|
مسيرة الجمال والنضال-55-
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(
[ 44 ]
الانتقال إلى نيروه
في ظل تلك الأوضاع قرر الرفاق في فصيل م/ السياسي الانتقال إلى موقع
آخر. تم اختيار موقع في منطقة نبره القريبة من الحدود التركية. بعد
أكثر من عملية استطلاع تم اختيار موقع قرب قرية (كاني ساركي) وقرية
(نيروه العليا والسفلى)، وبالفعل بنى الرفاق بعض الكبرات الصيفية، وفي
اقل من أسبوع تمت مناقشتنا أنا والرفيق آزاد وعمودي وأبو نادية (مقدام)
من اجل مساعدة هذا الفصيل، خاصة ونحن نعرف المنطقة وأهاليها بشكل جيد،
إضافة إلى أن رفيقين منا يجيدان اللغة الكردية التي هم بحاجة لهذه
اللغة في شراء بعض المواد والتحدث مع الأهالي. من الرفاق المسؤولين،
الرفيق أبو داوود عضو المكتب السياسي لحزبنا والرفيق المرحوم أبو زكي
"عبد الحميد بخش" وهو من الكوادر العمالية وقد انتمى للحزب منذ عام
1947 واستلم عضوية الحزب من الرفيق فهد مؤسس الحزب، وكان المسؤول عن
مناضل الحزب ولكن بإشراف م/ س الذي يمثله الرفيق أبو داوود. وقد نال
شهادة الدكتوراه في العمل الحزبي والتنظيمي وبناء الحزب من مدرسة
بلغاريا بعد مناقشته من كبار الحزبين والدكاترة في رسالته التي التي
كتبها في أربعة وخمسين صفحة عرضها علينا عندما كنا سوية.
من المشاكل التي واجهتنا كانت مشكلة الماء، عثرنا على عين ماء تبعد عنا
حوالي أربعين مترا. قلنا إن هذه المشكلة بسيطة وحلها ممكن يمكن أن
نشتري (صوندة) لإيصال الماء من العين عبر هذه المسافة. الأمر الآخر أن
المكان كان عبارة عن سفح جبل، لذلك سوف يحتاج الأمر إلى حفر الجبل ما
يقارب مترين من جانب الجبل. أما الأمر الثالث فهو تسرب المياه من تحت
الجدران كما حدث في غرفة الرفيق أبو زكي لاحقا، عالجنا هذه المشكلة
بعمل مجرى من أسفل الجدران وبذلك نجحنا في حل هذه المشكلة أيضا. لقد
قمنا بعمل كبير جدا في الحفر وتجميع الصخور، خاصة وان اغلبنا كان من
الكوادر الحزبية، وقد تجاوزنا سن الثلاثين، لكن وجود الرفاق من حزب
توده الإيراني الذين كان عددهم حوالي ثمانية عشر رفيقا كانوا قد
ساعدونا في عملنا بشكل جدي، من هؤلاء الرفاق (كامران، هلمت، هاشم،
فريق، بوتان، سوران، ملازم علي وزوجته، كوران) وغيرهم من المناضلين
الذين كانوا مثالا رائعا في التعاون والتضحية. من الأمور التي سهلت
عملنا هي وجود أشجار كثيفة في المنطقة، لهذا كانت عملية نقل ما نحتاجه
من الخشب للبناء سلسة وسهلة وفرت الكثير من الوقت والجهد. في وقت لا
باس به استطعنا الانتهاء من بناء القاعة الكبيرة التي ضمتنا جميعا
وغرفة للرفيق أبو داوود وزوجته، وغرفة لكل من أبو زكي وأبو عليوي وهو
يقوم بالطباعة وأمور خاصة للحزب، وكذلك المطبخ والحمام والمرافق
الصحية. كان العمل بشكل عام جيد خاصة في ظل إدارة ناجحة من قبل
المسؤولين ومنهم الرفيق (أبو خالد "أبو العجين") سمي بهذا الاسم لان
أهل السماوه يلفظون كلمة العجين بكسر حرف العين. لأول مرة يحظى الإداري
برضا الرفاق، لأنه كان يوفر لنا كل شيء، صحيح أن ما كان يوفره ليس من
كيسه وإنما من الحزب، لكن التقنين بمواد التموين أكثر من اللازم يؤدي
إلى نتائج سلبية وغير صحيحة. هذا المكان كان قريبا من الحدود التركية
بمسافة ساعتين ونصف مشيا على الأقدام، لوجود كلي طويل وجبل متوسط العلو
على الحدود مباشرة، لكن هناك امتدادا ليس أكثر من سبعة كيلومترات حيث
القرية الحدودية هي نيروه العليا وبالمقابل يقع قضاء جلي التركي. عندما
نصعد إلى قمة أو سفح الجبل نرى بالمقابل العلم التركي. أكثر من مرة كنت
اذهب أنا والرفيق آزاد لنجلب الجبن الأبيض والحليب واللبن من زووم
القرية نيروه القريب، والزووم عبارة عن مجموعة من الخيام أو الكبرات
الصيفية، تأخذ الحيوانات إليها مع بعض الأمتعة المهمة حتى شهر أيلول
حيث تتم العودة النزول إلى القرى. هذا الزووم يقع على الحدود التركية
مباشرة على الخط الأحمر المرسوم بيننا.
