|
مسيرة الجمال والنضال--
47
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(
ذو الشعر الأبيض دليل
لا بد لي أن أشير إلى بعض الرفاق الذين أجادوا في عملهم وخاصة في نقل
السلاح والبريد بين بهدينان و لولان. رجل يقرب من الأربعين عاما ذو شعر
ابيض ثلجي ووجه احمر لا يفهم اللغة الكردية تجده متنقلا بين قاعدتين
يسهر الليالي ويمشي أياما وأياما طيلة أربع سنوات. لا يمل و لا يتعب.
عندما يصل إلينا في قاعدة بهدينان يضحك الرفيق أبو رائد بتعليقاته
اللطيفة
.. هذا الرجل ترك طفليه وزوجته وهم في العاشرة من العمر تركهم في
اليمن الديمقراطية ليلتحق في الأنصار وكفاحهم المسلح. ابن بغداد عرف
كردستان والجبال وأسماءها و كل دروب الكليان والعيون وأماكن الاستراحة
ومناطق الأمان. عندما يأتي الربيع نفتقد قدومه حيث كانت مشكلته أيضا في
زيادة مياه الأنهار مما يعيق مسيرته المطلوبة والمفرزة التي معه لان
بعضهم لا يعرف السباحة. بقي في كردستان حتى آخر أيام من الكفاح المسلح.
على الرغم حنانه وشوقه إلى عائلته. كانت مجموعته التي كانت تسايره
الأخطار والتعب والسهر متكونة من (أبو مكسيم وأبو صطيف وأبو العباس
وأبو هادي وغيرهم)، كانوا عناوين الإقدام والتضحية ونالوا احترام الحزب
ومنظماته هناك.
الجحوش والنظام
مع بداية العام الجديد زاد التفاؤل بالأيام القادمة خاصة ونحن نسعى أو
نتمنى أن تضعف السلطة وتتغير بمحاولة انقلابية أو ما شابه ذلك نتيجة
حربها مع الجيران، وهي حرب غير عادلة كون النظام وقع الاتفاقات مع
إيران ثم مزقها، وصدام حسين بالذات هو من وقع ومزق وثيقة الاتفاق.
ازداد هروب الجنود والضباط وزاد عدد القتلى من الطرفين وهذا بطبيعة
الحال يؤثر على الجيش بشكل عام. لكن أسلوب النظام ومراقبته الناس،
وجعله البعض يراقب البعض الآخر حتى داخل العائلة الواحدة، والذي يوصل
معلومة ودسيسة ما يكرم بضعف ما يعطى لمن يكشف مخططا لعمل ما ضد السلطة
الفاشية المجرمة التي أحرقت جيشنا وشعبنا في آتون حرب لا مبرر لها.
وبدأت انسحابات الجيش من المنطقة بشكل واضح، وقد تم تكليف بعض العشائر
الموالية لهم والتي نسميها (الجحوش) بالسيطرة على مناطق محددة وحراستها
مقابل مبالغ من المال لهذه العشيرة وتلك. حتى أن بعض هذه العشائر
والأفراد قد تعاون مع البيشمركه وأرسلوا الرسائل بأنهم لا يريدون
القتال معهم. لان بعضهم من نفس العشيرة التي ينتمي إليها بعض البيشمركة
وهذه مسالة طبيعية. وقد تمت الاستفادة من بعضهم في العمليات والنزول
للداخل وغير ذلك. كذلك نزحت الكثير من العوائل من بغداد والموصل
والمناطق الأخرى إلى كردستان خوفا من الحرب الطاحنة مع إيران ونتيجة
القصف المستمر بين الطرفين وقد ساعدنا العديد من هذه العوائل في
إيصالهم إلى تركيا أو إيران، وكنا نلاقي الاحترام منهم لان مساعدتنا
إياهم كانت دون مقابل. كنا نساعدهم أيضا في تقديم الأدوية وفي الأمور
الصحية والمواد الغذائية والماء والحمل والبغال وغير ذلك (في إحدى
المرات أرسل إلينا في مقرات الحزب بان إحدى النساء لديها ولادة وتحتاج
المساعدة. ذهب رفيقنا أبو وسام وبقي من الليل حتى الصباح ونتيجة تعبه
لم يعرف أن كان المولود طفلا أم طفلة. عندما سألوه قال ولد وتبين فيما
بعد أنها بنت، فاعتذر لهم). هكذا تعاملنا مع أهلنا ومع جميع مكونات
شعبنا العراقي ونال رفاقنا الاحترام والتقدير من هؤلاء الناس* (قرأت
مقالة لأحد المواطنين المحسوب على الإسلاميين يشيد فيها بمساعدة
الشيوعيين له أثناء مغادرته العراق إلى بلدان الجوار). وبالمقابل ازدات
التجارة في عموم المنطقة لمدى حاجة الناس إليها من الملابس والطعام
وغير ذلك من الأمور الضرورية.
