|
حركة الانصار ما كان لها وما كان عليها في الفترة (1979 – 1988 ) - (
القسم الاول
(
لطيف حسن
تمهيد أو أ شبه بالتوضيح
اعتبرت حركة الانصار في العراق ، من التجارب الفريدة والرائدة في
الحركة الشيوعية في المنطقة ، ( تأسست في عام 1963 ) بعد انقلاب شباط
الدموي ، وبهذا فهي الاقدم بالنسبة للأحزاب الشيوعية العربية ، التي
تشكل حركتها المسلحة بهذا الاسم ، وتنتهج طريق الكفاح المسلح و العنف
في المواجهة ، عندما تعجز الاساليب السلمية التقليدية في التعامل
والتعايش مع الانظمة الشديدة العدوانية والرجعية ، كنظام البعث
الصدامي .
والحركة منذ تأسيسها ، وحتى توقفها بعد انفال عام 1988 ، قدمت للحزب
الكثير ، من اهم ماقدمت انها حافظت على جسم الحزب من كوادر واعضاء
، وأبقت على ديمومته ، في فترة تعتبر من اقسى الفترات التي تعرض
فيها للأبادة في محاولة لافنائه من الوجود نهائيا ، وقدمت من بين
صفوفها للحزب والحركة الوطنية كوكبة مضيئة من الشهداء ، ننحني لهم
اليوم اجلا لا ، لعظمة المثل الذي قدموه في التضحية والبذل ، في
طريق تحقيق تطلعات شعبنا في الحرية والديمقراطية والعدالة ، وعراق
مزدهر ، وضد الديكتاتورية والفاشية والتسلط
.
وقد عشت في داخل هذه الحركة ( 1980 – 1988 ) وقرأت حتى هذا اليوم
الكثير مما كتب عتها ، خواطر ومراجعات ومديح ونقد ووثائق تقيمية ،
ونتاجات ادبية مكتوبه ( شعر وقصص قصيرة وروايات ويوميات وقصائد شعرية
) بتأثير اجواء الحركة ، واصبحت منذ فترة طويلة من الرواد اليوميين
لغرفة ينابيع العراق البالتوكية كمستمع بالدرجة الاولى ، لأتابع
بالدرجة الاولى مصائر رفاق الامس من الانصار ، واستمع الى اصواتهم
بعد هذه السنيين الطويلة من الافتراق عنهم ، تحولاتهم ، كييف يفكرون
الآن ، اين يقفون اليوم من الاحداث العاصفة ، كل شيء عنهم
.
واليوم و قد تجاوزت عقدي الستين ، ومرت على توقف الحركة ثلاثون عاما ،
خلالها شهد العالم و العراق تبدلات دراماتيكية جذرية لم تكن في
الحسبان ، رافقت بشكل متوازي نشوء وانتهاء حركة الانصار ، و لم أشعر
ان هناك علاقة تأثر وتأثير متبادل فيما بين المسارين ، فالحركة
قد توقفت بعد الانفال بخمس سنيين ، و انتهت بعدها بازاحة النظام
المسبب لتأسيس الحركة بالاحتلال الامريكي
.
وهنا أحاول ان اسجل خليط من الخواطر والذكريات المتفرقة
والملاحظات الشخصية عن سنوات النار هذه تحت عنوان ( مالحركة
الانصار وما عليها ) مستعيرا مع الاعتذار من غرفة ينابيع الانصار
البالتوكية عنوان أماسيها المسمات ( مالغرفة ينابيع العراق وما عليها
) ، قبل ان يغيب هذا الكشكول من الافكار الى الابد بسبب نسيان
العمر ، او مغادرة هذا العالم .... او اي سبب آخر غير محسوب ، كتبتها
بهذه الصورة كمراقب ومعلق ، ولم اكتبها بأسلوب المذكرات ، حتى
لاتبدوا دور الذات الشخصية واضحة في المذكرات ، وانا بطبيعتي اكره
التمايز عن الآخرين بادائي في كل شيء ، واكره الاضواء والتظاهر ،
مادام الذي أقدمه في الحياة ، هناك دائما يوجد من يقدم افضل منه
في نفس المجال ، ولا أعتبر نفسي على الاطلاق نموذجيا ، وما انا
الا جزء صغير جدا من بنيان بانوراما المسيرة العظيمة لحركة الانصار
، التي هي الجديرة الوحيدة بالقاء الضوء المنصف عليها ،
حاولت في هذه السطور ان أتناول الحركة ككل بعموميتها ، وان لا
أشير كما قلت قدر الامكان الى شخص أو أقصد احد بالذات ، قدر
مااتناول الحركة كظاهرة تاريخية ، لكي لا اكون ضحية التفاصيل
الصغيرة و التأثر بضغط العاطفة الشخصية الغير ضرورية التي تبعد
الموضوعية عن تتبع المسيرة ، و ضمن ظرفها التاريخي ، واحاكمها معكم
على هذا الاساس ، بدءا من دوافع تأسيسها التي كانت في تقديري صحيحة
و مبررة تماما ، ولم يكن عند الحزب خيار بديل آخر
.