كان سلاحنا بسيطا يتكون من الكلاشنكوف وبعض المسدسات للكادر الحزبي
وبعض الاطلاقات والقنابل اليدوية لان موقعنا خلفي، ومهماتنا كانت بسيطة
في هذا الفصيل، إضافة إلى أن التواجد هناك يفرض مهاما حزبية عامة تابعة
للمكتب السياسي للحزب وكذلك مهام الحراسة. أما نحن الأربعة فقد شكلنا
هيئة حزبية يقودها آزاد، لكي نسيّر العمل، لأننا لم نكن نتبع لأحد
وإنما سرية المقر القاطع وبالأمور العامة. أكثر وقتنا كنا نسخره
للقراءة في كل شيء. أما التسلية فلعب الورق الكنستر (لعبة فرنسية جديدة
علينا تسمى الكنستر) والبعض منا مثل (أبو حاتم، أبو نادية، أبو عليوي
والخال أبو ذكرى) كانوا يمضون ساعتين أو أكثر في لعب الورق، حتى حدثت
بعض المشاكل التي لا تستحق الذكر (اللعب كان يتم حسب قائمة وضعناها،
على أن يلعب أربعة أشخاص والذي تحت يدك يأخذ الورق في الأرض (في
الكاع). عندما تكون لديه ورقتان من نفس النوع التي رماه اللاعب الذي
قبله. أحيانا كان يتجمع ثلثا الورق في الأرض، والذي يأخذ الأرض تقريبا
هو الذي يفوز هذا الشوط أو الدورة. لدينا الرفيق أبو نادية كان مولعا
جدا بلعب الورق كان يقول (الذي يأخذ الورق من يدي كأنما جايبلي خبر
بنتي ميتة) القول فيه الكثير من المبالغة لكنه يعبر عن حبه وولعه
الكبيرين للورق). قسم المشتريات كان مرهونا بالرفيقين سمير وعمودي، حيث
يقوم الرفيقان بالتعامل مع الكرونجية وغيرهم للحصول على الأرزاق وجلبها
منهم أو من القاطع حيث نذهب إلى مقر السرية الذي لم يكن حيويا كالسابق
بعد ضربة الطيران له والتي أدت إلى نقل سرية المقر إلى مكان آخر في
(كلي ساطورفي قرية شيه فه) وهو عبارة عن واد ضيق تحيط به تلال عالية.
