|
مسيرة الجمال والنضال-42
فيصل الفؤادي(أبو رضيه(
علاقتنا مع الأحزاب والقوى الوطنية
على ضوء الظروف التي أحاطت بنا في المنطقة ومنها الهجوم التركي
وانتقالنا إلى زيوه، كذلك تأثرت القوى والأحزاب القومية الكردية في
تركيا ومنها صديقنا منظمة كوك، فقد عانت تلك المنظمة من مشاكل تنظيمية
صعبة في الجانب الطلابي والتنظيم الفلاحي وانتقل بعضهم إلى مقرنا في
زيوه وبنيت لهم قاعة مع مرافقها.هذه المنظمة التي ساعدتنا كثيرا في جلب
الرفاق من الحدود التركية إلى مقراتنا في الشريط الحدودي في العراق ،
إضافة إلى مساعدتهم في نقل السلاح والتموين ، حيث ارتبطنا بهم بعلاقات
نضالية متينة ، من جانبنا ساعدنا مناضليهم في السفر والعلاج والمساعدات
المادية والتموينية وغير ذلك . وكانت لنا علاقات جيدة مع الحزب الشيوعي
التركي والأحزاب الديمقراطية الأخرى ومنظمة ( داده قده )، ولم نرتبط
بعلاقة جيدة مع حزب كوك حيث كان يتعامل مع النظام الدكتاتوري في بغداد.
أما الأحزاب العراقية، ففي بداية تواجدنا في كلي كوماته الأول والثاني
لا توجد أحزاب في منطقة بهدينان غير الحزب الديمقراطي الكردستاني
وحزبنا ولكن ظهرت بعض البوادر من الحركة الاثورية الديمقراطية في
المناطق المسيحية وخاصة في قرية كاني بلاف في بداية1983، ومع التطور
فتح لهم مقر 1984 في منطقة زيوه وطلبوا دعمنا، وبالفعل تم دعمهم
بالسلاح ( أكثر من مرة نقلت لهم العتاد والسلاح وبموافقة مكتب القاطع )
إضافة إلى الدعم المادي، حيث كانت معاناتهم، إضافة إلى انشقاقهم إلى
حركتين، المهم اتسمت علاقتنا بالجيدة.
وفي مقر زيوه تواجد حزب ( كادحي كردستان ) بقيادة السيد قادر عزيز وهم
بالأساس انشقوا عن الحزب الاشتراكي الكردستاني ، وكانوا في البداية
عددهم قليل حوالي 30 من البيشمركة وبعضهم كوادر جيدة ، وكانوا قريبين
منا حيث الزيارات المتكررة، وشكلنا معهم لجنة تنسيق أيضا وهم يقدرون
حزبنا ومكانته وتاريخه النضالي
.
وتواجد حزب الشعب كأفراد في المنطقة ولم يكن لهم مقر خاص بهم ولكن
شكلوا ركائز عديدة في منطقة نيروه وقراها، إلى أن منعوا من العمل بشكل
علني وبعضهم سافر إلى الخارج وآخرين لجؤا إلى النظام وآخرون تركوا
العمل.
بصورة عامة كانت العلاقات متميزة كما ذكرت سابقا مع الحزب الديمقراطي
الكردستاني، وللتاريخ لم يكن للاتحاد الوطني أي عنصر أو مقر في
المنطقة، لكن في بداية 87 انتقلت مفرزة قوامها حوالي 60 من البيشمركة
من سليمانية واربيل إلى المنطقة وبنوا لهم مقر في زيوه، ومن خلال ذلك
نزلوا إلى القرى المحيطة للتعريف بحزبهم.
احتفالات الحزب بالعيد الخمسين

في هذه الفترة أي قبل نزولنا إلى المنطقة احتفلنا بعيد الحزب الخمسين.
كان احتفالا رائعا حيث تم التحضير له وكانت هناك دعوات للحزب
الديمقراطي والاثوري. كان الأهم في كل ذلك هو منح سكرتير حزبنا عزيز
محمد وسام لينين من قبل الاتحاد السوفيتي بمناسبة بلوغة 60 عاما وهو
تقدير لحزب الشيوعيين العراقيين ودورهم على الساحة السياسية العراقية
والعالمية. هذا الوسام أعطانا معنويات كبيرة حيث منحت الجائزة من
الدولة التي نحبها وندافع عنها نحن الشيوعيين العراقيين. منذ عام 1963
أرادت السلطات أن تغير في مواقفنا ونشتم الاتحاد السوفيتي وتم إعدام
الكثير من رفاقنا بسبب مواقفهم البطولية، وقد أبى رفاق فهد وسلام عادل
ذلك.

النزول إلى المنطقة والقيام بالعمليات
نزلنا إلى المنطقة بفصيل مقر السرية وبعض رفاقها من الفصيلين الإدارة
والسجن. كنت الإداري والرفيق أبو بسام المستشار السياسي وآمر الفصيل
أبو أنيس وقد تجولنا في منطقة كارا ودشت الموصل مع الرفيق أبو جوزيف
وكان معنا رفاق الفوج الأول. تقرر القيام بعملية عسكرية نوعية.

تم إرسال مجموعة استطلاع بقيادة أبو ليلى وفي اليوم الثالث تهيئنا
للقيام بهذه العملية التي ستجري على شارع يمر من سواره توكا إلى دهوك
تأتي 5 إلى 6 سيارات عسكرية مع سيارة صغيرة تقود المسؤول العسكري.
ذهبنا إلى المنطقة التي تتم فيها العملية (الكمين) مبكرا بعد أن توزعنا
إلى ثلاث مجاميع، مجموعة الدوشكا التي كانت تضم أبو رضية وشوكت وحميد
دوسكي ورفيق آخر لم اذكر اسمه معهم حيوانان للحمل، والمجموعة الثانية
التي يقودها أبو ليلى وتضم رفاق من سرية المقر أبو نسرين ومخلص، الفوج
الأول اشترك بأربعة رفاق، والمجموعة الثالثة وهي المشاغلة لإحدى
الربايا وتضم الرفيقين أبو جوان ووسام الأشقر.

