|
القراء الكرام
نظرا لطلبات الاصدقاء الذين لم يحصلوا على نسخة من كتابنا , ارتأينا ان
ننشره في موقع ينابيع العراق على شكل حلقات.
مع المودة للجميع
مسيرة الجمال والنضال-21-
فيصل الفؤادي(أبو رضيه)
آذار 2004
الإهداء
إلى شهداء الكفاح المسلح الأبطال
رفاقنا في الحزب الشيوعي العراقي
[ 16]
في منتصف الشهر التاسع (تشرين أول) تقرر إرسال مفرزة إلى المنطقة تتكون
من الرفاق المتواجدين، وان يقودها الرفيق أبو ماجد عسكريا مع الرفيق
أبو فراس مستشارا سياسيا واختير لها أنصار من ذوي إمكانيات وطاقات جيدة
وقدرة على التحمل, من هؤلاء الانصار (أبو توني، أبو سلام، حميد دوسكي،
أبو رضية، أبو عمار، أبو برافدا، أبو فهد، أبو وحيدة، حمه , ناظم، أبو
خالد، أبو عدنان، أبو زياد، أبو انتصار, أبو ظافر...... الخ) بالنسبة
لي فقد كنت متعبا جدا لأني كنت ذاهبا في مفرزة بريد إلى "سوران"، وقبل
يوم واحد فقط كنت قد وصلت، كان اسمي ضمن المجموعة، مع ذلك لم اعترض
خرجت مع المفرزة في الساعة المقررة من الصباح الباكر.
غادرت المفرزة المقر بعد أن جهزت بالمتطلبات المالية والعسكرية وتم
توزيع الانصار في فصائل وحضائر وم /السرية. ولأول مرة نأخذ معنا سلاحا
ثقيلا هو مدفع من عيار 60 مليم. لم يكن معنا حينها حيوان لذلك بادر
النصير أبو خالد في حمل المدفع على ظهره واستطاع
حمله بالفعل شرط أن يتعاون
معه الرفاق الآخرون.
كان اتجاهنا إلى قرية ارموش وعند الوصول قريبا منها أي من "كلي شهداء"
يكون عبورنا باتجاه العمق إلى المنطقة. بعد حوالي ثلاث ساعات وصلنا إلى
الكلي. كانت بداية متعبة للرفاق خاصة الذين يخرجون من المقر, بعد
جلوسنا بعضا من الوقت تذكرنا أننا نسينا ناظور المدفع الذي هو من أهم
الأجزاء التي يجب أن تكون مع المدفع دائما. قرر المسؤولون إرسال مجموعة
للذهاب إلى المقر لجلب الناظور وتم اختيار الانصار (أبو خالد وأبو
رضية وحمه)، أما المفرزة فكان فعليها الانتظار إلى حين وصول الانصار .

بعد حوالي خمس ساعات وصل االانصار المكان ثم غادرت المفرزة إلى جهة
متين وبعد رحلة متعبة ومسير طويل قارب أربع عشرة ساعة وقع احد الانصار
وهو أبو زياد الذي كان يحمل سلاحا(ب 2) ولم يستطيع المواصلة،
حار الانصار كيف سيتصرفون مع النصير وماذا سيعملون خصوصا ونحن في منتصف
الطريق والانصار منهكون من المسيرة الطويلة والشاقة ومن حمل الأثقال
ومنها صواني (مخازن عتاد) العفاروف وقذائف الـ (ر ب ج 2و 7) إضافة إلى
معلبات الطعام والخبز وكميات العتاد الأخرى وباقي الأحمال.
بعد مناقشات بين المسؤولين نودي على النصير أبو رضية لحمل النصير
المنهك على ظهره، علق أبو رضيه حينها مع النصير أبو توني: (شنو ترحيلي
وصلكم باني اشتغل حمال بالشورجه)، ثم حمل النصير أبو زياد على ظهره بعد
أن ساعده بقية الانصار في حمل سلاحه نيابة عنه، صعودا ونزولا حتى
اقتربنا من النزله أو المنحدر إلى قرية "قمرية "، عند ذاك
تم
سحبه بيده وبكتفه لأنه لم يكن يقوى على المسير حتى تم إيصاله إلى
الاستراحة وهي قرية صغيرة متروكة، فيها جامع وكانت كثيفة الأشجار،
وهناك أيضا عين ماء باردة وكثير من القادمين من القرى الأخرى كانوا
يأتون ليستريحوا فيها بقينا ساعات، قسم منا كان التعب قد أنهكه تماما
فاستسلم لنوم عميق حتى الساعة الثالثة من صباح اليوم التالي. تهيئنا
لمغادرة المكان وبالفعل أطلق النصير أبو ماجد قراره بالتحرك والعبور
إلى قرى منطقة متين عبر قرية كيركا وهي أول قرية عراقية نعيرها باتجاه
الداخل،
كان طريق كل مفارزنا واحدا حتى نهاية 1980.
