|
"
العريف " صحيفة يتيمة
تقي الوزان
كان الانحدار حادا , وحافات الصخور المتكسرة تملئ الطريق النيسمي
المنحدر من أعلى الجبل, الذي كان مؤملا أن توضع عليه دعامات الحدود .
كانت مريوان تبدو من أعلى الجبل مجموعة بيوت محصورة بين جبلين , وكلما
اقتربنا منها تتوضح معالم المدينة الإيرانية الجميلة . منذ الصباح
الباكر تركنا مقر أنصار الحزب الشيوعي لقاطع سليمانية وكركوك في وادي
"كرجال" , الذي يقع في ظهر شلال " احمد آوه " في المنطقة المحصورة بين
" خورمال " شمالا و" حلبجة " جنوبا . كنا ثلاثة رفاق مع مفرزة للأخوة
البارتي , كان يتقدمنا الرفيق الكردي المكلف بحمل حقيبة الملابس التي
وضع فيها البريد الحزبي للقاطع ما بين غلافيها الخارجي والداخلي ,
لإيصاله لقيادة الحزب في قاطع اربيل عبر إيران . الرفيق الآخر كان
ضابطا , وفشل في كل المهمات التي أوكلت إليه , وكان طموحه العمل في
الإعلام , إلا ان سوء التقدير جعلهم يرسلوه إلى الدراسة العسكرية في
اليمن الجنوبية . تأخر الضابط معي , وبتردد اخبرني : بأننا يجب أن نكون
بعيدين قدر الامكان عن الرفيق الذي يحمل الحقيبة في المدن الإيرانية .
سألته : لماذا ؟ قال : لكي نستطيع الهروب فيما إذا القي القبض عليه .
كان مرعوبا , وخيل إليه إن الوضع سيكون أشبه بحملة البعثيين عام 1979 .
أخبرته : بأننا نمتلك أوراق رسمية باسم الأخوة البارتي , ونحن بحمايتهم
وسنبيت الليلة في مقرهم في مريوان
.
لم يكن تطميني للرفيق الضابط نابع من معرفة بإيران , فهي المرة الأولى
التي أزورها , ولكن كنت مكلوما , وابحث عن أية مساحة أوطن فيها قلقي ,
كنت ابحث عن أي شئ يمزق المرارة التي تسحقني , وغطت على أكثر من خمسة
عشر عاما من رفقتي في الحزب بعد أن دفعوني في هذه المفرزة . رفيقي لا
يعرفان سبب وجومي , وهما المتعودان علي في تبديد ما يعكرهما . قبل أيام
وصلتني رسالة شكر من مكتب القاطع لإحيائنا حفلة عيد ميلاد الحزب في مقر
القاطع الذي يبعد عن مقرنا الفرعي مسيرة يوم كامل , وقدمنا خلالها عرض
مسرحي من تأليفي وإخراجي وفعاليات غنائية راقصة , قدمناها أيضا في طريق
عودتنا في مقر الفوج التاسع . وأكدت الرسالة على فاعلية هذه التظاهرة
الثقافية , وما منحته للرفاق من دفق إنساني رطب الأجواء الجافة للحياة
العسكرية , والمطالبة بتكرارها , وان مقرنا هو أفضل مقر في قاطع
السليمانية . كان هذا قبل أيام قليلة لا تتجاوز الشهر, إلا ان مكتب
القاطع أرسل علي بشكل مستعجل , وفي اليوم الثاني لوصولي التقى بي
الرفيق أبو سرباز ( احمد باني خيلاني ) مسئول القاطع , واستفسر مني
بشأن جريدة اسمها " العريف " تنقلت بين بعض الأنصار , واخبرني بأنهم
يعرفون إني وراءها . انتقدت نفسي مثلما طلب مني احد رفاق القاطع ,
لكوني ( لم آخذ فيها إذن من القاطع ) , وأوضحت له إنها ليست أكثر من
محاضرة ثقافية بدل أن يأتيها النصير, تذهب هي اليه , ولا علاقة لها
بالسياسة, وسألته : ما الذي يوجد فيها كي يتم استدعائي بهذه الصورة ؟!
لم يجبني , وتأكدت أنهم لم يطلعوا عليها . المهم , اخبرني باني غير
مرغوب بي في القاطع , وعلي الذهاب إلى المقر العام في لولان , وهي
القاعدة الرئيسية التي استحدثت بعد تدمير بشتاشان على أيدي قوات
الاتحاد الوطني .
