|
تباريح رقمية في الثقافة السعودية
لم يكن نتاج الشاعر الشرقي ( العربي ) الدكتور مشتاق
عباس معن نتاجاً شخصياً أو محلياً ، بل هو نتاج شرقي –
عربي يقف بموازاة النتاج الغربي ، تلك المعادلة التي
وعاها كثير من الكتاب والمثقفين ناهيك عن النقاد
والمبدعين ، فنظروا إليها بمنظار يوازيه ، نعم هناك
بعض الأصوات التي سارت عكس التيار فرفضت أو شككت ،
لكنها تبقى في حدود الحالة الصحية التي ينبغي أن
يعيشها الفكر العربي ، فالمنجز الذي لا يحدث أفعالا
وردود أفعال سلبية وإيجابية لا يعدّ منجزاً حقيقياً ،
لذلك نجد اختلاف النغمات في تقييم منجز الشاعر المبدع
د مشتاق عباس معن إشارةً إلى تميز منجزه .
ونحاول أن ننقل في متابعتنا هذه جزءاً من ذلك الاهتمام
في الثقافة السعودية ، وهي ثقافة مهمة في منظومة
الثقافة العربية المعاصرة ، فهي التي أنتجت د عبد الله
الغذامي ، ود عبد الله الفيفي وغيرهما من المثقفين
والمبدعين العرب المتميزين نقداً وشعراً وإبداعاً ، إذ
نشرت صحيفة ( الجزيرة ) التي تنشر ورقياً وألكترونياً
في عددها 232 الموافق يوم الاثنين 4/2/2008 – 27 محرم
1429 بصفحتها الثقافية ، تحقيق الصحفي الثقافي ( خالد
الغانم ) الذي جاء بعنوان ( الدواوين الصوتية : بين
شعراء الفصحى وشعراء العامية ) وقد كان منجز الشاعر د
مشتاق عباس معن حاضراً في هذا التحقيق ، فوجدنا بنقل
جزء منه دليلاً على الاحتفاء الجميل الذي يدل على
ثقافة التفاعل الحقيقية بين الأوساط الثقافية العربية
.
وقد بدأ الصحفي الثقافي ( خالد الغانم ) تحقيقه
الاستطلاعي بسؤال جاء فيه ( من يتابع الساحتين
الشعريتين الفصيحة منها والعامية يلحظ اهتمام الأولى
بالنتاج المقروء بشكل أكبر من النتاج المسموع بعكس
الثانية، فما سر ذلك؟ هل هو لكون جمهور الفصيح من
النخبة المثقفة التي تفضل ثقافة التدوين على ثقافة
المشافهة؟ أم لأن الشعر الفصيح الحديث يتسم كثير منه
بالغموض فلا يكاد يفهم إلا بقراءة متأنية لا بسماع
عابر؟ هل تسهم الدواوين الصوتية في توسيع دائرة جمهور
الشعر الفصيح؟ هذه الأسئلة طرحتها على مجموعة من
الشعراء فكانت هذه الإجابات) .
وكانت إجابات المثقفين متنوعة ومن ضمنها إجابة الناقد
العربي الكبير ( أستاذ النقد الأدبي في جامعة الملك
سعود ) الدكتور عبد الله الفيفي معنونة بـ ( أمر طبيعي
) جاء فيه :
( د.عبدالله الفيفي قال: الأمر الطبيعي أن يكون الشعر
العاميّ صوتيًّا سماعيًّا. على أن ظاهرة الدواوين
الصوتيّة ليست سوى تقنية واحدة من تقنيات نشر الشعر
العاميّ اليوم، فلقد ساد طوفان اللهجة وسائل الإعلام
المكتوبة والمرئية والمسموعة، وطغت مساحة الشعر
اللَّهَجي على الشعر الفصيح في السنوات الأخيرة، فيما
كان الطبيعي أن يبقى ذلك الشعر شفاهيًّا لا مكتوبًا.
بل ها نحن اليوم لا نكتفي بارتدادنا عن ثقافة الكتابة
إلى ثقافة المشافهة، وعن الثقافة العالِمة إلى الثقافة
العاميّة، ولا بكتابة الأدب اللَّهَجي الشفهي، بل هناك
محاولات أيضًا لإدخال اللهجات عصر الإلكترون وبرمجيّات
الحاسب الآلي العالمية! وفي ذلك خطورة -لا ينكرها إلاّ
مكابر- على لغتنا العربيّة وثقافتنا الحضاريّة.
وأضاف الفيفي أن الإنتاج العاميّ ولد شفهيًّا، يُلقى
ويُسمع، وكان من الخير له وللفصحى أن يبقى كذلك. وعليه
فما يحدث من نشره صوتيًّا هو الأصل، لا نشره مكتوبًا،
مع ما لا يخلو منه الأمر -حتى في نطاقه الصوتي- من
ترسيخ قِيَم اجتماعية وأذواق عامّة وثقافات ضيّقة قد
لا تتفق وما ننشده من ارتقاء لا ارتكاس.
أمّا الشعر الفصيح فبعكس ذلك. فلقد قطع أشواطًا واسعة
في كتابيّته، وأخذت القصيدة -منذ أبي تمام من حداثيي
الشعر القديم- تعوّل على مخيّلة القارئ أكثر من أذنه،
كما جعلت القصيدة الحديثة تتكئ إلى ذلك على الإيقاع
البصري في النصّ. بل هناك اليوم ما يعرف بالقصيدة
الإلِكترونيّة التفاعليّة، وهي قصيدة معتمدة على
التقنية والسماع والمشاهدة عبر الإنترنت. وقد بدأت مع
مفهوم (النص المترابط
Hypertext)،
منذ استعمله للمرة الأولى (تيد نيلسون 1965)، يردفه
مفهوم (النصّ الإنترنتّي
Cyber text)،
الذي كان أوّل من استعمله (آرسيت
Espen J Aarseth).
