Print Article

طباعة الصفحة

لترجمة الموضوع أنظر أسفل الصفحة

20-05-2009

To translate see the bottom of the page

غلق النافذة

ملتقى الأنصار بهولندة ..حكاية تليق بالماضي الجميل

 

نصيـر عـواد

 

 

اغلبنا لا يعرف حكاية حرف (T) على أبواب البيوت الهولندية القديمة. هذا الحرف النافر تارة والمرسوم أخرى والمحفور ثالثة، شكّلت دلالته معلما تاريخيا حفر عميقا في ذاكرة المعمّرين الذين عاشوا ظروف المقاومة الشعبية في الحرب العالمية الثانية. فعلى الرغم من أن الهولنديين لم يدخلوا في حرب طاحنة كالروس والأوكرانيين والفرنسيين إلا أنهم قدموا الكثير في مواجهة الزحف الألماني الواسع النطاق. فمن الهولنديين من قاتل ومن قدم المال ومنهم من ساعد المقاومة بجعل تلفونه في خدمة المواطنين ووضع حرف (T) على باب داره للاتصال مجانا ونقل الأخبار وإسعاف الجرحى والتبليغ عن الحوادث والسماح بدخول البيت للمبيت والاختباء بحجة التلفون. لقد كان جهاز التلفون في أعوام المحنة حاجة عزيزة وضرورية بعد أن جمع الألمان أجهزة الراديو من البيوت لغرض عزل المواطنين عن الأخبار القادمة من جبهات القتال أو من خارج الحدود وبالتالي إضعاف أملهم في تغيير أوضاعهم وظروفهم. وعندما تمضي الأعوام وتوثق حياة الشعوب شعرا ورسما ونثرا وتقام النصب والتماثيل وتسمى الشوارع بأسماء الأبطال والشهداء فإن بعض الهولنديين وبسبب من اعتزازهم بما قدموه لوطنهم وبتأثير من ثقافتهم البَصَريّة الراقية ونزوعهم إلى تحويل الوثيقة إلى شكل من أشكال الحياة اليومية تركوا حرف (T) على أبواب بيوتهم حتى اليوم شاهدا على وطنيتهم وموقفهم أيام المحنة، ثم أورثوا ذلك لأبنائهم وأحفادهم يروون بافتخار حكاية البيت والحرف والتاريخ.
 

تذكرت هذه الحكاية وأنا أرى الأنصار البيشمه ركَـه يتجمعون على أطراف مدينة لاهاي الهولندية لإقامة مؤتمرهم الخامس يتداولون فيه أوضاعهم وسبل استمرارهم في أوضاع عراقية وعربية ودولية تزداد تعقيدا مع بزوغ كل فجر جديد. أنصار بنظارات سميكة والأدوية في جيوبهم والابتسامات لا تفارقهم، يجددون اللقاء والمحبة مع بعض الشتائم والمفردات التي لابد منها لإدامة اللقاء وإيقاظ الذكريات، فمن باب العزلة تقدح المودة أحيانا. صحيح أن شعبنا العراقي اليوم في شاغل عن مناضليه ورجالاته وتاريخه بسبب القمع والحروب والحصار ولكن لا يوجد ما يؤكد أن الشعوب تنسى أو تتخلى عن حكاياتها وسيأتي اليوم الذي يشيرون فيه بسبابتهم إلى جبل قنديل وهندرين وسفين وروستي وكَاره ومتين ويقولون أن الأنصار الشيوعيين العراقيين كانوا هناك، هنا شيدت القاعدة الأولى للأنصار وهناك استشهد أبو كريّم وفي مكان غير بعيد أجريت عملية قطع أطراف "أبو حازم"من دون مخدر أو غرفة عمليات. فمن قدم تلفونه مجانا لخدمة الوطن عدّها مقاومة وشرف، وهي فعلا كذلك، فكيف بمن ضحى بأجمل سنين العمر وقدم الشهداء والدماء من أجله وعاش منسيا جائعا في الجبال والسجون والمنافي؟. كل مرة ألتقي فيها الأنصار المتعبين والمرضى وكبار السن يزداد أملي بالمستقبل المشرق، لا أبحث عن عزاء في هذه الكلمات فلقد احتفلت أحدى القرى الفرنسية الواقعة على الساحل النورماندي هذه الأيام بآخر مقاتل حي لها في المقاومة الشعبية أيام الاحتلال الألماني، لقد حسدته بأنانية مفرطة وتخيلته للحظة "أبو باز أو أبو ناصر" وتمنيت أن أكون إلى جانبه، أحمل كيس تبغه وأحكي له عن الأنصار البيشمه ركَه المنسيين في وطنهم وكيف أمسوا في لقاء بعد لقاء ومؤتمر بعد آخر يشيدون عالما روحانيا مختلفا، ينسجون فيه شكلا من أشكال العلاقة بين الأنصار أقل نفعية وأكثر صوفية، عالم يتداولون فيه شتى الطوباويات الكبرى والأنظمة العقلانية الكبرى لكي يخفون حكاياتهم وطوباوياتهم الصغرى الخاصة بالأزمنة الجميلة في جبال كردستان، وهي حكايات لا تحتمل التلفيق أو الابتسامة الماكرة، حكايات سرعان ما تنتشر ويساهم الجميع، صناعها وشهودها، في روايتها ثم يعلو صوت الغناء وكأننا البارحة فقط تركنا جبال كردستان، حتى أني من فرط بلادتي فوجئت بغياب سالم البزن عن أعمال المؤتمر وغياب أبو غبشة وأبو أمل وعمار وسركوت، ظننتهم تاهوا عن الفصيل، سارعت في اليوم الثاني للاطمئنان عليهم ليس لأني مشتاق إليهم أو أن أعمال المؤتمر ستتغير نتائجه بحضورهم ولكن لا أدري لماذا !! هل أنها آخر الصداقات الجميلة التي تزودني بالأمل بالمستقبل وتزيد من قناعتي بأننا لا نساوي شيئا من دون ذاكراتنا وحكاياتنا وناسنا الحقيقيين!! أم أنها حكمة نباتية التقطتها من ملامح الأنصار في مؤتمرهم الخامس الذي عقد بدنهاخ في 16 ـ 05 - 2009.
 

