|
أعشاش
السنونو
لمياء الآلوسي
تقافز الخوف فيهم ، وامتلكهم القلق الخانق ، مع سحب
الغبار المتصاعد عِبر الطريق الترابي ، الممتد إلى
الغرب من الطريق المعبد ، إذ تدور حوله آلاف الحكايات
الممهورة
بالدم ، طريق يمتلكه السيف ، ورايات قادمة من عصور
مسرفة في القدم ، يحيكها رجال جابوا الأرض ، فلم
يتذوقوا لذة أعظم من دم العراقيين ، ومن ذلك الألم
المسكون فيهم وقد اضطرتهم العربات الأمريكية ،
المتهادية بنزق أمامهم ، حتى غدا الوقت رصاصياً
يرفض المرور لاجتيازهم الأراضي الزراعيةَ
العطشى ‘ كانت طوال الوقت تربِّت على
كتفه هامسةً له ، ضاغطةً بقوة لا تعرف كيف نمت
فيها
على تلك العاصفة من الهلع التي تجتاحها .
امتد
الطريق طويلاً
موحشاً
، ليست
إلاّ
عربتهم الصغيرة تطوي المسافات ، وعربات لبعض المزارعين
ترافقهم بعض الوقت لتختفي وسط الحقول
,
-
كان الأجدى أن نبقى وراء الأمريكان ، ولا نجازف في
العبور إلى هذا الطريق
لم يسمعها السائق ، بعد أمتار قليلة ، ظهر مجموعة من
الملثمين ، أشاروا عليهم بالتوقف ، ثم فتحوا
الأبواب الجانبية ، وطالبوه بالخروج ، فلقد كان الشاب
الوحيد في العربة ، مع ثلاث نساء ، فتشبثت به ،
أذهلها المكان الذي تلاشى ، وأصبحت الدنيا ، حضنها
الذي لا يتسع إلاّ
لولدها ، الذي ذاب بين ذراعيها
- يا أمي
أدخل
أحدهم
رأسه من الجانب الآخر ، كانت ملامحه تشي بقسوة مموهة
بالفرح
العجيب
، كيف لها أن تفهمه ؟ ماذا يريد ؟
انتزعوه من بين يديها عنوة ، فذاب
,
خفق قلبها ، وكأنهم اقتلعوا حياتها في لحظات ، أخرجوه
من العربة ، مذهولاً ، غائراً في عالم ضبابي ، تهالك
بين أقدامهم ، فرفعه
أحدهم
من ياقة قميصه ، ركضت إليه
- ماذا تريدون منه ؟
-
إرجعي
وإلا ...
- ما
الذي
يثبت
أنه
أبنك
؟
- ماذا تعني ؟
- أوراقه الثبوتية ! أين هويته
- أية هوية ؟
إنه
طفل ، صبي مثله لا يحتاج إلى هوية !
- صبي ..!
مدت يديها المرتعشتين إليه ، توسلت إليهم أن
يعيدوه إلى حضنها ، لكن ذلك الرجل متضارب الملامح
أشار إليهم ، فجرجروه إلى مكان منعزل على ربوة مرتفعة
قليلاً ، بعيداً
عن الطريق الترابي ,
تحيطها أشجار كثيفة ، عندما اجتازوا به مجموعة
منظمة من التعريشات المنخفضة ، حيث تدلت عناقيد العنب
الزاهية ، فتراطم الحزن المخزون فيها مع ذلك التنظيم
العجيب للكروم
.
هرولت إليهم ، لكنهم صوبوا بنادقهم إليها ، كانت هناك
حواجز ترابية عالية ، وثمة رجال بملابس غريبة ، دفعوا
به إلى داخل إحدى العربات الفارهة ، مع مجموعة من
الشباب المقيدين ، بعد أن قيدوا يديه إلى الخلف هو
الآخر ، صرخت بكل ما فيها من هلع ،
- آه...........
- بالله عليكم ،
إرفعوا
بساطيلكم عن قلبي ،
إنه
كل ماتبقى لي ،
إتركوه
من
أجلي
.