كانت معنا مجموعة صغيرة من أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني، في
نهاية الأمر وصلنا القرية، ودون أن نتوقف انطلقنا عبر المزارع الكثيفة
إلى قرية "بليزان" التي تقع مقابل قرية كيركا. هذا الطريق كانت
تسيطر علية ربيئة من ربايا الجيش تتكون من حوالي عشرة أشخاص، وهناك
أيضا ربايا أخرى، لكنها كانت ابعد منها وكانت تسيطر على القرية. في
البداية وصلنا صباحا إلى الكلي القريب من قرية بليزان في حوالي الساعة
الخامسة، هناك توزعنا في الكلي وبين شقوق الوادي، وبعد الفطور البسيط
الذي كنا نحمله أي بعد مضي حوالي نصف ساعة جرى عد أفراد المفرزة كلها
وتبين أنها ناقصة، احد الانصار لم يكن موجودا وهو أبو انتصار وبعد
دقائق قرر م / السرية الرجوع إلى المنطقة والبحث عن النصير، اختير
الانصار(أبو رضية وأبو خالد وحمه وناظم وأبو عدنان) لهذه المهمة. عند
وصول الانصار إلى نفس القرية كيركا التقوا مع مفرزة من الحزب
الديمقراطي الكردستاني حيث اخبروهم بان المفرزة التقت بالنصير وان اسمه
أبو انتصار الذي كان عائدا للمقر وقد أعطته بعض الخبز والماء. بعد وصف
النصير تأكد الانصار وعادوا مسرورين لان رفيقهم رجع سالما واخبروا
السرية بذلك( يصف لي أبو انتصار كيف رجع إلى المقر وقال اتجهت
بنفس
الطريق الذي جئنا منه ونزلت إلى قرية اروموش التركية ودخلت بسلاحي على
خيمة القرقول أي حرس الحدود الأتراك وهم تفاجئوا بي ورفعوا أيدهم وأنا
في نفس الوقت ارتبكت، و
أوضحت
للضابط الخائف مني ومن السلاح الذي احمله وضحت له أنني من البيشمركه
العراقيين ولم اعرف الطريق، عند ذلك اطمأنوا مني وساعدوني على اتجاه
مسيري نحو مقراتنا في الحدود العراقية ).

كم كانت الرحلة قاسية ومتعبة وكم كان الجميع مرهقين بعد ستة عشرة ساعة
من المسير الجبلي الشاق , النسبة الكبرى من الانصار أي حوالي 95 % كان
يصعد الجبل أول مرة وأول مرة يسير بين الوديان والسهول والقرى الجبلية،
أنها حقا حياة جديدة في كل تفاصيلها، صبر و تحمل شجاع للجوع والعطش
القاتل وتجد لخشونة الحياة و
قسوتها في العمل والملبس و في مواجهة الأمراض والأكثر من ذلك تحدي
النظام الدكتاتوري وجلاوزته
المنتشرين في المنطقة.
بعد التجول في قرية "بازا وبليزان" عبرت المفرزة طريق القدش إلى "بري
كارا"، ثم إلى قرى كار، والعبور من "كلي أوفوكي" إلى "اطوش". التقت
مفرزتنا مع المفرزة التي كان يقودها الرفيق أبو يعقوب، كان لقاء جميلا
حقا لقاء المحبة والرفاق والنضال والمودة، بعدها ودع رفاق المفرزتين
بعضهم البعض وسرنا باتجاه منطقة "الدشت". وصلنا إلى قرية "كرسافا"، ومن
هناك كانت خطة عملنا هي الذهاب إلى قرية "بيبان" وقتل أو اسر مجموعة من
الجحوش الذين يعيشون في تلك القرية. خرجنا من قرية( كرسافا) في الساعة
العاشرة ليلا نحو القرية. وزع علينا "سر الليل" من قبل الرفيق أبو ماجد
وكان مفاجأة لنا حيث كان السر هو عبارة (هذه ليلتي)* هو اسم لإحدى
أغاني أم كلثوم، وكان رفيقنا أبو ماجد من الذين يحبون سماعها. في أثناء
الطريق خرج علينا احد الأشخاص من مكان ما أو من حافة ساقية صغيرة.
التقى بالرفيق أبو ماجد تبين فيما بعد أن الرفيق وضع هذا الشخص حارس في
منتصف الطريق حتى لا يذهب من يخبر السلطة بوجود الأنصار في المنطقة.
