|
مسيرة الجمال والنضال-
-
43
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(
[ 34 ]
مستشار سياسي
على ضوء اجتماع لمقر السرية وبموافقة م/ القاطع تم تعييني مستشارا
سياسيا لفصيل الإدارة. كان بودي أن أكون مستشارا لفصيل المقر إلا انه
تم تعين الرفيق أبو سعد الذي يعمل في الإعلام مستشارا لفصيل المقر وبقي
الرفيق آزاد مستشارا لفصيل السجن. كنت مرتاحا لهذا القرار. فكرت في
كيفية مواجهة هذا الفصيل المتنوع التفكير والمزاج والمهمات الصعبة
ابتداء من نقل التموين والحفاظ على الحيوانات (البغال) والمشاركة في
المفارز، وحتى الأنصار الضيوف الذين يأتون من اجل الذهاب إلى الخارج من
المرضى والجرحى وغير ذلك من المهمات الكبيرة التي يجب أن تنفذ في هذا
العدد الذي يشكو بعضه المرض والتعب والملل والبعض منهم كبار في السن
وبعضهم استثنى بقرار وما إلى ذلك.

في مقر القاطع ومع وجود فسحه جيدة من الأراضي، قضينا وقتنا في الرياضة،
في لعب كرة القدم والطائرة. أكثر من ذلك فقد أقمنا دورة لكرة القدم بين
الفصائل الثلاثة، كانت الغلبة فيها لفصيلنا فصيل الإدارة والذي قد حصل
على عشرين دينارا. أقمنا على ضوء هذا الفوز سفرة في كلي زيوه تحت إحدى
الأشجار على الزاب، هناك صدح الغناء وأقيمت والمطاردات الشعرية بين
مجموعتين منا، ولأول مرة نشتري طعام خاص من دجاج وغير ذلك. كما أشرت أن
مهمات الفصيل كانت كبيرة جدا. عملت بجد ومثابرة من اجل نجاح عملنا
العسكري والحزبي والإداري. في البداية كان معي الرفيق سامي آمر فصيل
الذي تعلم اللغة الكردية عندما كان في أربيل وهو مقاتل جيد وله مشاركات
كثيرة، إلا انه عصبي المزاج أحيانا. كنت وبحكم صداقتي وعملي اخفف عنه
هذه العصبية التي بعضها يأتي على حق وبعضها يحتاج إلى الصبر إضافة إلى
انه الوحيد الذي يعرف شد الحمل على الحيوان وهو دليل جيد بين بهدينان
ولولان. نتيجة لهذه المشاغل أصبح الرفيق آشتي آمر الفصيل وهو من الرفاق
المعروفين في المنطقة وبيشمركه قديم كما ذكرت سابقا.

أما الرفيقة الإدارية الهادئة أم نصار الطيبة جدا فتحتاج للمتابعة
لدفعها لمتابعة مسؤولية الإدارة. أما بقية الرفاق بعضهم ملتحق والآخر
مرشح للحزب والضيوف والرفاق الآخرين وأمزجتهم إضافة إلى م/السرية
القريب منا والمحسوب علينا في الطعام ينتقد الأمور على طريقة الخاصة.
لكن مشاركاته في عملنا لم تكن بالمستوى المطلوب. كانت في الفصيل أيضا
كوادر حزبية متنوعة من محققين ولدارين كلهم في هذا الفصيل العتيد. في
هذه الأجواء علينا العمل وفق المهمات المطلوبة منا، مع ذلك خلقت أجواء
جيدة للعمل السياسي من خلال المحاضرات والندوات وحتى الحفلات.
أما
الجانب الإداري ومتابعة الحيوانات فقد اضطلع به رفيق متخصص في متابعة
البغال مع انه رفيق مهندس معماري متخرج من إحدى الجامعات الإيطالية، هو
الرفيق أبو نادية الذي أجاد في عمله واستطاع أن بتابع الحيوانات
بطريقته الخاصة وأعطى لكل بغل اسما على لونه أو خاصية معينة فيه، أعطى
لبعضها أسماء مثل زيكو على اسم لاعب الكرة البرازيلي، وعزة على اسم عزة
الدوري، كان يداوي المريض والمجروح ويحدد مكان هذا البغل هنا أو هناك،
كان الرفيق محط اعتزاز الجميع بسبب هذا الدور الذي يقوم به، حيث هيئنا
مكان للبغال، هي عبارة عن قاعة كبيرة على الجانب الأيسر من مقراتنا.
من الأمور الأخرى التي كانت جميلة لعبة الشطرنج، خاصة بعد الغداء وفي
أيام الصيف وتحت ظلال شجرة الجوز الكبيرة، كنت أنا والرفيق أبو رشدي
نلعب الشطرنج والخاسر منا يقوم بغسل الصحون، وكنت دائما الأكثر خسارة
لذلك كنت اغسلها عندما يذهبون للقيلولة، ولكن وبمرور الأيام رفضنا ذلك
لان الكثير كان يرمي صحون الطعام ويذهب ونحن نبقى نلعب لثلاث مرات لكي
يغسلها احدنا.