ولي دراسة في هذه التقنية الشعرية الجديدة بعنوان (نحو
نقدٍ إلِكترونيّ تفاعليّ)، أُبيّن فيها ضرورة تلقٍ
جديد، حيث إن المتلقي سيكون بحاجة إلى (قراءة
إلِكترونيّة تفاعليّة)، تضاهي طبيعة القصيدة
الإلِكترونيّة التفاعليّة، وإلاّ كان تلقّيه تقليديًا
لنصّ غير تقليديّ ولا مألوف، ولا مهيّأ لمعظم
المتلقّين متابعته، إلاّ في نطاق نخبويّ ضيّق. ذلك ما
يجابهه المطّلع على تلك القصيدة، ولا أقول القارئ؛ لأن
العمليّة في تلقّيها لم تَعُد قراءة نص فقط، بل هي
تفاعل مع ضروب فنّيّة مختلفة، من: نص، وصورة، وموسيقى،
فضلاً عن الإيقونات، والروابط التصفّحيّة، واللوحات
الإلِكترونيّة.. إلخ. إنها شجرة نصوصيّة إلِكترونيّة،
تذكّرنا -مع الفارق- بفنّ (التشجير الشِّعري) الذي
عُرف في التراث العربي خلال القرن الحادي عشر الهجري،
السابع عشر الميلادي، أو بالشِّعر الهندسي، المختلَف
في تأريخ ظهوره. وهذا الشكل من الشعر لا يشتغل على
البنية الداخليّة للنصوص، ولا على التأثير العروضي أو
الصوتي، بمقدار اشتغاله على طريقة عرض النصوص. ويمكن
القول إذن: إنه وريث محاولات تفاعليّة شعريّة سابقة،
تظهر في تجارب بعض الشعراء المحدثين، وذلك محاولة منهم
لإحداث ضروبٍ من الحواريّات النصوصيّة. وهناك غير اسمٍ
شعري خاض مثل هذه التجربة عبر مجموعات شعريّة كاملة،
يمكن أن يشار منها مثلا إلى: الشاعر علي الدميني- من
السعوديّة- في مجموعته الشِّعريّة بعنوان (رياح
المواقع 1987)، التي أفاد فيها من بعض الأجناس
الأدبيّة والفنيّة الأخرى، ومنها الفنّ التشكيلي،
منتقلاً من (الاستعارة-القصيدة) إلى ما أسميتُه في
مقاربة سابقة ب(الاستعارة-الديوان). وكذا فعل الشاعر
علاء عبدالهادي، من مصر، في مجموعته الشعريّة (مهمل..
تَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ بِظِلّ 2007)، وغيرهما.
موضحاً أنه تطرّق إلى تجربة هذا الأخير في دراسة له
بعنوان (النصّ الغابة). إلاّ أن تلك التجارب إنّما
كانت تحاول ما تحاول على الوَرَق، في حين تخطو تجربة
القصيدة الإلِكترونيّة التفاعليّة، كما في قصيدة
الشاعر العراقي مشتاق عبّاس معن، بعنوان (تباريح
رقميّة لسيرةٍ بعضها أزرق -المنشورة على موقع (النخلة
والجيران) الإلِكتروني- إلى نوعٍ جديد، يتخاطب مع
العين والأذن مباشرة، وعبر تقنية العصر الإلِكترونيّة.
إننا هنا في الفصيح إذن مع عالم مختلف، وبإزاء محاولات
مباينة تمامًا (للدواوين الصوتية في العامي)، تستهدف
تقديم النصّ الشِّعريّ إلى جيلٍ ما عاد يسمع الشعر، أو
يتعامل مع الوَرَق، ناهيك عن أن يَفْرُغ لقراءة ديوانٍ
شعريّ أو سماع شاعر منبريّ يستدرج الجمهور إلى سماع
عصمائه. وفي هذا مسعًى لنَقْل الشِّعر بطريقة مدهشة،
وطريفة، تتواصل مع مختلف حواس المتلقّي، وعبر حساسيّة
إنسانيّة راهنة في التعبير والتلقّي، ضمن منظومة تؤذن
بنهايات عصر المدوّنات الورقيّة، أو على الأقل بوضعها
على الرفّ، مفسحةً الميدان واسعًا لنوافذ إبستمولوجيّة
لا نهائيّة، بفضاء العالم أجمع.
وخلص الفيفي إلى أن المسألة بين الشعر العاميّ والفصيح
في هذا المضمار تأتي عبر سياقين ثقافيين مختلفين:
شفاهي/ سماعي، وكتابي/ تأمّلي. على أن الشِّعر العربي
بعامّة يظل صوتيًّا، ولو عبر المخيّلة، وإن اتّخذ
مسالكه الأخرى وأفاد من تقنيات إضافيّة؛ وذلك لارتباطه
الجذري بطبيعة اللغة العربيّة الموسيقيّة. ومن ثَمّ
تظلّ القِيَم الصوتية حاضرة فيه: عروضًا وإلقاءً،
ومهمة في أثره: إبداعًا، وتلقيًا، ورواجًا ) .
نتمنى أن يكون التفاعل الثقافي حاضراً باستمرار في
الأوساط العربية ذات الاختصاص ، لننتقل إلى جو ايجابي
يلملم شتات إبداعاتنا ، نطرح هذه الأمنية نحو متابعة
تفاعلية جديدة .
|