حرس الثورة الإيرانية ويسمون (
باسدار)، بعضهم يعملون في الأشغال (فتح الطرق بواسطة المكائن والشفلات
والتركتورات ) وذلك لفتح الطرق أمام الآليات وسيارات وحاملات المعدات
الحربية، ونحن في الطريق نشاهد الهلكوبترات الإيرانية في كلي رش وهي
منطقة عراقية قرب لولان وهي على ارتفاع منخفض، وبالقرب من مقرات الحزب
الشيوعي العراقي بنوا كبرات كبيرة بعد أن قطعوا كثير من الأشجار في
المنطقة لكي تسهل عملية البناء أمامهم، وعندما سألنا بأي حق يقومون
بالدخول إلى أراضينا قالوا هذا اتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني
على دخولهم الأراضي العراقية، صادفناهم أكثر من مرة لا نتحدث معهم ولا
نجاملهم ولنا موقف واحد بان لا نتعاون معهم أو نساعدهم، وبالنسبة لنا
أخذت هذه القضية أي دخول الإيرانيين أراضينا حيزا من النقاشات في
اجتماعاتنا الحزبية ونقاشاتنا في الندوات العامة.
بسبب طول الطريق بين لولان وبهدينان والذي يستغرق مابين ستة وسبعة أيام
وأحيانا أكثر من ذلك وحسب الظروف الطبيعية وقدرة الرفاق في المفرزة على
التحمل، أو إذا كانت هناك حيوانات أم لا..
في عام 1986 تقاسمنا الطريق مع الرفاق في لولان هم يصلون إلى نهر الشين
ونحن كذلك، في هذه المرة جاءت مفرزة لولان التي عادة ما كان يقودها
الرفيق أبو رائد وهو الدليل الذي جال في هذه المنطقة مع أبو مكسيم وأبو
عبيس وآخرين كانت لهم مواقفهم الشجاعة وإقدامهم على تحمل مسؤولية
كبيرة، لقد تحملوا الويلات من الكمائن التركية والعراقية وفيضانات
المياه والجوع والحرمان وتحمل حمولة الحيوانات وربطها وتعب الليالي
الطويلة حيث أن السير كان ليلا دائما، والكثير منهم عمل على الطريق بين
هيركي وسوران وناوزنك وطريق بهدينان، ولا أنسى ذلك الرجل البطل ملا
عثمان (معميلي بالسلاح) ومام خضر وغيرهم من الأنصار، أنهم أبطال
حقيقيون مجهولون في معمعان النضال.
كان معي هذه المرة الرفيقة أنسام التي أكملت معها الدورة العسكرية قبل
حوالي شهر، كل أغراضها وضعت معي لحين وصولها إلى نهر الشين، سلمتها
هناك، والتقينا مع المفرزة القادمة من لولان، تبادلنا البريد والأغراض
المرسلة من الجهتين حيث عبرنا إلى الجهة الثانية من نهر ( الشين ـ
ومعناها الأزرق )، بعد حوالي ثلاث ساعات ودعنا بعضنا بمودة واحترام، كل
مجموعة عادت إلى قاطعها ومن الرفاق ثائر العامل وأبو بدر وأم بدر وزهير
وهادي وأبو جمال وغيرهم. وصلنا المقر بعد ثلاثة أيام، سمعنا (أن الرفاق
الذين ذهبوا إلى لولان وقعوا في كمين تركي في الجبل الذي يطل على قرية
زيته العراقية ومن الجانب الآخر كلي عادل بيك ثم إلى الدشت وكلي رش
ولولان). برغم من أن هذه المجموعة أرسلت رفيقين في البداية للاستطلاع،
إلا أن الجنود الأتراك أطلقوا النار عند مرور المفرزة وقد رد الرفاق
عليهم ولكن بشكل عشوائي، جرح منا رفيقان واستشهدت الرفيقة أنسام وبقيت
جثتها في المكان نفسه، يقال أن أهل القرية دفنوها في مقبرة القرية
التركية بعدها تفرقت المفرزة إلى قسمين قسم رجع إلينا والقسم الآخر
واصل المشوار، كانت الرفيقة تحمل مسدسا وبعض أشيائها الخاصة.