جلسنا في مواقعنا كما قلت مبكرا نستطلع المنطقة بشكل جيد وننتظر
السيارات التي سوف تأتي في الساعة الثانية عشر ظهرا ولكنها اليوم تأخرت
حوالي سبع دقائق. أربكنا هذا التأخير ولكن بعد لحظات وصلت السيارات
الخمس مع سيارة جيب صغيرة. بعد اقل من نصف دقيقة أي عندما أصبحت
السيارات في الوسط انهال عليها الرصاص من الكمين الأسفل أي من المجموعة
الثانية.
السيارة
الأخيرة استطاعت الرجوع أما السيارات الأخرى فقد توقفت قرب المعمل بما
فيها سيارة الجيب وبعضهن انحرف عن مساره. لقد اشتعلت المنطقة بالنيران
الكثيفة. بعد دقائق انسحب رفاقنا من الكمين بشكل سريع بتغطية من
الدوشكا حيث كنا نرمي على جميع الربايا ولم ترد علينا إلا ربية واحدة،
أما الربية التي ذهبت إليها المجموعة الثالثة فلم ترد عليهم. بقينا مع
الدوشكا حوالي ربع ساعة للتأكد من عدم وصول الطائرات إلى المنطقة. بعد
ذلك انسحبنا من المنطقة بعملية جريئة وكبيرة كان لها صدى كبير كونها
جاءت في عز الظهيرة مما أربك السلطة وعملاءها. ثم تجولنا في المنطقة و
ذهبنا إلى سينا وشيخ خدر وذهبنا إلى مقر الحزب عام 1970 بيرموس. وقد
شرح لنا الرفيق أبو جوزيف شيئا عن الموقع والحمام والكلي...الخ.
انتقلنا إلى احد الكليان وقد أشار الرفيق أبو أنيس إلى قبر الرفيق
الشهيد أبو علي النجار. وقفنا دقيقة حداد على قبره وشرح لنا حوالي عشر
دقائق عن ظروف استشهاد الرفيق حيث تم نقله ست ساعات من القرية التي
أصيب بها على وسادة أو ما يشبه النقالة من الخشب حيث كان قد أصيب في
رأسه.
كان عدد الهاربين من الجنود كبير جدا، حيث التقينا بأبناء المنطقة
وآخرين من مناطق أخرى ضيوف عند أقربائهم هاربين من جحيم الحرب، وبعضهم
التحق في البيشمركة للأحزاب المتواجدة ومنهم حزبنا، وكانت لهم مواقف
جيدة في الدفاع عن المنطقة وأهاليها خاصة هجوم كانون الثاني من عام
1987 بعد جولة استمرت حوالي شهر ونصف في المنطقة، حيث احتفلنا خلالها
بعيد العمال العالمي في احد الوديان حيث تحدثنا أنا ورفيقي أبو تحسين
عن ظروف العمال ومعاناتهم في ظل حكم الدكتاتورية ثم انتقلنا إلى الجانب
الترفيهي بأغاني بسيطة ومسابقات في سرعة فك وتركيب سلاح الكلاشنكوف.
التقيت خلالها ببعض الرفاق الذين كانوا من أصدقائي القدماء ومنهم صباح
كنجي وهذا النصير من الوجبات الأولى التي وصلت إلى كردستان عن طريق
سوران وهو ابن المنطقة ورفيق كادر حزبي لا يفهم الدبلوماسية في طروحاته
المباشرة والتي يصفها البعض بالقاسية، له دور متميز في العمل التنظيمي
المحلي وهو ابن جمعة كنجي كاتب القصة المعروف. لا بد لي أن اذكر قضية
ما علق فيها الأب (جمعة) على الأوضاع في بداية الثمانينات. حيث قيل له
إن الرفيق كاظم حبيب عضو اللجنة المركزية للحزب يسلم عليك فرد عليه
وبغضب (روح قول له الحكومة حقيرة والشعب انتهازي والثوار ما بيهم خير).
حيث كان يعاني من الأوضاع السيئة وأعمال النظام الجائرة بحق الشعب وهو
يشاهدها يوميا حيث كان يعيش في الموصل.
بعد
رجوعنا بأيام كانت تهديدات تركيا لنا مستمرة. كذلك للقوى الموجودة
معنا، حيث شكلنا مع الحزب الديمقراطي الكردستاني ربيئتين في منطقة
نيروة لمراقبة تحركات الأتراك وهذا الجبل المطل على قضاء (جلي) وهو
حدودي مع العراق وفيه فوج عسكري تركي إضافة إلى القرغول. بالنسبة لنا
كنا نتناوب بين الفصائل للذهاب إلى تلك المنطقة الجبلية العراقية
(نيروه). كانت طائراتهم تجوب المنطقة ومرة اقتربت من مقراتنا في كلي
زيوه، فما كان من رفيقنا قاذف صواريخ ارض جو (منذر) إلا أن يطلق صاروخا
باتجاه الطائرة وكنت في حينها قريبا من رفيقنا وأنا أشاهد كيف استطاع
الطيار أن يتخلص من هذا الصاروخ بصعوده المفاجئ إلى الأعلى حيث ارتطم
الصاروخ بالجبل واشتعلت الأشجار هناك. لقد فوجئ الجميع بما فيها قيادة
القاطع لأننا لا نملك إلا ثلاثة صواريخ في ذلك الوقت، وكل صاروخ وله
ثمنه.
|