وضع سلاحه في صدرها ، ودفعها بقوة
أفقدتها
توازنها ، فتدحرجت إلى أسفل الربوة ،
احتضنتها تعريشات العنب ، فأصطدم
رأسُها
بمساند
التعريشات
الخشبية الرهيفة ، فتهاوت فوقها لكنها في تلك
اللحظة ، سمعت صوت محركات العربات مزمجرةً بعيداً عنها
,
تطايرتْ روحها إلى أقصى مجاهل السماء ، كانت وحيدة ،
لا تريد أن تصدق أي شيء مما يجري حولها فلملمتْ روحها
، وعادت لصعود الربوة ، من جديد ، ما عادت تحس بأي
معنى للحياة ، خذلتها ساقاها ، لكنها تحاملت على
هوانها ، لا تعرف كم امتد بها الوقت ،
فهي
عندما وصلت إلى هناك ، كان المكان خاوياً ،
عادت تجر جسدها المعفر بالتراب ، وثمة خطوط دامية على
خديها ، عرفت أن الأرض تخلت عنها ، فرفعت وجهها إلى
السماء ، فرائحة الموت تنخر في جسدها متاهات بعمق
الخوف المغروز فيه
,
عادت إلى الطريق الترابي ، امتدت سحابة عالية تحجب
كل شيء ، والآخرون المذهولون ، يرتجفون ، في تلك
العربة التي غدت بعيدة ، يبحثون عن سبب لما حدث ،
أوعذر لهذا الخوف ، الذي كبلهم بالمهانة ، وأرض
ترابية حملت آثار أقدامها
لتبحث
عن ولدها الذي غادرها إلى المجهول وحيدة ، منهكة
,
تلفتت خائفة ، وثمة سؤال لا تعرف معناه ، كيف تركته
لهم ؟ كيف قطفوا منها سِنيَّ
عمرها بهذا القدر من اللامبالاة
؟
على المسافة البعيدة عنها ، تراصفت بيوت طينية ،
فدبت فيها الحياة ، ركضت باتجاهها ، مستنجدة بالسماء
علها تجد فيها ملاذاً
لروحها الضائعة في هذا التيه ، وثمة خوف من أنّ
تلك البيوت ليست
إلاّ
سراباً
يدعوها للحاق به ، إيغالاً
في اقتلاعها من هذا العالم
.
عندما وصلت إلى تلك البيوت ، كانت ملابسها ترشح
بالعرق ، والأرض حولها ، تحتضن مجموعة من المرشََات
الحديثة ، يتدفق ماؤها
، رغم أن النباتات المزروعة كانت صفراء متيبسة ،
تتناثر بينها أشجار مغبرة ، جرداء ، وبقرات عجاف ،
تدلى ضرعهن ، ونتأت عظامهن ، يقفن متكاسلات ،
,
في الباحة الترابية أطفال شبه عراة ساقوا قطيع من
الماشية ، فامتلأ المكان بالغبار ، انتبَهوا
لقدومها الطارئ ، فتدافعوا للإنزواء
أمام
أحد
البيوت
.
من مدخل إحدى الغرف أطلت
إمرأة عجوز ، ويدها على المزلاج ، والأخرى تسند بها
قامتها المتهالكة على عكاز أعلى من هامتها
تقدمت نحوها
-
إبني
....
وانهارت ، وقد نسج القدر خيوطه الموحشة حول قامتها
المنهكة ، فأقعت على الأرض الملوثة بروث
الحيوانات ، تعالت شهقاتها ، فتوقف الزمن ، وحلقت
أطواق السنونو ، مبتعدةً عن ذلك الأنين المقلق
جلست العجوز مطرقة إلى جوارها ، مترنمةً بشجن
.
تقهقهر الأطفال إلى آخر المكان ،
في
الداخل عشرات النساء ، وقد أطلت بعضهن متشحات بالسواد
، غارقات في عالمهن البائس ، شاركنها حزنها ، وكأنهن
يعرفنها منذ عشرات السنين ، ثم اقتدنها إلى الداخل ،
لاحظت أن خشب سقف الغرفة القديم يحتضن الق أعشاش
السنونو الجديدة ، لم تلحظ في قمة
إنفعالها
كيف دخلت إلى الغرفة الطينية ، وكيف جلست على الأرض
.
وُضِع
أمامها وعاء مليء بلبن رائب وخبز ، دعتها العجوز
لتناوله
قبل أن تمد يديها إليه ، هدر صوت عربة في الخارج ،
فرانَ
على النساء قلق عجيب ، وانزوين في ركن الغرفة ، خرجت
المرأة العجوز ، تجر خطاها المتعبة ، وصوت ارتطام
عكازها بالأرض ، يعكس
شيئاً
من التوتر، وكبرياءَ
مَن
تملك زمام الأمور ،
فنشب لغط في الخارج ، وصوت بدأت تسمعه بوضوح .
همَّت
بالخروج ، لكن النساء تحلقن حولها ، طوقنها ، ذلك
الصوت الخفيض عرفته ، ومن خلال فرجة الباب الضيقة ،
لاح لها وجهه ،
إنه
هو بملامحه المتضاربة ، وفرحه الذي لا يعرف الإنكسار
,
تزاحم فيها الألم ، واندلع الصراخ ، فامتدت إليها
أجسادهن ، أيديهن ، أغلقن حولها منافذ الحياة ،
فتساقط جسدها مختلجاً
، ومن
بين رؤوسهن المرتطمات
, هناك في
سقف الغرفة ، رأت رفيف السنونو يطعم أفراخه
*****
- إلى أين يا أمي ؟؟ عودي .. لن تجني إلاّ
الألم ..!
