|
القراء الكرام
نظرا لطلبات الاصدقاء الذين لم يحصلوا على نسخة من كتابنا , ارتأينا ان
ننشره في موقع ينابيع العراق على شكل حلقات.
مع المودة للجميع
مسيرة الجمال والنضال-15-
فيصل الفؤادي(أبو
رضيه)
آذار 2004
الإهداء
إلى شهداء الكفاح المسلح الأبطال
رفاقنا في الحزب الشيوعي العراقي
تضحية الشيوعيين ومواقفهم كثيرة ولا يمكن أن أصفها في اسطر أو كتب فهي
لا حدود لها ومنذ بداية تأسيس حزبهم، أما في كردستان فكانت فيها الكثير
من المجازفات والمخاطر، فقد ذكروني رفاقي الأنصار بتلك وأنا لا أستطيع
أن أسجلها كلها لهذا سأسجل البعض منها التي كان بطلها النصير الشهيد
دكتور عادل.
كتب لي النصير أبو هند، في احد أيام شتاء 1980 حيث كنا في وادي كوماته
( المقر ) جاء إلينا احد ركائز حزب كوك التركي الذي هو صديق لنا، وكان
مهموما وقلقا وطلب من قيادة القوة المساعدة وذلك بإنقاذ زوجته الحامل،
ذهبنا مسرعين إلى قريته أنا ودكتور عادل التي تبعد 4 ساعات عن المقر
متحملين المخاطر الكبيرة لان السير في النهار والقوات من الجندرمة تجوب
الشوارع الترابية والتي تتنقل بين القرى الجنوبية الحدودية التركية
المحاذية لمقراتنا، إضافة إلى برودة الجو الشديدة، وبالفعل عندما وصلنا
كانت حالتها خطرة جدا، حيث أنها أصيبت بالتسمم مما أدى إلى عجز في
الكليتين، مما استدعى الدكتور بذل الجهود المضنية من تخفيف ألامها
وإنقاذها، وكتب لها وصفة طبية تحتوي بعض الأدوية المهمة وقال لزوجها
بضرورة جلب الدواء لزوجته، بعد أن شربنا الشاي الحار وبعض الطعام،
أوصينا ( طلبنا )من الرجل أن يجلب لنا صنارة لصيد السمك عند مجيئه
إلينا مرة أخرى ثم غادرنا القرية حيث كلف احد أقربائه بمرافقتنا وليكون
دليلنا إلى المقر. بعد يومين تقريبا جاء الرجل وهو فرحا إلى مقر كوماته
وليقابل الدكتور عادل ليشكره على موقفه وقال ــ إن زوجتي ولدت ذكرا وهي
الآن بخيرــ، كان معه بعض الحلوى قدمها كهدية وكذلك (الصنارتان ) التي
كلفناه بجلبها.

بالنسبة
للدكتور عادل كانت فرحة كبيرة لشفاء المريضة إضافة إلى استلامه
الصنارتين وهو المولع بصيد السمك، ليس لأكل السمك بل لصيده واعطائه
لمرضاه لكي يشفون، ففي نفس الفترة حيث الجو القارس وكان شديد الوطئة
علينا وكذلك هبوب رياح قوية، والبرد يجمد الأوصال حيث درجة الحرارة اقل
من الصفر بكثير، لان الثلج هطل قبل أيام والأرض لازالت بيضاء وكذلك
سفوح الجبال و الأشجار، و انتشر في تلك الفترة فيروس الانفلونزة وأصيب
عدد غير قليل من الأنصار به، عند ذلك طلب مني الرفيق الدكتور لمرافقته
لصيد السمك من الخابور وقلت له ـ يا رفيق باردة الدنيا وخلي نأجل
الصيد، قال يا رفيق الرفاق مرضى وهم بحاجة إلى تغذية جيدة ورعاية، على
ضوء كلامه اضطررت إلى مرافقته، رافقته إلى نهر الخابور الذي لم يتجمد
بسبب سرعة جريانه حيث يمر انحداره بين الجبال التركية الوعرة و أراض
صخرية، كان الثلج يغطي كل شيء ولم نجد مكانا للجلوس حيث جلبنا صخرتين
مستويتين نوعما بعد أن أزحنا عنهما الثلج وجلسنا عليهما، وبدأنا
بالصيد، بعد حوالي ربع ساعة علقت واحدة بوزن200 غرام تقريبا، فرح
النصير فرحا كبيرا، وبعد وقت قصير علقة صنارة النصير دكتور عادل بأحد
الصخور وحاول معها كثيرا حتى انقطع الخيط، ورغم برودة الجو واصفرار وجه
الدكتور، قال ـ لن أغادر حتى اخرج الصنارة، نزع جزءا من ملابسه، حينها
قلت له يا رفيق هذا الموت بعينه، قال ليس من اجل الصنارة بل من اجل
الرفاق المرضى فهم يحتاجون الطعام الجيد ويستحقون أن اغطس من اجلهم،
قلت له قبل أن تنزل الماء علينا أن نوقد نار، ولكن الحطب الذي كان رطبا
من الصعب إيقاده، لهذا قطعت جزء من حذائي المطاط ( سمسون ) حيث تمكنت
من أيقاد النار، ثم غطس في المرة الأولى فلم يفلح وكان قد تحول إلى لون
قرمزي وفي المرة الثانية استطاع أن يخرج الصنارة المعلقة، وبعد خروجه
تحول لونه إلى ازرق وشفتاه قد ابيضت وأسنانه اصطكت ولم يستطيع الكلام،
حيث تجمد من البرد، ساعدته في لبس ملابسه وقربته من النار وكنت خائف
بان يحدث له شيء، لكن الإرادة التي يحملها هذا الرفيق كانت أقوى،
استعاد أنفاسه وبدأ الدفء يسري في عروقه وبعد ربع ساعة نهض وقال لنواصل
الصيد.
بعد وقت ليس بقليل اصطدنا سمكتين لا باس بهما، حيث فرح ورقص وكأنه
أمتلك الدنيا وسار مسرعا إلى مرضاه ليبشرهم بما حصل، قلت في حينها
يقينا أن الحزب الذي يملك هكذا رجال لا يموت، فالحزب سيبقى عميقا
وباسقا.
|