|
مراجعة
في الفكر الماركسي

خالد القشطيني
هذه واحدة من المفارقات الفكرية. فقد هاجمت الحزب
الشيوعي والشيوعية في اوج قوتها واجد نفسي الآن اشيد
بها في ايام نكوصها وتراجعها وسقوطها في اوربا
الشرقية. لقد هاجمتها بالأمس لأنني شعرت بالأخطاء التي
وقعت فيها ورأيت شبح سقوطها. بيد ان فشل التجربة لا
يعني ان على العلماء ان يتخلوا عن ايمانهم بالعلم
واستئناف البحث والتجريب وصولا الى العلاج المطلوب.
لم تواجه الحركة الاشتراكية والاحزاب الشيوعية مهمة
خطيرة واساسية كما تواجهه الآن. من المؤسف ان الأحداث
الفظيعة التي يمر بها العراق جعلت اليساريين العراقيين
يتشرنقون في حدود مأساة بلادهم وينسون الآفاق الاممية
و العالمية التي تتطلبها النظرة الماركسية. مشكلة
العراق جزء من مشكلة الرأسمالية العالمية.
لقد حقق النظام الرأسمالي منجزات مذهلة لبني الانسان
بفضل اعتماده اللبرالية والفكر الحر وحرية التجارة
واقتصاديات السوق وكسب الثروة وجني الربح الأقصى. بيد
ان هذه القيم التي حققت تلك المنجزات اخذت تنقلب على
اهلها الآن كما سأقول.
لقد حل الدولار محل الرب والبورصة محل المعبد والخبير
المالي محل الكاهن. ترتبت على هذا التحول الاجتماعي
تحولات في القيم الاجتماعية والاقتصادية. يأتي في
مقدمة ذلك الهوس بالجديد والتجديد. الرأسمالي يريد
الحصول على اقصى الربح من موجوداته. يعني ذلك استمرار
معداته بالانتاج. ولكن للمستهلكين حدودا فيما يحتاجون
لشرائه. وهنا عمد الى خلق حاجات لم نكن في حاجة اليها.
هكذا خلقت ظاهرة الموضة والمعدات الأكثر والأكثر تطورا
او الأجمل مظهرا او الأحدث شكلا.
التمادي في هذه العملية ادى بالضرورة الى استهلاك
المزيد من الطاقة والثروات الطبيعية للكرة الارضية،
وبعين الوقت الى ردم الكثير من الفضلات الصناعية
والسلع المستغنى عنها. ادى هذا الى مشكلة تلوث الارض
والجو، وبعين الوقت السعي للسيطرة على دول العالم
الثالث للحصول على نفطها وموادها الاولية وغرس الروح
الاستهلاكية في شعوبها لإغراقها بمنتجاتهم، واخيرا حتى
لإستعمالها كمزابل لردم فضلاتهم، بما فيها الكيمياويات
السامة.
اكتشفوا ان تجارة السلاح تعطي اقصى الربحية. فسعوا الى
تشجيع الاقتتال والحروب الاهلية والخارجية.وهاهو
انتشار الارهاب ثمرة من ثمار ما زرعوا.
اثرت قيم الهوس بالجديد والتجديد على الكثير من نواحي
حياتنا المعاصرة، بما فيها عالم الفن والأدب والفكر.
فالكثير من خزعبلات وصرعات الحداثة لا يبررها شيء غير
الجنون بالجديد. لم نعد نقيّم الفنان بروعة او دقة ما
انتجه وانما بما جاء به من جديد. استطيع ان اضيف فأقول
حتى هذا التسيب الاخلاقي في الحياة الزوجبة يرتبط
بالولع بالجديد. وهذا التعطش للجديد وما يحتاجه من مال
يقتل الاستقرار النفسي والاجتماعي. معدلات الانتحار
والاكتئاب والأمراض العقلية في العالم الرأسمالي تفوق
بكثير مثيلاتها في المجتمعات الزراعية الفقيرة.
الجدَّة التي اعطت الرأسمالية انتصاراتها اصبحت نقمة
عليها الآن.
اذا كان الغربيون بما لديهم من ثراء يستطيعون مماشاة
الروح الاستهلاكية التي ترتبت على الهوس بالموضة
والجديد، فإن الشعوب الفقيرة التي يعجز اكثر سكانها عن
تحمل تكاليف هذه الروح الاستهلاكية وقعت في براثن
الفساد والجريمة والارهاب والبغاء لمواجهة هذه
التكاليف. راحت المرأة تبيع عرضها لتشتري آخر موضات
الموسم ويسرق الموظف اموال الدولة ليشتري آخر طراز
مرسيدس.
هوس الرأسمالي في كسب اقصى الثروة انتقل الى المواطن
العادي في الحصول على اعلى دخل بالحلال او بالحرام لسد
متطلبات الروح الاستهلاكية. وفي هذا الجو، اصبح
الانسان يقاس بماله وثروته لا بحسناته وافضاله ومواهبه
واعماله. هذا هو شعار الولايات المتحدة. كم كسبت من
الثروة؟ هنا ايضا، انتقلت هذه الروح الى دنيا العالم
الثالث فتسببت بكل هذا الدمارو خراب البيت.