بعد بشتاشان أصبح الوضع صعبا داخل الحزب , فقد تكشف ضعف اختيار القاعدة
من الناحية العسكرية , حيث لم تتمكن من الصمود بوجه أية هجمة , ومما
زاد في الطين بلة , إنها أصبحت القاعدة المركزية التي تتواجد فيها
قيادة الحزب والأنصار , والإذاعة والإعلام , رغم التحذيرات المتكررة
بعدم صلاحيتها من قبل العديد من الكوادر العسكرية . تمزق القاعدة ولد
ردود فعل سلبية تجاه القيادة , ومن الجدير بالذكر إن اغلب الأنصار
كانوا شبابا , واغلبهم من الطلبة الذين تركوا مقاعدهم الدراسية سواء
في الإعدادية أو الجامعة والتحقوا بكردستان , ويحرصون على سلامة الحزب
بنفس درجة حماستهم وتضحيتهم التي لا تعرف الحدود , ويتعاملون مع الحزب
ومجموع القيادة مثل ما يتعاملون مع فرد , وليس مع مؤسسة سياسية
اجتماعية يخضع اتخاذ القرار فيها للأخذ والرد , وقد يستغرق فترة ربما
تطول إلى ما بعد انتهاء الحالة , كان الشباب يريدون أجوبة صريحة وسريعة
, ولا يتقبلون في بعض الأحيان ضرورة استيعاب ( آلية اتخاذ القرار
البطيئة ) . إن العيش المشترك بين القيادة والقاعدة , ومعرفة التفاصيل
الشخصية لكل رفيق , ولد احتكامات جديدة للقدرة القيادية والفكرية
والسياسية لدى كل رفيق , وأزاح الكثير من الهالة التي كانت تظلل أعضاء
اللجنة المركزية , ووجد البعض منهم اندفاع الثقة بأنفسهم إلى أعلى
مستوياتها , دون الأخذ بسياقات العمل التنظيمي , وان خسارة بشتاشان لن
تكون نهاية المطاف . في هذا الجو المرتبك كانت الاستجابة السريعة ,
ودون تحضيرات كافية , لمعركة بشتاشان الثانية , والتي لم تكن أكثر من
رد عشائري لتزيد من خسائرنا وشهدائنا
.
أصبحت الوضعية أشبه بحالة الفراغ السياسي , بين التبريرات التي تحاول
أن تخفف من وطأة الخسائر , وبين الاندفاعات التي لا تنهض على ارض
الواقع في كثير من الأحيان , وفي مثل هذا الجو تنمو الانتهازية ,
ويتطوع البعض من ضعاف النفوس لنقل بعض الشطحات , أو كلمات انفعالية
قيلت في لحظة غضب لا تعبر عن موقف الرفيق , أو تلفيق في بعض الأحيان .
والذي زاد من هذه الحالة تشجيع البعض لها باسم المحافظة على سلامة
الحزب . في هذه الأجواء أصدرنا صحيفة " العريف " , وكان معي صديقي حيدر
الذي يسكن الآن في النمسا . كان حيدر شاعرا , ويمتلك عقلية جدلية عميقة
لا تتناسب مع خيال شاعر يته , وكان مصمما جيدا أيضا , وأخرجها بشكل
جميل وبأربعة ألوان ( ماجك
. (
لم نكتب فيها عن التوجهات السياسية , ولا عن الفشل والإخفاقات , ولا عن
الصراعات الشخصية بين بعض أعضاء القيادة . كنا نركز فيها على القضايا
الأخلاقية , حتى مقالاتها الافتتاحية أكدنا فيها على ضرورة عدم
الانزلاق لأخلاق لا علاقة لها بالمبادئ الشيوعية كما يحاول البعض دفع
الرفاق والأنصار إليها , ولا للانسياق وراء بعض الرخويات التي لم
يتكامل بناءها الفكري بعد . إضافة لما كانت تحويه من طرائف وأدب وشعر
ورياضة , وكانت بثمان صفحات صغيرة " نصف ورقة فلسكوب " وقد تبرع بعض
الرفاق لنقلها بين الفصائل دون أن تثير أي التباس لتكون مادة جرمية
من قبل الآخرين , حيث كان الحرص فيها واضحا على سلامة الحزب وموضع
اعتزاز من الرفاق . ولكن يبدو ان ما أثارهم هو عنوانها " العريف " ,
وسعرها خمسة " واشرات " , وشعارها كلمة برنادشو " إذا سقطت المرأة
أصبحت زانية , وإذا سقط الرجل أصبح شرطيا
" .