لا نأتي بجديد في قولنا أن تجربة الأنصار بكردستان العراق ارتبطت منذ البدايات بالحزب الشيوعي العراقي، وكل التطورات التي حدثت أثناء التجربة وبعدها لم تغير من هذه الحقيقة، ولكن الأسئلة التي لا يكف الواقع العراقي الصاخب عن طرحها هي التي تضعنا في مفترق الطرق فأما نسير مرتكزين على تاريخنا وخبراتنا ونتجدد مع الواقع وأما نتحول إلى طائفة اجتماعية ـ سياسية، معزولة، تجتر معاناتها وذكرياتها وشهداءها وحكاياتها وهي تراقب عزلتها وموت ورحيل وانعزال رفاقها الواحد تلو الآخر. مع أن رابطة الأنصار الشيوعيين منظمة من منظمات المجتمع المدني كنقابات العمال ومنظمات الشباب إلا أن ظروفها وتاريخها وطبيعة الأعضاء المنتمين إليها يدفعها للعب دور وطني مختلف إزاء قضايا الشعب العراقي، الأمر الذي يحتم خصوصيتها واستقلاليتها في العمل واتخاذ القرارات على الرغم من التداخل الشديد بينها وبين الحزب الشيوعي العراقي . فهذا التداخل لا يخفي حقيقة أن منظمة الأنصار تقف في طروحاتها ومواقفها ومساحة الحرية التي تتحرك فيها إلى يسار الحزب الشيوعي العراقي، وعند حضور أي مؤتمر للأنصار أو في نظرة سريعة على موقعي ينابيع العراق والطريق ستتبدى الحقيقة ساطعة ومؤلمة، أدى ذلك بعد أعوام من السجال والصراع الداخلي والمعاناة إلى تصنيع وتوسيع الهوة وأن يترك الكثير من هؤلاء الأنصار صفوف الحزب الشيوعي العراقي أما جالسين في بيوتهم يمسكون بالرمونت كنترول أو ينتظرون الساعة التاسعة مساء لمتابعة موقع غرفة ينابيع العراق أو تحول بعضهم إلى العلم والعمل والثقافة وذهب آخرون للبحث عن منضمات وأحزاب يسارية بدأت تتكاثر كالفطر وتسمن من أخطاء ومواقف الحزب الشيوعي الضعيفة من الاحتلال ومن الأحزاب العرقية والطائفية، إضافة إلى أن الكثير من الأنصار قد بقوا شيوعيين ولكن من دون حزب، بعد أن وجدوا حزبهم قد تصالح مع الرداءة. فالشيوعية عند كثيرين هي أوسع من حزب، أنها فكرة بجناحين، حرفة فكرية نحتاج أيام لمعرفتها ونقضّي عمرا في تفكيك قوانينها وإثبات صحتها. إن بقاء منظمة الأنصار البيشمه ركَه محتفظة بخصوصيتها وعدد رفاقها أو انفتاحها على المجتمع وكسب أنصار وأصدقاء جدد لتوسيع وديمومة العمل، بقى من المشاكل التي لم تحل أثناء المناقشات التي دامت خمس ساعات وذلك بسبب تعدد الآراء وعدم تحديد الأطر القانونية والسياسية إضافة إلى تراخي المركز في "أربيل"مع هموم واقتراحات ومناشدات ورسائل الفروع. كان القائمون على قيادة العمل بين مؤتمرين يشكون بمرارة من تعامل المركز "اللجنة التنفيذية" مع الفروع ويصيبهم يأس لائق بالمناضلين، من تجاهل المركز لرسائلهم حيث وصلت الأمور بـ"اللجنة التنفيذية" إلى عدم الحضور، من دون توضيح الأسباب، للأشراف على أعمال المؤتمر الخامس لملتقى الأنصار بهولندة.
 