- ( 1 )نحن
( انصار ) وغيرنا ( بيشمه ركه(
الشائع عن معنى ( الانصار والبيشمه ركة ) انهما ذا معنى واحد ، أي
انهما تشكيلتان من طينة واحدة ، الاولى ( الانصار ) تابعة للحزب
الشيوعي او الاحزاب الشيوعية ، والثانية ( بيشمه ركه) تابعة لاحزاب
الحركة القومية الكردستانية ، و النصير هو البيشمه ركه نفسه في كل
شيء الا الأسم .
البيشمه
ركه هي الترجمة الكردية لما يقابل معنى النصير كوظيفة ، وتقابل في
العربية معنى ( الفدائي ) ، والبيشمه ركة حرفيا تعني بالكردية هو
الشخص الذي يضع الموت امامه ، أو يتصدره الموت ، صحيح ان طبيعة عمل
البيشمه ركة والاتصار متشابهان عسكريا ، الا انهما مختلفان في
التوجهات والاهداف عدا ماذكرنا ألأختلاف في الاسم
.
حركة الانصار في العراق ، ارتبطت باسم الحزب الشيوعي العراقي ، وقد
شكلها الحزب باعتبارها الذراع العسكري له ، للضغط باتجاه تحقيق
الاهداف الوطنية والمصالح العامة المهددة بالخطر والتي رسمها في
برنامجه ، وكان تشكيلها في كل مرة ، تشكيل فسري غير اختياري ، اي
اضطراري عندما يستبدل التظام السياسي علاقته الدبلوماسية الطبيعية
بالعنف المفرط مع الحزب لحرفه عن اهدافه او تحجيم دوره في المجتمع
وتهديد مستقبل وجوده ، فهي حركة نشأة لمواجهة عنف النظام بالعنف
المقابل دفاعا عن النفس ، تأسست لاول مرة في البداية بعد انقلاب شباط
1963 ، بالتحالف مع الثورة الكردية التي كانت مندلعة في كردستان آنذاك
وبمعاونتها ، باهداف وطنية عريضة معلنة لاتتعارض وتتفق مع اهداف
الحزب ( الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكردستان ) فهي
ميليشيات تشكلت للدفاع عن مصير الحزب والوطن ، ولم تتشكل بنية ان
تكون بديلا عن الحزب
.
فهذه الميليشيات من حيث الوظيفة ، ذات طبيعة مؤقتة ، تختلف عن طبيعة
واهداف ميليشيا ت البيشمه ركة القومية ، المتعددة الولائات لبرامج
ألأحزاب الكردستانية المختلفة ، وبأهداف قومية متواصلة و متدرجة غير
مخفية حتى تحقيق الدولة او الكيان الكردي ، فالانصار يلتقون مع
البيشمه ركة في هدف مرحلة تحقيق الديمقراطية الحقيقية للعراق وهو
هدف وطني مشترك ، ويقرون للشعب الكردي في العراق بحقوقه القومية
المشروعة بما فيها حق تقرير المصير و الانفصال ، مترافقة مع شرط
تحقيق الديمقراطية للعراق اولا كضرورة لابد منها ، فالديمقراطية لكل
العراق هدف استراتيجي ثابت
.