- بل عدْ أنت إلي ، هل يمكنك ذلك ؟ هل
بمقدورك رفض الجنان والعودة إليََ ؟
- توقفي .. أنت تعرفين جيدا أن جنانك أطيب
إلي من كل الجنان ، أواه
- إذن دعني ، لقد ضيعتك ،
- أنتِ !؟ ها ، بل هم من رسم الموت لنا ،
خلاصاً
لهم من ضجيجنا
- تركتك تجابه الموت وحدك ، قالوا عني مجنونة ،
لأني
أرفض
التحليق إلاّ
معك ، أرادونا هكذا موتى ، وأنصاف مجانين
- عودي ، يا أمي وجودك في هذا الهجير يعمينا
- أين أنت الآن ، ألا زلت تلملم أشلاءك
؟ ، لقد بعثروها ، وبعثروني معها
-
أحد
الشيوخ قال لي لن تستكين ، إلاّ
إذا عادت أمك إلى رشدها ، وتركت هذيانها
- شيخ مغفل ، وهل يطيب لي العيش بدونك .. ؟
*****
ارتفع جسدها خفيفاً
، هشاً
في الفضاء أمامها ، في الوقت الذي بقي
فيه ظهرها ملتصقاً بالفراش ، رأت قدميها تتحركان أمام
عينيها وكأنهما منفصلتين عن جسد ها
وثمة أشخاص غائري القسمات ، فزعين ، بقامات عملاقة ،
يجثمون على أنفاسها ، كان هو الموت مصحوباً بعذاب
قاتل ، أرادت أن تستنجد بأي شيء ’ ينقذها من حالة الإنغلاق
تلك لكنها كانت وحيدة تماماً ، ليس إلا تلك
الأشباح
.
خرج صوتها حشرجاتٍ مبهمة ، حاولت الضغط على قدميها ،
كي تنزلهما إلى مستوى جسدها
لا تدري كم مضى عليها من الوقت ، وهي تصارع أشياءها
والأشباح ، كل الذي تعرفه أنها عندما أدارت عينيها
في الظلام ، غادرتها الأشباح كما غادرها النوم ،
جسدها المتيبس لم يطاوعها ، كان سريرها منبعجاً
إلى الأسفل ، وكأنها غارقة به منذ عشرات السنين ،
التفتت
,
كان مكانه نظيفاً ، وهناك حد فاصل مرتفع قليلاً
بين مكانيهما ، أصابها بالهلع ، فلقد جهدت سنوات
عمرها
ألاّ
ينمو بينهما ، ذلك الحد اللعين ، فكانت تلتصق به طوال
الوقت ، فلا تنام
إلاّ
وذراعاها ملتفان حول جسده
.
كان التراب يغطيها تماماً ، وغطاء متهرئ يحيط
بجسدها المتصلب ، ثمة ضوء خافت يتسلل عبر فرجة
النافذة ، أرادت أن تنهض ، لكنها أحست بإعياء شديد
يملؤها .
يجب أن لا يراها بملابسها هذه .
عندما فتحت خزانة ملابسها وجدتها خالية تماماً
،
إلاّ
من فستان
أسود
، تلفتت في أرجاء الغرفة ، كانت خيوط العنكبوت تحيك
خيوطها في كل الزوايا ، ويمنحها الغبار لوناً جديداً
غاية في القتامة
,
تراجعت .. إذ وقفت أمامها امرأة لا تعرفها ، من تكون
هذه الشمطاء ، المشعثة ، المتشحة بالسواد ، بعينين
ضيقتين ، وهالات سوداء ، تمنحها ملامح القادمين من
رقدة امتدت دهوراً ، وكأنها تحمل لعنة أبدية
؟
رفعت يديها إلى شعرها ،
- يا إلهي إنها أنا
غطت وجهها المغبر بيديها ، وخرجت ، بهدوء حزين ، قَلِق
إلى
الصالة الصغيرة ، يدعوها صوت شجي ينبعث من تلك الغرفة
البعيدة ، التي تكللها شجرة السدر الوارفة ، في المكان
المفتوح أمام السماء ،
صوته يرافق ذلك اللحن الحزين .. عبر فرجة الباب الضيقة
، رأته واقفاً في وسط الغرفة ، لازالت أشياؤها
تحمل بصماتهما معاً
، رفوف ممتلئة بالأعمال الخزفية والتماثيل ، المزججة
، تحمل رائحته ، ولوحاته الزيتية والمائية تزين
الجدران ، وكراسي كانا قد صنعاها من أغصان الأشجار ،
وتكوين خزفي بكوّات
متباينة ، يطل منه ضوء يتسلط على لوحته الغارق فيها ،
وينسحب على شعره الأشيب ، وكأنه لم يبارح المكان منذ
آخر مرة رأته فيه ، هل عبث بها الزمان ،
وبه فتركه
وحيدا ، يخلق عالمه لوحده ؟
رائحة الألوان الزيتية الممزوجة على اللوح الخشبي في
يده
لم يسمع صوت صرير الباب
-
إنكَ
هنا ، لازلتَ هنا ، وأنا ابحث عنك .. قالت
التفت إليها ، توقف بينهما كل شيء
إلاّ
الصمت ،
كانت بقايا دموعها
تُغرق
وجهها ، لاح
لها
أنّ
عالماً
من الرضا
يمتد إليها ،
ترددت قليلا ، ثم التجأتْ إليه ، فاحتضنها ، أحست
بدفئهِ
العجيب يتسلل إلى داخلها
- يا حنين أيامي ، وملاذي ، لقد عدتِ إليَّ
أخيراً
.
--------------------------------
|