|
مسيرة الجمال والنضال-51-
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(
الحزب بين الناس
في
الفترة ما بين عامي (1985 و 1988) كانت مهمتنا الخروج إلى منطقة نيروه
واللقاء بأهالي القرى. قامت مفرزة الشبيبة بعدة جولات في مناطق سركلي
وسكيري ومنطقة نيروه لإقامة الندوات السياسية والتحدث عن الأوضاع
العامة، وقد شاركنا الفلاحين في أفراحهم وأحزانهم وتمت مساعدة الآخرين
ماديا وعينيا. اذكر مرة ذهبت مع الرفيق آشتي أمر فصيلي إلى منطقة نيروه
وبالذات إلى قرية كاني صاركي (العين الباردة) وشاركنا أهل القرية في
حفلة زواج. منذ دخولنا القرية بدأنا بالرمي وهي عادة أهل القرى في
التنبيه لمجيء الزائر في احتفالاتهم. رمى كل واحد منا شاجورا تقريبا،
حتى دخلنا إلى الغرفة المعدة لجمع أهالي القرية من الرجال. رحبوا بنا
اشد ترحيب. ولان اغلبهم كان يعرفنا وكان بعضهم من حزب الشعب، كان من
بينهم صديقي محمود كاني ساركي وبكر الذي كان متزوجا من إمرأة مسيحية،
قيل في وقتها انه تزوجها عنوة ودون موافقة أهلها. وهما يعيشان معا منذ
أكثر من عشر سنوات. البعض كان يقول: كانت بينهما علاقة حب مثيرة. بعد
ذلك تم تقديم الهدايا للعريس بطريقة طريفة جدا، أن يأتي احدهم بدجاجة
مثلا ويرميها على العريس بصورة مضحكة، أو تأتي مجموعة جلبت للعريس وهو
جالس خروفا صغيرا فيقولون هذا الخروف نقدمه باسمنا وباسم بعض العوائل.
بعد ذلك قدمت مشاهد مسرحية كانت عبارة عن تعليقات احد الأشخاص على بعض
القيادات من البيشمركه، خاصة المسؤولين الذين يحملون معهم (الكوبال)
العكاز أو عصا الوجاهة. قدمت المشاهد بطريقة هزلية مضحكة في طريقة
الكلام والجلسة وأسلوب توجيه الأوامر. مرة التقينا مع أناس لا نعرفهم
إطلاقا، كانت معهم عروس سيتم زفافها في قرية كاروكا. في هذه اللحظات
رميت والمجموعة التي معي كل واحد منا شاجور رصاص تقريبا أي ثلاثين طلقة
تعبيرا عن فرحتنا واحترمنا لهم. بادر أهل العروس مثلنا بالرمي في
الفضاء تعبير عن الفرح أيضا.
شاركنا القرى في تعازيهم كنا نحضر مجالس الفاتحة على أرواح موتاهم
ونهديهم بعض المواد من صفائح الدهن أو بعضا من الرز وأشياء أخرى تناسب
ما هم فيه. كان ذلك محببا بالنسبة لهم ولنا. لقد أقمنا علاقات ودية مع
أهالي القرى ودافعنا عنهم وساعدناهم في معالجة مرضاهم. فعندما فتحت
عيادة الأسنان بجهود خاصة من الرفيق أبو بدر ومساعدة قيادة الحزب كان
المراجعون الذين يأتون إلى العيادة كثيرين جدا، خاصة وان ظروف الحياة
هناك كانت صعبة للغاية. والعناية الطبية فيها كانت معدومة مما عرض
الناس هناك مشاكل عديدة منها حالة أسنانهم السيئة.

كانت تلك أول عيادة في المناطق المحررة قدمت خدمات كبيرة للرفاق في
جميع القواطع وللأحزاب الأخرى والأهالي و كان يأتون لنا فنستقبلهم
بترحيب ورحابة صدر، نقدم العون لهم وهم يستحقون أكثر من ذلك، لأنهم
عانوا الأمرين من قسوة الحياة ومن التهجير والقصف اليومي من قبل النظام
وقتل الكثير منهم من جراء القصف بالطائرات والمدفعية. كنا نرتاح
لخدمتهم وكانوا يبادلوننا ذلك بما يقدمونه من منتجاتهم من الفواكه أو
الخضروات وكانوا يجلبون العسل في بعض الأحيان، هذا إضافة إلى ما كانت
تقدمه الرفيقة الدكتورة أم هندرين من خدمة إلى نساء المنطقة بالذات،
خاصة وان كثير من النساء لا يمكن أن يقلن شيئا عن أمراضهن النسائية إلى
طبيب رجل، لهذا كان في وجود أم هندرين عون كبير لهم أصبح هذا التواصل
مطلوبا من الجميع خاصة وان الجميع يعيشون في مكان واحد تقريبا، أي في
منطقة عمقها لا يتجاوز عشرين كيلو مترا، أما طولها فهو امتداد كبير يصل
حتى السليمانية تقريبا هذه المساحة تزيد وتنقص حسب وتواجد السلطة
وتحركاتها.