هذا الهدف بالنسبة لبيشمه ركة الاحزاب الكردستانية ، اتضح اليوم من
مسار تطور القضية الكردية في العراق انه هدف مرحلي لايتصف بالثبات
والاصرار على تحقيقه كضرورة ، فمن منظور الاكراد يمكن نسيان و
تجاهل شعلر هدف الديمقراطية للعراق والتساوم عليه ككل لتحقيق
اغراض قومية ، فالأهمية الأولية لهذه الاحزاب بكل اطيافها هو
الوصول لتحقيق الحلم الكردي في الدولة الخاصة ، بغض النظر عن شكل
هذه الدولة وجوهرها وطرق الوصول اليها وعلى حساب من
. .
هذا
الاختلاف بين ستراتيج الحزب الشيوعي ، و ستراتيج الأحزاب القومية
الكردية ، المتمثل بالاختلاف في الموقف من الوطني والقومي ، الذي
كان يظهر على السطح ، اثناء نضال الطرفين التحالفي ، و التضامن
المشترك كتناقض فيما بينها من اجل تحقيق اهداف وطنية كالديمقراطية
والعدالة والمساواة ، والوقوف الى النهاية بوجه الأستبداد والقمع
بكل اشكاله التي تقوم بها النظم القمعية وحتى تحقيق الديمقراطية (
من منطلقات فهم مختلفة
.(
وهذا
الاختلاف معهم في الميل لتغليب المصالح القومية على المصالح الوطنية
دون الربط الجدلي فيما بينهما في النضال ، كان يقف وراء سلسلة
التصالحات المؤقتة و الهدن الكثيرة و تجميد كفاحها المسلح ضد السلطة
التي حدثت في تاريخ مسيرة البيشمه ركة ، في فترات وجود مفاوضات
لهذه الاحزاب مع الحكومه لتحقيق اهداف قومية ضيقة ، حتى لو كان
ثمن تحقيق هذه الاهداف هي اهداف وطنية كبرى متفق عليها ، كما حدث
عند تخفيف الخناق عن النظام ومده بالاسباب التي تطيل من عمره وحروبه
العدوانية أكثر ، أي تخلى بعض احزاب هذه البيشمه ركة وبشكل غادر
عن تحالفاتها ومواقفها من الحزب الشيوعي وقوات الانصار ودخولها
منفردة في هدنة مع النظام ، و كان ثمن هذه الهدنة والمصالحة ،
توجية ضربة موجعة الى قوات الانصار ، حلفاء الامس كما جرى في بيشت
آشان الأولى ( أيار 1983 ).
- ( 2 )نحن
شيوعون لنا ذيول
.
في بدايات عمل الانصار حدثت فجوة ونفور لم تكن طبيعية ، فصلت
ما بين الانصار الجدد الذين نبعوا كغرباء فجأة في الشريط الحدودي
المنقطع عن العالم والحضارة ، وبين سكانها القليليين المهجرين اصلا من
هذه القرى الذي عاد بعضهم اليها سرا لمواصلة زراعتها ورعاية اشجارها
، وبقيت هذه الفجوة النفسية الفاصلة على حالها لفترة ممتدة ، تعيق
خلق علاقة عادية مريحة بين النصير وابناء المنطقة المنقطعين عن الزمن
والتاريخ ،
لربما اختلف الوضع عند الانصار الشيوعيين الملتحقين من القرى المسيحية
الذين كان جلهم من ابناء المنطقة ، وقيادة الانصار التي اعادت
تأسيس الحركة ، فيها شخصيات كاريزماتية شهيرة من هذه القرى ، سبق وأن
أشتهرت عند قيام الحركة في عام 1963 ، فوضعهم كان افضل في مجال
العلاقة بالسكان ، ليس بعيدا عن تأثير قربى الدم والعائلة والعشيرة
الواحدة ،
الفجوة كانت مستمرة فيما بين الانصار وما بين اهالي المنطقة طوال فنرة
نشر القواعد الانصارية على الشريط الحدودي ، و تعود بدايات هذه
الفجوة المصطنعة الى بدايات الحركة الانصارية في المنطقة وقدوم
النصير الاول الغامض من غير القومية الكردية الذي يحمل ثقافة مختلفة
ولغة مختلفة.
