|
رفيق عصي على النسيان
محمد جاسم
اللبان
يصعب على المرء احيانا الكتابة
عن شخص أثير لديه ، فقده فجأة ، وترك في داخله ظلالا كثيفة من الحزن
والالم. ورغم
تقادم الايام والسنين ، تبقى تلك الصعوبة متشبثة بمواقعها ، ساعية
للأستقواء بالزخم
العاطفي والوجداني ازاء ذلك ألانسان، الذي عادة ما يكون استثنائيأ في
سماته الشخصية
وفي عطائه ونظرته الانسانية.
واحد من هؤلاء الافذاذ هو الشهيد الدكتور
"
محمد بشيش " أبوظفر
.
تعرفت اليه في بقعة نسيها الله والبشر ، تقع عند حافة
الربع الخالي في اليمن الديمقراطية سابقا ، وفي المحافظة الرابعة
تحديدا، تسمى
"
عتق " وهي منطقة صحراوية جرداء تتوسط عمان والسعودية واليمن ، وتأكل
فيها الماشية
اوراق الصحف لشحة الاوراق الخضراء ! وهذه ليست نكتة على الاطلاق ، بل
أوردتها
بالمعنى الحرفي للكلمة . كان الموظفون اليمنيون عندما يعينون فيها، اما
انهم يرفضون
التعيين منذ البداية ، او يعبرون الحدود الى السعودية بعد اسبوع واحد
من وجودهم
فيها . لكن كوكبة من الشيوعيين العراقيين يربو عددهم على الخمسين
استطاعوا تجاوز
محنة التخلف ، وحياة القرون الوسطى في هذه المنطقة النائية ، فأشاعوا
الدفء والآمل
بين اهاليها ، وانسجموا معهم الى الحد الذي دفع قيادة الحزب الآشتراكي
اليمني الى
الطلب من الحزب الشيوعي أبقاءهم هناك واستثنائهم من الذهاب الى كردستان
، لآن البدو
من سكان المنطقة قالوا لهم بصريح العبارة ، اذا كان هؤلاء هم الشيوعيون
، فكلنا
سنكون شيوعيين ! وفي طليعة هؤلاء المناضلين كان " ابوظفر " يعمل بنكران
ذات ،
وبهدوء ما بعده هدوء . يصل الليل بالنهار لخدمة أهالي المنطقة
ومعالجتهم ، مهما
بعدت المسافات وكانت الطرق غير سالكة . كما لم يغفل معالجة الرفاق
والآهتمام بهم
ورعايتهم. وكم مرة أنقذ حياة رجال ونساء كانوا على وشك الموت بفطنته
وذكائه وخبرته
المهنية الكبيرة . ولذلك اصبح مضرب المثل في عموم المنطقة
.
لم يقتصر تميزه
على الجانب المهني وحده ، وانما كان بارعا أيضا في نسج أفضل العلاقات
السياسية
والأجتماعية مع اليمانيين ، وشكلت ثقتهم العالية به سابقة غير معهودة
في كل اليمن
الديمقراطية ، عندما طلبوا منه حضور اجتماعات اللجنة المحلية للحزب
الآشتراكي
اليمني في المحافظة للاستفادة من أرائه ومقترحاته ونصائحه
.
وفي داخل بيته الذي
خصص له من قبل ادارة المستشفى التي عمل فيها ، كان يستضيف برحابة صدر
رفاقا عديدين
بصورة دائمية ، ورفاق اخرين يأتون لقضاء عطلة الاسبوع ، فيصل العدد الى
( 15
)
رفيقا ورفيقة . وفي أحيان أخرى أكثر من هذا العدد
.
كانت الأبتسامة لا تفارق
ثغره مهما كانت الظروف ، وسعى لتوفير كل مستلزمات الراحة والأنسجام لنا
جميعا، فكنا
حقا عائلة واحدة ، نقتسم كل ما يخصص له من أدارة المستشفى .حتى الطعام
الذي كانت
تتبرع في اعداده، زوجته الوفية " أم ظفر" رغم مشاغلها الكثيرة ، فهي
كانت مدرسة
للغة الأنكليزية ، ولديها طفلان رائعان هما " ظفر ويسار " ومع ذلك كانت
تجد الوقت
الكافي لأعداد مائدة جماعية يتسابق الرفاق في التهام ما تحتويه
.
كان
الشهيد يبتكر وسائل وأساليب عديدة لأشاعة المرح والسرور في نفوس عائلته
ورفاقه ،
فأوجد لنا لقاءأ في كل يوم أربعاء ، على غرار البرنامج المعروف في
الأذاعة المصرية
أنذاك والمسمى ب " حديث الأربعاء " كان يطلب فيه أن نسأله عن أي شيء ،
بدءأ من
القضايا الصحية ، وانتهاء بالسياسة . وكان الفقيد " ابوسنية " متميزأ
في طرح
الأسئلة الطريفة والمهمة في أن واحد
.
ويوم كانت الجرأة والشجاعة في الطرح ،
مثل كاعب حية ، ما أن تطل برأسها حتى تسحبه على الفور ، كان الشهيد "
ابوظفر
"
نموذجأ رائعأ في التفكير بصوت عال . وطرح كل ما يدور في ذهنه من أراء
وافكار
ومقترحات ، سواء ما يتعلق منها بالأوضاع السياسية في العراق ، أو
لتطوير العمل
الحزبي ، دون خشية من أحد . ودخل مرات كثيرة في حوارات ساخنة مع مسؤول
المنظمة
الطيب والحريص والذي كان يلقب ب ( النينو ) من قبل اليمانيين ، لرقته
وقصر خطواته
وتسارعها
.
ورغم حاجة اليمانيين له ، ووجود قرار حزبي ببقائه في اليمن ،
الا انه أصر على الذهاب الى كردستان ، ومشاركة رفاقه الأنصار في نضالهم
ضد
الدكتاتورية
.
وهناك أبدع أيضأ ، فكان شعلة وهاجة لا يهدأ لها أوار ، يتنقل من
قاعدة الى أخرى ، لمعالجة من يحتاج الى المعالجة ، وساهم في العديد من
المعارك
البطولية ، وأخرها ذلك الكمين القاتل يوم (27/09/1984 ) ، عندما عاد مع
رفاقه من
سوريا وهو يحمل الأدوية وبعض المعدات الطبية ، حيث فاجأهم الجحوش
والقوات الخاصة
وهم في وسط النهر فتبادلوا اطلاق النار معهم ، وأستشهد عدد من الرفاق
وجرح أخرون ،
كان من بينهم الرفيق " أبوظفر " الذي تعرض الى تعذيب بشع على أيدي
جلاوزة السلطة
وأجهزتها القمعية ، فاستشهد بطلاً والتحق بقافلة الخالدين دفاعأ عن
مبادئه وطموحات
شعبه ، ليكون شمسأ تضيء للسائرين على هذا الدرب النبيل ، ونموذجأ لشهيد
شيوعي ، أبى
الا أن يترك بصمته في سجل المجد والخلود
. |