المؤسف اننا اعتدنا على النظر الى شرور العالم المحيط
بنا كظواهر محلية وآنية وعائلية ولا نراها كنتائج لقيم
النظام الرأسمالي التي تعتبر كسب الثروة اساسا لكل
شيء. لا سبيل لخلاص الانسان بدون تخليصه من هذه القيم،
ولا سبيل للتخلص منها بدون ازالة هذا النظام عالميا.
لم تعد الرأسمالية تهدد مصير المخلوق البشري فقط بل
تهدد ايضا سائر المخلوقات والموطن الاساسي للحياة،
الكرة الارضية نفسها. هذا هو ما يعطي الاحزاب الشيوعية
والاشتراكية دورها المستقبلي.
ربما لن تحقق الاشتراكية او الشيوعية الثروة والكفاءة
الانتاجية التي تحققها الرأسمالية. ولكنني لا اعتبر
الفلوس اساسات لسعادة الانسان. المجتمع الاشتراكي
السليم يحقق لمواطنيه الامن والسلام والشعور
بالاستقرار والعدالة، ينشر الانسجام والتآخي بين
الطوائف والقوميات والاقليات، يحترم التراث ويحمي
البيئة ويراعي مصير امنا الأرض، يصون الحياة العائلية،
لا يستغل فيه انسان اخاه الانسان، ولا يضطره الى هجرة
اهله ووطنه او سرقة حكومته وشعبه.
الأخطاء العديدة وسوء الحكم الذي وقع فيه الاتحاد
السوفيتي وحبائك الدول الرأسمالية وعدوانها ضده ادت
الى فشل هذه التجربة المرحلية، وبالتالي الى السمعة
السيئة التي ربطت الآن بالاشتراكية. ولكنني واثق من ان
البشرية سرعان ما ستكتشف عيوب البديل ومكروباته
القاتلة، فتعود الاحزاب الشيوعية والاشتراكية الى
مراجعة برامجها واستئناف مسيرتها التاريخية. عشر خطوات
الى الأمام وتسع خطوات الى الوراء.
يواجه العراق الآن هذه المرحلة العصيبة التي جرته
اليها الرأسمالية العالمية. لا ارى في الساحة حقا احدا
يتمتع بالايديولوجية والخبرة والتاريخ والايمان الكافي
لرتق كل هذه الشقوق الطائفية والاثنية ووضع حد لهذا
النهب والفساد ويرد على التدخلات الاجنبية غير الحزب
الشيوعي. مازال العراقيون يتذكرون بحنين وشوق تلك
السنوات التي لعب فيها هذا الحزب وانصاره من اليساريين
والتقدميين ذلك الدور المشكور في دعم الوحدة الوطنية
ودحر الطائفية والشوفينية، وفي تحرير المرأة وإشاعة
العقلانية والعلمانية والايمان بالعلم لا بالخرافات،
وبالحاضر والمستقبل لا بالماضي وسلفياته.
من اول اسس الماركسية الايمان بالتطور. كنا بالأمس
نؤمن بالثورة الحمراء ودكتاتورية البروليتاريا. لقد
عفى التاريخ على ذلك. ينبغي تحويل الثورة الحمراء الى
ثورة بيضاء تؤمن بالمرحلية وتتبنى اساليب النضال
السلمي اللاعنفي، اساليب الجهاد المدني والفعل
المباشر، وتضع قيما جديدة لخصوصية الديمقراطية
العراقية تصون سيادة العقل والعلم وحرية الفكر وامن
المواطن، ثورة بيضاء تضمن العمل للعاطلين والخبز
والغذاء والدواء للمستضعفين والتحرر والمساواة للمرأة
والفدرالية واللامركزية للقوميات والطوائف، في إطار
دولة واحدة، متطورة ومتنورة ومتآخية، ثورة بيضاء لها
قيمها واولوياتها واخلاقياتها الاشتراكية الخاصة.
طالما لفت الآخرون نظري الى تميّز المثقفين والمغتربين
العراقيين عن سواهم من العرب والمسلمين في انتاجهم
ونظرهم للأمور.
هذه الروح الإنسانية والأممية في المثقف العراقي تعود
اساسا لدور الحزب الشيوعي والحركة اليسارية في العراق
التي تبنت قيم التحرر والعلم والعقل والاممية. لقد
داست الرجعية المحلية وقوى الظلام في المنطقة هذه
الراية المشرّفة وآن للحزب الشيوعي ان يتلقف هذه
الراية من الاوحال التي القوها فيها ويتنكبها عاليا.
وآن لسائر العراقيين من عمال وفلاحين ومثقفين ان
يلتفوا حول هذه الراية، راية العلم والفكر الحر، راية
العدالة والمساواة، راية كل المستضعفين والكادحين،
راية المرأة العراقية الشامخة، لاستئناف المسيرة نحو
عراق آمن ومزدهر ومتحرر. عراق حر وشعب سعيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طريق الشعب - ص9
الثلاثاء 29 / 4 / 2008
|