استغل بيشمه ركة الاحزاب القومية العاملة في هذه القرى ورجال الدين في
الجوامع هذا الوضع ، وبدأوا ببث الاشاعات العجيبة المكثفة ضدهم ،
والتي خلقت انطباعا سيئا مسبقا عن الانصار في مخيلة ناس المنطفة
، بهدف تحجيم دورهم وتأثيرهم على هذه القرى وللحيلولة دون ايجاد
ركائز شيوعية فيها ،
و كان الأنصار في مناطق برزان و بهدنان على وجه الخصوص عند تحرك
مفارزهم الاولى اليها ، يفاجئون بتوجية أهالي القرى اسئلة
واستفسارات عجيبة لاتعقل ، من قبيل ، هل تؤدى فرائض الصلاة والصوم
؟. هل تأكل من لحم الخنزير ؟. هل صحيح انكم تطأون المحارم من
أقربائكم ؟. هل لديكم ذيول تخفونها تحت سراويلكم ؟. ( لاسيما مناطق
برزان ) التي تمتاز بالفقر المدقع والعزلة والتخلف والعشائرية ،
الى جانب التدين الشديد وتصديق كل ما يقال لها من الاساطيروالخرافات
بقلب ابيض .
ان ازالة هذه الاشاعات والخرافات من اذهان الناس عن الشيوعيين تطلب
وقتا من العمل الميداني والجولات المنتظمة الى هذه القرى المنقطعة
وتقديم المساعدات الطبية لها و ضرب المثل الحسن لهم في البذل
والتواضع والاخلاق ، وعدم الاثقال والاسائة أثناء ضيافتنا عليهم ،
كان عملا غير سهل ، لكنه بمرور الايام اتت هذه الزيارات بنتائج جيدة
في مجال تطبيع الاجواء وازالة الافكار والاشاعات الغير معقولة من
اذهانهم ، وخلق نوع من الثقة والارتياح بين الانصار المختلفين من غير
الاكراد الشيوعيين ، واهالي هذه القرى البسطاء من اللذين يولدون
ويموتين فيها الناس بعيدا عن أبسط اسباب المدنية ، بحيث لا تسنح
لهم في حياتهم القصيرة العابرة ، فرصة حتى زيارة طبيب ، او سد
ابسط الحاجات الانسانية العصرية كركوب باص او سيارة في حياته ، أو
حتى زيارة مدينة عادية لمرة واحدة ، ناهيك عن الحرمان الدائم من
فرصة تعليم الأطفال في المدارس المعدومة الوجود في المنطقة
- ( 3 ) الصدمة و امتصاص الصدمة
الضرورات التي رافقت واوجبت اعادة تأسيس حركة الانصار الشيوعيين
عديدة ومعقدة ، جرى الحديث عنها كثيرا من قبل اكثر من متابع لتاريخ
الحركة أكثريتهم كان ينتمي الى صفوف الانصار، الذي عاش ميدانيا هذه
الظروف .
بعد نجاح الثورة الايرانية بازاحة الشاه وقيام الجمهورية الاسلامية
الشيعية ، بدأ صدام حسين يقرع طبول الحرب عليها وهي في طورها الثوري
على النظام الشاهنشاهي ، للأجهاز عليها في المهد ، قبل ان تتجذر و
يمتد لهيبها الى كل المنطقة ، ومنها العراق ، مرشحا نفسه لمنصب
الشرطي في المنطقة بديلا عن الشاه الذي رحل توا ، واخذ ضمن هذه
الاستعدادات يصفي ماكان يعتقد انهم مشروع محتمل لمعارضه مقبلة
للحرب على ايران في الجبهة الداخلية ، ازاح احمد حسن البكر واعدم
اكثرية اعضاء القيادة القطرية والقومية في حزبه ، و بداء حملة تهجير
غير مسبوقة في التاريخ من حيث القسوة والظلم للأكراد الفيلية ، وعدد
آخر غير قليل من الشيعة بحجة التبعية الايرانية ، وتم طردهم وابعادهم
عنوة الى داخل الحدود الايرانية ، بعد تجريدهم وسلبهم لحقوقهم
الملكية المنقولة وغير المنقولة ، رافقتها حملة اعدامات تعسفية
وتصفية واسعة لقوى وقيادة المعارضة الاسلامية الشيعية التي اتهمها
بموالاة ايران ، والى الحزب الشيوعي حليفه في الجبهة لتحجيم دوره
الاجتماعي ، وتقليم اظافره الى الآخر ، بدأ هجومه عليه بتنفيذ حكم
الاعدام الصادر في وقت سابق بمجموعة من الشيوعيين العسكريين ، مترافقة
مع حملة تسقيط واسعة شنت على اعضائه لأنتزاع التواقيع منهم على تعهدات
التخلي عن الحزب والتعهد بعدم العمل في صفوفه لاحقا ، فأضطرت قيادة
الحزب في هذه الاجواء القمعية الخانقة الى ترك العراق مربكة ، هربا
من الملاحقة الاكيدة ، تلاها خروج كوادره المكشوفة ، ثم فلول
القاعدة الحزبية الملاحقة من قبل الامن والمخابرات من الذين كانوا
يختطفون يوميا بوضح النهارمن الشوارع
.
