|
مسيرة الجمال والنضال-54-
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(
[ 43 ]
قصفنا بالسلاح الكيمياوي
في الساعة السابعة وعشر دقائق، في يوم الخامس من حزيران من عام 1987،
أي في الذكرى العشرين لنكبة حزيران حامت طائرتان بشكل سريع لم يتعد
وقتها دقائق معدودات. قصفت مقراتنا في زيوه وبكل قوة شمل القصف فصيل م/
السياسي ومقر سريتنا سرية القاطع في وسط البنايات والقاعات خلفت عملية
القصف دخانا كثيفا غطى المنطقة والكلي بالذات، كان اغلب الموجودين في
تلك الساعة يشاهدون مباراة لكرة القدم بين فريقين من السرية، كانوا
أكثر من مائة رفيق ورفيقة، إضافة إلى أن بعض الرفاق فضل الجلوس أو
النمشي في المنطقة. في هذه الأثناء أردنا معرفة خسائرنا أو ماذا أحدث
بنا هذا القصف. من آثار ذلك القصف أصيب الرفيق أبو فؤاد اليزيدي وكان
جالسا إلى جانب رفيقه أبو رزكار وقريبا منه كان يجلس أبو ليلى. في نفس
اللحظة تم نقله إلى مستشفى السرية، ولم يعرف أن رفيقه أبو فؤاد قد ضرب
بسلاح كمياوي قاتل هو غاز الخردل فاستنشقه، مع تلك الفوضى والركض
لمعرفة ما جرى كان رفيقان من فصيل م/ السياسي قد أصيبا في أرجلهم وكانت
إصابة الرفيق عباس ره ش (الأسود) هي الأخطر والرفيق خابور.
في
حمى هذه الضربة، لم نعرف في البداية انه هل كان ما ضربنا به سلاحا
كيمياويا أم لا، جرى نقاش وكنت موجودا مع أمر السرية الرفيق ماجد (ابن
فاضل عباس المهداوي) والرفيق المستشار السياسي والإداري، ورفيق له
اختصاص وهو خريج جيكوسلوفاكيا في الكيمياء هو الرفيق (أبو ماجد)، إضافة
إلى م/ القاطع بصفته المسؤول الأول عن الأوضاع، للأسف لم يتمكن احد من
هؤلاء جميعا معرفة نوعية هذا السلاح فقط أمر السرية الذي علق بحضوري
قائلا (هذا مبين كيمياوي، مبين من سحابة الدخان)، لكن لم يجر الاستماع
إليه.
بالنسبة لي كنت قبل ذلك مريضا ارقد في المستشفى وقد غادرتها قبل يومين
أو ثلاثة أيام، اندهش البعض لانني لم أمارس الرياضة اليوم ولم احضر
لمشاهدتها، بعد حوالي نصف ساعة وكنا لم نعرف بعد إلا الجرحى صعدنا إلى
فصيل الدوشكا حيث لدي استراحة من الطبيبة أم هندرين. كان معي أبو نرجس
وحازم. صعدنا على أمل أن تكون الأمور أفضل. في الليل كنا قد تبادلنا
الحديث عن الأوضاع والقصف والجرحى ومنهم الرفيق أبو فؤاد الذي جاء قبل
يوم من علاجه في إيران، وكان يريد الذهاب في الغد لملاقاة عائلته بعد
غياب دام حوالي ستة اشهر.

مبكرا في الصباح اتصلت بنا قيادة السرية على جهاز الهوكي توكي على ما
اعتقد إلى الذي كان بالقرب من أمر حضيرة الدوشكا أبو لينا (ولد سالك)،
اخبروه أن ضيوفا كثيرين سوف يأتون إليه. لم نكن نعرف من هم أولئك
الضيوف، لكن تبين أنهم كانوا رفاقنا بعد إصابتهم بغاز الخردل الذي أصاب
أكثرهم بالعمى وحروق في المناطق الحساسة من الجسم، منها العيون
والحنجرة. بعد لحظات نظرنا من فوق المكان الذي كنا نحن فيه. الجموع
الكبيرة كانت تصعد متجهة نحونا. إنها المأساة بعينها، ناس تقود ناس كما
يقولون، أكثرهم كان بدون سلاح، بعضهم جلس في منتصف الطريق بسبب التعب.