كان الرفيق أبو نصار من أكثر الذين يحبون اللعب، كان يبقى لساعات، خاصة
عندما يأتي الرفيق يونس بطل جامعة بغداد في الشطرنج من الفوج الثالث
يحب اللعب معه ونحن الجمهور الذي يتابع اللعب بشغف ولهفة عندما يفوز
أبو نصار ينفش ريشه كالديك المنتصر، أما عندما يخسر يتحجج بالكثير من
الأمور وهو معروف بنقاشه الذي ليس له نهاية. من الإشكالات التي حدثت
لنا في الفصيل، من هو الذي يقوم بتجهيز طبابة الأسنان بالخشب خاصة في
أيام الشتاء وعليه قامت حملة كبيرة للسرية لكي توفر كمية جيدة من الخشب
أي تقطيع كمية لفترة حوالي ثلاثة اشهر، لأننا في البداية تحملنا أعباء
ذلك حيث كما ذكرت كانت مهماتنا كثيرة.
في هذه الفترة تم التوجه إلى القيام بمزارع خاصة لنا. لكل فصيل أن يؤمن
ذلك لنفسه من خلال ما يزرع، وبالفعل قمنا كبداية منذ صيف عام 1984. تمت
زراعة الباذنجان والطماطة والخيار والباميا والشجر بعد أن تم جلب
البذور من المدينة، كانت أجواء حياتنا طبيعية وقد استقر العمل نوعا
ما، وكثرت مفارزنا وزاد عدد الملتحقين من المنطقة وأكثرهم من العمادية
وقراها ودهوك والقوش وحتى من الداخل. كنا نسمع أخبار رفاقنا في القواطع
الأخرى أربيل والسليمانية وعملياتهم التي تدك النظام وأزلامه ومن خلال
نشاط رفاقنا في التنظيم المحلي وبالتنسيق مع التنظيم العسكري.

كنت اعرف أن لدي صديقا قديما من منطقتي (مدينة الحرية ـ بغداد) حيث كنا
نلعب كرة القدم. لم أكن اعرف انه شيوعي وهو كذلك. لكنهم اخبروني أن
شخصا أو رفيقا يعرفني وهو موجود في أربيل وقد وصل من الخارج عبر
بهدينان. أنا لم التق به وهذا الصديق يعمل في سرايا أربيل وفيما بعد
أصبح مستشارا سياسيا لإحدى السرايا (خوشناوتي) وهو الرفيق إسماعيل الذي
أطلق على نفسه اسم مستعار (فراس). في هذه الأيام سمعت انه سيصل إلينا
لملاقاة احد أقربائه ابن خالته الرفيق أبو ثابت الذي اعتقلته السلطة
الفاشية وعذبته وأعطته سم الثاليوم. على ضوء الاعتقال والتعذيب لم
يستطع السيطرة على تصرفاته. المهم كان لقاء حميميا وصادقا حيث عدنا إلى
ذكريات الطفولة ومشاكل الطرف واعدنا جزءا من تلك الأيام الحلوة على
عوزتها وفقرها إلا إنها كانت جميلة حقا. كان لقاء الدفء والمحبة، كان
فراس طالب معهد الزراعة نشطا جدا في المجال الطلابي (توفي الرفيق فراس
في السويد في مدينة بوروص في حزيران من عام 2000 وبقي انسانا نظيفا).
وكان يعاني الكثير ومن معاناته انه لم يتزوج. لقد حزنت جدا لفقدانه ولم
استطع أن أشارك التشيع. لكن بعد أسبوع من وفاته ذهبت إلى تلك المدينة
وزرت قبره بصحبة احد أقربائي والتقطت صورة للذكرى سأحتفظ بها احتراما
للعزيز الرفيق إسماعيل. وقد كتب خبر مقتضب عن وفاته في رسالة العراق
كان المفروض أن تكون الكتابة بمقدار ما يستحقه المناضلون.