في
منتصف عام 1986 توفي الرفيق المناضل أبو زكي (خيري القاضي) بعد أزمة
قلبية كان الرفيق قبل مجيئه للقاء مكتب القاطع مستشارا سياسيا للفوج
الأول كانت خسارة لنا جميعا حيث نال احترام الجميع لما كان يتمتع به من
خلق كريم. كان رجلا بسيطا متواضعا أحبه كل من عمل معه. ،ففي احد الأيام
ذاع خبر وفاة الرفيق ذهبنا إلى المستشفى وقابلت الرفيق داوود وهو خريج
معهد الصحة. قال حاولت معه كثيرا، لكن قلبه توقف عن الخفقان كانت
مفاجأة لنا لأنه لم يكن كبير السن يقال انه كان يعاني من أمراض مختلفة
أجرينا مراسم التشيع والدفن وقد دفن الرفيق أبو زكي في مقبرة قرية زيوه
الوحيدة وكانت قريبة منا حيث ذهب الرفاق والرفيقات إليها مرات عديدة
بمناسبة يوم الشهيد، يذهبون للمقبرة ويضعون اكاليل من الزهور عليه، انه
رفيق يستحق الكثير.

[ 40 ]
في منتصف 1986 نزل فصيلنا إلى المنطقة للمشاركة مع سرية العمادية في
عملها والتعرف عن قرب دورها في المنطقة ، تجولنا كثيرا بين القرى التي
كانت قليلة نوعا ما وقمنا بعملية جيدة حيث تم قصف الربايا المحيطة
بمدينة العمادية وكذلك فوج العمادية الذي يتكون من الافواج الخفيفة
والجحوش ، كنا عندما ننزل إلى المنطقة نتجول في جميع قرى بيري كارا ،
في هذه المرة كانت جولتنا محدودة حيث ناتي في المساء إلى قرى صبنه
ورزوك وديره وديرش وفي الصباح بعد الفطور نذهب إلى الوديان في صبنه
التي كانت عصية نوعما . كنا نعرف السبب لمقاطعة القرى لرفاقنا وعدم
استقبالهم لنا. كان أن احد القرويين من قرى بري كارا ومعه مجموعة قد
نصبوا كمينا لمفرزة صغيرة من السرية الخامسة وقد استشهد احد الرفاق
(اللند) في ذلك الكمين، ومن الجحوش (أزلام النظام) قتل اثنان وفر
الآخرون. وعلى إثرها عرف الرفاق شخصية منفذ العملية من خلال هويته
فذهبت مجموعة إلى قرية أخيه وجلبته وأصدرت حكما بإعدامه، ونفذ حكم
الإعدام به كرد فعل على استشهاد رفيقنا في فورة غضب متسرعة ودون حساب
لتأثيرها مستقبلا على عملنا وعلاقتنا معهم، وبدون اخذ رأي الجهات
المعنية في قيادة القاطع أو الفوج، وعليه وقفت هذه القرى منا موقفا
سلبيا في حين وحسب معلوماتنا أن المجرم الذي نصب الكمين لرفاقنا كان
مرسلا من قبل أزلام النظام لقتل الشيوعيين وكانت فعلته بتحريك من
السلطة وبعض الاغوات الذين لا يرتاحون لنا، بقيت هذه المشكلة أكثر من
سنة، لكن موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيجابي من الأحداث قد خفف
من أية تطورات محتملة قد تتركها هذه القضية، كما أشرت في السابق قد
قاطعتنا حوالي ست وعشرين قرية من قرى بري كارا وكارا ولم يبق إلا
القليل من القرى التي كانت تتوزع فيها سرية العمادية، لأن الموضوع أصبح
وكأنه خلاف ما بين العمادية وبري كارا، في حين كان للحزب موقف سياسي،
كونه كيانا ومؤسسة لها أفكارها وسياستها الواضحة تجاه الفلاحين
والفقراء. كانت سرية العمادية متميزة في عملها فقد دخلت مجموعة مقاتلة
من المفرزة مدينة العمادية أكثر من مرة لاعتقال الجحوش والمتعاونين مع