في منتصف 1984 أو بالأحرى في أيلول أردت أن التقي مع أهلي. ذهبت إلى
كاني بلاف ومعي أبو قاسم وأبو أثير الدكتور الذي قابل أخته التي جاءت
من الديوانية وكانت تقول له: (اسمع أبو أثير تره ابنك هنا جندي بهاي
الربايا ديرباك تكتلوه). كانت معي رفيقتي عشتار. ولما كنا نسكن في
منطقة قريبة من بعضنا البعض في بغداد، كلفنا احد أصدقاء الحزب وهو من
بامرني (عبدألله) بالذهاب إلى أهالينا وجلب رسائل منهم، بعد أن دفع كل
واحد منا لهذا الشخص مائة دينار. عند وصوله إلى بيت عشتار شكوا به ولم
يقتنعوا به إطلاقا وطردوه. حيث كانوا يعتقدون انه مرسل من قبل الأمن.
أما أهلي فكان موقفهم بين الاستقبال والتحفظ. وفي الأخير رجع رسولنا
خالي الوفاض لم يجلب لنا أي شيء يذكر، مع ذلك اخذ حصته المطلوبة.
[ 36 ]
المعارك مع ب ك ك
في آذار من عام 1985 وصل إلينا الرفيق كفاح وثلاثة رفاق إلى مقر سريتنا
في القاطع. احدهم لم نعرفه سابقا تبين أنهم جاءوا عن طريق قرى نزور
الحدودية مع تركيا مرورا بمقراتنا السابقة التي انتقلنا منها قبل ثلاث
سنوات. بعد ذلك تبين انه من حزبbkk
التركي أي حزب العمال الكردستاني. بعد ذلك إتضح أن هذا الحزب قام بنصب
كمين لرفاقنا ومنهم رفاق من حزب كوك التركي الذي كانت لنا معه علاقات
وثيقة هذا الكمين نصب في منطقة كيشان، وتم قتلهم جميعا ومنهم رفيقنا
دولفان زاخولي( رشيد ) الذي التحق بنا قبل حوالي ثلاثة اشهر في القاطع.
وتم سلب كل المحتويات من الفلوس والساعات والراديوات والسلاح وغير ذلك
من العتاد. هذه العملية لم نكن نعرف بها مسبقا ولكن من حسن حظنا أن هذا
الشخص من ب ك ك جاء إلينا طوعا واعترف بجريمة جماعته وتحدث لنا عن كل
شيء. في هذه الأثناء استطاع رفاقنا تهريبه إلينا لمعرفة ملابسات الحادث
لأنهم طالبوا سرية كيشان بهذا الشخص وهددوا السرية. كانت هذه ضربة لنا
حيث فقدنا فيها ستة رفاق استشهدوا في عملية اقرب للسطو منها إلى
النضال. أخذنا الإنذار في سرية المقر وتوجهنا إلى المنطقة بسرعة. كان
يقودنا الرفيق أبو جوزيف إضافة إلى م/ العسكري للسرية من أبو تحسين
وأبو رشدي وملازم ماجد المسؤول العسكري. المنطقة هي منطقة كيشان حتى
قرية دهيه. من جانب آخر أوعز رفاقنا إلى الفوج الأول والسرية الأولى من
الفوج الثالث للتحرك صوب المنطقة وكان دليلهم الرفيق أبو زاهدة. أصبح
عدد السريتين مع الرفاق حوالي 150 رفيقا في المنطقة. لم يستطع رفاقنا
العبور إلى كيشان بعد إعلامهم بانسحاب سرية كيشان وباتوا في احد
الجوامع. والتي سآتي عليها لاحقا حول استشهاد الرفيق أبو آذار بعد
مهاجمتنا في الجامع. كان دليلنا على جريمتهم هو اخذ ساعة رفيقنا دولفان
بعد قتله.

