|
11 أيلول : حين تأتي المفاجئة من الماضي
كامل عبدالله
فوضى العالم بعد نهاية الحرب الباردة، واقعية المخاوف
الأمنية من انتشار أسلحة الدمار الشامل، عمق الاستياء
من السياسة الأمريكية، أزمة الحركات الإسلامية
المتطرفة، وخطورة رؤية الصراعات السياسية داخل ثنائية
الخير والشر ، هي الأفكار التي خطرت في ذهني خلال
الأيام والأسابيع التي أعقبت أحداث 11 أيلول. لأتوقف
عند هذه الأفكار بقدر من التفصيل. أدخل انهيار النظم
الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية العالم
في عملية تشكّل جديدة غذتها نزعات قومية وعرقية
ودينية، ولازمتها حروب مفزعة. حالة يوغوسلافيا في عقد
التسعينات نموذجية في هذا الصدد، لكنها ليست الوحيدة،
فهناك أفغانستان والصومال والكونغو والشيشان . المسألة
هنا لا تقتصر على تفكك دول قديمة وارتفاع أعلام دول
جديدة أمام واجهة مبنى الأمم المتحدة، إنما في المشاكل
السياسية والقانونية والاقتصادية التي طفت، مرة واحدة،
على السطح وصارت تنسب إلى زمن العولمة. فلئن كان
العالم في وضع استقرار نسبي في حقبة القطبين رغم
تهديدات الحرب النووية، أو ربما بفضلها، فإنه بدا في
حقبة القطب الواحد مداهماً بموجة اضطرابات متصاعدة.
منذ حرب الخليج الثانية، اكتشفت الولايات المتحدة
نفسها ( بدفع من مارغريت تاتشر) كقوة وحيدة في
العالم، وتهيأت لدور الشرطي الدولي الحامي لـما سمي
بالنظام العالمي الجديد، ومارسته في الصومال
ويوغوسلافيا والعراق. بعد 11 أيلول أصبح ذلك الدور
مُلْزماً وملازماً : صارت المنطقة الستراتيجية
للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي تمتد شرقاً حتى
حدود الصين. هنا تأتي مسألة الأمن العالمي الذي ينبغي
فهمه كحاجة تعني جميع الدول والشعوب وليس فقط البلدان
الغربية الغنية. سجلت
تفجيرات نيويورك وواشنطن
سابقة خطيرة لأنها
ضربت الإمبريالية الأمريكية في عقر دارها لأول
مرة منذ الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربر. لكن
المقارنة بين الهجومين تقف عند هذه الحدود. لئن كانت
عملية التفجيرات تلك لا تمثل فعلاً بطولياً ينسب إلى
ابن لادن وقاعدته الإرهابية، فإنها دليل ملموس على صحة
المخاوف الأمنية من امتلاك جماعات متطرفة أو أنظمة
حاكمة مغامرة أسلحة دمار شامل رغم أن العملية نفذت
بطائرات ركاب وليس بأسلحة غير تقليدية. الاعتراف بهذه
الحقيقة لا ينطوي على تبرير لسياسات أمريكا وحلفائها
التي غالباُ ما تتخذ من الهواجس الأمنية حجة لإدامة
التوتر عدم الاستقرار في العالم. الفكرة الثالثة هي
الاستياء العميق في العالمين العربي والإسلامي من
الولايات المتحدة والغرب إجمالاً. أسباب الاستياء
معروفة ومتفق عليها، فهي ترجع إلى التجربة
الاستعمارية، الانحياز السافر لإسرائيل، والتحكّم في
شؤون المنطقة من خلال نظم تابعة. أما توظيفه
الأيديولوجي فأمر آخر يقتضي تأملاً ومراجعة، فهو يقارب
الواقع القائم بنظرات أحادية الجانب ومشوهة، ويروج
لحلول خلاصية ذات بلاغة شعبوية وآثار تدميرية. وإذ
يتشابه الخطاب الإسلاموي
المتطرف مع
الخطابين القومي واليساري في استثمار ذلك الاستياء
المشروع، فإنه يختلف عنهما في تناقضه الصارخ. فهو، من
جهة، يعبّر عن كراهية شديدة للغرب كمجتمع حداثي خصوصاً
في جوانبه الفكرية والأخلاقية. ومن جهة أخرى، يبدي
استعداداً براغماتياً عالياً للاستفادة من منجزاته
المادية.
تفجيرات 11 أيلول كشفت عن أزمة عامة تشمل الحركات
المتطرفة وظاهرة الإسلام السياسي ككل، هي أزمة الهوية
الإسلامية في الزمن المعاصر. فلا وجود لحقيقة واحدة
نهائية عن الإنسان والتاريخ والحضارة، هناك بالأحرى
عدة حقائق دينية ودنيوية، عملية وأخلاقية، فردية
وجماعية تتصارع فيما بينها لصنع الحاضر والمستقبل.
العجز عن فهم الطابع النسبي أو التاريخي للحقيقة يصنع
مقدمات الإرهاب الذي يبدأ في الأفكار قبل أن يتحول إلى
أفعال. من هذا المنظور تكمن أهمية أفغانستان، أيام
المجاهدين والطالبان على السواء، التي أصبحت حاضنة
لأشد المفاهيم تخلفاً للإسلام، وصدّرت للعرب والعالم
جيلاً من القتلة المسعورين، وسخرّت الدين كسلاح في
حروب ترعاها الإمبريالية وفي صراعات محمومة على الهوية
الثقافية.
أخيراً، دفعت أحداث 11 أيلول إلى انبعاث ثنائية الخير
والشر فبدا، لأول وهلة، أن روح العنف والإرهاب تسكن في
أعماق كل عربي ومسلم. ولفَّت الغرب والولايات المتحدة،
بشكل خاص، مشاعر براءة مبالغ فيها إزاء خطر قادم من
برابرة الشرق أو، في أحسن الأحوال، من السماء. والحال
أن ذلك الحدث المفاجيء هيأته، منذ عقود، الولايات
المتحدة والنظم الحليفة لها في المنطقة، تماماً كما
هيأ أنور السادات قاتليه في حادث المنصّة.
عالم اليوم يبدو منجرفاً نحو طور من اللاعقلانية. حملة
إدارة بوش ضد الإرهاب هي غطاء لإعادة ترتيب أوضاع
العالم بالقوة العسكرية. بعد أفغانستان جاء دور
العراق، المسالة لا تتعلق بتغيير أنظمة حكم دموية
ومستبدة بل في ضمان أمن الشعوب واستقرارها وتطورها.
وهذا آخر ما تكترث به سياسة الإمبراطورية الأمريكية
التي تستعجل صنع التاريخ على هواها. بين مستقبل تفتحه
لغة القوة، وماض يباغت بمفاجئات تعيسة، ثمة خيار ثالث
يتسع للمنادين بالعدالة والسلام. وهذا خيار عملي
وطوباوي معاً.
(
أنتهى)
|