هناك أمور تحدث ويتم التوافق على مرورها خوفا من نتائج افدح وأوخم ,
وهذا ما حدث في تمرير قرار الجبهة الوطنية مع البعث عام 1973 , وكان
الحزب وقتها تحت تأثير وطأة الانشقاق ( القيادة المركزية ) , وتمزق
الشبكة التنظيمية, واستغلال البعث لهذا التمزق لضرب الطرفين وإيقاع
اكبر الخسائر بالشيوعيين , ووجد الحزب نفسه مدفوعا بالحفاظ على ما
تبقى من القواعد لا عادة بناء الحزب مجددا . وبين حاجة الحزب لاستغلال
ظرف ( مهادنة ) لإعادة التنظيم , وبين عدم الالتزام بالسرية والخدر
والاسترخاء الذي طبع العمل , بدل الحذر من قاتل معروف لا يؤتمن رغم
توقيعه على ميثاق التعاون , تولدت القناعة بخطأ قرار الجبهة
.
وفي موقف مشابه , لكنه اتسم بالوضوح , وجد الحزب نفسه عند تشكيل
القواعد الأنصارية عام 1979 يتمتع بنفس جديد رغم دموية الضربة التي
تلقاها , وانعكس ذلك بالدفق السريع للنهوض بالعمل الأنصاري رغم
الصعوبات الخيالية في بعض الأحيان , والتي بلغت أن لا تمتلك قاعدة
أنصارية غير بندقية واحدة , ولا تمتلك من المال غير ما حمله الرفاق
عند الالتحاق من مصروف شخصي استهلك لشراء الخبز والشاي , الغذاء الوحيد
لأشهر طويلة , وسط ثلوج قاسية وعزلة لا يتخللها غير سماع صوت راديو
ترانسستر يوصلك بأخبار العالم . وبعد عدة اشهر امتلأت كردستان بمئات
الشباب والشابات الشيوعيين , كان لوضوح التوجه في الرد على جرائم
النظام السبب الأساس في تحمل كل تلك الصعوبات والحرمانات , والنهوض
بالعمل الأنصاري بفترة قصيرة إلى مستويات هددت وجود السلطة حتى في
مراكز محافظات السليمانية واربيل , وحررت قرى ومناطق ريفية كبيرة من
ايدي السلطة .
كان الشيوعيون الحزب الوحيد الذي يرفع الراية العراقية بين الأحزاب
القومية الكردية , ومقاتلوه خليط من كل العراقيين , ولا تعرف مشاربهم
بالتحديد , كانوا موضع اعتزاز وتقدير سواء لرفاقهم البيشمركَة في
الأحزاب الأخرى, أم للجماهير الكردية التي احتضنتهم بكل نبل , وعوضتهم
الشئ الكثير من حرماناتهم لعوائلهم وأهلهم . وتعلم العرب اللغة الكردية
بسرعة كبيرة , أحبوها وأحبوا الاندماج في مجتمع الريف الكردي , وقدموا
لهم المساعدات الطبية والعسكرية وكل ما يستطيعون عليه , وباتت مفرزة
الطريق التي تعمل بين سوريا وكردستان عبر طرق المشاة الجبلية الوعرة في
تركيا , جميعها من رفاق البصرة والناصرية وبغداد . وفي نفس الوقت كان
الحزب لا يزال يمتلك علاقاته الدولية المؤثرة, والتي كانت قوة كبيرة
دافعة في الحصول على مساعدات عسكرية ومادية زادت في إمكانية أدائه
وأداء حركته الأنصارية , وفي توضيح الصورة الحقيقية لفاشية النظام ,
وكسب التأييد الدولي – رغم كونه بطيئا – لصالح القضية العراقية
.
