|
عندما تتكلم الصور (2)
محمد خلف مجيد ( ابو شروق )
لم نكن نملك سلاحا او ملابس كرديه بل حتى لم يكن لدينا
مقر خاص بنا .. ضيوفا على الحزب الديمقراطي الكردستاني
.. أسبوع مرّ منذ وصولنا هذا المقر في كّلي كوماته..
في غرفة طينية صغيره نحن الثمانية ..هذه الغرفه كانت
مكتبة للحزب المذكور .. بقايا من كتب تجارب الانصار
وعن جيفارا..و تجارب فيتنام في حرب العصابات .. وجدنا
فيها مادة دسمه للقراءه رغم ان اغلبها مرّ علينا ..
وفي الليل كانت حراستنا منتظمه .. بعصى غليظه أطلق
عليها الرفيق ابو باز ( يعقوب دنخا البازي ) اسم (
داريوف ).. في اليوم التالي لاحظنا حالة من الاستنفار
في صفوف مقاتلي الحزب الحليف.. يتراكضون مسلحين باتجاه
قمة الجبل خلف المقر . ونحن مازلنا قابعين في الغرفة
لان النهار كان في اوله . ولكونه نصيرا قديما وملما
بالكرديه . فقد اخبرنا الرفيق ابو باز بان الجيش خلف
الجبل ويتقدم باتجاهنا .. الراحل ابو علي الشايب يصيح
يله رفاق عليهم .. ابو حازم بمعطفه الاسود الطويل كأنه
قس في صومعته. يترك كتابه ويهب واقفا .. ونخرج صعودا
للجبل .. ابو وجدان .. ابو جهاد .. ابو داود .. جميعنا
مع المقاتلين .. تركنا فقط الرفيق ابو سلام في الغرفه
للحراسه . مقاتلي الحزب الحليف يسبقوننا لان ملابسهم
الكرديه تساعدهم ولانهم ابناء المنطقه .. ويبدو انهم
انتبهو لكوننا بدون سلاح فزودو الرفيق ابو باز كذلك
ابو حازم بقطعتي سلاح .. ونصل القمة بعد عناء وحذر
وننحدر باتجاه السفح الآخر ومن بعيد تتراءى لنا خيالات
الجند المنسحبه باتجاه معسكرهم القريب من نهر الخابور.
لم يتركو سوى اثارهم ومعلبات الوجبة التي تناولوها
واعقاب السكّاير وبعض من فتات الخبز .. انها اولى
الخطوات في المسيرة الطويله .
كان شاعرا عندما وصل القاعده ……يحمل لدرويش ديوان شعر.
ولنفسه قصاصات ورق يكتب فيها اشعاره .. في الاسبوع
الاول كان يكتب والاسبوع الثاني يقرأ وفي اسبوعه
الثالث وجدته يتامل عصفورا على الشجرة الكبيرة في باب
المقر.. حادثته مازحا .. ها رفيق مشروع قصيده جديده ؟
قال لا بانكسار.. افكر كيف اصيد هذا العصفور وآكله ..
انه الجوع !!!
شهيدنا الدكتورعادل .. هذا الانسان الرائع .. اراه
حائرا رغم هدوءه العجيب وشفافيته المتناهيه التي
اعتدنا عليها .. لا ادوات طبية للجراحه ولامخدر ولا
سكاكين للعمليات ولا اشياء للتعقيم . ومطلوب منه ان
يجد حلا للغنغرينا التي بدات باحد اصابع قدم النصير
ابو الجاسم .. الذي كان ممددا ولا يكف الحديث عن تلك
الليلة الطويله عندما واجهتم الجندرمة التركيه هو
والنصير البطل كاكا خليل "ابو شوارب" داخل الاراضي
التركيه في منطقة تغطيها الثلوج .. يصف تلك الليله
بانها كأحد كرنفالات السويد .. ينسحب دون ان يدري انه
فقد حذاءه .. ولولا بطولة الرفيق خليل الذي حمله حتى
المقر لفقد قدمه بالكامل نتيجة الثلج .. يبتسم طبيب
القاعده فقد وجد الحل .. طلب منا ان نمسك بقدمه
المصابه نرفعها لتكون قريبة من الفانوس الوحيد ..
واخرج موس صغير مسنن هو مايستخدم لقص زجاجة الماء
المقطر .. وبدا يحز بالاصبع الملتهبه والدماء السوداء
تنزل .. في شتاء كردستان القاسي والعرق يتصبب من
رفيقنا الدكتور .. حتى وصل اصعب مرحله وهي العظم ..
بدا رفيقنا ابو الجاسم يتململ لانه احس اخيرا بالالم
.. رفيقنا السيد ابو مازن يمزح مع المصاب ليخفف آلامه
وابووسن وابو روزا وابو حازم وابو هند وابو رضيه وابو
نادروابو سلام ووعود كثيره بالهدايا وبوجبة اضافيه .