كان هذا العدد الكبير قد جاء لان هناك دعوة لاجتماع المجلس العسكري
والحزبي في بهدينان. من الموجودين كان المسؤول الأول للأنصار الرفيق
أبو عامل كذلك أبو يوسف وأبو سيروان وأبو ماهر، إضافة إلى الكوادر
الحزبية والعسكرية الأخرى،

بحيث صار العدد يتجاوز العدد (170) رفيقا ورفيقة من مختلف القواطع،
انتظرنا حتى وصل الرفاق وكنا مربكين للغاية لا نعرف نوع الضيوف، أما
نحن الأصحاء الذين لم نصب فكان عددنا خمسة عشر رفيقا وهو تعداد حضيرة
الدوشكا وبعض الضيوف، كان من بينهم أنا وأخي أبو زاهدة. بعد وصول
الرفاق بهذا العدد بادر الرفيق الدكتور أبو الياس بقراره المشهود بغسل
العيون مباشرة، وعلى الجميع غسل جسمه إذا استطاع، إضافة إلى قراره بغسل
العيون بواسطة الجاي البارد. لقد خففت هذه الطريقة من تأثير الإصابة
وأنقذت نظر الرفاق، فقد كانت لدينا عين ماء باردة وجارية، أول
المبادرين لتنفيذ هذا المقترح الرفيق أبو نضال الشايب (هكذا كانوا
يسمونه) ثم تبعه الآخرون وازداد العدد فاغتسل اغلبهم، حيث بقي حوالي
خمسة أو ستة رفاق هناك لحفظ ممتلكاتنا، تبين فيما بعد أن من صفات غاز
الخردل انه ثقيل ينزل إلى الأسفل، وهذا يعني أن الغاز السأم قد دخل كل
قاعات المقر هذا أولا، وثانيا أن التواجد قربه واستنشاقه يؤدي إلى عمى
العيون والتقيؤ ويصيب المناطق الرقيقة في الجسم العيون والبلعوم
والأعضاء التناسلية، الأمر الجيد كان أن عملية القصف جاءت في أيام
الصيف، حيث بقي كل الرفاق خارج القاعات جميع المصابين كانوا يتقيئون
فسارع الرفاق الأقل إصابة بجلب اللبن والحليب وتقديمه للمصابين الذين
افترشوا الأرض أو تمددوا وهم في حالة يرثى لها، بل كان الكثير منهم في
وضع مزر للغاية. كانت إصابات بعضهم خطيرة، خاصة الرفاق (أبو رزكار، أبو
الطيب وأبو أيار) الذين نقلوا إلى المستشفى ثم علمنا بعد ذلك أن الرفيق
أبو فؤاد قد استشهد بسبب إصابته، تألمنا كثيرا لفقدان رفيقنا ومنهم أنا
الذي كنت اعرفه منذ عام 1980 هذا الرفيق الرائع والملتزم والخلوق إلى
ابعد حد، استشهد نتيجة الضربة المباشرة من الصاروخ ونتيجة استنشاقه هذا
الغاز كان تأخير رفاقنا في البقاء داخل المقرات إلى الصباح الحق بهم
أضرارا كبيرة مما جعلهم يستنشقون كميات غير قليلة من هذا الغاز. كان
المفروض أن نسرع في صعودهم نفس الليلة إلى المناطق العالية لفصيل
الدوشكا المرابي فوق الجبل.