كان
رفاقنا يسيرون في وادي واسع منتصفة شارع ترابي وبجانبه نهر ضحل المياه،
بعد خروجهم صباحا من القرية بساعة تقريبا انطلق الرصاص عليهم بشكل كثيف
كان كمينا محكما إلا أن الرفاق الأبطال صعدوا كلهم إليهم وهم في
مواقعهم، حتى أن احدهم قال وهو مختبئ تحت شجرة صغيرة للرفيق يوسف: أنا
شيوعي عراقي فقال له إذا انت شيوعي زين أنا شنو؟ هذا إضافة إلى بطولة
الرفيق سفر بامرني وسليم مانكيش وأبو الياس وأبو ليلى وغيرهم وفقدنا
أربعة شهداء وهم الرفيق دولفان في كيشان وفي جامع (دريشكه) أبو آذار
وفي ارض المعركة الرفيق أبو أياد. كان من الرفاق الذين وصلوا قبل فترة
قصيرة وهو خريج بلغاريا بصفة دكتور و دفن في قرية ( اره زه). واستشهد
الرفيق دلوفان لصغير في 11 / 4 / 85 في دهوك بعد هجوم من قبلهم على بيت
رفيقنا سالم في كاني بلاف قبل المعركة الحاسمة والتي على إثرها فقد
ابنه الكبير (11 عاما) أيضا. بالنسبة لنا كوننا مجموعة جاءت من المقر
لنجدة الرفاق في المنطقة. فبعد توسط الديمقراطي تم جلب جثة الرفيق
الشهيد أبو أياد من ساحة المعركة بعد إجراء مفاوضات طويلة لأنهم تركوا
أيضا بعض قتلاهم في ارض المعركة العملية أسفرت عن قتل احد عشر مسلحا من
ب ك ك. أما سرية كيشان نفسها فكان انسحابها من مكان آخر حيث لم يلتقوا
مع السرية التي يقودها أبو ليلى أو ملازم رائد وملازم زيه. أثناء
مرورهم بالقرى تحرشوا بهم وكان يقولون إن العرب قتلوا الأكراد، بل أن
بعضهم سحب السلاح على رفاقنا مما زاد الوضع شدة وإحراجا على الرفاق.
لكن رفاقنا لم يقولوا شيئا بل ساروا في طريقهم عدا رفيقنا أبو جاسم
الذي سحب أقساما عليهم دون أن تطلق أي طلقة من الجميع. الجو كان مشحونا
إلى درجة كبيرة، لقد أدان الحزب كمين ب ك ك وقتلهم خمسة من رفاقنا
وأصدقائنا كذلك الهجوم الأخير على الجامع والذي أدى إلى استشهاد الرفيق
أبو آذار هذا الإنسان الوديع بطبعه والذي يكن له اغلب الرفاق الاحترام
والمودة لطبعه الجميل والذي لا يمكن أن يجرح أحدا من الرفاق. كان من
الأوائل الذين وصلوا إلى كردستان عام 79. وله تاريخ نضالي طويل في سوح
النضال وعلى حد قوله (كنت مع الانشقاقيين في عام 1967 وكنت مع سلاحي
أجوب الأهوار في الناصرية والشطرة وصولا إلى الرفاعي. وبعد انهيار
الانشقاق 1969 رجعت إلى الحزب في بداية السبعينات). وفي عام 1981 بدأ
يشعر بالتعب وأراد الخروج لغرض الراحة، وكان المفروض أن يخرج لكن
مماطلة قيادة القوة أنذاك أخر إخراجه حتى مشاركته في بشتاشان الثانية
ليكون أسيرا عند قوات الاتحاد الوطني الكردستاني (ذهب مرة للقاء مع
قيادة القاعدة وقال بالنص للرفيق أبو علي (عمر الياس): (رفيق أنا تعبان
وأريد أن اخرج وارتاح. ومثل ما أنت متزوج أنا أريد أن أتزوج ويكون عندي
أطفال، ولأنني طلقت عن زوجتي ولدي طفلة لا اعرف مصيرها...). عندما أسر
من قبل الاتحاد الوطني أراد احد المقاتلين قتله أو إعدامه بقذيفة (ر ب
ج 7) فقال له: (يا أخي اضربني بطلقة ليش تقتلني بقذيفة؟) وبعد خروجه من
الأسر انغلق الطريق بين بهدينان وسوريا ولم تسنح الفرصة لخروجه. وفي
فترة الاحتراب مع ب ك ك كان الرفيق أبو آذار مع مفرزة كبيرة في(جامع).
