|
مسيرة الجمال والنضال--
46
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(
مفرزة إلى لولان ولقاء الأصدقاء
في منتصف ديسمبر (كانون الأول) عام 1984 تهيئنا للذهاب إلى لولان مع
الرفيقين أبو جوزيف وأبو يوسف وتم اختيار مجموعة من الرفاق الشباب وذوي
الإمكانيات ( مخلص، عايد، أبو ميادة، عدنان، أبو ادراك، كروان وغيرهم
)، وكنت معهم كمستشار سياسي للفصيل مع آمر الفصيل الرفيق أبو أنيس.
بعد حوالي ستة أيام وصلنا إلى لولان.


كان
أصعب ما صادفنا من مخاطر في الطريق هو إننا أضعنا الطريق حوالي نصف
ساعة في منطقة تقع تحت سيطرة الأتراك. هذه المنطقة خطرة جدا حتى
اهتدينا إليه. إضافة إلى ظروف الطقس السيئة، كان دليلنا الرفيق سامي
ناصرية الذي سبق وان تطرقت له. التقيت هناك برفيقي وصديقي أبو زكي الذي
لم يكن على ما يرام وتحدث لي عن ملابسات ظروفه الصعبة حيث كنا في فصيل
(ارموش) وتعرفت على كثير من الرفاق ومنهم رفيقي ساطع وأبو سرمد المخابر
وأبو زينب وسليم نفط وأبو كمال، حيث لعبنا الورق ( الكنستر ) وقضيت
أياما حلوه هناك. كنت أعاني من البواسير كانت الآلام شديدة إضافة إلى
الدماء وغير ذلك، كنت أريد الذهاب إلى الرضائية للعلاج.

بعد
مجيء الرفيق أبو جميل مع أبو يوسف من مقر المكتب السياسي تحدث احد
الرفاق معه أمام الجميع وقد دافع عني جوزيف(جميل) ابن أبو جوزيف ووصف
حالتي كونه يفهم بالأمور الطبية، لكن الرفيق رفض ذهابي للعلاج. رجعنا
وفي الطريق جلسنا في قرية زيتة للاستراحة وبدأت نقاشات عامة إلا إن
الرفيق أبو يوسف قال: إن الحزب بصدد دراسة وضع الرفاق وإرسالهم إلى
الخارج. وقد أجبته: (يا رفيق صار لنا خمس سنوات في كردستان ولا فد يوم
جينه على بالكم حيث بيننا الآن حوالي ست رفاق من القدماء). كنت أشير
إلى مجموعة من الرفاق منهم "أبو إدراك وأبو أنيس وأبو سامان وغيرهم"
وهذه القضية بتقديري درست متأخرة جدا ومع ذلك لم تنفذ وأريد أن أشير
إلى قضية واحدة "نحن في سرية المقر أكثر من سبعين رفيقا ورفيقة وصلت
إلينا زمالة واحدة من الحزب للدراسة في الخارج، في حين أن نصف هؤلاء هم
من الأنصار القدماء والذين وصلوا كردستان بين عامي 79 و80 وهذا اكبر
إجحاف لهذه السرية والرفاق.
(