كان الوادي حصينا عصيا على الطيران وحتى المدفعية، حيث انتقلت السرية
وجميع ممتلكاتها هناك ولم تبق سوى حضيرة تتكون من حوالي عشرة رفاق
لمتابعة المزرعة أو مجيء ضيوف وغير ذلك، لان المكان أصبح البقاء به
خطرا علينا، أمكانية وصول المدفعية وكذلك الطيران إليه سهله. مرات
عديدة كنت اذهب إلى سرية المقر أو الفوج الثالث لنقل أشياء معينة أو
نقل بريد من والى هذين الموقعين. تعودنا على المنطقة وأصبحت علاقاتنا
جيدة مع أهاليها الذين أصبحوا يعرفوننا جيدا تعرفنا على شخص من أبناء
المنطقة وكنا نتحدث على شراء بعض المواد أو الأرزاق. فقال إذا أردتم
فان أخي هو المختار في القرية الفلانية ويمكن أن يساعدكم، سألناه كيف
أنت هنا وهو مختار؟ قال بعد اتفاقية 1975 انتقل أخي إلى تركيا ومنذ ذلك
التاريخ وهو في هذه القرية وقد تزوج، أما أنا فبقيت في العراق، وقد
أصبح مختارا وأنا حالي حال الآخرين فضلت البقاء والعيش هنا وهذه
عائلتي. كان أهالي المنطقة طيبين وصادقين مع أنفسهم ومع الآخرين،
يقدمون لنا المعلومات ويروون الأحداث التي لم تكن تخلو من المبالغة
لكنها كانت من القلب. الإنسان البسيط في قرى تلك المناطق البعيدة عن
تسلط الحكومة العراقية طيب وأمين لك وعليك، هذا لا يشمل الناس الذين
عاشوا تحت رحمة السلطة وأصبحوا أعداءنا، وبعضهم كان مرغما على ذلك
وواقعا تحت رحمة السلطة التي لا تتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم
والأفعال. ومن الناس الذين كانوا مرغمين ولم تكن أفعالهم إلا بضغوط
قاسية ورهيبة من يرأسون العشائر هناك أو الذين لهم ظروفهم الاقتصادية
الخاصة. خاصة لو عرفنا أن كردستان لا توجد فيها معامل ولا مصانع حتى
صغيرة لتعليب الفواكه مثلا. كانت معاناة الناس كبيرة وضغوط الحياة
هائلة عليهم. فأبناء العشيرة مقسمون إلى قسمين مع السلطة وضدها، وهناك
كثير من الأحداث والأمور التي لا مجال للحديث عنها هنا.
عملية في الذكرى السبعين لثورة أكتوبر
كنا نسمع أخبار العمليات التي تقوم بها المفارز. عندما حلت الذكرى
السبعون لثورة أكتوبر تهيأت كل القوات لعمل شيء ما، حيث خططت سرية
القاطع وقوات الفوج الثالث لعملية نوعية. فبعد دراسة فوج بامرني
والربايا المحيطة به توفرت أمكانية لاقتحامه خاصة وان معنويات أزلام
السلطة وقواتها كانت ضعيفة جدا وحماسهم للدفاع عن النظام كان مهزوزا
وكان بعضهم يتعاون معنا. تم توزيع الرفاق على عملية اقتحام هذا الفوج
ورباياه، كانت العملية بإشراف الرفيق أبو جوزيف المسؤول العسكري في
بهدينان. بعد القصف المكثف كانت هناك مجموعة من الرفاق قامت باقتحام
إحدى الربايا وسيطرت عليها. كانت مجموعة الاقتحام مكونة من الرفاق (أبو
كريم، أبو نصار، أبو جاسم). في فورة الانتصار نزلوا إلى موقع آخر في
الفوج ولكن كمينا كان ينتظرهم. أطلقت الرصاصات عليهم وسقطوا جميعا وهم
على السفح، بعد نقلهم كان أبو نصار جريحا قطعت ساقه من قبل الدكتور أبو
تضامن الذي عالجه بشكل جيد وعالج أيضا الرفيق أبو جاسم الذي أصيب في
رجله أيضا. أما أبو كريم فكان إصابته اخطر حيث أصابته الطلقة في بطنه.
حاول الطبيب في الفوج علاجه لكن المحاولة لم تنجح، فودعنا الرفيق أبو
كريم وسط حزن رهيب من كل الرفاق والقيادة. يقال أن الرفيق أبو جوزيف لم
يوافق على ذهابه في العملية لكن الشهيد أبو كريم أقحم نفسه فيها عنوة،
أطبق الحزن علينا وأنا الذي اعرف الشهيد أبو كريم منذ 1975. في مدينة
الثورة ببغداد كنت قد تعرفت عليه. كان انسانا بكل معنى الكلمة.
لقد خسرنا رفيقا شجاعا وبطلا مثل أبطال الأساطير في زمن الحرب في
الاتحاد السوفيتي. دفن الشهيد العزيز في مقر الفوج الثالث وسط حزن خيّم
على الجميع العملية فقد كانت من العمليات البطولية التي يحفل به تاريخ
الحزب الشيوعي العراقي.
في آذار من عام 1988 قام رفاقنا في سرية العمادية بعملية مشتركة مع
الحزب الديمقراطي الكردستاني على ربايا (كواخ برجي) قرب العمادية
واقتحامها. خسر الحزب الديمقراطي فيها شهيدين وجرح محمد محسن. من
جانبنا لم نخسر أحدا لولا أن قذيفة سقطت في نهاية العملية فأصابت ساق
رفيقنا دلوفان قطعت إثرها ساق الرفيق من تحت الركبة. حيث قام الدكتور
أبو تضامن بإجراء العملية بنجاح
|