بعد حوالي ساعة مسير في الليل وصلنا إلى القرية ( بيبان ) توزع الانصار
إلى ثلاث مجموعات، واحدة للا قتحام وتكونت من أربعةأنصار ( أبو ماجد
وأبو خالد وأبو رضيه وأبو عدنان )، ونصيران للحراسة فوق السطح( ناظم
وحمه )، والمجموعة الثانية من ثمانية أنصارعند المدخل (البوابة
الرئيسية لمجموعة بيوت يعيش فيها ستة من الجحوش) والمجموعة الثالثة من
بقية الانصار تحيط بالقرية كلها وتسيطر على منافذها.
دخلنا البيوت من خلال السطوح بعد أن صعدنا على أكتاف بعضنا البعض
ونزلنا إلى الأسفل من خلال الدرج ودخلنا فسحة البيوت لكننا لم نجد غير
النساء، قالت إحداهن وهي أم لأحد الجحوش إنهم ذهبوا إلى القوش للقيام
بالحراسات هناك، وكانت مفاجأة عجيبة أن المرأة
قد تعرفت على النصير أبو ماجد بالرغم من انه كان ملثما أرادت أن تخرج
وتصرخ لكنه منعها من مغادرة الدار حينها تحججت بالذهاب إلى التواليت.
بعد ربع ساعة تقريبا انسحبت المفرزة باتجاه الشمال أي في عمق الدشت،
هذه الطريقة في الانسحاب ضيعت مكان المفرزة وطريق مسارها على السلطة
وعملائها، وصلت المفرزة إلى كلي صغير(شيف)
في الدشت فيه ماء كان الانصار يعرفونه مسبقا وبالذات النصير أبو ماجد،
وأثناء تواجدنا في هذا الوادي دخل علينا خروف وتبعه آخرون وبعد ذلك دخل
علينا الراعي الذي تم التفاهم معه بشراء احد الخرفان منه واحتجازه حتى
موعد انسحابنا خشية أن يوشي بنا إلى السلطة.
غادرنا خمسة من الانصار الساعة العاشرة ليلا مع احد الأصدقاء وهو
الدليل الذي كان يعرف قرية "تلسقف". كان معهم سلاح ر. ب. ج وكلاشنكوف
وعدد جيد من مخازن العتاد. حين وصلوا إلى المكان المطلوب مهاجمته وكان
عبارة عن مقر لحزب السلطة، تتواجد فيه
مجموعة من
البعثيين
بين حرس ومسؤولين. ركز الانصارعلى ضربه
بقذيفة (ر. ب. ج) وتشديد الرمي عليه ببنادق الكلاشنكوف، على أن تكون
الضربة خاطفة وسريعة، اتخذ ثلاثة أنصارموقع الإسناد والآخرون كان
واجبهم توجيه الضربة، وبقية المفروزة ينتظرون عودة الانصار، في حوالي
الثانية عشرة ليلا جاء النصيرأبو ماجد ليخبرنا بوصول الانصار، وان
علينا التهيئة للانسحاب.
استقبلنا الانصاربالترحاب بعدها حدثونا بشكل سريع عن العملية الجريئة،
التي هاجموا بها مقر
لحزب البعث في عمق المنطقة. كان صدى هذه العملية وعملية بيبان كبيرا
جدا في المنطقة حيث تناقل الناس فيها ما فعله أنصار الحزب الشيوعي بشكل
سريع حيث كانت الناس تتناقل بان الحزب الشيوعي قام بعملية جريئة في
منطقة الدشت (دشت الموصل)، بعد وصول الانصار كان انسحابنا و مسيرنا
طويلا جدا استغرق بين خمس إلى ست ساعات حتى الضوء الأول للفجر دخلنا
الكلي وبين التلال الكثيرة الوديان، كان مسيرنا طويلا ومرهقا، لأننا
كنا في وسط السهل الواسع المترامي الأطراف.
لا توجد لدينا أية خسائر أما العدو فكانت خسائره جريحين وتحطيم مدخل
وواجهة البناية، كان وصول مفرزة شيوعية إلى هذه المنطقة ليس سهلا،
ويعني أن الحزب بدأ كفاحه بعد حوالي سنة واحدة على توجيه الضربة
الفاشية ضده وضد رفاقه وأصدقائه (عندما صعد رفاقنا إلى الجبل في سوران
بداية 1979)، وان الحزب لم يمت كما كان النظام يدعي، وها هو الآن
برفاقه وأنصاره يدك النظام وأزلامه في مقراتهم المحصنة وفي عقر دارهم.