وقع الحزب في ازمة حقيقية ، اندلعت الحرب ، واستمرت بعد ذلك طويلا كما
هو معروف ، بتشجيع من الولايات المتحدة والمحيط العربي ، دون ان يلوح
في الافق نهاية لها ، والحزب بكل كيانه تقريبا قد تم انتقاله الى
الخارج ، او الاختفاء والعمل السري وهم قلة غير مكشوفة ، وخلف خلفه في
الداخل جيش واسع من الموقعين المراقبة تحركاتهم بشدة ، وما كان عليه
للخروج من ازمته بعد الاستفاقة من الصدمة ، الا ان يفكر بالعودة
السريعة الى ارض الوطن عن طريق بوابة كردستان ويلملم نفسه هناك ،
ويعيد تنظيم الحزب بعد الضربة قبل ان يموت كما مخطط له بالتقادم
والانقطاع عن جماهيره ، ووضع امامه التجربة السلبية لكوادر حزب تودة
الذين سبق لهم ان انتقلوا الى الخارج وانتهوا هناك
.
أضطر الحزب الى اعادة تأسيس قواة الانصار ، لتكون الوعاء الحزبي الذي
يمكن أن يجمع فيه كوادره و اعضائه الملتحقين من الداخل ، و جذب
العائدين من الخارج اليه حرصا منه على الحفاض عليهم في هذا الوعاء
كان اول قرارت الحزب لاحتواء الازمة هو اعادة الذين تركوا العراق
سريعا أليه قبل ان تتجذر فيهم روح الغربة ، واصبح قياس شيوعية العضو
الحزبي في منظمات الخارج هي مدى استعداده للأنخراط في تشكيلات
الانصار والاستعداد للعودة السريعة ، وقد رافق التطبيق الميكانيكي على
المسطرة الواحدة للجميع لفرض قرار العودة اجحاف كبير لحق بعناصر
كثيرة مخلصة ارتبط كل حياتها بالحزب ، لم تكن مقتنعة او مستعدة آنذاك
لاكثر من سبب شخصي مع العودة ، فأبعدت تعسفيا عن صفوف الحزب ،
وجرى التجنيد القسري بشكل عام لمعظم خريجي دراسات جامعات المعسكر
الاشتراكي السابق ، وبعض خريجي الدول الاوربية التي لم تجد لها عملا
بعد التخرج ، بغض النظر عن قناعاته الشخصية ، و واثيرت في النفوس
نزعة الحماسة العاطفية التي تشجع على العودة دفعت بالكثير من طلاب
الدراسات في الخارج الى قطع الدراسة والالتحاق بالحركة شاباتا
وشبانا ، وكان يكافأ الملتحق بالانصار من الخارج بدرجة حزبية اعلى ،
وتمنح العضوية للآصدقاء قبل دخولهم الحدود ، عندما كان شرف العضوية
والموقع الحزبي تعني الكثير للرفيق
.
ان هذا التطبيق الستاليني لقرار العودة ، كلف الحزب الكثير من كوادره
الكفوءة حتى التي نفذت القرار بدون قناعة ، و لم تحتمل صعوبات
الحياة الجديدة ، لذا نجدها سرعان ماتركت كردستان والحزب الى الابد ،
وقسم منهم من ترك وعاد وهو في منتصف الطريق المؤدي الى قواعد الانصار
هذا لايعني ان جميع الانصار قد اجبروا على الالتحاق بالحركة ، بل ان
الاكثرية لم تكن معترضة ، ان لم تكن متحمسة ومندفعة للتطوع ،
ومنسجمة بشكل كامل مع قرار الحزب في انتهاج اسلوب الكفاح المسلح ،
الا ان عملية التجنيد اذا اخذنا ها بحد ذاتها تمت بنفس عسكري
وبيوقراطي خاطيء ، كان يمكن تحقيق نتائج افضل بأنتهاج أسلوب آخر في
التطبيق اكثر ديمقراطية
.