[ 35 ]
صور جميلة من حياة الأنصار
سنوات
العمر في كردستان العراق جميلة بالنسبة لي في كثير من الأمور وبالرغم
الظروف الصحية والمعيشية الصعبة و ضعف متابعة العالم وتطوره، إلا أنها
حياة نضال مفعمة بروح التضحية لأجل مبادئ ناضل الحزب ورفاقه لتحقيقها
ببطولة وشموخ ضد الحكومات الاستبدادية والملكية وهي المبادئ التي قدم
الشهداء أرواحهم من اجلها ومن اجل اجل الحزب، وها هو الحزب برفاقه
الأبطال يجوب كردستان من شمال الموصل ومناطق دهوك إلى السليمانية
واربيل وحتى مناطق من ديالى. الحياة في كردستان وجمالها الخلاب
بوديانها وجبالها وسهولها المترامية الأطراف غاية في الجمال، عيون
الماء المتدفقة بثورة من الجبال هنا وهناك التي كانت تروينا تروي عطش
مريديها وكذلك حياة الناس الفقراء بودهم واحترامهم للأنصار
واليبشمركه ومساعدتهم وتقديم ما يملكون وما نحتاج من طعام واحتياجات
وحيوانات للتنقل، كل ذلك كان دافعا لنا في هذا النضال الذي ترسخت فيه
العلاقة الطيبة بيننا وبين الناس وزاد الاحترام التعاطف فيم بيننا
وبينهم. لا يمكن وصف العائلة التي تقدم كل ما تملك من طعام لضيوفها،
ويبقى أطفالهم أحيانا بدون طعام حيث يأتي إنسان غريب ويلتهم ما عندهم.
مهما نقول فهي تضحية لا توصف لأناس تعلموا منذ الستينات من ثورة أيلول
على هذه الحياة وأصبحت بعض طباعهم الثورية وأخلاقهم مع ضيوفهم الثوار
جزءا من العادات والتقاليد، وشيمة الكرد معروفة في إطعام الغريب، فكيف
إذا كان القادمون مناضلين جاءوا لكي يناضلوا من اجل الخير لهم، على
بساطتهم فان الكثير منهم يفهمون الأمور وهي طايرة كما يقولون. التقينا
بكبار السن الذين يميزون بشكل واضح بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا ،
ويقولون كيف صاحبكم ويقصدون الاتحاد السوفيتي يساعد الحكومة ويساعدكم
(شنو طلقة الكم وطلقه له) وغيرها من التعليقات. كنا إذا نزلنا منطقة في
نيروه يسألنا الناس وأكثر من مرة عن حلف وارشو ودوره الآن. والسؤال
يطرح دائما على الرفيق أبو نهران خاصة عندما تنزل مفرزة الشبيبة
للمنطقة وتقوم بعقد المحاضرات والندوات للمواطنين، الناس على بساطته
حياتهم لديهم أفكارهم الخاصة ولهم رأيهم الخاص في هذه القضية أو تلك،
ولهم مواقف خاصة في هذا الصراع أو الكفاح، نجد فيهم العون والألفة
والدعم. فهم الثائرون ضد الإقطاعيين وضد الاغوات والمستغلين وعلى بساطة
إمكانياتهم فنراهم ساكتين لا يثيرون الأحاديث حول ذلك غير قادرين على
التغير. هذه الحياة علمتنا الكثير من الصبر والتحمل وقدرة المجابهة
والشجاعة وبساطة الحياة وتعلمنا العادات والتقاليد وشاركناهم فيها، حيث
شاركت شخصيا أكثر من مرة في إعراس في منطقة نيره في قرية كاني ساركي.
كنا نشاركهم في إطلاق الرصاص بالكلاشنكوف احتفالا بالأفراح والبهجة
وشاركناهم في أحزانهم أيضا. واحترمنا القبور والمقابر التي تسيج من أهل
القرى حيث يمنع دخولها على الأنصار وكنا نحترم كل العادات والتقاليد
وهذه مسؤولية نفذناها باحترام وبقوة ، لا يمكن وصف الكثير من الشيم
والمواقف التي تشاهدها من هؤلاء الكرد من نساء وأطفال ورجال شباب وشيوخ
، تداخلت حياتنا معهم حتى أن بعضنا تزوج منهم وحتى باختلاف الأديان
والأعراق والقوميات وحتى الأفكار وغيرها وغيرها.
كنا نذهب إلى قرى نيروه أنا مع الرفيق آزاد وسلام تحياتي للزيارة أو
لغرض شراء بعض الحاجيات. لن انسى كيف كانوا يقدمون كيس التتن (التبغ)
لكي ندخن اللف واحيانا هم يلفون لنا السكائر ومن تتنهم. كان سلام
تحياتي لا يستسيغ اللف خاصة عندما تكون لديه فلوس. المهم اخرج باكيت
سكائر سمسون من جيبه اخرج واحدة ثم انهالت عليه (شقه نبه، شقه نبه)
يعني لا تكلف نفسك عندها وجب عليه توزيع السكائر وقد وزع نصف الباكيت
تقريبا على الحاضرين. وكان آزاد يضحك متشفيا به، حيث كان معه سكائر
أيضا لكنه لا يريد أن يخرجها على الآخرين واخرج كيس التتن الذي معه،
وبالمقابل صاحب البيت والحضور رموا عليه أكياسهم وهذه هي عادة عند
أهالي القرى في كردستان، ووضع آزاد بعض التتن في كيسه.
|