تجولنا في القرى القريبة من منطقة "مرانه " قرية "سواره". اذكر حين
ذهبنا إليها وهي القرية التي يقف اغلب سكانها مع الحركة المسلحة ضد
النظام توزعنا فيها، قرر النصير أبو ماجد أن نكون
أيضا
في بيت المختار الذي كان يعرفه ويعرف انه يقف مع السلطة، لهذا كنا معه
وكنا ستة أنصار، سألناه لمَ نكون يا رفيق ضيوف هذا الشخص المشبوه؟
ردالنصير أبو ماجد: أولا سيكون هو وأفراد عائلته تحت أنظارنا بحيث لا
يستطيعون الخروج والإبلاغ عنا، وثانيا حتى نخسرهم زين !! لان في هذه
القرية لدينا عائلة بأكملها مع الحزب وهي عائلة أبو جاسم والتي أعطت
فيما بعد نصيرين استشهدا من اجل الحزب، هما النصير جاسم الذي وقع في
كمين للعملاء في المنطقة أثناء ذهابه إلى بيته، والنصير جميل (أبو
هلال) الذي
استشهد في هجوم بالطيران على
المفرزة في منطقة الفوج الأول قرب مقر بيرموس، وذلك نتيجة وشاية من احد
أبناء المنطقة، وقد استشهد في تلك العملية تسعةأنصار , هذه العائلة
الأمينة للحزب ترتبط بثلاث عوائل لأخوة هم (أبو فلمير وسيد احمد
وابناؤه الثلاث وأخوهم الثالث سعيد). في المقابل تجد قرية سبندار التي
كان اغلب سكانها في ذلك الوقت من الجحوش، إلى درجة أننا عندما توزعنا
في تلك القرية خرجنا في الليل وقد وضعت نصف المفرزة في الحراسة. تجولنا
في قرى "صوصيه" والقرى القريبة الأخرى، ومن المصادفات المضحكة أننا
دخلنا إحدى القرى وقد عرفوا أن معنا دكتور (بالنسبة لهم البيطري يسمى
دكتور والمضمد يسمى دكتور والدكتور العادي يسمى أيضا دكتور). كان معنا
النصير أبو وحيدة الذي أنهى دراسته في معهد الصحة العالي, جاءونا بطفل
عمره (10 أو 12 عاما). كان ابهام الطفل مصابا بالتهاب متقدم وقد تورم
بسبب تجمع القيح فيه, قدموه للرفيق الذي اخذ يفكر ثم قال: ما تقلولي
شسويله؟ قلنا له: (هو احنه الأطباء لو انت يا أبو وحيدة؟) .
أثناء تواجدنا في جبل كارا وبالتحديد في الوادي القريب من قرية كارا
أردنا أن نستحم حيث هيئنا القدور وأواني الاستحمام وغير ذلك من غسيل
الملابس الذي هو عبارة عن صابون عادي، بعد أن خلعنا ملابسنا جاء لي
صديقي أبو عمار ليقول لي بأستهجان ، ( كلي انت رياضي قلت نعم قال
ماهذا
في
ركبتك)، وانا انظر إلى ركبتي أجدها منتفخة وقالوا لي الآخرين يحتاج لك
الاستراحة بعد التعب الطويل وكنت أنا وغيري يفكر في قضيتين أما ماء في
الركبة أو العضلات مرتخية وهذا ما قاله لي الدكتور لاحقا.

أثناء العودة التقينا بمفرزة النصير أبو يعقوب المفرزة الأولى قرب
منطقة مرانه وكنا فخورين بعمليتنا، في حين كانت هذه المفرزة تعاني من
التعب ومن فقدانها احد الرفاق وهو (كوران). توجهنا عبر "بوطيا" إلى قرى
جبل متين حين خرجنا الساعة الخامسة بعد منتصف الليل من الجامع إلى
القمة، وكانت مسيرتنا حوالي نصف ساعة سقط بعدها النصيرأبو برافدا أرضا
بعد ذلك تأكد من الدكتور عادل أن سبب سقوطه الم في رأسه ( الشقيقة).
بين تعليقات النصير أبو هلال جميل ابن شيخ احمد سواره، ومحاكاته أصوات
الحيوانات، وأعصابالنصير أبو يعقوب التي كادت تفلت، وصلنا إلى قرية
"كيلكا".
كان أبو مشتاق وهو المستشار السياسي للمفرزه يجاذبني الحديث، همس لي عن
قرب: (والله لو الزم "أمسك" الخبزة "الرغيف" لأقطعها وصلة وصلة،
آني
جوعان جدا).
كان المطر يهطل مدرارا وبشكل كثيف. بقينا في الكهوف القريبة كي تتجمع
المفرزة الكبيرة، بعد ذلك ذهبنا إلى القرية الصغيرة،
البيوت
آنذاك
بعد أن اخبرنا المختار
بمجيئ
مفرزتنا وعددنا في سبيل توزيعنا على البيوت.( كنت اعرف الرفيق أبو
مشتاق منذ فترة طويلة وسمعت عنه فقد أصيب بطلقة في ساقه أثناء تعليقه
لافته في ساحة عدن في مدينة الحرية عام 1967 ).
|