قمنا بحملة كبيرة لغسل جميع الرفاق في الحمام، كان عددنا صغيرا بحيث
ترتب على كل اثنين منا أن نأخذ مجموعة منهم وبالتسلسل، كان معي الرفيق
زكي (الجنيدي) في غسل الرفاق ومنهم أبو ماهر، أي ما بين (12 إلى 16)
رفيقا في كل وجبة، لقد بذل الرفاق غير المصابين جهودا جبارة لإنقاذ
رفاقهم المصابين، منهم أبو زاهدة الذي بذل جهدا استثنائيا بشهادة
الرفاق، وكروان وأبو لينا والآخرون، كان يقومون بأعمال الطبخ وجلب
الأرزاق (اللحوم والفواكه والخضار) وأعمال كثيرة أخرى كان يحتاجها
الرفاق المرضى والمصابون. لقد بذل الرفاق في حضيرة الدوشكا جهودا مضنية
يستحقون عليها التقدير والتثمين، وهذا جرى ذلك فيما بعد من قبل قيادة
القاطع وم/السرية. لم يمض أسبوع ففي يوم 12 /6 / 1987 استشهد الرفيق
أبو رزكار نتيجة استنشاقه الغاز السام أثناء حمله للرفيق أبو فؤاد ،
خيم الحزن الشديد على جميع الرفاق لخسارة رفيقنا العزيز والمناضل، خريج
جامعة باكو الذي ترك زوجته وابنته في اذربيجان والتحق بحركة الأنصار
مبكرا منذ عام1981

كان مثالا طيبا لجميع الرفاق، قمنا بدفن الشهيد بالقرب من رفيقه أبو
فؤاد. كنا حوالي خمسة عشر رفيقا بعضهم كان تحسن وضعه الصحي كالرفيق أبو
يوسف عضو ل/ م للحزب الذي ألقى كلمة مؤثرة بحق الرفيق الشهيد قال في
بعضها: (نم قرير العين ونحن سوف نسير على الدرب الذي سرت عليه... ها
هم رفاقك يودعونك بألم وحزن كنت انسانا ومناضلا...) دفن الرفيق أبو
رزكار في قرية زيوه في منطقة نيروه على الزاب مباشرة وفي بساتينها،
وصلتنا إخبارية تقول عندما دخلت السلطة أيام هجومهم في آب عام 1988 قام
مرتزقتها بتفجير قبري الشهيدين أبو رزكار وأبو فؤاد.
في هذه الفترة بالذات كانت الرفيقة أم بدر حامل في شهرها الأخير ونتيجة
للظروف الغير طبيعية وعدم وجود الأدوية والمخدر والمغذي لم تستطيع
المقاومة في ظروف الولادة وهي بين موت الجنين أو الأم وأخيرا مات
الجنين وأنقذت الرفيقة بأعجوبة وبعد معاناة كبيرة بين الحرب والكيمياوي
والطيران وغيرها من الأمور المعروفة.
عدنا إلى مكاننا لنواصل عملنا، في الحقيقة أن كثير من أهل القرية
القريبة منا قد ساعدونا في جلبهم الفواكه والخضار واللبن، كانت
مساعدتهم تستحق التقدير والاحترام. قبل استشهاد الرفيق أبو رزكار وبعده
حدثت كثير من الأمور المضحكة كنا نتقبلها رغم أننا كنا نعيش اسوأ
الظروف. مثلا أن احد الملتحقين الذي جاء قبل حوالي شهر كان يقول للرفيق
أبو روزا (والله أنا أول مرة انضرب كيمياوي). فيرد عليه أبو روزا
بأسلوبه (كواد شنو احنه يومية مضروبين، كواد إحنا مثلك أول مرة ننضرب.(

أبو عجو (فنان مسرحي معروف) يقود ثلاثة رفاق هو أفضلهم. الآخران لم
يستطيعا فتح عيونهما، على هذه الصورة كان الثلاثة يسيرون مثل الجنود
بخطوات متباعدة. كانت هناك سواقي صغيرة، كانوا يخافون السقوط فيها،
لكنهم في أثناء رفع أقدامهم وإنزالها كانوا جميعا قد سقطوا في الماء
وسط ضحك بعض مفتحي العيون وتعليقات الآخرين المتربصين. ومما حدث أيضا
أن واحدا من الرفاق ذهب مع الرفيق أبو نرجس إلى التواليت وأجلسه فيه في
الوسط، لكنه كما يقول أبو نرجس ركزه في الوسط ليفعلها على الجانب على
الخشبة (لان التواليت عبارة عن أربع خشبات وضعت بشكل مستقيم وكان الوسط
فارغا.