صحيح أن تجربة الأنصار الشيوعيين في جبال كردستان العراق لم تأتِ أكلها وتسقط النظام الديكتاتوري البعثي، وصحيح أيضا أنها لم تكن خالية من الثغرات والانتصارات والمعاناة والهزائم لكنها تبقى صفحة ناصعة في تاريخ الشيوعيين العراقيين وترفع لهم القبعات أثر قولهم للديكتاتور كلمة(لا) مدوية بعد أن صعد إلى الجبال حفنة من الشباب ببنادق عتيقة وقليلة لمواجهة عنف الديكتاتورية البعثية المدعومة عربيا ودوليا. ترفع لهم القبعات بسبب صعودهم إلى الجبال دفاعا عن قناعاتهم وأفكارهم ولم يحلموا يومها لا بوعود ولا بأموال ومراتب، الأمر الذي جعلها تجربة ناصعة ونظيفة إلى درجة غير محتملة عند الانتهازيين والتجار واللصوص والقتلة. إن الحديث عن التجربة بعد عقدين من الزمن شيء مفيد وكبير يساهم في توثيقها وتوضيح غوامضها خصوصا من لدن الصنّاع والأبطال والشهداء الذين صنعوا الأحداث ولذلك لا نجده مفيدا غلق الحوار مع المواقف المعارضة عند بعض الأنصار الذين خاضوا التجربة وأمسوا خارج صفوف الحزب، فقد يكون تناول التجربة من قبل الآخرين أكثر خطرا وتصيدا للتفاصيل .

تجربة الأنصار الشيوعيين وبقدر أهميتها عند صنّاعها ومناضليها فأنها ستبقى إذا ما أهملت بين ضفتي النسيان والتشويه، ونحن بين فترة وأخرى نسمع ونقرأ ونرى من يتنطط  للتشكيك بتجربة ونوايا البيشمه ركَه ويشكك بمواقفهم الوطنية في أيام الحرب العراقية ـ الإيرانية أو إلصاق التهم السريعة بنضالهم وتسفيه تضحياتهم بسبب ضبابية الموقف الحالي للحزب الشيوعي العراقي من المحتل ومن تصرفات فصائل البيشمه ركَة الكردية المسيئة ومن طائفية وعرقية الأحزاب الدينية. وهناك من تحلو له السخرية من مطالبة الأنصار بحقوقهم المادية ويقلل من أهمية احتساب شهداءهم شهداء للوطن، ولذلك إذا لم نواجه "نحن الأنصار" المستجدات ونطرح الأسئلة ونغذي التجربة الأنصارية ونسير مع الركب فلا ننتظر من الآخرين الكثير.

 


 
 

 Translation program

عند عدم ظهور برنامج الترجمة يرجى تحديث الصفحة بالضغط على الأيقونة  "Refresh" أو بالضغط  F5

 الترجمة الفورية للموضوع
 

غلق النافذة