كان الحزب يطمح إلى لملمة المعارضة التي ازداد حجمها وقوتها , لتكون
موحدة بوجه جبروت النظام , ويؤمن بأنها الطريق الوحيد الذي يمكن أن
يسقط النظام الذي بات منشغلا بالحرب مع إيران , ولا يعرف كيف يعالج
هزائمه العسكرية. وشكلت الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية "جوقد "
لتضم كل القوى المعارضة العراقية , إلا ان الاتحاد الوطني الكردستاني
رفع " فيتو " بوجه انضمام الديمقراطي الكردستاني , مما اضطر الحزب لخلق
جبهة أخرى باسم الجبهة الوطنية الديمقراطية " جود " مع الديمقراطي
وأحزاب كردية أخرى , ولا تتعارض مع " جوقد " . كان موقف الحزب واضحا
برفض الاستئثار واحتكار العمل العسكري والسياسي ,ورغم استمرار وجود
الحزب الفاعل في " جوقد " إلا ان بعض القيادات في الاتحاد الوطني فسرت
موقف الحزب على انه انحياز للديمقراطي . وبتقدم الأحداث توضحت أكثر
نزعة الاستئثار لدى الاتحاد الوطني , بعد ان وجد نفسه يمتلك القوة في
كردستان , وأراد أن يخضع الجميع لإرادته. وبعد فترة قصيرة كانت جريمته
بحق الشيوعيين في ضربة بشتاشان, العنوان الأوضح لهذه النزعة
الاستئثارية , التي أعاقت كثيرا تطور الحركة , بعد أن أصبحت قواته
حاجزا بين قوات الأنصار ومراكز الحكومة
.
الكثير من البيشمركَة يعتقدون ان الانحدار الذي اضعف حركة الأنصار ,
وأوقف نموها وحجّمها , بدء في تلك الفترة من النصف الثاني لعام 1982
نتيجة هذه الممارسات قبل أي شئ آخر . ومن غرائب بشتاشان ان كريم احمد
عضو المكتب السياسي للحزب , وابو سرباز ( احمد باني خيلاني ) عضو
اللجنة المركزية كانا من ضمن الأسرى الذين سقطوا في أيدي قوات الاتحاد
, وفي فترة أسرهم ( اقنعا ) على إصدار بيان مشترك بصفتيهما الحزبيتين
مع قيادة الاتحاد الوطني يدعو لتهدئة الأوضاع . وبعد إطلاق سراحهم وجهت
قيادة الحزب الرفيق كريم احمد لزيارة المقرات المتفرقة للأنصار, وطرح
التبريرات للموقف الذي دفعهم لإصدار البيان المشترك, والرفيق ابو سرباز
أرسل مسئولا لقاطع السليمانية
.
رغم التاريخ النبيل للرفيق احمد باني خيلاني ( ابو سرباز ) , إلا انه
ومن سوء حظه وضع تحت المجهر في موقفين تاريخيين مفصليين , كانا بحاجة
إلى إدراك متميز لا يخضع فيه الرفيق لرغبة آخرين , وهما , عندما
تعادل التصويت بين مؤيد ومعارض لإقرار الجبهة الوطنية داخل قيادة الحزب
عام 1973 , طلب الرفيق عزيز محمد سكرتير الحزب تأجيل عمل الجلسة
لساعتين , التقى فيها مع ابو سرباز , بعدها صوت ابو سرباز لصالح
إقرارها بعد أن كان معارضا . والثاني , هو البيان الذي أصدره مع الرفيق
كريم احمد وهم في الأسر عند الاتحاد , ولم تنشف دماء شهداء وشهيدات
الحزب بعد . والذي قرء مذكرات الرفيق أبو سرباز يجد انه أرهق نفسه في
تبرير غير موفق لهذين الموقفين , ولا شك ان الضغط النفسي أرهق أبو
سرباز وقد نسب بعد خروجه من الأسر مباشرة مسئولا لقاطع السليمانية
وكركوك , وكان بحاجة لممارسة يثبت فيها لنفسه وللآخرين بأنه لا يزال
قادر على اتخاذ القرارات ( الحاسمة ) , فأصر على طردي من القاطع , رغم
عدم موافقة الآخرين , مع رسالة إلى قيادة الحزب كان يجب ان تكون شديدة
, لكي يقنعهم بصواب (حزمه )ويضعني في دائرة المشاكسة إلى يوم الدين ,
لأكون درسا للأنصار في القاطع, والذين اخذوا ينتقدون القيادة بوضوح
اكبر بعد أحداث بشتاشان
.
|