كنا نأكل الرقي أنا وأبو أنيس وأبو تحسين الذي أصيب جراء ضربنا
بالكيمياوي وكان بصرة قد ضعف جدا بسبب الإصابة. كان هناك بعض الرقي
الأحمر وكذلك الأبيض (الفطير) رغم ضعف نظره كان الرفيق أبو تحسين يلتقط
قطع الرقي الأحمر فقط، عند ذاك أمسك أبو أنيس يده قائلا له: (شلون تكول
"تقول" ما اشوف؟) فرد أبو تحسين بتمسكن (والله أيدي تروح على الركي
الأحمر). حدث كثير من المفارقات التي يقوم بها الرفيق. أبو نادية سرقت
البطانية وحيله كانت كثيرة في لعبة الكنستر لان الباقين كانوا نصف
مبصرين، من المفارقات أن احد الأغصان الكبيرة لأحد الأشجار الكبيرة سقط
بدون سبب وكاد أن يقتل الأنصار، حيث الصدفة انه لايوجد ولا واحد تحت
الشجرة في تلك اللحظة.
عند تقيمنا لما آلت إليه هذه الوضعية، يمكن أن نحمل الجميع المسؤولية،
والمسؤولون في القيادة منهم بالذات، حيث أن هذا التجمع الكبير في هذا
الكلي الصغير لم يكن مبررا وربما كان خطأ. من المؤكد أن إخبارية قد
وصلت بهذا الخصوص من العملاء إلى السلطة، بحيث عندما تم ضربنا، كرم
الطيارون الذي اشتركوا في الضربة بما يسمى بأنواط الشجاعة من الدرجة
الأولى التي منحت لهم بمرسوم جمهوري لقيامهم بضرب العصاة على حد تعبير
النظام إضافة إلى أن راديو بغداد كان يذيع وبشكل متواصل الأغاني التي
تتحدث عن العيون وحب العيون وغير ذلك لكي يذكرنا بفعلتهم الشنيعة. وهذا
يعني أن النظام كان على علم مسبق بهذا التجمع من الرفاق، الخطأ الآخر
يتعلق بعدم تقديرنا واهتمامنا بإيصال الأخبار إلى السلطة والاستهانة
بإمكانياتها. هذا الإهمال الذي أدى إلى تعرضنا لخسارة كبيرة وأضرار
كبيرة في الرفاق والمباني والمواد وفي المعنويات أيضا، كان علينا أن
نحسب حساب ما حدث وان ندقق في كل احتمال مهما كان ضعيفا، وحسم الأمر في
معرفة نوع السلاح الذي ضربنا وان لا نطيل النقاش فيه لتصبح بعض
الإصابات خطيرة. كنا نجهل الأسلحة الكيمياوية، ولو كنا نعرف نوع السلاح
الذي ضربنا به لكنا تفادينا على الأقل بعض الخسائر وتفادينا الإرباك
والفوضى.
بعد حوالي شهر نزلت الأكثرية إلى المقرات شاهدنا آثار الخراب وسقوط
الأتربة من السقوف تابعنا عملنا الذي تحسن، كل منا ذهب إلى مكان عمله
أو مفرزته أو القاطع الذي ينتمي إليه، هكذا انتهت عملية اجر أمية قام
بها النظام كادت أن تؤدي إلى قتل أكثر من مائة وخمسين نصيرا من أنصار
الحزب الشيوعي العراقي بين عضو حزبي وصديق وكادر وقيادي وإنهاء مقر
القاطع وتدميره بكل ممتلكاته. هذه الضربة الجوية لم تصل إلى مقر الحزب
الديمقراطي الكردستاني، بل استهدفت مقراتنا بالذات، لكن الجبل القريب
منهم قد أصيب جراء تلك الجريمة.
كان دور الأطباء متميزا ومن كافة الأحزاب الحزب الديمقراطي الكردستاني
والاتحاد الوطني الكردستاني و رفاقنا.
|