كانت
ظروف الطريق صعبة حيث الثلج يغطي المنطقة كلها ويصل إلى ارتفاع أكثر من
متر من قمة الجبل حتى يقل بنسبة معينة في الوديان.(بعد الاستراحة قرب
عادل بيك سرنا حوالي ساعتين تذكر احد رفاق مفرزة أربيل (بشار ) انه نسى
العليجة التي فيها مبلغ كبير من الدنانير التي سلمها المكتب السياسي
للرفيق أبو سيروان عضو اللجنة المركزية ومسؤول أربيل وبالتالي رجع بشار
مع احد الرفاق إلى المكان وتم جلبها ) كانت صعوبة الطريق من قرية زيته
حتى قرية برزان وحتى نهر الشين، وقد ضاع الطريق عنا أكثر من مرة، لكن
دليلنا استفاد من الحيوان الذي قام بشق الطريق وأحيانا يتبادل الرفاق
مع الحيوان لشق الطريق أي يكون في الأمام وهي عملية ليست سهلة. وفي
العادة لا يخرج أهالي القرى في مثل هذه الأجواء، أكثر القرى تعرف أن
الذي يخرج في هذه الأجواء هم الشيوعيون لان الجو قاسي واحتمالات الموت
والطمس في الثلج واردة جدا، لهذا لا يحبذ الأهالي الخروج في الشتاء،
على أي حال وصلنا إلى القمة التي تكون مباشرة على نهر الشين حيث
استمرار تساقط الثلج الذي أرهقنا جدا، كان حذائي ضيقا جدا مما يسبب لي
الألم، وأصبحت جواربي مبللة. نزلنا بسرعة من الجبل حتى أسفله إلى نهر
الشين.
وكان عنادنا كبيرا وتصميمنا اكبر بالوصول بسلامة.
من قصيدة عناد لأحد الشعراء الأنصار حيث يصف الثلج في الشتاء وموقفه
منه:
ضايعه أبوجهي الملامه
وساكته ابكلبي الحروف
ونازل ابروحي الثلج مترين
ومعاند اطوف
يل تظن تطفي المحبه
وشمسي غطاها كسوف
أرد اكلك انه حتى
حتى من تنعمي اعيوني
بشبكة الملكه
اشوف ! *
ووصلنا المعبر بين الجانبين على ضفة النهر، هذا النهر سريع جدا ينبع من
تركيا وينحدر بين الجبال التركية العالية. وينحدر في هذه المنطقة على
الصخور ويصبح لون الماء ازرق قاتما. بعد استراحة واصلنا المسير إلى
المقر بمبيتنا في قرى شارجو وجمجو وكاركه وشفيه حتى المقر بعد ثلاثة
أيام من المسيرة المتعبة جدا.
مع نهر الشين لي ذكريات كثيرة، في إحدى المرات في صيف عام 86 كنا
مجموعة من الأنصار وصلنا من لولان إلى هذا النهر وأراد احد الرفاق
(ستار) وهو من رفاق فصيل لولان أن يسبح، قلت له: (ستار حبيبي لا تسبح
هذا الماي قوي ويمكن يأخذك، وهاي مو جيحة مالة الثورة). ضحك وقال: (لك
أنا اسبح زين) المهم نزل وسبح خلف إحدى الصخور الموجودة في وسط النهر
لكي لا يأخذه تيار الماء، لكن مع المجرى السريع أخذه الماء وصار يصيح
أنقذوني، فما كان من الرفيق الدكتور أبو يسار إلا أن نزع ملابسه ونزل
الماء بسرعة واخذ يسحبه ونحن نراقب الموقف الدارمي الذي لا نعرف كيف
سينتهي. أخيرا استطاع الرفيق الدكتور أبو يسار أن ينقذه من موت محقق
حتى أوصله الجرف وتم إخراجه بمساعدة الرفاق الآخرين. عندما وضعناه على
الجرف تغير لونه وكان لا يقوى على الحديث لوقت طويل. بعد أن ارتاح
لساعات طويلة، اقتربت منه وقلت: (ولك حبيبي يا ستير موكتلك هذه مو جيحة
الثورة. (
قبل أن انتقل إلى موضوع آخر ففي هذه المفرزة عرفت القرى أن معنا دكتور
والأخبار تصل إليهم أحيانا قبل وصولنا، ففي كل قرية يتجمع الأهالي على
رفيقنا الدكتور أبو يسار. في إحدى القرى قال: خلصوني! حيث عالج اغلب
الأهالي في القرية من صغيرهم إلى كبيرهم وفي ذلك اليوم كأنهم جميعهم قد
أصبحوا مرضى ويشكون من أمراض عديدة متنوعة. من المعروف أن كثيرا من
إخواننا الأكراد يصابون بمرض الغدة الدرقية ويعتقد أن أسبابه هي عدم
تناولهم السمك بكميات كافية وهذا ما شاهدناه بالفعل، في نفس الوقت كان
لدى البعض أمراض غريبة، لكنهم لا يستطيعون عمل شيء لعلاجها لبعدهم عن
المدينة أولا، وثانيا لعدم وجود الإمكانية في دفع الأموال لعلاجهم.
قبل وصولنا إلى المقر مررنا على منطقة جمجو وهي قرية تضم محلات كثيرة
منها مطاعم ومحلات لبيع الحاجيات والبضائع المختلفة الخاصة بالحيوانات
من حبال وكراتين وغيرها إضافة إلى الحاجات الاعتيادية من أرزاق ومعلبات
وكثير من الحاجيات الأخرى. التقينا هناك برفيقنا (الجندي المجهول) وسام
سكيري الذي يمثلنا في (الكمرك) مع الأحزاب الأخرى. كان يأتي إلى المقر
بين أسبوع وآخر، وفي ذلك مخاطر غير قليلة، خاصة لو عرفنا أن هذه
المنطقة يرتادها أحيانا عملاء النظام. كان حساب الكمرك على ضوء عدد
البيشمركه التي يملكها الحزب المعين وبالتالي فان حصتنا لم تكن كبيرة
مثل الآخرين. لا أريد أن أخوض في هذا الموضوع.
وصلنا مقر القاطع نهاية العام ولم تكن حفلة راس السنة بالمستوى المعهود
نتيجة الظروف التي مررنا بها وهي استشهاد رفاق الطريق.
|