و الحزب حتى هذا اليوم لم يتوقف ( عدا أشارات في وثيقته تقييم
الحركة الانصارية ) ويراجع بما يكفي من التفصيل طريقة تطبيق
منظمات الخارج لقرار العودة عند اعادة تأسيس قواة الانصار ، باعتبارها
في تقديري من الاخطاء الكبيرة في تطبيقاته السابقة التي رافقت
الازمة المذكورة التي مر بها ، وكان من نتائجها أحد اسباب تشكل
التكتلات التي خرجت عن اطار الحزب بدعوى وأسباب وحجج شتى ، بعضها
انتقل الى الصف المعادي فيما بعد ، واكتفى الحزب بالتبرير السطحي
والتعليق الكلاسيكي الجاهز في توصيف الظاهرة بان الحزب في مسيرته
الشاقة الطويلة ينفض عن نفسه بأستمرار المتعبين والمتخاذلين
والانتهازيين الطارئين على صفوفه ( وما كان أسهل آنذاك اطلاق هذه
التهمة جزافا على اي رفيق مختلف ) ، وهي ضمن التبريرات التي كانت
تساق حينها من انها كانت تجري ضمن عملية موضوعية صحية لتطهير
ذاتي من العناصر الضعيفة في الحزب
سمعت حينها تعليقا مازال الى اليوم عالقا في ذهني ، من صديق لا
حزبي قريب من الحزب على قسوة العقوبات التي طبقت على
المتقاعسين عن الالتحاق بالانصار ( وكان عددهم كبيرا ، كوادر واعضاء
مخلصين شكلوا ظاهرة بوقتها في الخارج ) ، بأن الحزب تحول الى مايشبه
القطة التي تأكل اولادها حرصا وخوفا على اولادها الابرياء الذين لم
يرتكبوا ذنبا ، واردف في توجيه حديثه لي ... انتم تحكمون بالاعدام
على رفاقكم ، منظمة الانصار ليست الحزب كله ، ولايعني الحزب هم
الانصار فقط ،
ان عملية جمع الشيوعيين عشوائيا شيبا وشبابا ، مرضى واصحاء ، بصفة
انصار وبشكل مرتبك التي تمت فيها من مختلف المدن العراقية و بقاع
العالم المتحضر بدون مقدمات كافية ، ونقلهم الى منطقة جبلية قاسية
ذات طبيعة بدائية منعزلة ، بمعنى نقلهم الى بيئة غريبة لم يجربوا
ان يعيشوا فيها ، لم تشكل لهم صدمة فقط ، بل خلقت في داخلهم (
وبدرجات مختلفة ) حالة من الاغتراب العميق عن المكان والناس واللغة
والثقافة ، ان حالة الغربة والانفصال الخطير عن المكان والمجتمع التي
حدثت في داخل النصير ، لم يعرها الحزب اهتماما وما تستحقه من الجدية
، ويضع لها حلولا سايكولوجية مناسبة لطبيعة الانصار كبشر ، بدلا من
الحلول الايدولوجية العسكرية الجامده ، والتعامل الكلاسيكي مع الأنصار
باعتبارهم بيادق خشبية ، او قطيع بلا ارادة او مشاعر ، او انهم
فريق من الكائنات السوبرمان ، ماداموا حزبيون ، فهم يمتازون اذا ،
بطاقة تفوق طاقة البشر ، يختلفون عن البشر العادين في الأحاسيس
والحاجات الطبيعية والتحمل الخارق للصعاب
.
وفعلا تمسك الكثير من الانصار بهذه القيم الرفيعة الدافعة والافكار
واخلص لها حتى الشهادة ، وقسم آخر رأى غير الذي سمع ، بعد ان وجد
بالتطبيق انه مجند الى الابد في ظروف ملتبسة غير رحيمة ، وكان ثمن
اصراره على طلب الخروج للآستراحة فقط ولبعض الوقت ، هولفظه من
بين صفوف الحزب ، وهذه كانت آنذاك تشكل كارثة ، لذلك سمى الانصار
الألتحاق بالحركة تندرا ( بدرب الصد مارد
. (
للموضوع بقية
|