حزن
الرفاق جميعا لخسارة الرفيقة أنسام (موناليزا هو اسمها الصريح) كانت
إحدى الكوادر الحزبية المجربة، عملت عن قرب مع م/ السياسي وهي من عائلة
شيوعية معروفة لديها ثلاثة أخوة معنا في الأنصار ولها أخت شهيدة
الرفيقة سحر التي أعدمها النظام الدكتاتوري وهي في عمر الزهور عشرين
عاما، قلت حينها للرفاق أول البارحة كنا نتحدث عن الحزب وسياسته، أنها
انسانة بمعنى الكلمة إضافة إلى أنها مناضلة صلبة لقد تأثرنا جميعا
لخسارتها.
توقف البريد بسبب تشدد الأتراك وقطع الطريق على البيشمركه، لكن بعد
فترة فتحت الطريق وبموافقة الأتراك نتيجة ضغوط من القوى الكردية، منها
الحزب الديمقراطي الكردستاني وغيره.
[ 42 ]
هجوم قوات النظام
في صيف عام 1986 اقتحم الأنصار مدينة مانكيش وذلك بالتنسيق مع بيشمركة
الحزب الديمقراطي الكردستاني. سيطروا على مدرعتين ومجموعة سيارات
وأجهزة لاسلكي ومواد أخرى. تلك العملية كسرت عنجهية النظام وكذبت ما
كان يردده أتباعه بعدم وجود معارضة ولا قوى وطنية معارضة للنظام. فقد
تم جلب مدرعة قام بقيادتها الرفيق نعمان الذي كانت المدرعات والدبابات
من اختصاصه.وقد تم توزيع الغمائم بيننا وبين الحزب الديمقراطي (
المدرعات والسيارات والأسلحة المختلفة)، وهي بالنسبة للسلطة خسارة
كبيرة حيث انهارت قواتهم من الأفواج الخفيفة وبعض الربايا، وعلى ضوء
هذه الخسارة أرادة السلطة أن تفرض هيبتها على المنطقة بإعداد لهجوم على
قوات البيشمركة ومن المسلحين من الأهالي الذين يساعدون البيشمركة.
في نهاية عام 1986 وصلتنا أخبار من الداخل بان النظام الدكتاتوري يعد
للهجوم على مناطق الفوج الأول مقر (مه راني) شمال منطقة فايدة وجميع
القرى المحيطة بالمنطقة حتى مناطق برزان وبيرموس وسواره توكه وبمساعدة
الجحوش التابعين للسلطة في المنطقة. تقدمت السلطة بمئات من جنودها
ومرتزقتها مزودين بمختلف الأسلحة والاليات، تم تجهيز مفرزة من سرية
المقر لدعم الفوج الأول بقيادة أبو جوزيف، كنا عبارة عن مجموعة جيدة من
رفاق السرية. بالفعل بدأ هجوم النظام في اليوم السابع من كانون الثاني
من عام 1987 على المنطقة وبدأ قصف السلطة على المنطقة وعلى القرى
المحيطة بهما وبدأت المعركة واستمرت طيلة خمسة أيام وقد وصل المقاومون
من أبناء المنطقة وبيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني لقد كانت
المعركة ضارية، توزعنا على التلال والجبال التي كنا نعتقد أنهم سيأتون
منها كانت الظروف الجوية سيئة للغاية. الثلوج تغطي المنطقة بكثافة
والبرد شديد للغاية، والمشكلة إننا لم نكن نستطيع إشعال نار للتدفئة
على الإطلاق.
استشهد
منا الرفيق النصير جنان في القلعة وجرح رفيقان احدهم كان الرفيق أبو
أنيس بإصابته بيده بعد تلك الأيام التي لم يحصل النظام أي مكسب عسكري
من وراءها ولم ينجز أي انتصار انسحب محملا بخسارته الكثير من جنوده بين
قتيل وجريح. كانت المعركة قد بدأت قبل وصولنا بليلة واحدة، أي أثناء
التوجه لفوج مراني.