والدكتور يحاول ان ينهي ما بدأ ونحن ممسكين بالقدم
المصابه . واخيرا بترت الاصبع الملتهبه ولفت القدم
المصابه بعناية .. انها اول عملية جراحيه في غرفة
طينيه بقاعدة كّلي كوماته .
ستة وثلاثون ساعة من المسير باتجاه مقر مفرزة الطريق
او ماسماه بعض الرفاق لاحقا بانه شكفتة ( مغارة) ابو
حربي .. من مقر كوماته قادمين انا والرفيق السيد
ابومازن .. كنا ذاهبين في مهمه .. ادلائنا من رفاقنا
في مفرزة الطريق. وعلى ما اذكر كان الوسيم البصري
ابوهدى .
جبالا ووديان وانهر متنقلين من الجانب العراقي الى
التركي وبالعكس حسب الامان وحسب الطريق الذي سار عليه
قبلنا من يخشى الجندرمه وربايا الجيش .. أشهر الجلوس
في مقر كلي كوماته جعلتنا متعبين رغم تماريننا
وتدريباتنا شبه اليوميه .. طلبنا من رفيقنا ابو هدى
استراحه .. قال باسما تتذكرون اول ماجيت شسويتو بيه
..واستمر في المسير لكنه طمننا باننا سنصل عن قريب
.ابو مازن يجرنفسه بخطا متعبه هذا الرفيق السيد الصديق
الذي اعتدنا ان نسميه ابو نغم او ابو مازن او السيد
صديق رحلة النضال ايام الشباب من بيروت الى كردستان
الى بلغاريا وبعدها تتلقفنا المنافي لكننا لم نبتعد عن
المسيرة الظافره .
احاول ان ابدو نشطا رغم ان التعب اخذ مني كل مأخذ ..
هذيك الشكفته.. قالها ابوهدى ومع كلامه تجدد النشاط ..
لكن ذلك استمر ساعة اخرى قبل ان نصل .. قريبا من مقرهم
الذي يقع بمرتفع في وسط الجبل تقريبا , رايت رفيقنا
الراحل ابو حربي ورفاق آخرين يلوح لنا مرحبا ..
استجمعت قواي وصحت ..ابو حربي انزل استقبلنا .. واستمر
بالتلويح .. وانا اصر على نزوله رغم اننا بدانا
بالصعود فعلا .. استغربت هذه الرسميات لدى رفيقنا
الراحل ونحن اعتدنا ان نتمازح دائما.. سالت ابوهدى عن
ذلك فقال ان لديهم رفاق جدد قدمو قبل خمسة ايام.
بالاحضان مع رفاقنا في مفرزة الطريق .. وعرفنا رفيقنا
الراحل على الرفاق الجدد
الرفيقه أم بسيم .. أم منار زوجها الرفيق ابو منار ..
رفيق قادم من جيكوسلوفاكيا كبيرفي السن .. ورفاق آخرين
.. وحيث غروب الشمس يقترب . سمعنا الرفيقه ام بسيم
تقرا علينا جدول الحراسه والخدمات الرفاقيه .. ابو
شروق تنظيف الشكفته .. ابو مازن الطبخ .. والحراسات في
اليوم التالي ...اراد الرفيق ابو حربي ان يغيّرالجدول
لكننا طلبنا منه ان تجري الامور مثلما هي لاننا لانريد
ان نعكس صورة غير جيده لدى رفاقنا الجدد وبغض النظر عن
مسؤولياتنا ..
في الليل اقترحت الرفيقه ام بسيم ان تقدم مقطعا من
مسرحية كلكامش .. لاول مرة اعرف انها ممثله.. لكن سوء
اختيارها وقع على السيد ابو مازن ليمثل دور انكيدو..
ما أن طلبت من السيد ان يمثل معها حتى بدأ التهامس
والضحك الخافت على الموقف الذي وضع فيه السيد .. وبدون
مقدمات تلتفت ام بسيم وتقول بصوتها الجهوري وكانها على
خشبة المسرح موجهة كلامه للسيد ابو مازن : انت انكيدو
الذي قتل الثور السماوي ... لم يملك مايقول فقد فاجاته
.. غير انه وبروح المرح الذي لديه اجاب : ياهو هاذ ..
لم يكملها السيد حتى وجدنا انفسنا في ضحكة جماعيه ضجت
لها الشكفته وارتباك على وجه الفنانه ام بسيم لانها لم
تعرف ماجرى . وانتهت المسرحيه التي لم تبتدا بعد..
انها اول محاولة لعمل مسرحي في شكفتة ابو حربي تسجل
للفنانه العزيزه ام بسيم
وللحديث بقيه ..
بنفس الوقت اجدد الدعوة لرفاقنا الانصار بان يرفدو
صفحة الينابيع لاني واثق ان لديهم الكثير مما يختزن في
الذاكره من مسيرة النضال الظافره.
ولازلنا في البدايات
محمد خلف مجيد ( ابو شروق )
mkhalaf3@gmail.com
|