في الليل تقدمت مجموعة بهيئة فلاحين و السلاح كان مخبأ تحت ملابسهم.
صاح عليهم الحراس ملازم رائد واحمد بهديني، لكنهم بدلا من الجواب
أطلقوا النار على رفاقنا. أصابت إحدى الطلقات راس الرفيق أبو آذار من
الشباك حيث كان متمددا نصف امتداد ورأسه مرفوعة قليلا وبجانبه الرفيق
عدنان أبو القح الذي كان يتحدث معه ورفيق آخر متمددين أيضا نصف امتداد
ووجهه على الحائط. حدثت المعركة وجرح رفيقان آخران هما لقمان وأبو الحق
واللذين استقبلناهم كنجدة في نصف الطريق في قرية (دوكري) وبعد استلامه
من مفرزتنا تكفلنا به أنا وأبو هدى طريق والرفيق عدنان، عندما رفض
المختار دخول الجريح دفع عدنان أبو القح الباب برجليه وكنا بحاجه إلى
بيت ثم تم نقله مع المفرزتين إلى قرية دهيه وقد وصل الرفيق الدكتور أبو
تضامن ولكن للأسف لم يستطع عمل شيء لان الطلقة في الرأس وهي قاتلة.

بعد
حوالي 72 ساعة وهو في صراع مع الموت استشهد المناضل أبو آذار في قرية
دهيه ودفن في مقبرة (اره زه) المقابلة لقرية دهيه والقريبة من ناحية
بامرني بجانب الرفيق أبو أياد الذي استشهد قبله بيومين، رجعنا إلى مقر
السرية في زيوه. كانت مشاركتنا فعالة مع بقية القوات التي اشتركت في
المعركة وبمرور الأيام أصبحت حياتنا طبيعية إلا أن فقدان شهدائنا كان
كارثة كبيرة بالنسبة لنا.
منطقة كيشان التي أصبحت فيما بعد مقرا لنا تأسست في حزيران 1983. خاصة
بعد الهجوم التركي وقد نزلت مفرزة من سرية زاخو ضمت مجموعة من الرفاق
(أبو سعاد وسامي وأبو ماجد البصراوي وأبو نصار وأم نصار وأبو هيمن وأبو
عماد وزينه وأبو علي و شهلة وحامد وكفاح وملازم رائد وأمل وأبو فائز
الدليمي وعبد المسيح وسلام الصكر وأبو جاسم و أبو عهد و غيرهم) وهي
بالأساس قرية مهجورة اثر رحيل سكانها إلى مناطق أخرى منها الحدود
العراقية مع تركيا أو مناطق بعيدة عن أزلام النظام. وقد استفاد منها
رفاق الطريق في تنقلهم منها والى سناط وبالعكس.
عندما أصبحت لدينا هذه السرية في المنطقة كانت مفيدة جدا لنا حيث سهلت
عمل رفاقنا وخاصة في نقل الرفاق من الأراضي العراقية إلى سوريا وبالعكس.
بعد هذه المعركة التي فقدنا فيها رفاقا أعزاء تم الاتفاق مع الحزب
الديمقراطي الكردستاني على عدم تحرك ب ك ك في مناطقنا وبالفعل فقد
انسحبوا إلى مناطق في تركيا وبعضهم ذهب إلى العراق وتعاونوا معه وآخرون
بقوا في الجبال المحيطة في كيشان حيث كان عددهم يربو على السبعين شخصا
وكان معهم بعض النساء. بقينا في إنذار دائم، وفي أكثر من مرة كانوا
يلتقون مع رفاقنا ولكن دون تصادم. كنت مرة ذاهبا إلى الفوج الثالث
والتقينا مع مجموعة عرفنا افرادها وكنا نعرفهم من الملابس وطريقة لبسهم
فهم مثلا نادرا ما يلبسون الجمداني وملابسهم تكون خاكية اللون كذلك
نعرفهم من أشكالهم غير المألوفه تشاهد عليها سيماء القسوة والضغينة
والعداء وهي من الصفات التي نعرفها فيهم، تبادلنا الهجوم الإعلامي
بيننا إلا ان المعركة الإعلامية لم تستمر طويلا.
|