في نهاية كانون الثاني رجعنا إلى مقر سريتنا بعد مشاركة فعالة من قبلنا
جميعا.
مرت الحياة طبيعية بعد هذا الهجوم حيث رجعنا إلى قواعدنا لممارسة
مهماتنا الأخرى. احتفلنا بيوم الشهيد الشيوعي في الرابع عشر من شباط،
وهو اليوم الذي استشهد فيه قادة الحزب الأماجد عام 1949 على أيدي
النظام الملكي. علقنا الصور المتوفرة من شهداء الحزب والحركة الوطنية
العراقية، إضافة إلى الحديث عن مآثرهم وبطولاتهم.
الحزب الديمقراطي الكردستاني ورفاقه كانوا دائما يشاركوننا أفراحنا،
خاصة عيد تأسيس الحزب، ونحن كذلك نشاركهم أفراحهم وكذلك الحزبين
الجديدين في منطقة زيوه الحركة الديمقراطية الآشورية كادحي كردستان
بقيادة قادر عزيز ( لقد قدمنا مساعدات كبيرة إلى هذين الكيانين
السياسيين خاصة في مجال العتاد والسلاح والمال والمشورة والتعاون وغير
ذلك، وأنا شخصيا كنت آخذها إليهم وبطلب منهم
).
مرت الأشهر الربيعية بنوع من الاستقرار والهدوء، حيث أثرت الحرب
العراقية مع إيران أثرت تأثيرا كبيرا على الجيش العراقي، وكذلك على
المرتزقة الذين شاركوا النظام في حربة.
في أيار من عام 1987 قامت سرية العمادية بعملية قصف لموقع عسكري في
العمادية، مجموعة العملية تتكون من أربعة رفاق منهم أبو حيدر وسليم
أثناء تلقيم قذيفة المدفع انفجرت القذيفة مع المدفع على المجموعة،
خسرنا احد رفاقنا هو الشهيد سليم، أصيب أيضا رفيقه أبو حيدر في ساقيه.
كان سليم رفيقا هاديء الطبع جديا في عمله ونموذجا للشيوعي الملتزم.
استقبلنا الجريح أبو حيدر في المستشفى الذي كنت ارقد فيه في نهاية
أيار.
مناورة فاشلة
من اجل معرفة مدى تهيئة الأنصار وردود فعلهم في حالة ضرب المقر من قبل
العدو، حيث سبق وان قام النظام بإرسال عملائه أكثر من مرة وتم ضرب مقر
الحزب الديمقراطي الكردستاني عند الغروب حيث تم استنفار قوات البيشمركة
الذين كانوا متواجدين في منطقة زيوه بحثا عن المهاجمين. وفي عملية أخرى
جرى ضرب مقر الدوشكا التابعة لسريتنا المتواجدة في قمة الجبل المطل على
كلي زيوه. أقمنا مناورة عسكرية لمقر زيوه حيث تم تكليف الرفاق م /
فائز و م / نعمان وعدنان أبو القح في القيام بضرب المقر بقذائف ا ر ب ج
والكلاشنات وقد حدد الوقت والمكان بحيث يكونوا هم في القمة التي هي
مقابل سرية المقر من جهة المقبرة وان لا يعلم بها احد سوى المسؤولين في
المكتب السياسي ومكتب السرية والقاطع إضافة إلى إعلام الحزب الديمقراطي
الكردستاني بذلك، ولكن أثناء إطلاق قذيفة ا ر ب ج على المقر انفجر
القاذف بيد رفيقنا ملازم نعمان، ويذكر لي الرفيق ملازم فائز الذي كان
معه ـ وجدته مطروحا على الأرض وفي يده زناد الرمي ويقول لي جرحت، حيث
جرحت يده وجزء من خشمه ( انفه )، ويقول كان الرد سريعا حيث كانت
اطلاقات الدوشكا وسلاح 14 ونصف كثيفة علينا إضافة إلى الأسلحة الأخرى ـ
وانتهت بهذا الحدود ولم تنجح المناورة.
|