السلطة حيث استعملوا السلم ( الدرج ) وكانت لهذه العمليات صدى كبيرا
بين الجماهير في المنطقة وبالذات في تشرين الأول وكانون الأول من عام
1983، ولا بد أن أشير إلى أن عملها قد تجاوز ضرب الربايا أو نصب
الكمائن، بل أن رفاقنا أقاموا صلات جيدة مع الذين يعملون مع النظام
وكان للرفيق الشهيد أبو رؤوف دور أساسي في هذا العمل وكذلك الرفيق
د.عزيز والذي أدى إلى استشهادهم حيث أقامت السلطات الفاشية كمينا تحت
قضاء العمادية في قرية يك ماله، ذهب الرفاق أبو رؤوف ومعه خالد السائق
وسيد عزيز المعلم إلى قرية يك ماله أو قربها، عند جلوسهم على التخت في
الكازينو ليتناقشوا في أمور معينة استدار الجحوش نحوهم وتم قتل الرفاق
الثلاثة، اخذوا جثثهم بعد ذلك وسحلوها وعلقوها وضربوها، لكي يبينوا
للناس هكذا يفعلوا بالشيوعيين للاسف فقدنا رفاقا أبطالا كان من الضروري
الانتباه إلى الجانب الأمني إلى خطط النظام وعملائه الذين أرادوا من
هذا الشخص بالذات ( احد الجحوش الذي يرتبط بالرفيق أبو روؤف بصلة
معلومات كان قد أعطاه معلومات ـ بان احد رفاقكم يعمل مع النظام وأعطى
أوصافه له وعليه هددوه بقتل عائلته إن لم يقتل الرفيق أبو روؤف وقد عمل
له هذا الكمين).
النظام يرسل الثاليوم
كانت جهود النظام في اغتيال رفاقنا مستمرة، ففي منتصف ديسمبر من عام
1985 جاء فلاح من القرية، كان يسأل عن الرفيق أبو نضال الشايب و قدم
هدية له هي عبارة عن زجاجة ويسكي، حيث قال هذا الفلاح أن المشروب مرسل
من عائلتك وبالذات من ابنك الذي كان اسمه ميلاد ( توفي في السويد )،
فرح الرفيق بالهدية خاصة أتت مع حلول راس السنة الميلادية في اليوم
الآخر دعا رفيقين لمشاركته الشراب هما أبو تحسين ودشتي، ولكن الرفيق
الأول وبحكم مسؤوليته اقترح أن يأخذ حصته شيء من الويسكي في قنينة
صغيرة (شيشه)، وتم له ذلك أما الآخرون فقد شربوا الباقي.

بعد ساعات أي في حوالي الساعة العاشرة ليلا بدأ الرفيق أبو تحسين
بالتقيؤ ويشعر أن أحشاءه كانت تتمزق وبألم كبير، وهذه أول مرة يتحدث
هذا للرفيق لم يستطع أن يتكلم شيئا، خاصة وهو المسؤول الذي الذي كان
يتابع من يتناول المشروبات من الرفاق الأنصار، كذلك شعر الآخرون بالأم
مبرحة لكن بدرجة اقل مما حصل للرفيق أبو تحسين نقل الجميع إلى المستشفى
وقد تساقط شعر الرأس والوجه واللحية، لم ندرك ما الذي كان في المشروب
حتى الصباح حيث تبين أن الويسكي كان مخلوطا بكمية من سم الثاليوم مرسل
إلينا وبالذات إلى المسؤولين والثاليوم سم قاتل حين أعطي إلى قطة صغيرة
كانت تعيش معنا ماتت بعد ساعتين من تناوله. في الصباح وبعد اتصال
بالمكتب السياسي للحزب وافق على إرسالهم من القاطع إلى سوران (لولان)
في مفرزة تكونت من رفاق جيدين بحيث استطاعوا أن يوصلوا الرفاق وهم في
تلك الظروف السيئة، يستحق رفاق تلك المفرزة كل التقدير على عملهم
المميز في إنقاذ رفاقنا بعد ذلك نقلوا مباشرة إلى إيران وبقي الرفاق
هناك مدة ستة اشهر عادوا بعدها وهم في حالة أفضل.
|